X
 
  • Filter
  • Time
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة

    Font Size
    #1
    معاملات رسول الله مع أولاده وأحفاده

    د. راغب السرجاني

    جاء الإسلام بمعيار حقيقي للعَلاقة بين الأب وأبنائه، هذا المعيار قائم على الرحمة، والرأفة، والشفقة، والتوجيه، والرعاية الصحيحة لهؤلاء الأبناء في كل شئون حياتهم، فالأب هو الحصن الذي يأوي إليه الأبناء في كل وقت؛ ولذلك فإن القرآن قد خلَّد هذه العَلاقة عندما ذكر نداء لقمان - رحمه الله - لابنه، والذي يفيض بكل معاني التربية، فقال تعالى : { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان: 13].

    صور من علاقة رسول الله بأولاده

    تعالوا معًا ننظر إلى خصوصيَّة العَلاقة الرائعة بين الأب وابنته في موقف الرسول الذي ترويه عائشة - رضي الله عنها - قائلة : أقبلتْ فاطمة تمشي كأن مشيتها مَشْيُ النبي، فقال النبي : "مَرْحَبًا بِابْنَتِي". ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسرَّ إليها حديثًا فبكت، فقلتُ لها: لِمَ تبكين؟ ثم أسرَّ إليها حديثًا فضحكت، فقلتُ : ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن، فسألتها عمَّا قال.

    فقالت : ما كنتُ لأفشي سرَّ رسول الله.


    حتى قُبِضَ النبي، فسألتها، فقالت : أسرَّ إليَّ : " إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلا أُرَاهُ إِلاَّ حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي ". فبكيتُ، فقال : "أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ". فضحكتُ لذلك
    (1).


    هكذا كانت تربية الرسول لابنته، تربية قائمة على الحبِّ والعطف والحنان.

    أمَّا عند وفاة إبراهيم ابن رسول الله، فقد تجلَّت عظمته، وظهرت مشاعر الأب الجياشة تجاه ولده حين خاطبه قائلاً : " يَا إِبْرَاهِيمُ، لَوْلا أَنَّهُ أَمْرُ حَقٍّ، وَوَعْدُ صِدْقٍ، وَيَوْمٌ جَامِعٌ، لَوْلا أَنَّهُ أَجَلٌ مَحْدُودٌ، وَوَقْتٌ صَادِقٌ، لَحَزِنَّا عَلَيْكَ حُزْنًا أَشَدَّ مِنْ هَذَا، وَإِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ، تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ". وحينما قُبض إبراهيم ابن رسول اللهقال لهم: "لا تُدْرِجُوهُ فِي أَكْفَانِهِ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ". فأتاه فانكبَّ عليه وبكى (2) .

    صور من علاقة رسول الله بأحفاده

    كما اهتمَّ رسول الله بأحفاده، وعنى باختيار أجمل الأسماء لهم، فعن عليٍّ قال : لمَّا وُلِدَ الحسن سمَّيته حربًا، فجاء رسول الله فقال : "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟" قال: قلتُ: حربًا. قال : "بَلْ هُوَ حَسَنٌ". فلمَّا وُلِدَ الحسين سمَّيته حربًا، فجاء رسول الله أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟" قال : قلتُ : حربًا. قال : "بَلْ هُوَ حُسَيْنٌ". فلما وُلِدَ الثالث سمَّيته حربًا، فجاء النبي فقال : "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟" قلتُ : حربًا. قال : "بَلْ هُوَ مُحْسِنٌ". قال : "سَمَّيْتُهُمْ بِأَسْمَاءِ وَلَدِ هَارُونَ شَبْر وَشُبَيْر وَمُشْبِر"(3). فقال : "

    وكان من شدَّة حُبِّه ولهفته على أحفاده ما رواه عبد الله بن بُرَيْدة عن أبيه، قال : رأيتُ رسول الله يخطب، فأقبل حسن وحسين، عليهما قميصان أحمران، يعثران ويقومان، فنزل النبي فأخذهما فوضعهما في حجره، فقال : "صَدَقَ اللهُ : { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ } [التغابن: 15]، رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ". ثم أخذ في خطبته (4).


    وكذا كان حُبُّه لبقيَّة أحفاده، فقد كان يُصَلِّي وهو حامل أُمامة بنت ابنته زينب - رضي الله عنها - فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها
    (5).

    وها هو ذا رسول الله يخرج على المسلمين في إحدى صلاتي الْعَشِيِّ - الظهر أو العصر - وهو حاملٌ أحدَ ابنيه : الحسن أو الحسين، فتقدَّم رسول الله فوضعه عند قدمه اليمنى، فسجد رسول الله سجدةً أطالها، قال أَبِي (6) : فرفعتُ رأسي من بين الناس، فإذا رسول الله ساجد، وإذا الغلام راكب على ظهره فعُدْتُ فسَجَدْتُ، فلمَّا انصرف رسول الله، قال الناس : يا رسول الله، لقد سجدْتَ في صلاتكَ هذه سجدةً ما كنتَ تسجدها، أفشيء أُمِرْتَ به؟ أو كان يُوحى إليكَ؟ قال : "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ" (7).

