موضوع مثبت.
X
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة

    إخوانى وأحبائى فى الله :
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كنت أنوى أن أبدأ أولى مشاركاتى بفاتحة الكتاب ولكنى فضلت أن أبدأ أولا بسؤال وجواب حول الإستعاذة والإستغاثة والإستعانة والتوكل لفضيلة الشيخ / وليد بن راشد بن سعيدان ثم بعد ذلك بمشيئته عز وجل نكتب بعض التأملات والخواطر حول قاتحة الكتاب
    وأدعو الله العليم الحكيم أ ن يوفقنى أنه سبحانه وتعالى السميع المجيب :

    س1: عرف الاستعاذة ؟ وما أنواعها ؟ مع بيان دليل كلٍ .
    ج: الاستعاذة هي : طلب العوذ من الأمر المخوف . وهي أنواع :
    الأول : الاستعاذة بالله تعالى المتضمنة لكمال الافتقار إليه واعتقاد كفايته وتمام حمايته من كل شيء حاضر أو مستقبل ، صغير أو كبير ، بشر أو غير بشر ، ودليل ذلك قوله تعالى : ﴿ قل أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق... السورة بتمامها، وقوله تعالى: ﴿ قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس. من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس. من الجنة والناس ﴾، وقوله تعالى عن موسى عليه السلام -: ﴿ وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ﴾. (27غافر)
    الثاني : الاستعاذة بالأموات وأصحاب القبور ، أو بالأحياء الغائبين ، أو الاستعاذة بالحي فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فهذا لاشك أنه من الشرك الأكبر كاستعاذة الرافضة بعلي بن أبي طالب ) رضي الله عنه ( أو الاستعاذة بالجن لكف شر بعضهم أو الاستعاذة باالأولياء أو الحسين ونحو ذلك ، قال تعالى : ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾ (6 الجن)، ولأن الاستعاذة في الأمر الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى نوع من أنواع العبادة ، والمتقرر في العقيدة : أن من صرف عبادة لغير الله فإنه مشرك .
    الثالث : الاستعاذة بغير الله تعالى فيما يقدر عليه المستعاذ به ، فهذا لا بأس به وليس من العبادة في شيء ، لكن ينبغي أن يعلم أن المعيذ في الحقيقة هو الله تعالى وأن هذا إنما هو سبب فقط ، ودليل جواز ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في ذكر الفتن : ( من تشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأً أو معاذًا فليعذ به ) متفق عليه ، وقد بين صلى الله عليه وسلم هذا الملجأ والمعاذ بقوله في رواية مسلم : ( فمن كان له إبل فليلحق بإبله ) ، وفي صحيح مسلم أيضًا أن امرأة من بني مخزوم سرقت فأتـي بهـا النبي صلى الله عليه وسلم فعـاذت بأم سلمـة ... الحديـث ، وفـي صحيـح مسلـم أيضًا عن أم سلمة - رضي الله عنها - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث ...) الحديث .
    س2: ما حكم الاستعاذة بالصفة ؟ مع الدليل .
    ج: الاستعاذة بالصفة جائزة باتفاق أهل السنة والجماعة .
    ودليل ذلك : في الحديث فيمن آلمه شيء من بدنه فليضع إصبعه عليه وليقل : (
    بسم الله ، بسم الله ، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) ( سبعً ) ، وروى مسلم في صحيحه قوله صلى الله عليه وسلم : ( وأعوذ برضاك من سخطك ) ، وفي الحديث في دعاء الصباح والمساء : (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ) ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ).
    فهذه النصوص فيها الاستعاذة بالعزة والقدرة والعظمة والكلام والرضا ، وهي من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة ، فدل ذلك على جواز الاستعاذة بصفاته جل وعلا ، والله أعلم .

