X

بدَّل.. تبدَّل.. استَبدل

واحة اللّغة العربيّة

 
  • تصفية
  • الوقت
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،



    القول المأثور في إحياء الصواب المهجور


    (1) بدَّل.. تبدَّل.. استبدل
    **********


    عبد الله آيت الأعشير
    مفتش منسق جهود لمادة اللغة العربية - المغرب

    يشهد العارفون اليوم أن العربية الفصحى لم تعد تعبيراتها تستمد من أصولها، ومن منابعها الثرة؛ لأنها لم تعد في أيدي أبناء الكلام العربي، الذين وضعوا أضواء ومنارات في السبيل اللاحبة، التي تهدي إلى كل مرشدة، بل أصبح أمرها مدبرًا من لدن سلطات وسائل الإعلام المختلفة، التي تمادت في الإطلالة علينا- صباحا ومساء- بعبارات خداج تشفع السم بالعسل، من خلال أمشاج الألفاظ والتعبيرات الطارئة التي تقذف بها من مصانعها اللغوية البراقة، والتي لم نسمع بمثلها في آبائنا الأولين.

    لذلك لا ينبغي للباحث المدقق أن يصم أذنه عن هذا السيل الجراف القحاف، الذي إن لم يدمر كل شيء يصادفه، فسيذهب مع توالي الملوان (1) بالحصون والقلاع. تأسيسا على هذا اليقين، يتطلب النظر إلى قضية اللغة العربية الفصحى مراعاة التوازن بين أمرين مهمين هما: النظام والحرية. أما النظام فهو الذي يضمن للفصحى بقاءها صفية الكوثر، نقية الجوهر، خالية من الشوائب والأحراش التي تفعل فيها ما يفعل السوس في الخشب، باعتماد سياسة لغوية حريصة على التمسك بالقواعد والأصول التي تضمن لها سلطانها على الأفواه، لا ترضى عنها بديلا.. إلا إذا كنا مستعدين للتنازل عن أصالتنا وهُويتنا وعبقريتنا العربية. وأما الحرية فيسند أمرها إلى المجامع اللغوية، والشعراء المُفْلقين، والخطباء المصاعقة، والعلماء الدابرين، والمِفَنِّين البلغاء الذين استصحفت آراؤهم، ووُطِّئ لهم سبيل القول في إثراء الفصحى، وفي توسيع آفاقها بالإبداع والارتجال والقياس والتوليد والاشتقاق، والتعريب الذي يُري المفردة المستحدثة نَضِرة لاعِوَج فيها ولا أمتَ، من حيث السهولةُ والفصاحة واقْتعادُ المكانة المرتضاة، التي تزداد بها الفصحى غناء وكمالا يبعثان فيها الحياة، ويجددان أثوابها، في إطار من التمسك بالقواعد والقوانين التي تضمن لها البقاء.



    وبما أن لغة القرآن الكريم تعد بلا امتراء حجة العربية الفصحى، وحارسها الأمين، ومَثَلها الأعلى، ودرْسها المقدم، الذي يجب أن يُوجَّه إليه شداتها لينهلوا من معينها الصافي، ويرتعوا في رياضها الزاهرة، فإنني غبَرْتُ وقتا أتأمل ببصر حديد جملة من التعبيرات الشائنة التي تقذف بها القنوات الفضائية العربية، فجعلت من وكْدي وسَدَمِي تصحيح هذه العبارات، إيمانا منِّي أن مَن صحَّح لفظة أو عبارة مستعملة في غير ما نطق به القرآن والشعر العربي البليغ، فكأنما صحَّح الحياة، لأن تصحيح ما تقوله الكلمات يعد تصحيحا للفكر والمعاملات بين الناس؛ لإبادة سوء الفهم.

    وحَريٌّ بتصحيح استعمالات اللغة أن يكون أمل الأمة كلها، لا رجاء طائفة من الغيورين الذين تسمع لهم صيحات هنا وهناك.. ألم يُجب (كونفشيوس) عندما ساءت الأحوال في الصين بضرورة تصحيح اللغة، لأنه عندما تفسد اللغة تفسد المعاملات، ومن ثمة يفسد الفكر، وتُقْلب الحقائق، وتضطرب المعاملات لاضطراب ما تقوله الكلمات على هذه الشاكلة.


