X

كن جميلاً [9].

Collapse
  • تصفية
  • الوقت
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة
  • VIP
    • Sep 2018
    • 4633



    كن جميلاً [9]



    محمود توفيق حسين




    [1]





    عندما تحدث مشاجرة بين قريبتك الشابة وزوجها، وتمر عليها عند أهلها لتستبين الأمر، وتسمع منها شكواها، لا تأخذك العنترية، ولا تجعل طفلها يسمع منك شيئًا عن أبيه يسيئه، لا تفكِّر في أن كرامة العائلة تستلزم تأديب الزوج، بل فكِّر في أن حفظ كرامة العائلة يستلزم حفظ كرامة الأصهار، لا تفكِّر بأنه ظلمها بالتأكيد، بل فكِّر في أن الناس يتكون عندهم غالبًا شعور سطحي بأن الطرف الذي يخصهم في العلاقة الزوجية على حق، فكِّر بأنه كثيرًا ما استشاط الناس غضبًا للجزء الذي استمعوا إليه من القصة، ثم اتضح لهم أنهم سمعوا قصة مبتورة.






    لا تفكِّر بأنها لحظة الحماسة التي ستغير حجمك العائلي، بل فكِّر في أنها لحظة الكياسة التي تغير وزنك العائلي، لا تفكِّر بأنه لا يليق بك التغابي عن تنخيتها للحاضرين : (جيبوا لي حقي يا رجالتي)، بل فكِّر في هذا الصبي الصامت المصفرّ الوجه الذي أفقدته الصدمة القدرة على المطالبة بأي شيء، واجعل له نصيبًا من نخوتك.





    [2]





    عندما يكون لك زميل في الإدارة يمتلك النشاط والتفاؤل والإصرار على تحقيق أهدافه رغم الصعوبات الجادة، لا تقل له إنه لا فائدة من الاستماتة على الإنجاز في هذا المكان البائس، وإنه لن يصل للترقية التي يرغب فيها في نهاية الأمر لأنهم سيفاجئونه بعد كفاحه بجلب مدير من خارج الشركة، وإنه حتى لو ذبح نفسه في العمل لن يتمكن من تحقيق المستهدف البيعي ويصرف الحوافز، لذا فعليه أن يرفق بنفسه. لا تفكِّر بأنك أكثر حنكة، وأنك تنصحه كي يفيق من سذاجته، بل فكِّر في أنك في الحقيقة تبذل جهدك في كسر معنوياته حتى لا يفضحكم بالفارق بين إنتاجيته وإنتاجيتكم، لا تفكِّر بأنك تكره فيه قلة كلامه عن حقوقه، بل فكِّر في أنك تكره فيه احترامه لواجباته، لا تفكِّر في أنك تمارس شيئًا من الفضفضة المعتادة بين أصحاب الهم الواحد، بل فكِّر في أنك بكثرة هذا الفضفضة وكثرة صموده سينمو في صدرك شيء من العدائية تجاهه وتجاه (محاولتهفتحزن بنجاحه وتشمت بفشله، فكِّر في أن التعري الأخطر ليس بسبب الفارق بين إنجازه وإنجازك، بل التعري الأخطر هو ما ترصده داخلك من مشاعر قبيحة بدأت تنبت وقد غذتها الفضفضة.





    [3]





    عندما تقف في محلك لبيع وإصلاح إطارات السيارات على الطريق الصحراوي، ويعترض الزبون على السعر المبالغ فيه للإطار وتركيبه، لا تكلمه بهذا القدر من اللامبالاة وبدون أن تنظر إليه، وتقول له هذا ما عندنا، لا تفكِّر بأن اللطف سيكثر الجدل ويرفع وتيرة الاحتجاج، وأن المستغل لا بد أن يكون نافرًا حتى ينجز بغير صداع، بل فكِّر في أن اللطف سيمنع عنك أن يشتري الرجل وهو غير مسامح، سيمنع عنك الكثير من الدعاء بالمحق، لا تفكِّر بأنه لا يضايقهم إلَّا دفع مبلغ فوق المعتاد، بل فكِّر في أن ما يزيدهم انفجارًا هو شعورهم بالقهر بسبب استغلالك واستخفافك.





    فكِّر بأن الناس سيساعدونك على الشعور بالاقتناع حتى يقاوموا الشعور بالتعاسة، فلا تصرّ على أن تشعرهم أنهم يتعرضون للي الأذرع، فقط قل لهم إنك تبيع بزيادة عما يبيع به زملاؤك في المدينة الذين يرد إليهم زبائن أكثر، حتى يمكنك الاستمرار في خدمتهم في هذا الخلاء.





