إعلان

Collapse
No announcement yet.

سؤال وجواب للشيخ الألباني حول "فقه الواقع" ( الكتاب على حلقات أسبوعية )

Collapse
X
  • تصفية
  • الوقت
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة

    #6
    جزاك الله خيرًا وبارك فيك

    تعليق


      #7
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

      نستكمل اليوم بإذن الله تعالى بقية "المقدمة" :

      ***
      *****
      *******

      والناظر في ( واقع ) المسلمين اليوم ـ بل منذ ألف يوم ـ يرى أن ( الكثيرين ) منهم بعيدون البعد كله عن ادعاءاتهم ، ومنحرفون الانحراف جميعه عن مزاعمهم !
      ومما ( يتناسب ) مع هذه الرسالة وموضوعها ذكر أمثلة من هذا ( الواقع ) المرير ؛ مع أنها أكثر من أن تحصى ، وأوسع من أن تحصر :
      فنرى شاباً ـ مثلا ً ـ أو شباباً ، يناقشهم ( طالب علم ) في مسألةٍ ( فكريةٍ ) أو ( دعويةٍ ) ... فإذا وافق النقاشُ ما ( لقنوه ) ... وطابق ما ( عايشوه ) .. وجاء ملبياً لرغبات ما ( ألفوه ) واعتادوه : كان عندهم ( مناقشهم ) الأخ المقدم الخالص صادق الود ...
      وإن خالف قولك مضمون فكرهم ، أو نواحي من رأيهم ... قذفوك بزبدٍ من القول السوء ... ورموْك عن قوس واحدة بتهم بها العصبة أولو القوة تنوء !! بل تراهم يتناقلونها ـ من غير ثبت ـ بكل هدوء !!!

      ومثل آخر ( واقعي ) أيضاً :
      أن من يوضع ـ من ( الدعاة ) أو غيرهم ـ في بعض الأذهان على أنه قدوة ، وأسوة ، ومثل يحتذى به ، ويؤخذ قوله ؛ يصبح في عقول ذوي الحماسة ، ويضحى في نفوس ذوي العواطف الجارفة : علامة بنفسه على الحق ... ودليلا ًبمحض كلامه على الصواب ...
      وهذا انحراف عظيم بلا ارتياب ...

      يقولون ـ بلسان قالهم أو حالهم ـ : نحن ( نقدر ) ( الدعاة ) ... وأولئك المقتدى بهم !! فلا تقربوهم ... وإياكم من الرد عليهم أو نقدهم !!
      وهذا عجب ... فهل ثمة بشر فوق النقد والرد ، خلا الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه .
      ولو أبدل ( بعض ) من هؤلاء ـ لمرارة واقعهم ـ راء ( تقديرهم ) المزعوم ( سِيناً ) لكان هو الوصف الحري بهم ، والموافق لحالهم ...
      إذ مجرد الرد على واحد منهم ... ولو بكلام لطيف ... غير عنيف ... وهو ـ عند هؤلاء ـ جرم مشهود ... وفعل باطل غير معهود !
      وأدنى إشارة ... ولو برقيق العبارة ... يعدونها من التعدي الصريح ... والتصرف القبيح ...
      ويصاحب هذه الأفعال الفاسدة ... النابعة من العصبيات الكاسدة : موجات تلو موجات من اتهام البرءاء ، والتحذير من الأصفياء ، بل ومقاطعة الأنقياء الأتقياء !!

      أقول :


      هذه شريحة لجانب من ( الواقع ) القاتم الذي يعيشه ـ دون شعور ـ عدد من الشباب البريء ، العاطفي المحب لدين الله سبحانه وتعالى ... يجب أن يعرفوها بأضدادها ... ويفهموها بحقائقها ؛ لتهذيب نفوسهم ، وإصلاح فعالهم ، حتى يكون ارتباطهم بالحق وللحق !
      وما نشأت تلك السوالب فيهم ( وترعرعت ) إلا بسبب قلة العلم ، والنظر في اتجاهٍ واحد !!
      لقد جهل هؤلاء الإخوة الأحبابُ الأوفياءُ ـ أو تجاهلوا ـ أن الرد لا يلزم منه التنقيص والازدراء .... ولا يرافقه المقت أو شديد اللأواء والبلاء ... لا من الراد أثناء رده ، ولا ( فيه ) نتيجة رده !!
      ثم من ناظر أو جادل أو رام كشفاً لقذى لم ينجل ِ
      قدحوا في دينه واتخذوا عرضه مرمى سهام المنصل



      وبيانُ حقيقةِ هذا المنهج ِ العلمي المتين في الرد وقبوله ، والاستجابة إليه ، قائم على أصلين :

