X

كن جميلاً (8).

 
  • تصفية
  • الوقت
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة



    كن جميلاً (8)





    محمود توفيق حسين





    [1]



    عندما تقف في محطة البنزين، بسيارتك التي بها علب مناديل كثيرة مغلقة، أخذتها من محطات أخرى ولم تستهلكها بعد، وتضع 25 لترًا، وتطلب علبة المناديل الورقية الهدية، ويتأسف لك العامل لأن المعمول به عندهم أن يقدموا الهدية لمن موَّن سيارته بـ30 لترًا أو يزيد، لا تلح على العامل، وتجادله بأنك اعتدت على الحصول على العلبة بشرائك 25 لترًا فقط، ولا تلح عليه كي يستثنيك من القاعدة المقررة، ثم تنهي حوارك معه يائسًا غاضبًا: (محطة نصابة).



    لا تفكِّر بأنك شخص إيجابي لا يترك حقه، بل فكِّر في أن حقك هو الـ 25 لترًا، أما هذه فهدية تسويقية بسيطة، لا يليق بك أن تتفاوض بشأنها، لا تفكِّر بأن (الشاطر) هو من يأخذ أقصى ما يستطيع ولو من أعين الناس، بل فكِّر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :



    حم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى)، فكِّر في أنه لا أحد تصيبه التعاسة من قلة المناديل، ولكن منازعة الناس في كل أمر حتى ولو كان المناديل تصيب الإنسان بالتعاسة.



    [2]



    عندما يتخذ صاحب العمل قرارًا بالاستغناء عن خدماتك، بناءً على تقارير سلبية متتالية من مديرك المباشر، ويوفقك الله لعمل آخر أفضل أجراً، ولا زلت ترسل لصاحب العمل القديم رسائل تدعو فيها عليه، ومقاطع لكبار الشيوخ عن عواقب الظلم، وتخبره أنك في العمرة دعوت عليه هناك وأنت متعلق بأستار الكعبة، لا تفكِّر بأنك تثيره ضد المدير المباشر الذي تراه ظالما، بل فكِّر في أن هذا السلوك منك بعد كل هذه المدة سيدفعه أكثر للاقتناع أكثر بوجهة نظر المدير فيك كشخص صانع للمشاكل.




    لا تفكِّر في حقوقك عنده، بل فكِّر في أشياء أخرى أخذتها منه بغير وجه حق لحاجتك الشخصية، كالأوراق والأقلام واستخدام هاتف العمل وسيارة العمل، وفي اغتيابك الروتيني له مع الزملاء، وكلها مما تحب أن يعفو عنك فيها يوم القيامة.



    [3]



    عندما تذهب للاقتراض من صاحبك التاجر الثري، فيخفض رأسه متأسفًا بحجة أنه لا نقدية معه هذه الأيام، وماله موزَّع بالسوق، وأنه يصعب عليه أن يضطر لردك بغير أن يلبي طلبك؛ ويتركك تمضي بعد أن يجبر خاطرك بالكلام ويودِّعك إلى باب متجره؛ فتعرج على الصديق التاجر الآخر المقتصد في كلامه، فيعطيك ما تريد، بعد أن يسألك عن موعد السداد وبعد أن يكتب ورقة بالدين؛ وتبيت ليلتك مهمومًا مما وقَّعت عليه، بدلًا من أن تكون سعيدًا بما اقترضت.




    وتنطلق في يومك التالي في طريقك لجلسة تضم بعض الأصدقاء وأنت متحفز تعضّ على شفتك، وتنوي أن تمدح (الأصيل) الذي وهبك حلو الكلام، وتسب وتلعن ذلك (الخسيس) الذي أعطاك ما تريد، راجع نفسك جيداً، وابتلع ما حزَّ بنفسك من روحه العملية؛ لا تفكِّر بأن الأول أبرّ وأحنّ من الثاني، بل فكِّر في أن منحة الجيب أصدق من منحة اللسان، لا تفكِّر بأن الطلب أسقط قناع الأخ عن وجه من أقرضك، حينما جعلك توقِّع على ورقة دين واستدعى شاهدين، بل فكِّر في أن الأول ربما لا زال يحتفظ بقناعه ونقوده وبك.



