X

كن جميلا (6).

Collapse
  • تصفية
  • الوقت
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة
  • VIP
    • Sep 2018
    • 4587



    كن جميلا (6)





    محمود توفيق حسين



    [1]



    عندما تجلس مع أصدقائك متباهيًا برجولتك على أهلك وكيف أنك بقية نادرة من سلالة "سي السيد"، لا تضغط على صاحبكم الذي يتصف بتهذيبه مع زوجته ولينه معها، وتجعله مسخ الجلسة، وتقضي الأمسية تنخيه لكي تنتفض رجولته عليها، وأنت تتبادل الغمزات مع الجالسين، لا تفكِّر بأن (التسخين) طريقة ظريفة ولوذعية للتسلية، بل فكِّر في أن التسخين عامة وتسخين الأزواج خاصة عبث شرير ينتج عنه أنك ترسل شخصًا إلى أهله وهو يشعر بالغبن ويرغب في الانتقام.




    فكِّر في أن كل بيت تحدث به كيمياء خاصة بين الزوجين حسب تكوينهما النفسي وظروفهما وبيئة كل منهما، وأن ما يصلح أمر امرأة قد يفسد أمر شقيقتها، فكِّر بأن صاحبك في جو الندّية بينه وبين زوجته يتمتع بعلاقة زوجية شفافة، لا تشعر زوجته فيها بالندم أو تسبه في غيابه أو تدعو عليه، كما تفعل المتزوجات من البقية النادرة من سلالة سيد السيد، فكِّر بالمرتبة التي عرَّضتها زوجتك للشمس من تبول أطفالك بسبب ضربك لها في الليلة الأخيرة الكئيبة، بينما قام أطفال صاحبك في ذلك الصباح في نشاط وثقة لا يعلو وجوههم الخزي والامتقاع كوجوه أطفالك.



    [2]



    عندما تكون في فترة الخطوبة، سعيدًا مع عروسك حسنة السمعة طيبة الأهل، ربما تختمر في ذهنك فكرة اختبارها، تأتي إليك بغير داع، بأن تتصل من نمرة أخرى على جوالها ولا ترد منتظرًا رد فعلها، هل ستغلق الخط بسرعة أم تتمهَّل؟ أو تكلَّف شابًا أنيقًا باختلاق موقف ومحاولة لفت نظرها في أي مكان.




    لا تستسلم لهذه الفكرة طالما أنك لا ترى طرف خيط مقلق؛ لا تفكِّر بأنك تحمي نفسك من أن تكون مغفلًا، بل فكِّر بأنك تفسد فرحك بها وثقتك فيها بغير داع مما قد يفسد الخطوبة نفسها، وهذا هو التغفيل، أن تغفل عن صيانة الذي بين يديك، لا أن تغفل عن اكتشاف ما تتوقعه. لا تفكِّر بأن عليها أن تنجح وحدها، وأنك معذور بسبب المصائب التي تسمعها في كل مكان عن الخيانات والرجال المضحوك عليهم؛ بل فكِّر في أنك قد لا تكف حتى بعد نجاحها في أول اختبار، عن اختبارها مرات عديدة، وأن الاختبارات والمراقبة قد تزداد قسوة وانكشافا، وأنها لو نجحت وعرفت أنك تختبرها، ستراك صبيًا، وقبيحًا، لأنها أخذت حتى تفكر في السجاجيد والستائر وكافة تفاصيل بيتكما باعتبارك اختيارها المحسوم، وها هي تفاجأ بأنك تتصرف كما لو كنت على البرِّ تقلِّب الأمور في رأسك؛ فكِّر بأن الرجل الحقَّ قليل التفتيش.



    [3]



    عندما تكون طالب علم قد قطع شوطًا طويلا، ويجلس إليك شاب متحمس ومهذب بدأ في طلب العلم منذ فترة قصيرة، ويرغب في لفت انتباهك، بحثًا عن التقدير، كما كنت تبحث، وتكتشف عنده هفوة أو خلطًا مما يحدث لدى طلاب العلم الجدد عندما يذهبون تحت تأثير الحماسة أبعد مما تأهلوا له، لا تفكِّر بأنه خفيف القلب فارغ الوعاء وأصابه العجب، فتبتسم له ابتسامة إشفاق، وتضعه تحت إبطك معبرًا عن إحساسك بصغره، أو تحدثه عن أسنانه اللبنية وأنت تناديه بلقب تدليل، فكِّر بأن كل هذا من مظاهر الودِّ الجارح، وفكِّر في أن ما فيه مما يلم بكثير من المبتدئين من رضا مبكر واستبشار يشحنهم للمضي قدما، فكِّر في أن الإنسان يصدق نفسه، ثم يشتد عوده من بعد ذلك ويضحك من تلك السطحية التي كان عليها في البدايات، ولكنه يظل مدينًا بالتكملة لهذا الشعور الأول بأنه على ما يرام، فكِّر بأن أسوأ ثمرة لعلمك أن تخفض استنادًا إليه الروح المعنوية للآخرين.