      الأول : أن الواجب على المسلم أن يكون عنده (( الاستعداد الدائم لتجاوز الأخطاء ، وتصحيحها ... وهذا لا يتم إلا في جو من الفرح والغبطة بالنقد الصحيح ، وترك أسلوب التزكية المطلقة للأقوال والأعمال والأشخاص والجماعات ، والسعي الدائم لتعديل المناهج والمسالك ، على وفق الحق الذي تقتضيه شريعة الله ، ويدل عليه النص من القرآن والسنة )) .
      الثاني : (( الأمر والنهي ضرورة بشرية ؛ فكل إنسان على وجه الأرض لا بد له من أمر ونهي ، ولابد أن يؤمر وينهى ؛ حتى لو أنه وحده ؛ لكان يأمر نفسه وينهاها : إما بمعروف ، وإما بمنكر )) .
      فلا أحد يعلو عن النقد ... ولا أحد يستعلي على الحق ...
      وهذا هو المنهج الإيماني الحق ، الذي يجب أن يكون ساري النور بين الإخوة الأوفياء ، وظاهر الضياء في عقولهم وقلوبهم ؛ (( أما المنافقون ؛ فهم مجتمعون لا على موحدٍ ، ولا على منهج واضح ٍ ، بل على التخبط و التقليد الأعمى ، والاِّتباع للأشخاص ، بحيث تذوب شخصيات بعضهم في بعض وتنمحي ، فلا تآمر بينهم بمعروف ٍ ، ولا تناهي بينهم عن منكر ، ولا تناصح في الله )) .
      وهذا كله ؛ دقه وجله : مما لا نرضاهُ من قريب أو من بعيد ، لأخ ـ أو إخوةٍ ـ تجمعنا وإياهم دائرة عموم الإسلام ، فضلا ًعن حلقة خُصوص ِ عقيدة أهل السنة والجماعة ...
      ثم لو نظرنا إلى أنفسنا ـ أو إخواننا ـ بين راد ومردود عليه :


      نرى أن كل راد منهم هنا فهو مردود عليه هناك ، وأن المردود عليه هناك هو نفسه راد على غيره هنا !!
      فلماذا ( يعامل ) هذا بما لا يعامل به ( ذاك ) ؟! ولماذا ( يتعامل ) مع هذا هكذا ، ولا ( يتعامل ) بمثله مع ( ذاك ) ؟!
      أم أن ( الفرق ) ناتج عن (( الحزبية الضيقة التي فرقت المسلمين شيعاً )) ؟! ولو كانت حزبية نفسية !
      أحرام على بلابله الدوحُ حلال للطير من كل جنس ِ !

      وأمرُ الرد والنقد طبيعي جداً عند كل منصف يعرف ( الحق ) بجلاله ... لا برجاله ... إذ هو تطبيق عملي لتلك القاعدة ِ المشرقة المنيرة التي نرددها ... ويرددونها : (( ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا ويؤخذ ُ مِن قوله ويتركُ ، إلا النبي صلى الله عليه وسلم)) .

      وأما ما توهمه ـ أو أوهمه ـ ( البعضُ ) من أن في هذا الرد أو ذاك النقد قدحاً وغيبة ! فقد تكفل بنقض هذه الشبهة وكشف وهائها شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ـ في
      (( الفتاوى )) ( 28 / 236 ) ـ ، يرحمه الله ، حيثُ قال في معرض مناقشتهِ لمشروعية الرد والنقد :

      (( وليس هذا البابُ مُخالفاً لقوله صلى الله عليه وسلم : (( الغيبة ُ ذكرك أخاكَ بما يكرهُ )) ؛ فإن الأخَ هو المُؤمنُ ، والأخُ المُؤمنُ إن كانَ صادقاً في إيمانه لم يكره ما قلته من هذا الحق الذي يُحبه الله ورسولهُ ـ وإن كان فيه شهادة عليه وعلى ذويهِ ـ ، بل عليه أن يقوم بالقسطِ ، ويكون شاهداً لله ولو على نفسه أو والديه أو قريبه ، ومتى كره هذا الحق كان ناقصاً في إيمانه ، ينقص من أخوته بقدر ما نقص من إيمانه ، فلم يعتبر كراهته من الجهة التي نقص منها إيمانه ؛ إذ كراهته لما لا يحبه الله ورسوله توجب تقديم محبة الله ورسوله ، كما قال الله تعالى : (( والله ورسوله أحق أن يرضوه )) .