    ............ يُتبعُ بحول الله.



    #2
    ،’

    >>بدَّل.. تبدَّل.. استبدل<<


    الحاذق بقواعد العربية يدرك أن أغلب الذين يستعملون هذه اللفظة القرآنية فيما يقولون وما يطرسون، قد مرقوا من طاعة نظام استخدامها، حيث إنهم يوظفونها في غير ما نطق به القرآن الكريم، وما ذلك إلا من استحكام اللهجة العامية، وغلبة طبعها عليهم، حيث نقول بالعامية: "بدَّلْتُ القلم بالكتاب" إذا تركت القلم، وأخذت الكتاب.


    هذا هو الاستعمال الذي درج عليه أغلب الذين يستعملون هذه اللفظة القرآنية، مثل قول أحد الصحافيين المشهورين في برنامج مشهور: لماذا لا يستبدل العرب الدولار باليورو؟ وهو يقصد أن يترك العرب التعامل بعملة (الدولار)، ليتعاملوا بعملة (اليورو)، وهو لعمري لحن فاحش، يُدخِل الفساد في اللغة، ولا يرعى حرمة للعربية الفصحى، ناهيك أن مثل هذا الاستعمال يدفع المتلقي إلى فهم الآيات القرآنية بغير ما أراد ربُّ العزة، الذي استعمل هذه الألفاظ الثلاثة (بدّل- تبدّل- استَبدل) جاعلاً الشيء المتروك على الدوام هو الذي تلحقه الباء، كما يتضح من الآيات القرآنية الآتية:
    (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) [البقرة: 61]،
    (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (البقرة: 108)،
    وقوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) [النساء: 2]،
    وقوله تعالى من سورة سبأ آية 16: (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ).


    في الآية الأولى من سورة البقرة يُوبِّخُ موسى عليه السلام أتباعه الذين طلبوا منه الفُومَ والعدس والبصل، بعد أن مَنَّ الله عليهم بطعام المَنِّ والسَّلوى، قائلا: أتتركون الذي هو خير؛ وهو المن والسلوى= العسل والطير المشوي، وترغبون في الذي هو أدنى الموجود بمصر= الفوم والعدس والبصل؟


    أما الآية الأخرى من سورة البقرة فيوضح الله عز وجل أن من يترك الإيمان إلى الكفر فقد ضل الطريق الجدد الذي يأمن سالكها العثار. أما آية النساء فإن الله جل شأنه ينهى عباده المؤمنين أن يتركوا طيبات الأموال، ويأخذوا ما خبث من المال.. وقل الشيء ذاته بالنسبة إلى الآية الواردة في سورة سبأ، الذين لمَّا عتوا عن أمر ربهم بدلهم بجنتيهم الخضراويْن ذواتي الثمار المشتهاة، جنَّتيْن أخْريَيْن لا تُنْبِتان سوى ما تمُجُّه الأذواق.


    بناء على ما سبق، يجب التذكير بالقاعدة الآتية:
    ((المتروك المرغوب عنه هو الذي تلحق به (الباء) أو (من) على الدوام، والمفعول به هو المرغوب بالنسبة إلى استعمالات هذه الألفاظ الثلاثة الآنفة))،
    وبذلك نطق الشعر العربي. قال الشاعر حسان بن ثابت الأنصاري يرثي الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه:


    ونَسُوا وَصاةَ محمد في صهره *** وتبدَّلوا بالعِزِّ دار بَوار

    وقال ابن الرومي:
    وبُدِّلْتُ من ذاك البياض وحُسْنه *** بياضا ذميما لا يزال يسود


    وقال المعري:
    شكوت من الأيام تبديل غادر *** بواف ونقلا من سرور إلى هم

    هذه أدلة لا تترك رسيسًا من الشك في أن المتروك هو الذي تلحقه الباء أو من، نبذت منها نُبَذًا تكون أضواء تهدي إلى صفاء العربية.





    1- الملوان: الليل والنهار، وتعرب الكلمة إعراب المقصور.


    * المصدر/ مجلة الوعي الإسلامي
    وفّقكم اللهُ.
    تعليق
    Working...
    X