X

كن جميلا [11].

Collapse
  • تصفية
  • الوقت
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة
  • VIP
    • Sep 2018
    • 4625



    كن جميلا [11]





    محمود توفيق حسين





    [1]




    عندما يكلمكِ زوجك الموسَّر وهو مرتبك نتيجة لتوقعه لرد فعلك، عن نيته لترك الأرض الصغيرة الموروثة في البلد لأخيه الفلاح الرقيق الحال، ليعينه بها على المعيشة وكثرة العيال، لا يتجهَّمْ وجهك ولا يبدُ عليك الغيظ وأنتِ فيما أنتِ فيه وعيالك من نعمة الله؛ لا تفكِّري بأن أخاه استغلالي، بل فكِّري في أنه محتاج، لا تفكِّري في أن زوجك على النية، ولو وقع لن يجد أبدًا من يمد له يده ممن يساعدهم، وأنه يجب أن يفيق في هذه الغابة، بل فكِّري في أن الله يوسع عليه بقدر إنفاقه في الخير وصلته الأرحام وبرِّه بأهله؛ لا تفكِّري في أن عيالك أولى، بل فكِّري في أنك لو كبرتِ وكبر ولداكِ وأثرى أحدهما وافتقر الآخر، لقضيتِ أيام مشيبك في توصية الثري بأخيه الفقير، ولن يكون هناك ما هو أكثر تنغيصًا عليك من زوجة لابنك الثري تمنعه من أن يحنَّ على شقيقه المسكين؛ فلا تحلّ يداك الشابتان الحبل بين زوجك وأخيه على مر السنين، فتحل أنثى ما في قادم الأيام ذلك الحبل بين ولديك مهما اجتهدتِ في شيخوختك بيدين مرتعشتين في إعادة ربطه.






    [2]





    عندما تسير بسيارتك في الشارع الذي لا يمرر إلَّا سيارة واحدة بعكس الاتجاه دون أن تدري، ويبدو مركزك المرموق من نوعيتها الفخمة، ومن الشارة التي على زجاجها، وتجد أمامك سيارة أجرة قادمة، وتدرك أنك تخالف في سيرك، لا تتردد في الرجوع؛ لا تفكِّر في أنه من الإذلال أن تتقهقر بسيارتك أم سيارة أجرة، بل فكِّر في إنه من النبل واحترام الذات أن ترجع عن خطئك وتتقهقر بسيارتك المخالفة لسيارة سليمة السير، فتقهقُر سيارة أهون من تقهقُر الأخلاق؛ لا تفكِّر بأن هذا الأشعث سيشمت بك وسينفِّس عن حقده الطبقي بفرحة صبيانية عندما تنسحب من أمامه بظهر سيارتك وهو يتقدم نحوك كأنه يطردك، بل فكِّر في أنه سيقدر ذلك الوجيه النافذ الذي لا يجد مثله سهلًا رجَّاعًا للحق، لا تفكِّر بأن البسطاء يخافون من العين الحمراء، بل فكِّر في أنهم يطربون لأدب الكبار وتواضعهم.






    [3]





    عندما تكلف أحد أصدقائك ممن لهم خبرة بالسيارات، بالبحث معك عن سيارة مستعملة، وبعد أن يجد لك السيارة المناسبة وتطمئن إليها وتشتريها، ويحدث لها عطل بعدها بأيام يكلفك الذهاب إلى ورشة لإصلاحها؛ لا تفكِّر بأنه ورَّطك فيها، بل فكِّر في أنه عرضها عليك، لا تفكِّر بأنه لو كان يشتري لنفسه لكان أكثر اهتماماً، بل فكِّر في أنك كنت تشتري هذه السيارة لنفسك ولم تكن أكثر اهتمامًا منه؛ لا تفكِّر بأنك تدفع الآن ثمن ثقتك بالناس، وأنك يجب أن تسمعه على الهاتف كلمتين، تؤنبه فيهما على توريطه لك، وتلمح إلى ما بدأت تشك فيه من أنه ربما باعك لصاحب السيارة الأول، بل فكِّر في أنك لو فعلت به هذا سيكون قد دفع ثمنًا غاليًا لمساعدته للناس؛ فكِّر في أن إقلاعه عن تقديم العون للآخرين أسهل كثيرًا من إقلاعك عن طلب المساعدة.






    [4]





    عندما تنبهك زوجتك مرة أخرى لضرورة إحضار فني لمعالجة الرشح في الحوائط الذي ظهر مؤخرًا نتيجة عن تسرب المياه بالمواسير، لا تفكِّر بأنها زنانة عجول، بل فكِّر في أن من طبعك إهمال هذه الأمور وتأجيل علاجها، لا تفكِّر في أنها تضغط دائمًا بشكل متواصل ولحوح ليتحقق ما تريد، بل فكِّر في أنها لا تحيا تحت هذه الحوائط وحدها، لا تفكِّر في أنها تقلب البيت بحثًا عن النواقص والمنغصات، بل فكِّر في أن علامات الرشح التي تظهر فوقك لا تحتاج إلى من يتتبعها بعدسة مكبرة.