    [4]



    عندما تقرأ لأحدهم رأيًا يخالف رأيك بشدة في موقع من مواقع التواصل، ويهاجم من تتحيز له بغير هوادة، لا تسبه ذلك السباب المنكر وتطعن في أمه التي لا حساب لها على الموقع ولا دخل لها فيما اختلفتم عليه؛ معتمدًا على أنه لا يملك أكثر من حظرك. امسح تعليقك ولا ترسله، لا تفكِّر في أنك إن أرسلته أسأت إليه، بل فكِّر في أنك إن أرسلته أسأت إلى نفسك. لا تفكِّر في أن هناك من يتفقون معك في الرأي ستشفي غليلهم، بل فكِّر في أن الكثيرين ممن يتفقون معك في الرأي سيمتعضون من أسلوبك، وسيشعرون أنك لا تمثلهم.




    لا تفكِّر في أن هناك من زادت شعبيتهم على المواقع بسبب طول ألسنتهم وفحشهم، بل فكِّر في أن شعبيتهم بسبب براعتهم ومعلوماتهم وقدرتهم على التحليل والربط وليست بسبب الشتيمة التي هي أسهل ما يتعلمه الأطفال، ولن تنقص شعبيتهم لو توقفوا عن الشتم بل ربما تزيد. فكِّر في أن المروءة تمنع الإنسان من سبِّ عرض إنسان آخر مستغلًا عدم إمكانية الملاحقة، فكِّر في أن الأمر صبيانيٌّ تمامًا كسباب المراهقين الطائشين الذين يقودون سيارة مسرعة، لشخص يقف على الرصيف لن يمكنه اللحاق بهم.



    [5]



    عندما تجلس إلى ابنك الذي تبث له دومًا رغبتك في أن يكون شخصية قيادية ورجلًا له وزن في المجتمع، لا تحرضه على أن يبذل قصارى جهده للتزويغ من الكمساري ليوفر على نفسه ما يدفع ثمنًا للتذكرة، لا تفكِّر في القروش القليلة التي سيدخرها أو ينفقها في شراء المرطبات والساندوتشات بدلًا من قطع التذاكر بها، بل فكِّر في كلفة ذلك على شخصيته، فكِّر في أن زميله الذي يجلس على كرسيه بكل احترام ويقطع تذكرته، وينزل في محطته بكل ثقة وتقدير للذات، سيكون مؤهلًا أكثر من ابنك الذي يتحرك في الحافلة كثعلب لئيم، وينزل أثناء حركتها هربًا من الثمن، معرضًا نفسه للخطر، ويتعرض للسباب من الكمساري من خلال النافذة قابلًا على نفسه الإهانة، سيكون مؤهلًا أكثر من ابنك للقيادة بعد عدة سنوات، سيكون إنسانًا أكثر قدرة على مواجهة استحقاقات الحياة العملية والاجتماعية أكثر من ابنك، ابنك الذي سيستمر في التهرب من الكمساري في عمله وفي بيته وفي عائلته.



    [6]



    عندما يأتي إلى العمل أحد الموظفين البسطاء عندك مثل عامل البوفيه، مصطحبًا طفلته التي سيستأذن ويذهب بها إلى مكان ما ثم يعود إلى العمل، احرص على أن يكون أسلوب معاملتك له أفضل من أسلوبك العملي المعتاد الذي يعبر عن الفارق بين وضعه الاجتماعي ووضعك، والفت نظر الآخرين إلى ذلك؛ ترقق له قليلًا في هذا الظرف الذي لن يطول، واجعل لهجتك أكثر ودَّا، لا تفكِّر بأن هذا وضعه المهني الذي تستوعبه طفلته، وأن الأمر لا يتطلب كل هذا القدر من الحساسية، بل فكِّر في أن هذا هو الأب قبل كل شيء، تراه الطفلة لأول مرة طائعًا مهمَّشا.




    لا تفكِّر بأن إحراجه قليلًا هو وسيلة معقولة لمعاقبته على جلبها معه، بل فكِّر في أن التبسم إليها وملاطفتها ورسم بسمة على شفتيها الصغيرتين سيمثل تقديرًا يرفع معنوياته ومعنوياتها، سيرد عليه بالعمل سائر اليوم بهمة وبروح الشكر، ولن يرد عليه بتكرار الزيارة.



    لا تفكِّر بأنه من الضروري أن لا تذهب الطفلة من هنا لتعود مرة أخرى، بل فكِّر في أن لا تذهب الطفلة من هنا بنفسية غير التي جاءت بها وقد جرحتها التجربة ورأت أباها الشائب يُنادى من شباب صغار بغير أي لقب، ويحتجون عليه لتأخره في تقديم الطلبات.






    Link

Working...
X