X

مقدمة تاريخية للابحاث التي ستنشر عن الخانات بدمشق

Collapse
  • تصفية
  • الوقت
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة
  • مشرف المنتديات العامة
    • Sep 2018
    • 524



    خانات دمشق بين الأمس و اليوم / مقدمة





    الخانات جمع خان :
    هي لفظةٌ فارسيّة الأصل ، أُطلِقت على مكان مبيت المُسافرين ، وهي نوعان :

    الأوّل : (خان براني
    ) أقيم على طُرُق السفر خارج المدن المتباعدة ، وبنيت في بادئ الأمر على منابع المياه ومجاري الأنهار ويبتعد الواحد من الآخر مسيرة نهار ، أيّ ما يقارب الثلاثين كيلومتراً ، وكان الخان يقدّم الخدمات للتّجار والرّحالة والمسافرين كافة ، ويوفر لهم الراحة ويجنبهم مشقّة ومخاطر السفر ليلاً ، حيث تضم الخانات مستودعات لحفظ البضائع وإسطبلاتٍ مختلفةً ، لإيواء العربات وأنواع الحيوانات التي لا تتجانس في الزّرائب .



    فالخيول تأنف من روائح الإبل ، والبغال لا تسكن مع الحمير، وكانت الإسطبلات مجهّزة بلوازم إصلاح العربات ورعاية الدواب والعناية بها إلى جانب تلك المرافق والخدمات يوجد أحواض مياه في وسط صّحن الخان ومشرب البهائم ، وفرن ومُصلى ، وكذلك الحمّام .



    واستُعمِلَت في بناء الخانات مواد اختلفت باختلاف الموقع ، فقد تكون من طينٍ أو من قرميدٍ مشويّ أو نيء كما هو الحال في العراق وإيران ومصر ، أو من حجارةٍ كلسيةٍ أو بازلتيّة كما هو الحال في الشّام وتركيا.
    ومع مرور الزمن قامت حول الخانات تجمّعات سكنية أصبحت مُدناً فيما بعد ، مثل خان العسل ، وخان دنون وخان أرنبة و خان الشيح وخان شيخون في سوريا وخان يونس في أرض فلسطين الجنونية وغيرهم كثير.

    أمّا التّصميم : فكان الخان مربع المسقط إجمالا وغالبًا مكون من طابقين ، تحتلّ أركانه أبراج للمراقبة وللدّفاع عنه . وقد يحيط به سور خارجي مدعّم وبوابة مصفّحة ضخمة محكمة الإغلاق ليلاً، وكأنّه حصن صغير. وكانت غرف المسافرين موزّعة بين الطابقين أو في العليا فقط. وفي بعض الخانات المتواضعة ، كانت قاعة النّوم مشتركةً يرقدُ فيها المسافرون ، على منصّاتٍ مرتفعةٍ عن الأرض. وكانوا يجلسون عليها نهارًا.



    ومن الملاحظ أنّ خانات السّهول كانت أوسع من خانات الجبال . كما كانت خانات البلاد الباردة تخلو من الصّحن المكشوف ، ولقد أخذت الخانات إجمالا بعد انتشار الإسلام ، تصميمين رئيسين:
    الأوّل إيراني بِقَاعاتٍ متطاولةٍ موازية للصحن المركزي . ولكنّ هذا التّصميم ما لبث أن أخذ شكل الأواوين ، وقد احتلت البوابة في عمارته مركزًا على جانبٍ كبيرٍ من الأهمّية .
    التّصميم الثاني فهو بأربعة أضلاعٍ وصحنٍ مركزيٍّ تحيط به الأروقة ، قديم العهد ، يعُرَف بالطّراز الشامي .

    أمّا النّوع الثاني من الخانات ( خان المدينة ) : فكان خانات المُدن التي كانت تشترك مع خانات الطّرق في ما تقدّم من خدماتٍ ؛ وتضمّ مرافق لخدمة النزلاء ، وتختلف أنواع الخدمات من خان إلى آخر ، إضافةً إلى ما كان يمكن أن تقدّمه المدينة بشكلٍ أفضل لزوّارها ، كالحمام والمسجد والمطعم وشغل البيطار وغير ذلك من الضّروريات والكماليات. وكما كانت خانات الطّرق تُمثل المحطّات الحسّاسة على مفارق الطّرق ومجاري المياه ومراكز الحدود ، لذلك احتلّت خانات المُدُن مداخل المدن ، خارج السّور أو داخله أيام السّلم وفي قلب الأسواق وبجوار الحمامات والمساجد .