    س3: عرف الاستعانة والاستغاثة ؟ وما أقسامها ؟ وحكم كل قسم مع بيان دليل ذلك.
    ج: الاستعانة طلب العون فى أمرقد يكون عادى أوغير ملح ، والاستغاثة تكون فى الأمور الملحة والضرورية والعاجلة، وكل منهما ينقسم إلى أقسام:
    الأول : الاستعانة والاستغاثة بالله تعالى المتضمنة لكمال الذلة والخضوع والانكسار له جل وعلا ، فهذه من أفضل الأعمال وأكملها وهو دأب الرسل - عليهم السلام - وأتباعهم ، قال تعالى : ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾.(9الأنفال)
    الثاني : الاستعانة والاستغاثة بالأموات أو بالأحياء الغائبين أو بالأحياء الحاضرين في الأمر الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، وهذه هي الاستعانة والاستغاثة الشركية ، أعني الشرك الأكبرالمخرج من الملة بالكلية ؛ لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا خفيًا في الكون فيجعل لهم حظًا من الربوبية وقد قال تعالى : ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ (62 النمل)، ولأن الاستعانة والاستغاثة نوع من الدعاء وقد تقدم أن من صرف دعاء المسألة لغير الله في الأمر الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى فقد وقع في الشرك الأكبر .
    الثالث : الاستعانة والاستغاثة بالأحياء في الأمر الذي يقدرون عليه ، فهذا لا بأس به وليس ذلك من العبادة في شيء ، وذلك كقوله تعالى : ﴿ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْه ﴾ (.... 15القصص) ، وكاستغاثة الغريق أو من سقط في حفرةٍ بمن يستطيع إنقاذه من ذلك ، فهذا لا بأس به ، والله أعلم .
    س4: عرف التوكل ؟ وما أنواعه ؟ وحكم كل نوع ، مع الدليل .
    ج: التوكل على الشيء الاعتماد عليه ، والتوكل على الله تعالى هو الاعتماد على الله تعالى كفاية وحسبًا في جلب المنافع ودفع المضار ، وهو أنواع :
    الأول : التوكل على الله تعالى في جلب الخيرات بأنواعها ودفع المضرات بأنواعها ، وهذا من تمام الإيمان الواجب أي أنه لا يتم الإيمان إلا به ، قال تعالى : ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾،(نهاية23 المائده) وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ (وسط3الطلاق)، وقال تعالى : ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾.(نهاية12 إبراهيم)
    الثاني : توكل السر ، ومعناه أن يتوكل على ميتٍ في جلب منفعة أو دفع مضرة ، فهذا شرك أكبر ؛ لأنه لا يقع إلا ممن يعتقد أن لهذا الميت تصرفًا خفيًا في الكون ولا فرق بين أن يكون ذلك الميت نبيًا أو وليًا أو غيرهما ، وذلك كاعتماد أصحاب القبور على الأموات .
    الثالث : التوكل على الغير فيما يقدر عليه مع اعتماد القلب على ذلك الغير في حصول المطلوب أو دفع المرهوب ، فهذا شعبة من الشرك ، لكنه الشرك الأصغر وذلك لقوة تعلق القلب به .
    الرابع : التوكل على الغير فيما يقدر عليه ذلك الغير مع اعتماد القلب بكليته على الله تعالى واعتقاد أن ذلك إنما هو سبب في تحصيل الأمر المطلوب فقط ، كمن ينيب غيره في أمرٍ تدخله النيابة ، فهذا لا بأس به ، وهو بهذا الاعتبار يأتي بمعنى الوكالة ، فقد وكل يعقوب - عليه الصلاة والسلام - أبناءه في البحث عن أخيهم يوسف - عليه السلام - فقال: ﴿ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾،(أول 87 يوسف) وقد وكل النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة عمالاً وحفاظًا ، ووكل في إثبات الحدود وإقامتها ، ووكل علي بن أبي طالب في ذبح ما لم يذبح من هديه وأن يتصدق بجلودها وجلالها ، وهذا جائز بالإجماع في الجملة .
    فتبين بهذا أن النوع الأول : هو حقيقة الإيمان وتمامه الواجب ، وأن النوع الثاني : شرك أكبر ، والثالث : شرك أصغر ، والرابع : لا بأس به ، والله أعلم .
    ونكتفى بهذاالقدر اليوم من شرح فضيلة الشيخ / وليد بن راشد بن سعيدان وموعدنا قريبا بمشيئة الله سبحانه تعالى فى حلقات متتالية مع شرح سماحةالشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز وكذلك والشيخ محمد بن صالح العثيمين للإصول : الإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة وشرح الشيوخ : فضيلة الشيخ : عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ,فضيلةالشيخ: عبد الله بن صالح الفوزان وأخيرا فضيلة الشيخ : صالح بن عبدالعزيزبن محمد آل الشيخ
    وتم نقل هذه الدورة بإشراف الأستاذ / عبد العزيز الداخلى المشرف العام وألستاذة / حفيدة بنى عامر . معهد أفاق التيسير /بلادالحرمين الشريفين .
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    #2
    أحبائى قى الله
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    نكمل بعون الله وتوفيقه سبحانه تعالى فى هذه الحلقة حديثنا عن هذه الأصول :
    الإنابةِ والاسْتِعَانَةِ والاسْتِعَاذَةِ و الاسْتِغَاثَةِ
    ودليلُ الإنابةِ قولُهُ تعالَى: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) (أول54الزمر)
    وَدَلِيلُ
    الاسْتِعَانَةِ قَوْلُهُ تَعَالى:
    (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (5فاتحة الكتاب) وَفِي الْحَدِيثِ (إذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ)
    وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ قَوْلُهُ تَعَالى: ( قلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) (1الفلق)، وَقَوْلُهُ تَعَالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) (1الناس)
    وَدَلِيلُ
    الاسْتِغَاثَةِ قَوْلُهُ تَعَالى:
    (إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) (أول9 الأنفال)
    ويمضى
    سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز فى شرحه لهذه الإصول قائلا :
    والإنابةُ عبادةٌ، قالَ تعالى:
    (وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) (أول54الزمر) والإنابةُ معناها الرجوعُ إلى اللَّه والتوبةُ إليه والاستقامةُ على طاعتِهِ، فهذهِ عبادةٌ للَّهِ يَجِبُ على الناسِ أن يُنِيبُوا إلى اللَّهِ، ويَرْجِعُوا ويَتُوبُوا إليهِ، ويَسْتَقِيمُوا على طاعتِهِ.
    والاستعانةُ عبادةٌ، كما قالَ تعالى:
    (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( وفي الحديثِ: ( إِذا اسْتَعَنْتَ فَاستَعِنْ بِاللَّه ( ، فيستعينُ العبدُ باللَّهِ فتقولُ: اللَّهمَّ أعِنِّي على ذكرِكَ وشكرِكَ، اللَّهمَّ أعنِّي على طاعتكَ، اللَّهمَّ أعنِّي على كلِّ خيرٍ، إلى غيرِ هذا، تَسْتَعِينُ باللَّهِ في كلِّ المَهَمَّاتِ.
    والاستعاذةُ عبادةٌ أنْ تستعيذَ باللَّهِ منَ الشرورِ، وتلجأَ إليهِ، كما قالَ تعالى:
    (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ)، وقولِه : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، فالاستعاذةُ باللَّهِ منَ الشيطانِ، ومنْ كلِّ مُؤْذٍ، ومنْ كلِّ عدوٍّ، أمرٌ مأمورٌ بهِ، كما قالَ تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ( 199الأعرلف ).
    والاستغاثةُ عبادةٌ أنْ تَسْتَغِيثَ باللَّهِ في الشدائدِ منْ عدوٍّ، أو تطلبَهُ سبحانه تعالى إنزالَ الغيثِ المُبارَكِ، أو كشفَ الضرِّ، كما قالَ تعالى:
    ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ(.(أول9 الأنفال) . ونصل إلى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين فى شرحه لهذه الأصول :
    الإنابةُ: الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ تَعَالَى بالقيامِ بطاعتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، وهيَ قريبةٌ منْ معنى التَّوْبَةِ، إلاَّ أنَّهَا أَرَقُّ منها؛ لِمَا تُشْعِرُ بهِ من الاعتمادِ على اللَّهِ واللُّجُوءِ إليهِ، ولا تكونُ إلاَّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَدَلِيلُهَا قولُهُ تَعَالَى:
    ( وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) (أول54الزمر).
    والمرادُ بقولِهِ تَعَالَى:
    (وَأَسْلِمُوا لَهُ) الإسلامُ الشَّرْعِيُّ، وهُوَ الاستسلامُ لأحكامِ اللَّهِ الشرعيَّةِ.
    وذلكَ أنَّ الإسلامَ لِلَّهِ تَعَالَى نوعانِ:

    الأَوَّلُ: إسلامٌ كَوْنِيٌّ، وهُوَ: الاستسلامُ لِحُكْمِهِ الكَوْنِيِّ.
    وهذا عامٌّ لكلِّ مَنْ في السماواتِ والأَرْضِ منْ مؤمنٍ وكافرٍ، وبَرٍّ وفاجرٍ، لا يُمْكِنُ لأحدٍ أنْ يَسْتَكْبِرَ عنهُ، وَدَلِيلُهُ قولُهُ تَعَالَى:
    (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِليْهِ يُرْجَعُونَ. ) ( من83آل عمران )
    الثاني: إسلامٌ شرعيٌّ، وهُوَ: الاستسلامُ لِحُكْمِهِ الشرعيِّ.
    وهذا خاصٌّ بمَنْ قامَ بطاعتِهِ من الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِم بإحسانٍ، ودليلُهُ في القرآنِ كثيرٌ،

