X

أحوال القلب وعلاجه

المنتدى الاسلامي

 
  • تصفية
  • الوقت
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة







    أحوال القلب وعلاجه ...



    للدكتور: عبدالرزاق العباد البدر-حفظه الله-





    إنَّ القلب مضغة صغيرة في صدر الإنسان عظيمة الخطر كبيرة الأثر ،

    صلاحه صلاح للبدن كله وللجوارح جميعها، وفساده فساد للبدن كله

    وللجوارح جميعها . عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما يقول :

    سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :




    ( ... أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ

    وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ
    ) [1].



    فما أعظم خطر هذه المضغة وما أكبر أثرها !! فكل حركة وسكون تقع من

    الإنسان وكل فعل أو ترك فرعٌ عن مراد هذه المضغة ، بل لا يمكن

    للجوارح أن تتخلف عن ذلك ،



    كما قال بعض السلف



    " القلب ملك والأعضاء جنوده ، فإذا طاب الملك طاب الجند ،

    وإذا فسد الملك فسد الجند
    " ،



    وما أحوج الإنسان إلى العناية بهذه المضغة إصلاحاً وتنقية وتزكية

    وتطهيراً ، ومن الدعوات المأثورة في هذا الباب :

    عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
    :



    }... اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا { [2].



    وإن أهم ما ينبغي مراعاته في هذا المقام معرفة الغاية التي خُلقت القلوب

    لأجلها وأوجدت لتحقيقها ألا وهي توحيد الله وإخلاص الدين له .






    والقلوب في هذا الأمر على قسمين :





    الأول : قلب مشغول بالله عاقل للحق مفكر في العلم مجتهد في تحقيق هذه

    الغاية ، وهو بهذا يكون قد وضع في موضعه الصحيح ، وحينئذ يكون له

    وجهان : وجهٌ مقبلٌ على الحق علماً وعملاً سعياً وإذعاناً رغبة وطلباً

    تحقيقاً وتطبيقاً . ووجهٌ معرض عن الباطل منصرف عنه حذراً من الوقوع

    فيه ، ويقال له : القلب الزاكي، والقلب الطاهر ، والقلب السليم ،

    لأن هذه الأسماء تدل على سلامة القلب من الشر وبُعده عن الخبث

    وخلاصه من الآفات .



    الثاني : قلبٌ منصرف إلى الباطل منحرف عن الغاية التي أوجد لأجلها

    وخُلق لتحقيقها ، وله وجهان : وجهٌ مقبلٌ على الباطل مشغول به ،

    ووجهٌ معرض عن الحق غير قابل له ، وهما في الحقيقة آفتان :

    آفة الصدود عن الحق ، وآفة الإقبال على الباطل ، ولكلٍّ منهما أضراره

    الجسيمة ونتائجه الوخيمة .



    والباطل الذي ينشغل به القلب عن هذه الغاية نوعان :



    أولاً : نوع يشغل القلب عن الحق ويزاحم الخير الذي فيه دون أن يعانده

    ويصادمه ، كالأفكار والهموم والغموم والأحزان الناشئة عن علائق الدنيا

    وشهوات النفس
    .



    ثانياً : نوع يعاند الحق الذي في القلب ويصادمه ويصد عنه ،

    مثل الآراء والأهواء المردية من الكفر والنفاق والبدع ونحو ذلك .

    فالأول يزاحم القلب ، والثاني يصادم ما فيه [3].



    وعلاج الأول : بالعودة بالقلب إلى التوحيد الخالص والإيمان الصحيح

    الذي خُلق القلب لأجله ، وعدم شغله بأمر آخر .




    ومن الأحاديث الواردة في ذلك : ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما



    ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ :

    لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ،

    لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
    ) [4].



    وعن أسماء بنت عُميس رضي الله عنها قالت :

    قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :



    ( أَلَا أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ أَوْ فِي الْكَرْبِ ؟

    اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا
    ) [5].



    وعن أبي بكرة رضي الله عنه

    عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
    :



    ( دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ :

    اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ ،

    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ
    ) [6].



    وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال :

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :




    ( دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ :

    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ،

    فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ
    ) [7].