    [5]





    عندما تكون مديرًا عامًا للشركة، وطبعك في اصطياد الفرص لا زال مسيطرًا عليك، ويسيل لعابك لشراء كل المكيفات التي ترغب الشركة في التخلص منها بالبيع، بثمن بخس، لتعيد بيعها في السوق، رغم أن هناك بعض الموظفين يرغبون في شراء هذه المكيفات لبيوتهم؛ مثلما تحرص على أن تأخذ لنفسك كل بطاقات الدعوات التي ترد للإدارة، وكل الهدايا العينية، ومثلما اشتريت سيارة الشركة من قبل برخص التراب بخصم كبير وبعتها في السوق، رغم حاجة أحد الموظفين لشرائها لنفسه؛ لا تفكِّر بأن هؤلاء الموظفين الحاقدين لو كانوا محلك ما فلت منهم شيء، بل فكِّر في أن من كان محلك ويأخذ راتبك الكبير، يكسر هيبته وتقديره أن يبدو جشعًا أنانيا، لا تفكِّر بأن هكذا نصيب الأسد، بل فكِّر في أن الأسد يدع إن شبع، فكِّر في أن الموظفين يتحملون المدير الذي يتسم بالقسوة والنزاهة أكثر مما يتحملون المدير النهِم.






    [6]





    عندما تدخل معرضًا للسيارات ومعك أطفالك، ويتوزع هجومهم على السيارات المعروضة، فتحًا وغلقًا ولعبًا في المرايا، وتركًا لعلامات بأحذيتهم على فرشها، بينما أنت تسأل البائع المهذب المتوتر بهدوء وراحة بال عن سعر تقسيط سيارة معينة، ومواصفاتها، ببطء شديد وعناية وتكرار، وهو يتلفت حوله ناحيتهم خائفًا من شغبهم وانفلاتهم، حتى يضطر في النهاية لأن يصيح فيهم ويغلق السيارات، فتأخذ أولادك وتمضي مرتاحًا تشعر بالإشباع بعد أن عرفت ما تريد معرفته؛ لا تفكِّر بأن الأمور توقفت عندما اعترض، بل فكِّر في أنه يجب على العاقلين الذين يقدرون مشاعر الآخرين أن لا يلجئوهم للاعتراض عليهم وإيقافهم من الأساس؛ لا تفكِّر بأنه ضيق الصدر، بل فكِّر في أنك بطيء التنبه؛ لا تفكِّر بأنك أخذت غرضك من هذا الإنسان، بل فكِّر في إنه بإمكانك أن تأخذ غرضك بغير خصمٍ من أعصابه؛ فكِّر في أنك تركت رجلًا مهمومًا يفتش في السيارات يتمنى ألَّا تعود.






    [7]





    عندما تكون في صلاتك في مصلى الشركة، تنقرها نقرا، لتذهب لتناول الطعام في ساعة الراحة، ويحاذيك فجأة أحدهم، وسرعان ما تميزه، من رائحته اللافتة، ونحنحته، إنه المدير العام؛ فتغمرك السكينة، وينزل عليك الخشوع، وتطيل في ركوعك وسجودك، ثم تسلم، وتقوم وأنت تشعر بالانشراح والرضا؛ لا تفكِّر في أنك راعيت حق صلاة الجماعة، بل فكِّر في أنك راعيت صلاة المدير، فكِّر في أن الله أحق أن تخشاه، فكِّر في أن مديرك يسجد لمن تسجد له.






    [8]





    عندما تكون زوجًا طيبًا حلو اللسان مع زوجتك، وتطمئن نفسك لكون هذا كافيًا لدوام حبها لك، متغافلًا عن رائحة فمك الذي لا تعتني بتنظيفه، لا تفكِّر بأن أهم شيء هو ما يبوح به الفم، بل فكِّر في أهمية ما يفوح منه أيضا، لا تفكِّر بأن بينك وبينها وبين الناس جميعًا حسن خلقك، وأدب تعاملك، بل فكِّر في أن الرائحة الكريهة هي نوع صامت من الفظاظة وسوء العشرة.






    [9]





    عندما تصطحب زوجتك لأهلك، وتجد نفسك وعلى خلاف ما عوَّدتها تخشنُّ في النداء عليها أمام أمك وأخواتك المتزوجات والآنسات طالبًا القهوة، كي توصِّل إليهن رسالة أنك مسيطر على الوضع في بيتك، ويحمر وجهها غضبًا وخجلًا وهي تنظر إلى عينيك وتنكرهما كأنها غير العينين، وتقدم إليك فنجانك، وتتوارى منتظرة نهاية هذا اللقاء العائلي الذي جاء خصمًا من كرامتها؛ لا تفكِّر بأنك تبرئ نفسك من تهمة الخضوع للزوجة التي تسخر بها أمك وأخواتك من أخيك الرخو، بل فكِّر في أنك تتهم نفسك أمام زوجتك بالمزاجية والمظهرة الفارغة؛ لا تفكِّر بأنك بهذا ستحب زيارة الأهل كثيرًا بعد أن نجوت من استهزائهن الذي عزَّت بسببه خطوة أخيك لأهله، بل فكِّر في أن زوجتك ستكره الذهاب معك لهذا المكان الذي يتبدَّل فيه حالك ويذهب فيه ودُّك؛ فكِّر في أن كرامة زوجتك صارت بضعًا من كرامتك.






    [10]





    عندما تكون على موقع التواصل الاجتماعي، وتضبط خطأً لغويًا لأحد المشهورين بسلامة اللغة، وتكتب ملحوظتك بصيغة محقق رسمي، وتضع ثلاث علامات استفهام وثلاث علامة تعجب، وتشعر بالحماسة للضغط على زر الإدخال، راجع نفسك؛ لا تفكِّر بأنك تغار على اللغة، بل فكِّر في أنك ربما تغار منه، فمن يغار على اللغة يغار على أهلها وينصحهم بهدوء واحترام، وربما على الخاص؛ لا تفكِّر بأنه سيتأني ويحفظ سمعته ويراجع قبل أن يضيف ما عنده، بل فكِّر في أنه ربما يجد في اتخاذه العامية إعفاءً من الحرج، ومانعًا لإساءة من يظن أن التصحيح هو وسيلة مثالية للفت الانتباه على حساب الآخرين.





    Link

Working...
X