    والاسْتِعَانَةُ: طَلَبُ العَوْنِ، وهيَ أنواعٌ:
    الأَوَّلُ: الاستعانةُ باللَّهِ، وهيَ: الاستعانةُ المُتَضَمِّنَةُ لكمالِ الذُّلِّ من العبدِ لرَبِّهِ، وتَفْوِيضِ الأمرِ إليهِ، واعتقادِ كفايَتِهِ، وهذهِ لا تكونُ إلاَّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَدَلِيلُهَا قولُهُ تَعَالَى :
    (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).ووَجْهُ الاختصاصِ أنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ المعمولَ )إِيَّاكَ(، وقاعدةُ اللُّغَةِ العربيَّةِ التي نَزَلَ بها القرآنُ أنَّ تَقْدِيمَ ما حَقُّهُ التأخيرُ يُفِيدُ الحصرَ والاختصاصَ، وعلى هذا يكونُ صَرْفُ هذا النوعِ لغيرِ اللَّهِ تَعَالَى شِرْكًا مُخْرِجًا عن المِلَّةِ.
    الثاني: الاستعانةُ بالمخلوقِ على أمرٍ يَقْدِرُ عليهِ، فهذهِ على حَسَبِ المُسْتَعَانِ عليهِ:
    - فإنْ كانتْ على بِرٍّ فَهِيَ جائزةٌ للمُسْتَعِينِ مشروعةٌ للمُعِينِ؛ لقولِهِ تَعَالَى:
    (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.) (من2المائده (وإنْ كانَتْ على إِثْمٍ؛ فهيَ حرامٌ على المُسْتَعِينِ والمُعِينِ؛ لقولِهِ تَعَالَى :(وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (من2المائده ( وإنْ كانَتْ على مُبَاحٍ؛ فهيَ جائزةٌ للمستعينِ والمُعِينِ، لكنَّ المُعِينَ قدْ يُثَابُ على ذلكَ ثوابَ الإحسانِ إلى الغيرِ، ومِنْ ثَمَّ تكونُ في حَقِّهِ مشروعةً؛ لقولِهِ تَعَالَى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. ) (نهاية195البقرة)
    الثالثُ: الاستعانةُ بِمَخْلُوقٍ حَيٍّ حَاضِرٍ غيرِ قادر, فهذهِ لَغْوٌ لا طائلَ تحتَهَا، مثلُ: أنْ يَسْتَعِينَ بشخصٍ ضعيفٍ على حَمْلِ شيءٍ ثقيلٍ.
    الرابعُ: الاستعانةُ بالأمواتِ مُطْلَقًا، أوْ بالأحياءِ على أَمْرٍ غائبٍ لا يَقْدِرُونَ على مُبَاشَرَتِهِ. فهذا شِرْكٌ؛ لأنَّهُ لا يَقَعُ إلاَّ منْ شخصٍ يَعْتَقِدُ أنَّ لهؤلاءِ تَصَرُّفًا خَفِيًّا في الكونِ.
    الخامسُ: الاستعانةُ بالأعمالِ والأحوالِ المحبوبةِ إلى اللَّهِ تَعَالَى.
    وهذهِ مشروعةٌ بأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى في قولِهِ:
    (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ. ) ( أول45البقرة)
    و الاستعاذةُ: طَلَبُ الإِعَاذَةِ، والإعاذةُ الحمايَةُ منْ مَكْرُوهٍ؛ فالمستعيذُ مُحْتَمٍ بمَن اسْتَعَاذَ بهِ، ومُعْتَصِمٌ بهِ. والاستعاذةُ أنواعٌ:
    الأَوَّلُ: الاستعاذةُ باللَّهِ تَعَالَى، وهيَ: المُتَضَمِّنَةُ لكمالِ الافتقارِ إليهِ، والاعتصامِ بهِ، واعتقادِ كِفَايَتِهِ، وتمامِ حمايتِهِ منْ كلِّ شيءٍ حاضرٍ أوْ مستقبلٍ، صغيرٍ أوْ كبيرٍ، بَشَرٍ أوْ غيرِ بشرٍ.
    وَدَلِيلُهَا قولُهُ تَعَالَى:
    ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ.....)إلى آخرِ السورةِ، وقولُهُ تَعَالَى: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ....) إلى آخرِ السورةِ.
    الثاني: الاستعاذةُ بصفةٍ منْ صفاتِهِ، كَكَلامِهِ وعظمتِهِ وعِزَّتِهِ، ونحوِ ذلكَ.
    ودليلُ ذلكَ قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:
    (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ.)
    وقولُهُ صلى الله عليه وسلم: (أَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي. )وقولُهُ صلى الله عليه وسلمفي دُعَاءِ الأَلَمِ: ( أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ(. وقولُهُ صلى الله عليه وسلم : (أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ(. وقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حينَ نَزَلَ قولُهُ تَعَالَى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) (أول 65الأنعام)، فقالَ: ( أَعُوذُ بِوَجْهِكَ( .
    الثالثُ:الاستعاذةُبالأمواتِ أوْ بالأحياءِ غيرِ الحاضرينَ القادرينَ على العَوْذِ، فهذا شِرْكٌ. ومنهُ قولُهُ تَعَالَىوَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) (6الجن)
    الرابعُ: الاستعاذةُ بِمَا يُمْكِنُ العَوْذُ بهِ من المخلوقينَ من البَشَرِ أو الأماكنِ، أوْ غيرِهَا، فهذا جائزٌ، ودليلُهُ قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذِكْرِ الْفِتَنِ
    مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ) ، مُتَّفَقٌ عليهِ, وقدْ بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا المَلْجَأَ والمَعَاذَ بقولِهِ: ( فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ..... ) الحديثَ، رَوَاهُ مُسْلِم.ٌ وفي صَحِيحِهِ أيضًا عنْ جابرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ امْرَأَةً منْ بَنِي مخزومٍ سَرَقَتْ، فَأُتِيَ بها النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَاذَتْ بأُمِّ سَلَمَةَ... الحديثَ. وفي صحيحِهِ أيضًا عنْ أمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ ... ) الحديثَ. ولكنْ إن اسْتَعَاذَ منْ شَرِّ ظالمٍ وَجَبَ إِيوَاؤُهُ وإعاذتُهُ بقَدْرِ الإمكانِ، وإن اسْتَعَاذَ لِيَتَوَصَّلَ إلى فِعْلِ محظورٍ، أو الهربِ منْ واجبٍ، حَرُمَ إِيوَاؤُهُ.
    والاستغاثةُ : طَلَبُ الغَوْثِ، وهُوَ الإنْقَاذُ من الشِّدَّةِ والهلاكِ. وهُوَ أقسامٌ:
    الأَوَّلُ: الاستغاثةُ باللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وهذا منْ أفضلِ الأعمالِ وأَكْمَلِهَا، هُوَ دَأْبُ الرُّسُلِ وأتباعِهِم.
    وَدَلِيلُهُ :
    (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ ) (9الأنفال )،وكانَ ذلكَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، حيثُ نَظَرَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المشركينَ في أَلْفِ رَجُلٍ، وأصحابُهُ ثلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَدَخَلَ العَريشَ يُنَاشِدُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رافعًا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القبلةِ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلَكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ). وما زالَ يَسْتَغِيثُ بِرَبِّهِ رَافِعًا يَدَيْهِ حتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ منْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَخَذَ أبو بكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ على مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ ورائِهِ وقالَ: ( يا نَبِيَّ اللَّهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ؛ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لكَ ما وَعَدَكَ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ هذهِ الآيَةَ.
    الثاني: الاستغاثةُ بالأمواتِ أوْ بالأحياءِ غيرِ الحاضرينَ وغير القادرينَ على الإغاثةِ؛ فهذا شركٌ؛ لأنَّهُ لا يَفْعَلُهُ إلاَّ مَنْ يَعْتَقِدُ أنَّ لهؤلاءِ تَصَرُّفًا خَفِيًّا في الكونِ، فَيَجْعَلُ لهم حَظًّا من الربوبيَّةِ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى:
    (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُون) (62 النمل)
    الثالثُ: الاستغاثةُ بالأحياءِ العالِمِينَ القادرينَ على الإغاثةِ؛ فهذا جائزٌ كالاسْتِعَانَةِ بِهِم؛ قالَ اللَّهُ تَعَالَى في قِصَّةِ موسى :
    (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ(. (من 65 القصص)
    الرابعُ: الاستغاثةُ بِحَيٍّ غيرِ قادرٍ منْ غيرِ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لهُ قُوَّةً خفيَّةً,مثلُ: أنْ يَسْتَغِيثَ الغريقُ برجلٍ مَشْلُولٍ؛ فهذا لَغْوٌ وسُخْرِيَةٌ بِمَن استغاثَ بهِ، فَيُمْنَعُ منهُ لهذهِ العِلَّةِ ، وَلِعِلَّةٍ أُخْرَى وهيَ : الغريقُ رُبَّمَا اغْتَرَّ بذلكَ غَيْرُهُ فَتَوَهَّمَ أنَّ لِهَذَا المشلولِ قُوَّةً خَفِيَّةً يُنْقِذُ بها مِن الشدَّةِ. وهنا إنتهى
    فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين فى شرحه لهذه الأصول .
    ويبدأ فضيلة الشيخ / عبد الرحمن بن محمد بن قاسم بشرح نفس هذه الأصول :
    وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ قَوْلُهُ تَعَالى:
    (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ) (54الزمر).
    وَدَلِيلُ
    الاسْتِعَانَةِ قَوْلُهُ تَعَالى:
    (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، وَفِي الْحَدِيثِ: (إذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ)