    كانت وظيفة الخان في المدينة استقبال التجار بشكلٍ عامٍ ، من باعة الجُملة ومُروّجي البضائع ومراسلي المستوردين والوسطاء . وفي هذا المكان كان يتمّ البيع والشّراء ، ثم صار الخان منزلاُ طويل الأجل لاستقبال المُسافرين ريثما ينتهون من بيع بضاعتهم و يتمّون تجارتهم ، وكما كان لكلّ بضاعةٍ دار، فصار لها خان يرتبط اسمه بها فهنالك مثلا : خاناً للحرير وخاناً للحبالين وخاناً للزيت وخاناً للرز وخاناً للصوف وخاناً للقطن وخاناً للجلود وخاناً للزعفران وخاناً للقيشاني وخاناً للتوتون وخاناً للصنوبر وخاناً للجوخ و الخياطين وخاناً للنحاس وخاناً للصّابون وخاناً للورق .




    كما أن بعض الخانات ارتبط باسم مؤسّسه أو مالكه مثل خان جقمق وخان المرادية وخان سليمان باشا وخان أسعد باشا وخان السفرجلانية وخان العامود وخان العصرونية وخان الصوّاف وخان السلق ، وخان مردم بك وخان الجيجاوي وخان الكزبري وخان شموط وخان القوتلي .
    وتصميم شكل الخان لم يتغير على مرّ العصور ، فأخذ تخطيط صحنٍ مركزيٍ مكشوفٍ يتوسّطه حوض ماء وتحيط بالصّحن بوائك ( جمع بايكة ) أُقيمت الدكاكين تحتها ، لتبقى أبوابها محميّةً من الحرّ صيفًا ومن المطر شتاءً . كذلك ارتبط ريع الخان إداريا بأوقاف لصيانة المساجد أو المدارس أو لكفالة الأيتام و رعاية من لا عائل لهم ، والذين لا يقدرون على الكسب و العجزة وكبار السن المنقطعين و الأرامل من النساء اللائي لا يستطعن ضرباً في الأرض إلى جانب الفقراء و الغرباء و عابري السبيل الذين لا يجدون لهم مأوى في البلاد التي يمرون بها و خاصة إذا كانوا قاصدين حج بيت الله الحرام ، ولم يبق من كلّ تلك الخانات إلاّ العدد القليل ؛ واقتصرت خدمات الخان على استعماله كمستودعات ، ودكاكينه من قبل مستأجرين لا تجمعهم إلاّ نادرًا تجارةٌ مشتركةٌ أو مِهَنٌ واحدةٌ ، وربّما سكنت غرفةً عائلاتٌ فقيرةٌ.



    فالخانات إذًا هي الأبنية المخصّصة لإقامة المسافرين وقوافل التّجار، وهي لها أهمّيتها الخاصة في العمارة الإسلامية، حيث عُرِفَت منذ العصور الإسلاميّة الأولى .
    ولعلّ أقدم خان خارجي أنشئ في العهد الإسلامي هو الخان الذي بناه الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك عام 748 ميلادي ، على مقربةٍ من قصر الحير الغربي في البادية السّورية ليربط بين مدن العراق وتركيا و الشام . كما اشتهرت الخانات بواجهاتها المُزيّنة بزخارف جميلةٍ ومداخلها القوسيّة الضّخمة التي كانت تُغلَق بواسطة مصرعيّ بابٍ خشبيٍّ مصفّح بالحديد والنّحاس وأصبحت باحة الخان مسقوفة بالقباب والعقود . وكان هناك بعض الخانات عظيمة الاتساع كخان أسعد باشا العظم في دمشق و الذي يعتبر أعظم و أضخم آبدة معمارية باهرة تفوق نظائرها في جميع أنحاء العالم الإسلامي بما فيها الأوابد العثمانية في تركيا و التي انتشرت فيها الخانات الإسلامية كما سيأتي ذكره لاحقاً .
    وللأسف تفتقر أكثر الخانات إلى المصادر التاريخية ، سواء منها الخانات المتبقية والماثلة حتى اليوم في دمشق ، أو المندثرة المهدمة ، وسنذكر ضمن بحثنا هذا أهم الخانات الدمشقية التي مازالت باقية ، والتي شملتها عمليات الترميم ، والتأهيل ، بعد أن أهملت ردحاً طويلاً من الزمن .



    ولا بد من القول إن جميع الخانات المتبقية حسب ما ورد في نشرات وزارة السياحة السورية ، مسجلة في القوائم الأثرية ، وهذا يعني أنها تحت حماية السلطة الأثرية ورعايتها ، ولا يجوز هدمها وتغيير أوصافها حتى ولو أرادت ذلك السلطات البلدية أو الوقفية ذلك ، لان منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة أدرجتها على لائحة التراث العالمي الإنساني لائحة «المواقع التراثية» المحمية لما فيها من آثار تعود إلى القرن الثامن للميلاد .
    وسنبدأ بذكر بعض الخانات الماثلة في دمشق الى اليوم بدأً من الخانات التي أنشئت في العصر المملوكي ، والتي بلغت حوالي مائة وخمسين خاناً بقي منها عدد قليل فقط ، وحتى نهاية العصر العثماني .


    إعداد عماد الأرمشي
    باحث تاريخي بالدراسات العربية والإسلامية لمدينة دمشق
    Link

Working...
X