X

قلب من زجاج.

Collapse
  • تصفية
  • الوقت
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة
  • VIP
    • Sep 2018
    • 4587



    قلب من زجاج



    عبد الغني حوبة





    استيقظ الطفل الصغير على صراخ يصخُّ الأذان ويقض المضاجع، فتلفت يَمنةً فوجد أباه متأففاً متضجراً، وقد تأخر عن عمله، واستدار يسرةً فإذا بأمه قد رمت بالمكنسة على الأرض، وهي تغمغم وتتمتم : ألا تقدر الظروف يا رجل! فأنا أنظف لكم المنزل!! ارحموني يرحمكم الرحمن!





    إنها مشاهد يومية متكررة لشجارات مختلفة الأسباب والدواعي، متباينة الحدة والآثار، والتي تحدث بمرور الزمن تنافراً بين القلوب، وتخلق سدوداً وهمية بين الأرواح، فتضعف جسور التواصل بين الأحبة، ويصير عود البغضاء وتداً في الفؤاد، مما ينتج لنا أفتك الأمراض التي ابتليت بها مجتمعاتنا المسلمة المعاصرة والمتمثلة في الجفاف العاطفي، والتصحر الوجداني، فكيف نواجهه ونقلل من آثاره المدمرة؟؟





    إن الجفاف العاطفي هو مشكلة معقدة ومركبة نمت وتطورت في أوضاع نفسية واجتماعية وثقافية معينة متداخلة.





    إن الجفاف العاطفي يعني ضمور الحب وغياب الود ونكران الجميل، وتقلص التواصل اللفظي وغير اللفظي بين الأزواج فيما بينهم، وبين الأبناء مع بعضهم البعض، مما يؤدي بالضرورة إلى ظهور عدم الاحترام وتنامي الأنانية وروح اللامبالاة، فيغيب معنى الأبوة والأمومة والبنوة، وتصير روابط الأخوة رثة بالية، قد تتمزق في أي لحظة، وكل هذا مؤذن بخراب الأسرة وضياع الأبناء، والنتيجة الحتمية التي لا مفر منها هي العزلة الأسرية، والفرقة الأخوية؛ فالأب والأم والأبناء موجودون في البيت على طاولة واحدة، لكنهم جماعات وأشتات! فرقت شملهم الصراعات، ونخرت عظمهم آكلة العداوات، كل حزب بما لديهم فرحون! ولا حول ولا قوة إلا بالله!!





    وهكذا تنمو هذه الأفة الخطيرة في جسم الفرد والمجتمع، حتى تحيلنا في النهاية على ضريبة باهظة الثمن لا نستطيع تسديدها، ولا التخلص منها، ألا وهي البيوت أيله للسقوط، والأسر المتصدعة وشيكة الانهيار!!





    إن تشخيصنا لمشكلاتنا الأسرية يبين لنا أن علتنا إيمانية بالدرجة الأولى، وتواصلية علائقية في المرتبة الثانية.





    فإذا كان طريق التربية طويلا وشاقا، فإنه لمن أخلص نيته لربه ممتع وشيق، فلنعد إلى الله - سبحانه وتعالى - ولنثب إلى شرعه، ولنتمسك بكاتبه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولنبدأ بإصلاح القلوب بتخليصها من عوالق الأدران وعوائق الشرك والأوثان، ونجتهد في تزكية النفوس والترقي بها في مدارج الكمال الإيماني، فما أشبه القلوب بالزجاج من حيث الحساسية، والشفافية، وصدق من قال:



    إن القلوب إذا تنافر ودها *** مثل الزجاجة كسرها لا يجبرُ



    هلم - إذن - فلنستدرك وإياكم التجاوزات والأخطاء التي وقعنا فيها، ونفتح أبواب الحوار البناء، لأجل إحداث فهم مشترك بين الأسرة الواحدة والأشقاء.





    هيا نزرع بذور المحبة والتقدير والتعاون في ربوع بيوتنا التي تكهربت بالحقد والغل، وليكن ديدنا العناية الدائمة والرعاية المستمرة لهذا الغرس الجديد حتى يؤتي أكله بثمار يانعة وقت الحصاد - بإذن الله -.





    قد يقول قائل : نحن نشقى لأجل أسرنا فنكسب لقمة العيش، ونجهد أنفسنا في ذلك، ألا يكفي كل هذا؟!





    والرد على هذا الاستفسار أنه غير كاف، ولذا ينبغي أن نفرق بين الرعاية والتربية، فالأولى تعني الاهتمام بالمأكل والملبس والمشرب والعلاج، والثانية أكبر من ذلك كله، فهي تغرس القيم وتهذب السلوك، وتشبع العاطفة، وتصنع الشخصية.





    ينبغي أن يكون التعامل مع الإنسان راقياً وشفافاً، فمزيداً مزيداً من الاهتمام بالاستشارات الوجدانية التي مركزها القلب، والذي محل نظر الرب، قال تعالى : ﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾ سورة الشعراء.





    إن الحب لا يفرز إلا حباً، فحينما تتعانق القلوب وتندمج الأرواح يشعر المتحابون بالدفء الذي يوقد جذوة المحبة، فتذهب عن كل حبيب رعشة الوحشة ولوعة الفراق، وتغدو الحياة - وإن عظم الكرب وجل الخطب - أحلى من العسل المصفى، وأبيض من اللبن النقي، كما كانت الأسرة النبوية التي جمع بين زوجين متحابين متعاونين؛ الصادق الأمين محمد - صلى الله عليه وسلم - والطاهرة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها -.





    وختاماً ... أحبوا الله، وأحبوا رسوله، واجعلوا في قلوبكم ما يكفيكم من حبكم لأهلكم وأولادكم، ولا يغب عن أذهانكم طرفة عين أنكم تتعامل مع بشر لهم قلوب وعقول وأجساد، راعوا ثلاثية الأبعاد في التواصل مع العباد، فلا تكسروا زجاج القلوب ولا تجرحوا به أنفسكم، فخطره كبير، وشره مستطير، فقد لا يبرأ مدى الدهر، إذاً، فكونوا أهل عطاء ووفاء، واجعلوا عنوانكم الدائم جبر الخواطر وملامسة أعماق المشاعر.







    Link

Working...
X