    وَدَلِيلُ
    الاسْتِعَاذَةِ قَوْلُهُ تَعَالى:
    (قلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ( ، وَقَوْلُهُ تَعَالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) .
    وَدَلِيلُ
    الاسْتِغَاثَةِ قَوْلُهُ تَعَالى:
    (إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ...) (من9 الأنفال)
    وأنَّها – أى
    الإنابة - مِن أَجَلِّ أَنْواعِ العِبَادَاتِ، وهي التَّوْبَةُ، بل أَعْلَى مِن مَقَامِ التَّوْبَةِ,فإنَّ التَّوْبَةَ: الإِقْلاَعُ عن الذَّنْبِ، والنَّدَمُ عَلَى مَا فَاتَ، والعَزْمُ عَلَى أنْ لاَ يَعُودَ إِلَيْهِ والإِنَابَةُ تَدُلُّ عَلَى ذلك، وتَدُلُّ عَلَى الإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ بالعِبَادَاتِ، والإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ رُجُوعٌ عَمَّا لاَ يَنْبَغِي بالكُلِّيَّةِ، وقَصْدٌ إلى مَا يَنْبَغِي مِن رِضَاهُ.
    (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) أيْ: وأَقْبِلُوا إلى رَبِّكُم، وارْجِعُوا إليه بالطَّاعَةِ، (وأَسْلِمُوا لَهُ) : أَخْلِصُوا لَهُ التَّوْحِيدَ) مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ( أيْ: بَادِرُوا بالتَّوْبَةِ إلى العَمَلِ الصَّالِحِ، قَبْلَ حُلُولِ النِّقْمَةِ، وأَمْرُه تَعَالَى عِبَادَه بالإِنَابَةِ ظَاهِرٌ فِي أنَّها عِبَادَةٌ، وأنَّه يُحِبُّها شَرْعًا ودِينًا، فَصَرْفُها لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ أَكْبَرُ.
    والإستعانة عِبَادَةٌ، بل أَجَلُّ العِبَادَاتِ، وهي تَجْمَعُ أَصْلَيْنِ؛ الثِّقَةَ باللَّهِ، والاعْتِمَادَ عَلَيْهِ، قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ: (تَأَمَّلْتُ أَنْفَعَ الدُّعَاءِ، فَإِذَا هو سُؤَالُ اللَّهِ العَوْنَ عَلَى مَرْضَاتِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُه في الفَاتِحَةِ في:
    (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ), فالدِّينُ كُلُّه يَرْجِعُ إلى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، وسِرُّ الخَلْقِ والكُتُبِ والشَّرَائِعِ، والثَّوَابِ والعِقَابِ، يَرْجِعُ إلى هَاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ، وعَلَيْهِمَا مَدَارُ العُبُودِيَّةِ والتَّوْحيدِ. فالأَوَّلُ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) تَبَرُّؤٌ مِن الشِّرْكِ , والثَّانِي: ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تَبَرُّؤٌ مِن الحَوْلِ والقُوَّةِ، وهذا المعنى في كثير من آيات كِتَابِ اللَّهِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلَى العَامِلِ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ: نَسْتَعِينُ بِكَ وحْدَكَ، دونَ كلِّ مَن سِوَاكَ، فهذا النَّوْعُ أَجَلُّ أَنْواعِ العِبَادَةِ، فَصَرْفُه لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ أَكْبَرُ، وكذا قولُه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أيْ: لاَ نَعْبُدُ أَحَدًا سِوَاكَ، فالعِبَادَةُ للَّهِ وحْدَه، والاسْتِعَانَةُ به وحْدَه، جَلَّ وعَلاَ وتَقَدَّسَ. وفى حديثه صلى الله عليه وسلم (احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ , وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، و إذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ) رَوَاه التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَه، مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ أيْ: احْفَظْ حُدُودَه، وأَوامِرَه، يَحْفَظْكَ، حَيْثُ تَوَجَّهْتَ، (وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ) وهذا كَأَنَّه مُنْتَزَعٌ مِن قولِهِ تَعَالَى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وقَالَ تَعَالَى: (... وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ...) (من32النساء) ولاَ يَحْصُلُ للعَبْدِ مَطْلُوبُه، إلاَّ إذا كَانَ سَائِلاً اللَّهَ، مُسْتَعِينًا به وحْدَه، مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ في جَمِيعِ أُمُورِه , وفِي هَذَا الحديثِ: حَصْرُ الاسْتِعَانَةِ باللَّهِ وحدَه، دونَ غيرِه مِن الخَلْقِ، والدَّلاَلَةُ عَلَى أَنَّها أَجَلُّ العِبَادَاتِ، وعَلَيْهَا مَدَارُ الدِّينِ، فإِذَا اسْتَعَانَ أحَدٌ بِغَيْرِ اللَّهِ، فهو مُشْرِكٌ الشِّرْكَ الأَكْبَرَ.
    والإستعاذة عِبَادَةٌ، مِن أَجَلِّ أَنْواعِ العِبَادَاتِ وهي: الالْتِجَاءُ والاعْتِصَامُ والتَّحَرُّزُوحَقِيقَتُها: الهَرَبُ مِن شَيْءٍ تَخَافُه، إِلَى مَن يَعْصِمُكَ منه؛ والعِيَاذُ لدَفْعِ المَكْرُوهِ، واللِّياذُ: لِطَلَبِ المَحْبُوبِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
    يَا من أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُه = وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ فِيمَا أُحَاذِرُهُ
    لاَ يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُه = وَلاَ يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُه
    وفى قوله تعالى :
    (قلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ يَسْتَعِيذَ بفَالِقِ الإِصْبَاحِ، مِن شَرِّ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ، ومِن شَرِّ الغَاسِقِ والحَاسِدِ، والفَلَقُ الصُّبْحُ، وقيلَ: سَبَبُ تَخْصِيصِ المُسْتَعِيذِ بِهِ: أَنَّ القَادِرَ عَلَى إِزَالَةِ هذه الظُّلْمَةِ عَنِ العَالَمِ، هو: القَادِرُ أنْ يَدْفَعَ عن المُسْتَعِيذِ ما يَخَافُه ويَخْشَاهُ, وفى قوله تعالى : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِن الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ، يَعْنِي الشَّيْطَانَ، الجَاثِمَ عَلَى قَلْبِ الإِنْسانِ، فإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، وإِذَا غَفَلَ وسْوَسَ , وذَكَرَ تَعَالَى ثَلاَثَ صِفَاتٍ، مِن صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ والمُلْكِ والإِلَهِيَّةِ، وأَمَرَ المُسْتَعِيذَ أنْ يَسْتَعِيذَ بِهَا مِن شَرِّ الشَّيْطَانِ المُوَكَّلِ بالإِنْسَانِ، وثَبَتَ عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ)، وأَخْبَرَ أنَّه لَمْ يَتَعوَّذْ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ، والأَمْرُ بالاسْتِعَاذَةِ بِهِ تَعَالَى كَثِيرٌ فِي الكِتَابِ والسُّنَّةِ، مِنْهَا قولُه تعالى :
    وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . (نهاية36ألعمران)
    أعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِين .َ (نهاية67البقرة )
    فَإِذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . ( 98النحل )
    ومِن السُّنَّةِ :
    (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) فَدَلَّ: عَلَى أنَّ الاسْتِعَاذَةَ باللَّهِ، عِبَادَةٌ مِن أَجَلِّ العِبَادَاتِ، فَصَرْفُها لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ أَكْبَرُ.
    والإستغاثة عِبَادَةٌ، مِن أَجَلِّ العِبَادَاتِ، وأَفْضَلِ أَنْواعِهَا، وهي أَخَصُّ أَنْواعِ الدُّعاءِ، فإنَّ دُعَاءَ المَكْرُوبِ يُقَالُ له: اسْتِغَاثَةٌ, وهي: طَلَبُ الإِغَاثَةِ، وهي الإِنْقَاذُ مِنَ الضِّيقِ والشِّدَّةِ، وأَكْثَرُ مَا يُقَالُ: غَيَّاثُ المُسْتَغِيثِينَ، أيْ: مُدْرِكٌ عِبَادَه في الشَّدَائِدِ، إذا دَعَوْه، ومُجِيبُهم ومُخَلِّصُهم، فإِذَا صَرَفَها أَحَدٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، كَأَنْ يَسْتَغِيثَ بالأَصْنَامِ، أو الأَمْواتِ، أو الغَائِبِينَ، أو نَحْوِهم، فهو مُشْرِكٌ كَافِرٌ.
    وقوله تعالى( إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) ( أول9الأنفال )أيْ: إذ تَسْتَجِيرُونَ رَبَّكُم، وتَطْلُبُونَ منه الغَوْثَ، فاسْتَجَابَ لَكُمْ، وذلك أنَّه لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، ونَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كَثْرَةِ المُشْرِكِينَ، جَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّه ويُنَاشِدُه، فَأَمَدَّه اللَّهُ بالنَّصْرِ عَلَى عَدُوِّه، فَقَتَلُوا وأَسَرُوا، وظَهَرَ الإِسْلاَمُ، وسُمِّيَ يَوْمَ الفُرْقَانِ، فَدَلَّت الآيةُ عَلَى أنَّ الاسْتِغَاثَةَ عِبَادَةٌ، فَصَرْفُهَا لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ.

