X

تدخين الهوانم والهندسة الاجتماعية.

Collapse
  • تصفية
  • الوقت
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة
  • كمال بدر
    VIP
    • Sep 2018
    • 4541



    تدخين الهوانم والهندسة الاجتماعية





    محمود توفيق حسين





    تدخين المرأة من الناحية الدينية ليس قضيةَ نوع؛ فالتدخين قطَعَ العلماء بِحُرمته على البشر ذكورًا وإناثًا، وبالإضافة إلى هذا التحريم، نجد أن المجتمعات الشرقية لا زالت - برغم التغيرات التي نالت أنسجةَ مجتمعاتها - تنظر نظرة سلبية لتدخين المرأة، ربما أكثر من نظرتها لتدخين القاصرين الذكور.





    وبمناسبة تدخين القاصرين الذكور، فإنه من المتعارف عليه أن الشوق إلى عالم الرجولة الكاملة، هو الذي يدفع الصبيَّ إلى دخول هذا العالم، الذي يصعب الفكاك منه، إلا لمن رحم ربي.





    ولكن ما الذي يدفع امرأةً على نحو خاص لخوض التجربة؟ هل ثمة محفِّزات خاصة لذلك، غير عالم الرجولة الكامل؟





    المراهقات اللائي يدخنَّ في سن السادسة عشرة ونحوها، لَسْنَ من خلفية اجتماعية واحدة، الظاهرة ذات مستويات مطمئنة بين بنات الطبقات الوسطى، إذا تم مقارنتهن بغيرهن؛ فثمة فريق كبير نسبيًّا من المدخنات، ممن يوصفنَ ببنات الطبقة الراقية، حيث للبنت حجرة خاصة، وحقيبة لا يجترئ الأهلُ على تفتيشها، ولها مصروف شخصي يسمح لها بالنفقة على التدخين، دون الحاجة لإجراءات تقشفية تنال موادَّ الصرف الأخرى، ويغلب على الواقع الثقافي للأسرة جوٌّ حداثي في المفاهيم، مما يجعل مشكلةَ مراهِقة مدخِّنة في الأسرة ليست أكبر كثيرًا من مشكلة وجود مراهِق ذَكَرٍ مدخِّن.





    وثمةَ فريق آخر مغاير تمامًا، بائس اجتماعيًّا وماديًّا وثقافيًّا، تدخن البنت من هذه الطبقة؛ ليوفِّر لها التدخينُ الإحساسَ الكاذب بالرفاهية والرقي خلال تلك الفترة التي تقضيها خارج البيت، ثم تعود للبيت حيث البساطة، والتقشف، والواقع الجاف، وقد فرغتْ من السجائر (الفرط) [1] التي اشترتها.





    ما يحدث هو أن بنت الطبقة الأولى تتخرج في الثانوية، ثم تنهي دراستها الجامعية؛ لتعمل بعد ذلك في مهنة راقية بدخل عالٍ، أو تؤسس عملاً خاصًّا بها، ويمكنها أن تنتقل من طور التدخين السرِّيِّ، إلى طور التدخين العلني؛ حيث إن تدخينها صار مقبولاً اجتماعيًّا تمامًا داخل وسطها! حتى بين مَن يتعاملون معها من الأوساط الدنيا؛ إنهم لا ينظرون لها بعين الاسترابة الأخلاقية، فهي (هانم)، أو (سيدة مجتمع).





    أما البائسة؛ فإنها تتزوج، وتقلع عن عادة التدخين؛ لأن الوسط الذي تنتمي إليه ينظر للمرأة المدخِّنة من ذات الطبقة، باعتبارها امرأةً محل شك، أو على أقل تقدير امرأة مترجِّلة و صفيقة، تقلع هذه، وتأخذها أعباءُ الحياة كأم وزوجة، وهي مرشحة - طبقًا لظروفها - لأنْ تبدو وهي في منتصف الثلاثينات كامرأة كبيرة السن، وفاقدة لأي جاذبية، وحياتها أقل مرحًا.





    فإذا افترضنا أن هاتين المرأتين من عمر واحد، وأنهما الآن في منتصف الثلاثينات، فإننا سنلحظ شيئًا مثيرًا لضيق مكافحي التدخين :





    فستبدو الهانم، التي تعيش في ظروف أفضل، وتتبع نظامًا غذائيًّا، وتتمتع بمستوى معيشة راغد، ستبدو كأنها في منتصف العشرينات، على عكس ما جرت به الأحوال مع (أم العيال) التي شاخت مبكرًا، هذه تداري سنَّها الحقيقي، وهذه تتكلم عنه، وتستنجد به بلا مناسبة، وقد عرفتْ أن الناس يعتقدون أنها أكبر من ذلك كثيرًا.





    هنا نلحظ بوضوح، كيف أن الهندسة الاجتماعية وحدها، وليست الهندسة الكيميائية للتبغ، هي التي دفعت الأمرَ في مصلحة دعاية حية، وحيوية، ومجانية لصالح التدخين، زميلتا الثانوية، ظهر فارق عمري بينهما لم يكن موجودًا، قد يصل تقديرُه الجزافي إلى عشرين عامًا.





    الهندسة الاجتماعية التي أفرزتْ وأعطت لمن يُمْكِنها الاستمرارُ في التدخين، ظروفًا صحية وغذائية ونفسية أفضلَ بكثير من الأخرى، التي توقفت عن التدخين الذي مارسته عرضًا في الثانوية.





    إن هذا يعمل على تضاد مع الدعاية المحترمة ضد سمعة التدخين الصحية شديدة السلبية، وعلينا أن نبذل ما لدينا لإفهام امرأة الطبقة الاجتماعية البسيطة، بأنه لم يكن ثمة فرصة ضائعة؛ فلو استمرت في التدخين لزادت الأمور سوءًا، أما الأخرى؛ فيجب - وعلى نحو خاص - التأكيدُ عليها بأنها برغم الظاهر من نضارتها التي تعود للهندسة الاجتماعية، إلا أن هناك هدمًا داخليًّا على قدمٍ وساق في جسمها؛ جرَّاء الهندسة الكيميائية للتبغ.




    **********************************


    [1] السجائر الفرط : السجائر بعدد أقل من محتويات العلبة.







    Link

Working...
X