    [4]





    عندما تستضيف زوجتك بعض صديقاتها في البيت، وتطول بهن الجلسة، وعلى غير العادة، إلى وقت عودتك من العمل، لا تضغط عليها عبر الهاتف وأنت تقاطع صوتها الهامس المحرَج المستعطِف، حتى تتصرف وتنهي الجلسة بأي طريقة قبل وصولك إلى البيت، لا تفكِّر بأن امتداد الجلسة إلى وقت رجوعك هو محاولة منها لإثبات سيطرتها عليك، بل فكِّر في أن امتدادها يعبِّر عن عدم سيطرتها على ضيفاتها وتحرجها منهن؛ لا تفكِّر في أن العلاقة بينكما صارت تحتاج إلى ضبط اتزانها، بل فكِّر في أن العلاقة بينكما تتقوى وتتزن بسعة صدرك وتفهُّمك للظروف الطارئة، لا تفكِّر فيما عليك أن تفعله لحفظ صورتك، بل فكِّر في أن الرجل تهتز صورته عند زوجته إذا هزَّ صورتها أمام الناس.






    قد تستطيع بشيء من الخشونة أن تثنيها عن ذلك للأبد، لكن لا تفكِّر بأن جمال السيادة في الإثناء، بل جمال السيادة في الاستثناء.





    [5]





    عندما تكلف شابًا رقيق الحال من بلدك بأن يبحث لك عن أرض مناسبة في البلد لتبني عليها بيتك، وتبدأ في إغرائه بأنك ستوفر له فور عودتك فرصة عمل مميزة بالبلد الخليجي الذي تعمل به، وأنت حتى ليس لديك أي تصوُّر واقعي لكيفية تنفيذ ذلك، وتسأله أسئلة عن إجادته للإنجليزية والكمبيوتر، من باب سبك الدور؛ لا تفكِّر في أن هذا سيجعله أكثر إخلاصًا وجدية في البحث، بل فكِّر في أنك لن تجزي مخلصًا على إخلاصه، وستجدد إحباطه بعد أن تعلق بكلامك وصدَّقك؛ لا تفكِّر في أن هذه طريقة رخيصة في الحصول على الأرض؛ حتى لا تتعرض للاستغلال من محترفي اللعب على الأثرياء والمغتربين، الذين ربما وفروا لك أرضًا وغالوا في سعرها وأكلوا مالك؛ بل فكِّر في أنها طريقة رخيصة لأنها قائمة على استغلال حاجة إنسان وشوقه لفرصة عيش كريمة؛ لا تفكِّر بأنه سينسى الفرصة، بل فكِّر في أنه لن ينسى الخدعة؛ لا تفكِّر بأنه من الشطارة أن توفر ما يمكن توفيره من مالك بشيء من الدهاء، بل فكِّر بأنه من العار أن يرد هذا المسكين يدك الممدودة بالسمسرة بكل عزم، رغم حاجته إليها، آملًا في اتصال قريب منك يبشِّره بفرصة السفر.





    [6]





    عندما تجلسين إلى زوجك الذي ضاقت به الأحوال بعد أن عشت معه أيام سعد، وتحكين له عن منجزات من حولكم، والأرض التي اشتراها زوج أختك الشاطر الذي يدبِّر أموره جيدا، وأخيه الأنيق الذي يحفظ كيانه الذي أخذ أسرته إلى شرم الشيخ، بينما أنتم غير قادرين الآن على الذهاب لأي مصيف، وابن الجيران النشيط حديث التخرج الذي اشترى سيارة حديثة بالقسط، وهي أفضل من سيارتكم التي تهالكت وكثرت أعطالها؛ لا تفكّري بأنك تدفعينه من ظهره الكسول إلى سباق التحدي، حتى يلحق بهؤلاء الذين سبقوه جميعًا وتركوه هائمًا يعرج في المؤخرة، بل فكري في أنك تدفعينه من ظهره للسخط من قضاء الله؛ لا تفكِّري في أنك تقولين هذا لأنك تريدينه الأفضل، بل فكِّري في أن الرجل تذبحه المقارنة، ولا يحب أن يصل إليه أنه لا يملأ عين زوجته؛ لا تفكري في الأشياء الرائعة التي لم يعد قادرًا على توفيرها لكم كسابق عهده، بل فكري في أن أروع الأشياء التي يقدِّمها الزوج لأسرته هي إيثاره لهم على نفسه، فكري في هذا الحذاء الرثّ الذي في قدميه، الحذاء الذي خصفه وخيَّطه بخيط أبيض غليظ، بينما اشترى لكم جميعًا أحذية جديدة؛ لا تفكري في أنه انسحب من أمامك للشرفة كي يهرب من مواجهتك وحديثك، بل فكِّري في أنه ذهب للشرفة حتى لا ترين دمع عينه.







    Link

Working...
X