    وهنا إنتهى فضيلة الشيخ / عبد الرحمن بن محمد بن قاسم بشرح نفس هذه الأصول
    ونكتفى اليوم بهذا القدر وموعدنا فى القريب العاجل بمشيئة الله وتوفيقه مع فضيلة الشيخ / عبد الله بن صالح الفوزان وفضيلة الشيخ / صالح بن عبدالعزيزبن محمد آل الشيخ .
    أترككم فى رعاية الله
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    يتبع
    تعليق

      #3
      جزاكَ الله خيراً أخي الكريم
      تعليق

        #4
        Originally posted by raedms *
        جزاكَ الله خيراً أخي الكريم
        وجزاك أطيب منه أخى الفاضل الكريم
        تعليق

          #5
          Originally posted by ابواحمدعصام *
          وجزاك أطيب منه أخى الفاضل الكريم
          جليل الشكر والتقدير على هذه المشاركات الرائعة يا أخي أبو أحمد ,
          جعلها الله من مثقلات كتابك بالصالحات لتكون من أهل الرضوان .
          بانتظار المزيد من الفوائد من يمينك الرشيد لك بالغ الإحترام .
          تعليق

            #6

            اللهم علمنا ما ينفعنا
            اللهم انفعنا بما علمتنا
            اللهم زدنا من العلم النافع
            جزاك الله خيراً

            تعليق

              #7
              Originally posted by أنيس *

              جليل الشكر والتقدير على هذه المشاركات الرائعة يا أخي أبو أحمد ,
              جعلها الله من مثقلات كتابك بالصالحات لتكون من أهل الرضوان .
              بانتظار المزيد من الفوائد من يمينك الرشيد لك بالغ الإحترام .
              جزاك الله الخير كل الخير مشرفنا العام الجليل الأساذ/ أنيس على هذه الكلمات الطيبة ولو أننى لست إلا مجرد ناقل لأراء شيوخ أفاضل أجلاء جزاهم الله عنا وعن الإسلام كل الخير وجعل ذلك فى ميزان حسناتهم بإذن الله وأسأله عز وجل أن يتقبل منا صالح الأعمال و أن يطهر أعمالنا من الرياء والنفاق ويجعلها خالصة لوجه الكريم وأن يثبتنا على الإيمان ويعز الإسلام والمسلمين فى كل مكان إنه سبحانه تعالى السميع العليم المجيب . وتقبل شكرى وتقديرى وإحترامى أخى الفاضل الكريم
              تعليق