    وجميع هذه الكلمات الواردة في هذه الأحاديث كلمات إيمان وتوحيد

    وإخلاص لله عز وجل وبُعد عن الشرك كله كبيره وصغيره ، وفي هذا أبين

    دلالة على أنَّ أعظمَ علاج للكرب هو تجديدُ الإيمان وترديد كلمة التوحيد

    (لا إله إلا الله) ، فإنه ما زالت عن العبد شدةٌ ولا ارتفع عنه همٌّ وكربٌ

    بمثل توحيد الله وإخلاص الدين له وتحقيق العبادة التي خُلق العبد لأجلها

    وأوجد لتحقيقها ، فإن القلب عندما يُعمَر بالتوحيد والإخلاص ويُشغل بهذا

    الأمر العظيم الذي هو أعظم الأمور وأجلُّها على الإطلاق تذهب عنه

    الكربات وتزول عنه الشدائد والغموم ، ويسْعَدُ غاية السعادة .







    قال ابن القيم رحمه الله :



    " التوحيد مفزع أعدائه وأوليائه ، فأمَّا أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها:



    { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ

    فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ
    }



    [العنكبوت:65] ،



    وأما أولياؤه فينجيهم من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها .

    ولذلك فزع إليه يونس, فنجَّاه الله من تلك الظلمات , وفزع إليه أتباع

    الرسل فنجوا به مما عُذِّب به المشركون في الدنيا وما أعِدَّ لهم في الآخرة

    . ولما فزع إليه فرعون, عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق, لم ينفعه ,

    لأن الإيمان عند المعاينة لا يقبل ؛ هذه سنة الله في عباده ،

    فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد ، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ،

    ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرَّج الله كربه بالتوحيد ،

    فلا يُلقي في الكرب العظام إلا الشرك ، ولا ينجِّي منها إلا التوحيد,

    فهو مفزَع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها . وبالله التوفيق
    "[8] ا.هـ .





    وعلاج الثاني بالهداية لهذا الدين الحنيف والتوفيق للدخول فيه ،



    قال الله تعالى



    { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ }



    [الزمر:22] .



    وكل منحرف عن هذا الدين منصرف عن الهدى ؛ فقلبه مريض ولا شفاء

    له إلا بالدخول في هذا الدين ، وفي غاية الظمأ والعطش لا يرويه إلا معِين

    هذا الدين الصافي ومنهله العذْب .





    قال أحد المهتدين لهذا الدين :



    " إنَّ غير المسلمين على اختلاف نحَلهم ومللهم ظمأى ، بل يكادون

    يهلكون من شدة الظمأ ، وذلك لأنهم لم يجدوا ما يروي ظمأهم في

    عقيدتهم البالية - محرَّفة كانت أو مؤلفة من ورث عقولهم - ،

    ويا لله العجب كلما شربوا منها ازدادوا ظمأً ، وما كنتُ إلا واحداً من هؤلاء ،

    ووالله ما ارتويت إلا من بعد أن نهلت من نهر هذا الدين العذب الصافي



    { فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }



    [الجاثية:36] "[9].

    ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .



    *********

    ________________







    [1] متفق رواه البخاري (52) ومسلم (1599) .

    [2] رواه مسلم (2722) .

    [3] انظر (طريق الوصول) لابن سعدي ص (162-163) .

    [4] رواه البخاري (6346) ، ومسلم (2703) .

    [5] رواه أبو داود (1525) ، وابن ماجه (3882) ،

    وصححه الألباني رحمه الله في (صحيح الترغيب) (1824).

    [6] رواه أبو داود (5090) ، وحسنه الألباني رحمه الله في (صحيح الجامع) (3388).

    [7] رواه الترمذي (3505) ، وصححه الألباني رحمه الله في (صحيح الجامع ) (3383) .

    [8] (الفوائد ) ص ( 95-96) .

    [9] من مذكرة لمحمد حسين عبد الله الصيني
    .






    https://uptobox.com/affiliate?aff_id=4308314

    #2


    جزاك الله كل خير
    تعليق

      #3
      جزاك الله كل خير أخي الكريم
      تعليق
      Working...
      X