    لا تفكِّر بأن الإقراض كرهٌ له، بل فكِّر في أن رد القرض يوم الوفاء إن وفَّيتَ كرهٌ لك.



    [4]



    عندما يصرخ فيك زوجك العصبي في مشاجرة بينكما، ثم يمضي بعد أن يغلق باب البيت من ورائه بعنف، وتصيبك حالة من الغليان، وتذهبين إلى المطبخ لتوقظي الطفلة الخادمة الجديدة بقدمك، فتقوم مذعورة مما يبدو على وجهك من تغيُّر، وتسحبينها من يدها لتعيد ترتيب الملابس في الخزانة من جديد، فتفعل وهي تبلع ريقها، وتنظر إليك كل حين برهبة، ثم تمسح الشقة وأنتِ فوق رأسها غير راضية ومستمرة في توجيهها بغلظة، وهي تطيعك وتتمنى لو تعرف ماذا دها السيدة الطيبة؟!



    لا تفكِّري بأنها شحنة تفرِّغينها، بل فكِّري في أنها شحنة تصبِّينها فيمن لا ذنب لها؛ لا تفكِّري في أنه بعد ذلك يمكن لك إرضاؤها بسهولة، بل فكِّري في أنه لا يحق لك إصابتها بالهم بهذه السهولة، لا تفكِّري بأنها تخدمك، بل فكِّري في أنه ليس من خدمتها التنفيس.



    [5]



    عندما تقف في طابور خدمة، والموظف الجالس أمامكم شاب صغير مرتبك يبدو عليه أنه حديث التعيين ليس لديه الخبرة الكافية، ويأخذ وقتًا أكثر من المعهود في إدخال البيانات، لا تفكِّر بأن أجمل أسلوب لتمضية الوقت هو التندر عليه مع من حولك، كأن تقول (جاء ليتعلم فينا!)، بل فكِّر في أن كلمة كهذه لو نطقتم بها وسمعها ستعلِّمون فيه، علامة قاسية، لا تفكِّر بأن هذا الجالس المرتبك أضاع عليك وقتًا من أوقاتك، بل فكِّر في أنه منحك دون قصد فرصة لإمضاء هذه الدقائق في الاستغفار بدلًا من السخرية من شاب صغير يحارب من أجل أن يكتسب خبرة، ويصبر على أذى الخبراء أمثالكم؛ لا تفكِّر كم هي مستهترة هذه الشركات التي تصدِّر قليلي الخبرة، بل فكِّر كم هو قاسٍ هذا المجتمع الذي لا يصبر على من يرغبون في التعلم واكتساب الخبرة.



    [6]



    عندما تذهبين لحفل زواج أحد الأقارب، ويتم توزيع المرطبات وعلب بسيطة تحتوي على ساندوتشين، ويأخذ كل فرد من أسرتك نصيبه إلَّا طفل واحد، وبدا بالفعل أنه لا يوجد المزيد من العلب، حاولوا اقتسام ما معكم مع الصغير، أو فضَّليه أنتِ على نفسك، لأن الأمر بسيط جدًا، لا تفكِّري في أنه يحق لك الصعود للعريس في الكوشة لتوشوشيه حتى يتصرف، بل فكِّري في أن تتصرفي بنفسك، لا تفكِّري في أن إلقاءك هذه المشكلة على الآخرين من باب العشم، وأن الناس غالبًا ما يقابلون حرصك وإصرارك بابتسامة، بل فكِّري في أن الناس حتى ولو تبسَّموا فإنهم لا يحبون أن يزعجهم أحد بالمشاكل التافهة وهم فيما هم فيه، لا تفكِّري في أن الأمر شطارة ويقظة للحقوق، وأن رجوعك بعلبة في النهاية بعد أن يلف الآخرون ويدوروا حتى يأتوا بها لخير دليل على سلامة أسلوبك، بل فكِّري في أن هذا غالبًا ما يفوز به المزعجون : شيء بسيط دفعوا ثمنه خصمًا من رصيدهم وصورتهم.







Working...
X