                #8
                Originally posted by elmoslem *
                اللهم علمنا ما ينفعنا
                اللهم انفعنا بما علمتنا
                اللهم زدنا من العلم النافع
                جزاك الله خيراً
                اللهم أمين , وجزاك خيرا أطيب منه أخى الفاضل الكريم
                تعليق

                  #9
                  أحبائى قى الله
                  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                  نكمل بعون الله وتوفيقه سبحانه تعالى فى هذه الحلقة حديثنا عن هذه الأصول :
                  الإنابةِ والاسْتِعَانَةِ والاسْتِعَاذَةِ و الاسْتِغَاثَةِ
                  مع فضيلة الشيخ / عبد الله بن صالح الفوزان
                  الإنابةِ : ودليلُ الإنابةِ قولُهُ تعالَى
                  ) : وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ( ( أول 53 الزمر)
                  والإنابةُ بمعنَى: التوبةِ، ولكن قالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّها أعلَى مِن التوبةِ؛ لأنَّ التوبةَ إقلاعٌ ونَدَمٌ وعَزْمٌ علَى ألا يَعودَ، أمَّا الإنابةُ ففيها المعاني الثلاثةُ، وتَزيدُ معنًى آخَرُ وهوَ: الإقبالُ علَى اللهِ تعالَى بالعِباداتِ, فإذا أَقْلَعَ الإنسانُ مِنْ مَعصيَةٍ، وعَزَمَ أَلاَّ يَعودَ، ونَدِمَ علَى ما مَضَى، واسْتَمَرَّ علَى ما هوَ عليهِ مِنْ عِباداتِهِ، يُقالُ: هذا تائبٌ، لكن إذا تَجَدَّدَ لهُ الإقبالُ بعدَ تَوبتِهِ فهذا مُنيبٌ إلَى اللهِ تعالَى، وقدْ ذَكَرَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ الإنابةَ إنابتان:
                  إنابةٌ لرُبوبيَّتِهِ : وهيَ إنابةُ المخلوقاتِ كلِّها، يَشتَرِكُ فيها المؤمِنُ والكافرُ، الْبَرُّ والفاجِرُ، قالَ اللهُ تعالَى:
                  (وَإِذَا مَسَّ النَاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمِّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) (33الروم ) ، فهذا عامٌّ في حقِّ كلِّ داعٍ أصابَهُ ضُرٌّ كما هوَ الواقعُ، وهذه الإنابةُ لا تَستلزِمُ الإسلامَ بلْ تُجامِعُ الشِّركَ والكُفْرَ.
                  إنابةٌ لإَّلَهِيَّتِهِ : وهي إنابةُ أوليائِهِ، إنابةَ عُبوديَّةٍ ومَحَبَّةٍ, وتَتَضَمَّنُ أربعةَ أمورٍ:
                  مَحَبَّتَهُ، والخضوعَ لهُ، والإقبالَ عليهِ، والإعراضَ عما سِواهُ.
                  فالْمُنيبُ إلَى اللهِ: الْمُسْرِعُ إلَى مَرْضَاتِهِ، الراجعُ إليهِ كلَّ وَقْتٍ، الْمُتَقَدِّمُ إلَى مَحَابِّهِ؛ لأنَّ لفظَ (الإنابةِ) فيهِ معنَى الإسراعِ، والرجوعِ، والتَّقَدُّمِ, وفي الآيَةِ الكريمةِ ما يَدُلُّ علَى أنَّ الإنابةَ مِن العباداتِ، وأنَّ اللهَ جَلَّ وعلا أَمَرَ بها؛ ولهذا لم يَذْكُر الْمُصَنِّفُ التوبةَ مِنْ أنواعِ العِبادةِ، إنَّمَا اقْتَصَرَ علَى ذِكْرِ الإنابةِ؛ لأنَّ صورةَ العِبادةِ بالنسبةِ للإنابةِ أَوْضَحُ مِنْ صُورتِها بالنسبةِ إلَى التوبةِ بسَببِ زِيادةِ الإقبالِ علَى العِبادةِ.
                  وقولُهُ تعالَى:
                  وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ أي: ارْجِعُوا إليهِ بالطاعةِ.وَأَسْلِمُوا لهُ : الْمُرَادُ بالإسلامِ في الآيَةِ الكريمةِ هوَ الإسلامُ الشرعيُّ، ومعناهُ: الاستسلامُ والانقيادُ لأحكامِ الشريعةِ، وهذا لا يكونُ إلاَّ للطائعينَ، فالطائعُ مُسلِمٌ إسلامًا شَرْعِيًّا؛ لأنَّهُ انقادَ لأحكامِ الشرْعِ.أمَّا بالنسبةِ إلَى الإسلامِ الكونيِّ , وهوَ المعنَى الثاني فهذا هوَ الاستسلامُ لِحُكْمِ اللهِ الكونيِّ، وهذا ليسَ خاصًّا بالطائعينَ بدليلِ قولِهِ تعالَى: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) ( 83 آل عمران)ففيهِ مَنْ يُسْلِمُ طائعًا، وفيهِ مَنْ يُسْلِمُ وهوَ كارهٌ.
                  ومعنَى هذه الآيَةِ: أنَّ جميعَ مَنْ في السماواتِ ومَنْ في الأرضِ مُنْقادونَ لِحُكْمِ اللهِ الكونيِّ، بمعنَى أنَّهُم مُنْقادونَ لِمَا يُجْرِيهِ اللهُ تعالَى ويُقَدِّرُهُ عليهم شاءوا أَمْ أَبَوْا، فهذا إسلامٌ كَوْنِيٌّ، أمَّا الإسلامُ الشرعيُّ الذي يُمْدَحُ فاعلُهُ وهوَ مِنْ أنواعِ العِبادةِ فهوَ المعنَى الأَوْلُ.