    ومع ذلك فلم يكن هذا الحبُّ العظيم من النبي محمد لأولاده وأحفاده يدفعه إلى الجور على المسلمين من أجلهم، فيُروى أن عليَّ بن أبي طالب أتى فاطمة - رضي الله عنها - فقال : إني أشتكي صدري ممَّا أجد بالقرب. قالت: وأنا والله، إني لأشتكي يدي ممَّا أطحن الرحا. فقال لها : ائتي النبي؛ فقد أتاه سبي؛ ائتيه لعله يخدمك خادمًا. فانطلقت إلى النبي فأتاهما فقال : "إِنَّكُمَا جِئْتُمَانِي لأَخْدُمَكُمَا خَادِمًا، وَإِنِّي سَأْخُبِرُكُمَا بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنَ الْخَادِمِ، فَإِنْ شِئْتُمَا أَخْبَرْتُكُمَا بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنَ الْخَادِمِ: تُسَبِّحَانِهِ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَتَحْمِدَانِهِ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَتُكَبِّرَانِهِ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ. وَإِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعُكُمَا مِنَ اللَّيْلِ، فَتِلْكَ مِائَةٌ" (9).

    هكذا كان يُعَلِّمُ رسول الله أولاده، يُعَلِّمهم أنه لن يحابيهم - رغم محبته الشديدة لهم - على حساب المسلمين، بل ويعلمهم - كذلك - أن يرتبطوا بالله فهو خير مُعين على كل أعمالهم، فالاستعانة به وحده تُسْعِد الإنسان في حياته وآخرته.

    هكذا كانت عَلاقة الأب بأبنائه وأحفاده .. عَلاقة قائمة على المحبَّة والحنان تَشعر الأسرةُ في ظلِّها بالأُلْفة، فما أعظمك يا رسول الله مِنْ أبٍ وَجَدٍّ!

    ................


    (1) البخاري : كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (3426).

    (2) مسلم : كتاب الفضائل، باب رحمتهالصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك (2315)، وانظر : العصامي : سمط النجوم 1/210، 211.

    (3) أحمد (769) وقال شعيب الأرناءوط : إسناده حسن رجاله ثقات رجال الشيخين غير هانئ بن هانئ. والموطأ - رواية محمد بن الحسن (660)، والحاكم (4773) وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

    (4) أبو داود (1109)، وابن ماجه (3600)، والحاكم (7396) وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وابن خزيمة (1700)، وقال الألباني : صحيح. انظر : صحيح أبي داود (981).


    (5) البخاري عن أبي قتادة : كتاب أبواب سترة المصلي، باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة (494)، ومسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة (543).

    (6) هو شداد بن الهاد الليثي، وهو راوي الحديث، ورواه عنه ابنه عبد الله بن شداد.

    (7) النسائي : كتاب صفة الصلاة، باب هل يجوز أن تكون سجدة أطول من سجدة (1141)، وأحمد (16076) وقال شعيب الأرناءوط : إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين... والحاكم عن شداد بن الهاد (4775) واللفظ له، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.

    (8) البخاري : كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (5651)، وأبو داود (5218).

    (9)ابن حبان (5524) وقال شعيب الأرناءوط : إسناده صحيح. وابن أبي شيبة : المصنف 7/38، واللفظ له.
    Similar Threads

    Font Size
    #2
    بارك الله فيك أخي العزيز
    تعليق

      Font Size
      #3
      Originally posted by raedms عرض المشاركة
      بارك الله فيك أخي العزيز


      اللَّهُمَّ آمين
      جزاكَ الله خيراً أخي الكريم على مرورك وتشريفك الطيب المبارك ...
      جعله الله في ميزان حسناتك ...
      تقبل تحياتي.


      تعليق

        Font Size
        #4
        جزاك الله خيرا
        تعليق

          Font Size
          #5
          جزاك الله كل خير أخي الغالي
          وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
          فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
          تعليق

            Font Size
            #6
            Originally posted by الجبالى جمال الدين عرض المشاركة
            جزاك الله خيرا


            اللَّهُمَّ آمين
            جزاكَ الله خيراً أخي الكريم على مرورك وتشريفك الطيب المبارك ...
            جعله الله في ميزان حسناتك ...
            تقبل تحياتي.



            تعليق

              Font Size
              #7
              Originally posted by أبو حكمت عرض المشاركة
              جزاك الله كل خير أخي الغالي


              اللَّهُمَّ آمين
              جزاكَ الله خيراً أخي الكريم على مرورك وتشريفك الطيب المبارك ...
              جعله الله في ميزان حسناتك ...
              تقبل تحياتي.



              تعليق

                Font Size
                #8
                بارك الله فيك وجزاك خير الجزاء ومتعك بالصحة والبركة والسعادة والعمر المديد في طاعته وحفظك ورعاك
                تحياتي وتقديري
                تعليق

                  Font Size
                  #9
                  Originally posted by saaaaaam عرض المشاركة
                  بارك الله فيك وجزاك خير الجزاء ومتعك بالصحة والبركة والسعادة والعمر المديد في طاعته وحفظك ورعاك
                  تحياتي وتقديري


                  اللَّهُمَّ آمين
                  جزاكَ الله خيراً أخي الكريم على مرورك وتشريفك الطيب المبارك ...
                  جعله الله في ميزان حسناتك ...
                  تقبل تحياتي.



                  تعليق

                    Font Size
                    #10
                    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد
                    جزاك الله خير أخي الكريم
                    تعليق
                    Working...
                    X