X

كن جميلا (7).

Collapse
  • تصفية
  • الوقت
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة
  • VIP
    • Sep 2018
    • 4779



    كن جميلا (7)





    محمود توفيق حسين





    [1]



    عندما يحدث خلاف بين صديقتك المقربة وخطيبها، لا تقضي وقتك في المتابعة بينهما، والتحدث إليه عبر التليفون طويلاً.



    لا تفكِّري بأنك تتمتعين بقدر من الحكمة تفتقده صديقتك، بل فكِّري في أن نفسك بدأت تزيِّن لك أن تشعريه بأنك أكثر حكمة منها وأعقل، وأن العيب فيها، لا تفكِّري بأنك تكررين له دائمًا قولك : (هي طيبةولكن فكِّري في أنك بدأتِ تكملينها هكذا : (هي طيبة لكن عيبها....)، لا تفكِّري بأنك إيجابية، بل فكِّري في أنه ليس من الإيجابية في شيء أن نضعف أمام كلمة تقدير مباغتة، لا تفكري بأنك فقط تستمعين إلى بوحه الطويل وعذاباته، بل فكِّري في أن طول الاستماع إلى صوته الشاكي يشد أوتار قلبك، ويجهزها لعزفه إن أراد، لا تفكِّري بأن لك أن تعتزي بدخولك هذا الأمر مرفوعة الرأس من باب الشهامة، بل فكِّري في أن عليكِ أن تخشي الخروج منه منخفضة الرأس وقد خسرتِ صاحبة عمرك.



    [2]



    عندما تخرج مع أصدقائك خروجًا عائليًا، ويجمعكم بنسائكم جلسة واحدة بدلًا من أن ينفرد النساء بالنساء، وتشعر برغبة في الحديث عن نظام حميتك، والتمارين التي تواظب على أدائها، وقد ملأك السرور لكونك تبدو أصغر سنًا من أقرانك الجالسين، الذين سبقوك إلى المشيب، وبرزت كروشهم، لا تفكِّر في أن هذا حديث بريء، بل فكِّر في أن هوى نفسك أن تكون المقارنة لصالحك مع بقية الأزواج، لا تفكِّر في أن غاية هذا الحديث وثمرته أن تحمد زوجتك الله على أن فضَّلها على غيرها بك، بل فكِّر في أن ثمرة هذا الحديث قد تكون حسرة إحدى الجالسات على حظها وهي ترى أنها أجمل من زوجتك وكان نصيبها من الرجال أقل من نصيبها؛ لا تفكِّر بأنها طريقة ظريفة لـ (أكل الجو)، بل فكِّر في أنها ربما تكون طريقة لـ (أكل قلب أحد أصدقائك) الذي صارت امرأته تنتقد قوامه كثيرًا في الفترة الأخيرة، لا تفكِّر بأن البشر قد جبلوا على إعلان تفوقهم، بل فكِّر في أن ما يعتمل بصدرك وما تميل للتعبير عنه من تغلُّب على الذكور الآخرين أمام الإناث هو سائد وفطري، في فحول الحيوانات.



    [3]



    إذا شدك ابنك من يدك ناحية عربة الفيشار المتواضعة في شارعكم، التي جهزها شقي من أشقياء الجيرة، ودَّع حياة السطو وبيع البرشام منذ فترة وجيزة، وتاب إلى ربه، واكتفى بالحلال القليل، ويهرع إلى الصلاة في الجامع وقت كل صلاة، ويعود بمشية منكسرة لا تشبه مشيته القديمة المتجبرة، ويتعرض للهزء والسخرية من الأشقياء، الذين يتعجبون من السبع الذي ارتضى لنفسه أن يتكسَّب من جمع أنصاف الجنيهات من الصبيان؛ لا تقل لابنك بل سنشتري من النادي أو من أي بائع نظيف، لا تفكِّر بأنه ليس من المناسب التعامل مع رجل مثله سيء الماضي، بل فكِّر في أنه من المناسب جدًا أن يقبله مثلك تحية وإكبارًا لتوبته، كي يكون مستقبل أيامه أفضل من ماضيه، فكِّر بأن صاحب هذا الوجه الذي تعرف قريبًا إلى دموع الندم، سيكون من الصعب عليه العيش طويلًا بين محاربة المجرمين وعدم اعتراف الشرفاء، فكِّر بأن تكسر أنت الحصار عمن لجأ إلى الله، فكِّر بأن العربة التي في النادي نظيفة بالفعل، ولكن لا عربة أنظف ممن استعان بها صاحبها على التوبة.