                  الإستعانة: وَدليلُ الاستعانةِ قولُهُ تعالَى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
                  والاستعانةُ: طَلَبُ العونِ؛ لأنَّ الألِفَ والسينَ والتاءَ في اللغةِ للطلَبِ، فإذا قيلَ: استعانَ فمعناهُ طلَبَ الإعانةَ، وإذا قيلَ: استغاثَ؛ أيْ:طَلَبَ الغوثَ، وإذا قيلَ: اسْتَخْبَرَ؛ أيْ: طلَبَ الخبرَ. والاستعانةُ أنواعٌ:

                  النوعُ الأوَّلُ: الاستعانةُ باللهِ، وهيَ الاستعانةُ المتضمِّنَةُ كمالَ الذُّلِّ مِن العَبْدِ لربِّهِ معَ الثِّقَةِ بهِ والاعتمادِ عليهِ، وهذه لا تكونُ إلاَّ للهِ.
                  فهيَ تَتَضَمَّنُ ثلاثةَ أشياءَ:

                  الأوَّلُ : الْخُضوعُ والتَّذَلُّلُ للهِ تعالَى.
                  الثاني: الثقةُ باللهِ جَلَّ وعلا.
                  الثالثُ: الاعتمادُ علَى اللهِ سُبحانَهُ وتعالَى، وهذه لا تكونُ إلاَّ للهِ، فمَن استعانَ بغيرِ اللهِ مُحَقِّقًا هذه المعانِيَ الثلاثةَ فقدْ أَشْرَكَ معَ اللهِ غيرَهُ. والعبدُ عاجزٌ عن الاستقلالِ بجَلْبِ مَصالِحِهِ ودَفْعِ مَضَارِّهِ، ولا مُعينَ لهُ علَى مَصالِحِ دِينِهِ ودُنياهُ إلاَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وهذا تَحقيقُ معنَى قولِ :(لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ) فإنَّ المعنَى: لا تَحَوُّلَ للعَبْدِ مِنْ حالٍ إلَى حالٍ، ولا قُوَّةَ لهُ علَى ذلكَ إلاَّ باللهِ تعالَى ,وهذه كلمةٌ عظيمةٌ، وهيَ كَنْزٌ مِنْ كُنوزِ الجنَّةِ، فالعبدُ مُحتاجٌ إلَى الاستعانةِ باللهِ في فِعْلِ المأمورِ، وتَرْكِ المحظورِ، والصبْرِ علَى الْمَقدورِ، وهذه في الدنيا، وكذا عندَ الموتِ وبعدَهُ مِنْ أحوالِ البَرْزَخِ ويومِ القيامةِ، ولا يَقْدِرُ علَى الإعانةِ علَى ذلكَ إلاَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، فمَنْ حَقَّقَ الاستعانةَ عليهِ في ذلكَ كلِّهِ أَعانَهُ.
                  النوعُ الثاني: الاستعانةُ بالمخلوقِ علَى أَمْرٍ قادرٍ عليهِ، ومعنَى الاستعانةِ بالمخلوقِ: أن تَطْلُبَ مِنه أن يُعينَكَ ويُساعِدَكَ، وشَرْطُ ذلكَ أنْ يكونَ في أَمْرٍ يَقْدِرُ عليهِ، فهذه إنْ كانتْ علَى بِرٍّ وخيرٍ فهيَ جائزةٌ والْمُعينُ مُثابٌ؛ لأنَّهُ إحسانٌ، قالَ تعالَى:
                  (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. ) ( من2 المائدة ) وإنْ كانتْ علَى إثمٍ فهيَ حَرامٌ، قالَ تعالَى: (وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ. ) ( من2 المائدة )
                  النوعُ الثالثُ: الاستعانةُ بالأمواتِ أوْ بالأحياءِ علَى أَمْرٍ غائبٍ لا يَقْدِرون عليهِ فهذا شِرْكٌ؛ لأنَّهُ إذا استعانَ بالميِّتِ أوْ بِحَيٍّ علَى أَمْرٍ بعيدٍ غائبٍ عنه لا يَقْدِرُ عليهِ؛ فهذا يَدُلُّ علَى أنَّهُ يَعتقِدُ أنَّ لهؤلاءِ تَصَرُّفًا في الكونِ، وأنَّ معَ اللهِ مُدَبِّرًا.
                  النوعُ الرابعُ: الاستعانةُ بأعمالٍ وأحوالٍ مَحبوبةٍ شَرْعًا، فهذا النوعُ مَشروعٌ بدليلِ قولِهِ تعالَى :
                  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (153البقرة) ، فكونُكَ تَستعينُ بالصبْرِ وتَستعينُ بالصلاةِ علَى أمورِكَ هذا أَمْرٌ مَحبوبٌ. وقولُهُ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) في هذه الآيَةِ اجْتَمَعَ أَمرانِ عَظيمانِ عليهما مَدَارُ العُبوديَّةِ:(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) تَبَرُّؤٌ مِن الشرْكِ ,(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( تَبَرُّؤٌ مِن الْحَوْلِ والقُوَّةِ . وتقديمُ المعمولِ هنا يُفيدُ الْحَصْرَ كما مَرَّ؛ لأنَّ المعنَى لا نَعْبُدُ إلاَّ إيَّاكَ ولا نَستعينُ إلاَّ بِكَ, يقولُ الشيخُ عبدُ الرحمَنِ السعديُّ رَحِمَهُ اللهُ: (وتقديمُ العِبادةِ علَى الاستعانةِ مِنْ بابِ تَقديمِ العامِّ علَى الخاصِّ، واهتمامًا بتقديمِ حَقِّهِ تعالَى علَى حقِّ عَبْدِهِ... وذَكَرَ الاستعانةَ بعدَ العِبادةِ معَ دُخولِها فيها لاحتياجِ العبدِ في جميعِ عِباداتِهِ إلَى الاستعانةِ باللهِ تعالَى، فإنَّهُ إنْ لم يُعِنْهُ اللهُ، لم يَحْصُلْ لهُ ما يُريدُهُ مِنْ فِعْلِ الأوامرِ، واجتنابِ النواهي).
                  وحديثه صلى الله عليه وسلم :
                  (احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ) وأخرجه ابنِ عبَّاسٍ وهوَ حديثٌ عظيمٌ جَليلُ القَدْرِ،فإنك إذا حفظت حُدودَ الله وأوامرَهُ يَحْفَظْكَ حيث تَوَجَّهْتَ وعليكَ أن تَحْصُرَ استعانتَكَ وطَلَبَكَ العَونَ في اللهِ سُبحانَهُ وتعالَى، فمَن استعانَ بغيرِ اللهِ فيما لا يَقْدِرُ عليهِ إلاَّ اللهُ فهوَ مُشْرِكٌ.
                  الإستعاذة : ودليلُ الاستعاذةِ قولُهُ تعالَى:
                  (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) والاستعاذةُ: هيَ الاعتصامُ والالتجاءُ إلَى مَنْ تَعْتَقِدُ أنَّهُ يُعيذُكَ ويُلْجِئُكَ, والاستعاذةُ باللهِ تعالَى هيَ التي تَتَضَمَّنُ كَمالَ الافتقارِ إليهِ سُبحانَهُ، والاعتصامَ بهِ، واعتقادَ كِفايتِهِ، وتَمَامَ حمايتِهِ مِنْ كلِّ شَرٍّ، ولا ريبَ أنَّ هذه المعانِيَ لا تكونُ إلاَّ للهِ سُبحانَهُ وتعالَى.
                  ويَدْخُلُ في الاستعاذةِ باللهِ جلَّ وعلا : الاستعاذةُ بصفاتِهِ، والاستعاذةُ بكلماتِهِ وبعِزَّتِهِ، ونحوُ هذا، كما في بعضِ الأورادِ الصحيحةِ الثابتةِ:
                  (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) و (أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ) فهذه استعاذةٌ باللهِ سُبحانَهُ وتعالَى, أما الاستعاذةُ بالأمواتِ أوْ بالأحياءِ غيرِ الحاضرينَ القادرينَ فهذا شركٌ كما تقدَّمَ في الاستعانةِ,أمَّا الاستعاذةُ بمخلوقٍ يُمْكِنُ العَوْذُ بهِ؛ لأنَّهُ قادرٌ، فهذا يَجوزُ، كما لوْ هَرَبْتَ مِنْ سَبُعٍ والتَجَأْتَ إلَى شخصٍ آخَرَ يَحميكَ، أوْ هَرَبْتَ مِنْ عَدُوٍّ والْتَجَأْتَ إلَى شخصٍ آخَرَ يَمْنَعُكَ مِنه، وقدْ يكونُ الالتجاءُ إلَى أَمْكِنَةٍ، كأنْ يَتَسَلَّقَ شَجرةً، أوْ يَدْخُلَ في مكانٍ، فمِثلُ هذا لا بأسَ بهِ, وقولُهُ تعالَى:
                  (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) هذا أَمْرٌ مِن اللهِ سُبحانَهُ وتعالَى للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، والأُمَّةُ تَبَعٌ لهُ في هذا. ومعنَى )أَعُوذُ( أيْ: أَلْتَجِئُ وأَتَحَصَّنُ)بِرَبِّ الْفَلَقِ( الفَلَقُ: هوَ الصبْحُ.والمعنَى - واللهُ أَعْلَمُ -: أنَّ القادِرَ علَى إزالةِ هذه الظُّلْمَةِ مِن العالَمِ قَادرٌ علَى أن يَدْفَعَ عنْ هذا الْمُستعيذِ ما يَخافُهُ ويَخشاهُ.وقولُهُ: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أيْ: خالِقِهم ومُصْلِحِ أحوالِهم,وفي الآيتينِ دَليلٌ علَى وُجوبِ الاستعاذةِ باللهِ تعالَى مِنْ جميعِ شُرورِ خَلْقِهِ، وأنَّهُ سُبحانَهُ وتعالَى القادِرُ علَى إعاذةِ عَبْدِهِ، ودَفْعِ الشرورِ عنه.وقدْ وَرَدَ عنْ عُقبةَ بنِ عامرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: (أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟ : )قُلْ أَعْوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ(، و )قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. (
                  الإستغاثة :دليلُ الاستغاثةِ قولُهُ تعالَى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) ( أول9الأنفال )
                  والاستغاثةُ: أنْ تَطْلُبَ الغوثَ مِمَّنْ يَستطيعُ أنْ يُنْقِذَكَ مِنْ ضِيقٍ أوْ شِدَّةٍ, والفرْقُ بينَ الاستغاثةِ والاستعاذةِ: أنَّ الاستعاذةَ: تَطْلُبُ مِنه أنْ يَعصِمَكَ، وأنْ يَمْنَعَكَ، وأن يُحَصِّنَكَ، والاستغاثةَ: تَطْلُبُ مِنه أن يُزيلَ ما فيكَ مِنْ شِدَّةٍ، وهذا لا يكونُ إلاَّ للهِ سُبحانَهُ وتعالَى القادِرِ علَى كلِّ شيءٍ, والاستغاثةُ كالاستعاذةِ تَتَضَمَّنُ كَمالَ الافتقارِ إلَى اللهِ سُبحانَهُ وتعالَى، واعتقادَ كِفايتِهِ . قالَ تعالَى:
                  (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) ( أول9الأنفال ) أيْ: تَستجيرونَ ربَّكم، وتَطْلُبون مِنه الغَوْثَ، فاستجابَ لكم,وهذه الآيَةُ نَزَلَتْ في غَزوةِ بَدْرٍ الكبرَى، وكان المشرِكونَ أَكْثَرَ مِن المسلمينَ ثلاثَ مَرَّاتٍ، فالمسلمونَ بقِيادةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ تَوَجَّهُوا إلَى اللهِ سُبحانَهُ وتعالَى بأنْ يُمِدَّهُم بالنصْرِ، وأنْ يُخَلِّصَهم مِنْ هذا الْمَوْقِفِ الذي هم فيهِ, وقدْ وَرَدَ عنْ عمرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ): لَمَّا كانَ يومُ بَدْرٍ نَظَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ إلَى أصحابِهِ وهم ثلاثُ مِائةٍ ونَيِّفٌ، ونَظَرَ إلَى المشرِكينَ فإذا هم ألْفٌ وزيادةٌ) - وفي رواياتٍ أخرَى: (أنَّهُم بينَ الألْفِ والتسعِمائةٍ - فاستقْبَلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ القِبلةَ وعليهِ رداؤُهُ وإزارُهُ ثمَّ قالَ: (اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ فَلاَ تُعْبَدُ فِي الأَرْضِ أَبَدًا) ، قالَ: فما زالَ يَستغيثُ ربَّهُ ويَدعوهُ حتَّى سَقَطَ رِداؤُهُ عنْ مَنْكِبَيْهِ، فأتاهُ أبو بكرٍ فأَخَذَ رداءَهُ فرَدَّهُ ثمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرائِهِ، ثمَّ قالَ: يا نَبِيَّ اللهِ، كفاكَ مُناشَدَتُكَ ربَّكَ فإنَّهُ سيُنْجِزُ لكَ ما وَعَدَكَ، فأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ) ( 9 الأنفال )
                  وإلى هنا نكون إنتهينا من شرح فضيلة الشيخ / عبد الله بن صالح الفوزان وموعدنا فى القريب العاجل بإذن الله وتوفيقه سبحانه تعالى مع آخر حلقاتنا فى هذا الموضوع وفضيلةالشيخ/ صالح بن عبدالعزيزبن محمد آل الشيخ ,
                  اترككم فى رعاية الله
                  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                  يُتبَع
                  تعليق

                    #10
                    Originally posted by ابواحمدعصام *

                    جزاك الله الخير كل الخير مشرفنا العام الجليل الأساذ/ أنيس على هذه الكلمات الطيبة ولو أننى لست إلا مجرد ناقل لأراء شيوخ أفاضل أجلاء جزاهم الله عنا وعن الإسلام كل الخير وجعل ذلك فى ميزان حسناتهم بإذن الله وأسأله عز وجل أن يتقبل منا صالح الأعمال و أن يطهر أعمالنا من الرياء والنفاق ويجعلها خالصة لوجه الكريم وأن يثبتنا على الإيمان ويعز الإسلام والمسلمين فى كل مكان إنه سبحانه تعالى السميع العليم المجيب . وتقبل شكرى وتقديرى وإحترامى أخى الفاضل الكريم
                    " إن الدال على الخير كفاعله. "
                    أو كما قال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم .
                    أكر الشكر والتقديرر لحضورك المفيد والمنير أخي أبو أحمد ,
                    ونحن بانتظار المزيد مما تخطه يمينك وما تجود به ريشتك .
                    جزاك الله عنا كل الخير ,

                    "
                    .. وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) البقرة .

                    تعليق
                    Random
                    Collapse

                    Working...
                    X