X

الأستاذية الحقة

Collapse
  • تصفية
  • الوقت
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة
  • VIP
    • Sep 2018
    • 4779



    الأستاذية الحقة






    د. محمد إبراهيم العشماوي





    إن الأستاذَ الذي لا يرى نفسَه سوى أنه ملقِّنٌ للعلوم ليس له من معاني الأستاذية سوى هذا التلقين؛ فليست الأستاذية هي تلك الدرجة الرفيعة التي تمنحها اللجانُ العلمية لحامليها، فيزيِّنون بها سِيَرهم الذاتية، وتأتيهم الأرزاق من كل جانبٍ؛ فهذا المعنى حادثٌ في الإسلام، بل الأستاذية الحقَّة معنًى جامعٌ، يختلط فيه العلمُ بالأدب، والمعرفة بالسلوك، والتلقين بالقدوة، وشفقة المعلم برحمة الوالد!





    وهكذا كانت أستاذية السلف!





    يقول ابن وهبٍ : ما تعلَّمْتُ مِن أدب مالكٍ أفضَلُ مما تعلَّمْتُ مِن عِلمه!





    وقال ابن القاسم : صحبتُ مالكًا عشرين سنةً، فكان منها سنتان في العلم، وثمان عشرة سنةً في تعليم الأدب، فيا ليتني جعلت المدة كلها أدبًا!





    وقال الشافعي : قال لي مالكٌ : يا محمدُ، اجعل عِلمك مِلْحًا، وأدبَك دقيقًا!





    وقال إبراهيم النَّخَعي : كنا نأتي مسروقًا فنتعلم من هَدْيه ودَلِّه!





    ولن يتأتى ذلك إلا إذا تربى الأستاذ من الصِّغر على أيدي أساتذةٍ حقيقيين، بالمعنى الجامع الذي ذكرناه، يغرسون فيه معنى الأستاذية الحقة، ويُعِدُّونه لتلك المهمة الثقيلة، مهمة تنشئة الأجيال، وتربيتها على هَدْي الإسلام، لا على هَدْي السلَّم الوظيفي، والقرارات الإدارية!





    فأما هذه النشأة الرتيبة التي أَلْهَتْ أصحابَها الوظائفُ، والدرجات، والتقاليد الجامعية المزعومة التي ما نزل بها قرآنٌ، ولا ورَد بها حديثٌ - فلن تكون ثمرتها إلا جماعةً من الموظفين، مهمتهم التلقين، وحشو الرؤوس بكل غريبٍ وطريفٍ، وكتابة بعض الأوراق البحثية المعادة المَكرورة، وتعبئة استمارات الجودة المزعومة، وتختيم أوراق الاختبارات، وإعداد كشوف النتيجة.





    وبينما هم كذلك إذ قامت في الغرب (الكافر الملعون!) نهضةٌ عملاقةٌ، قامَتْ على الأستاذية الحقَّة التي أغفَلْناها، ولكن في ثيابٍ غربيةٍ، ومُنِح أطفالٌ دون سن الخامسة عشرة درجة الدكتوراه؛ نظرًا لتفوقهم العلمي، وصار الطلاب أساتذةً وهم بعدُ صغارٌ، وأصبح لكل أستاذٍ مدرسةٌ علميةٌ خاصةٌ به، ينحاز إليها طلابه، وعلى أكتاف هذه النهضة العلمية، التي تفهَّمَتْ معانيَ الأستاذية عند سلفنا الصالح، قامت الحضارة الغربية، وسادت العالم سياسيًّا، واقتصاديًّا، وعسكريًّا، فيما يعرف بالنظام العالمي الجديد، أو العولمة، التي ذابت معها كل النُّظم؛ ليسود الكلَّ نظامٌ واحدٌ!






    فلماذا نحن نعيش كل معاني العولمة في المأكل والملبس، وفي كل نُظم الحياة تقريبًا، ولا نعيشها في الجوانب المضيئة المشرِقة التي تنفعنا وترفعنا؟!





    لقد أخذنا عن الغرب أوراق الجودة مترجمةً حرفيًّا، ليس فيها آيةٌ ولا حديثٌ، دون أن نأخذ عنه حقيقتَها وجوهرها!





    والنتيجة : أكثر من عشر سنواتٍ، وبرامج التطوير والجودة تغزو الجامعات العربية، والجامعات هي الجامعات، والأساتذة هم الأساتذة، والطلاب هم الطلاب، فكان ماذا؟!





    يا شباب الأساتذة، لقد ماهَتِ الأستاذية، وشاهَتْ معالمها، والأمل معقودٌ عليكم، والخير فيكم؛ فلا تخيبوا الآمال، وكونوا عند حسن الظن، فعسى أن يأتي يومٌ يكون فيه للأستاذ معنًى، ولحقيقته وجودٌ!






    Link

Working...
X