    [4]



    عندما تركع في صلاة الجماعة، التي حضرتها بزينتك وعطرك، وتصدم بأن الرجل البسيط الذي دخل في الصلاة الآن وحاذاك، مقطوع الجورب، وتظهر أصابعه من الأمام، وتنشغل باستنكار عدم اهتمامه بارتداء جورب سليم طيلة ركعاتك، وبإبعاد قدمك عن قدمه، وهو يصرُّ بحسن نية على أن لا يترك فرجة، لا تفكِّر بأنه لا يحسن القدوم على المساجد مثلك، بل فكِّر في أنه ربما يحسن القدوم على الله بقلبه أكثر منك، فكِّر بأنه ربما أتى الله بجورب مقطوع ولكن بقلب سليم، فكِّر في أن الخرق الذي في جوربه لا يفسد صلاته، بينما انشغالك بهذا الخرق وتأففك منه قد يفسد صلاتك.



    [5]



    عندما يدعوك المدير الإقليمي المفخَّم الذي انتدبت معه لبضعة أيام في مدينة سياحية تنتشر فيها علب الليل، لسهرة في أحد المراقص، وهو يعلم جيدًا أنك لا تذهب إلى هذه الأماكن، لا تقف أمامه رخوًا ضئيلاً، فيسحبك خلفه كالمنوَّم، اعتذر عن الذهاب معه اعتذارًا واضحًا أكيدا، لا تفكِّر بأن كلمة (لا) وقحة، وأن قبولك سيقرِّب المسافة بينكما، وأن من لطفه وتبسُّطه أن قبل السهر مع موظف بسيط، وأنها سهرة وتمر بسلام، وستتركه يحتسي الخمر وتشرب مياهًا غازية، ولن تنظر للراقصة ولا نظرة واحدة، بل فكِّر في أن مديرك الإقليمي هذا لو أخطأت في عملك بعد سهركما معًا لن يضع اعتبارًا لرفقة الليلة الماجنة وسيقول لك : (الشغل شغل)، فكِّر في أن من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس.




    فكِّر بأن من هوان الدين عندكم أنكم في فرع الشركة لم تنادوه لصلاة الجماعة معكم، بينما هو لا يجد بأسًا في مناداة من يرافقه منكم للسكْر والمجون.



    [6]



    عندما تتحدث مع صديق عمرك المفلس مثلك، عن أمنيتك في أن تدخل الأرض التي ورثتها في كردون المدينة فيرتفع ثمنها وتبيعها، لكي تقيم مشروع المطبعة الذي تحلم به، والذي تعده بأن يديره معك لأنك تثق به، وتعتمد عليه، وتحب أن يجمعكما العمل كما جمعتكما المؤازرة في الأيام الصعبة؛ وها هو حلمك يتحقق أخيراً، وتتعاقد بالفعل على الماكينات، وتبدأ في الشعور بالرغبة في الانفلات منه بحجج واهية، لا تفكِّر بأنك لم توقع عقدًا مع صاحبك، بل فكِّر في أنك وعدته، ولا يليق بك أن تعد وتخلف، لا تفكِّر بأن خير وسيلة للحفاظ على الصداقة إبعادها عن الشغل، بل فكِّر بأنك لم تذكر هذه القاعدة عندما لم تبعد الصداقة عن أحلام الشغل، فكِّر بأنك لن تحفظ عهد الصداقة بهذه الفعلة، بل تنهيه، لا تفكِّر بأن فكرك تغير ونضج عندما قبضت على المال، بل فكِّر في أنك تعريت أمام نفسك، فقد كنت تستغل صداقته في الفضفضة، ولكي يصبر على فضفضتك رشوته بالحلم، وعندما تحقق حلمك، لم تعد بحاجة إليه، لأن عهد الفضفضة قد انتهى.







    Link

Working...
X