      وهذه الرسالة ـ أخي القارئُ الحبيبُ ـ تأتي هذه الأيام لتعريف الناس بحقائق غائبة عنهم ، انشغلوا بسواها عنها ، وانصرفوا بغيرها إلى ما هو أدون منها !! ويتضحُ ذلك بجلاءٍ في ثلاثة أصولٍ مهمة ٍ :

      الأول : معرفة حقيقة (( فقه الواقع )) ، ومدى الحاجة إليه في ( واقعنا ) المُعاصر ، سلباً وإيجاباً ، وكيف يُتعامل معه ؟ وكيف نستفيد منه ؟

      والثاني : بيان للمنهج الواجب اتباعهُ من العُلماء ، والشباب ، و ( الدعاة ) ؛ ألا وهو منهج التصفية والتربية ، المبني على العلم بالكتاب والسنة وعلى منهج سلف الأمة ، والعمل بالأحكام المترتبة على ذلك ، والقائم على التأني وعدم التعجل ، والمؤسسُ على صدق الأخوة ، والبعد عن الحزبية المقيتة والعصبية القاتلة !

      الثالث : أهمية الرد والنقد ، وبيان أنه أمر سائغ بل مطلوب ، ولكن بالتي هي أحسن للتي هي أقوم !! إذ (( الواجبُ على أي مسلم رأى أمراً أخطأ فيه أحدُ العلماء أو ( الدعاة )
      : أن يقوم بتذكيره ونصحه )) ، دونما نكيرٍ على الراد كائناً من كان !! فيُؤخذ منه ( الحق ) ، ويترك ما خالفه ، إذ الحق يعرف ( بدلائله ) لا بمجرد قائله ! ولا يكون ذلك إلا (( بالتجرد لله ـ جل وعلا ـ ، والسلامة من الهوى ، والتحري في المنهج )) .
      وأما عكس ذلك ؛ فهو (( عادة ضعفاء العقول ؛ يعرفون الحق بالرجال ، لا الرجال بالحق )) .
      ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية القائل :
      (( المؤمن للمؤمن كاليدين ؛ تغسل إحداهما الأخرى ، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة ؛ لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ، ما نحمد معه ذلك التخشين )) .

      ولا بد لي من كلمة يقتضيها هذا المقام ؛ لصلتها بمسألةٍ ( واقعيةٍ ) من مسائل الدعوة إلى الله ، فأقولُ :
      قد كتبتُ في الشهور ِ الأخيرةِ رسالتين في فقه الدعوة ِـ أحسبهما ـ مُهمتين غاية ـ وهما لا تخرجان في إطارهما العام عما سيأتي من كلام شيخنا ـ :

      إحداهما : في تأصيل (( فقه الواقع )) ، وبيان مهمات متعلقة ٍ به .

      والثانية : في مُقارنةِ بَعض (( المناهج الدعوية )) المُعاصرة ، بمنهج السلف ، وبأصالتهِ ، وعُمق ِ مفاهيمه .
      ولقد شرَّق ( البعض ) وغرَّب ... وأبعد ( ظنونه ) وقرَّب ... مُدعين دعاوى بعيدة ... لا رشيدة ولا سَديدة !!
      ولستُ أريدُ الدفاع عَن نَفسي ، أو الذب عَمَّا كتبتُ ، أو إيرادَ المَواقف ِ الإيجابَّية ِ مِن رساَلتَيَّ أكتَفي ( هُنا ) أن أقول :
      تاللهِ ... ما كَتَبتُ الذي كتبُهُ ـ مِمَّا أشكَلَ على البَعض ِ ( واستعظَموهُ ) ـ إلا تنبيهاً وتحذيراً :

      تنبيهاً : لأحبةٍ في اللهِ أخشى عليهم مِن تكرر أغلاطٍ عِظام جُرَّ إليها ( الآخرون ) ، وأوقِع فيها ( السَّابقونَ ) ، وأغرقً بها ( الماضون ) ... وَحَصَلَ مَعَهم ـ جميعاً ـ ما ( الكل ) به عارفون ... و (( السعيدُ مَن وُعِظَ بَغيرهِ )) أيها المُؤمنون !!

      وتحذيراً من ( استِدراج ماكرٍ ) ـ لا يُخرَجُ منه بِمُجرَّد رسالةٍ شخصَّيةٍ ، أو نَصيحةٍ ذاتيةٍ ، أو مُكالمَةٍ هاتفيةٍ ـ ؛ نُساقُ إليه دونَ أن نَشعُرَ ، لِنَذوقَ مَرارَتهُ وقساوتهُ من غير أن ندري ...
      فليكن هذا عذراً لي فيما ظن أنه خشونة أو شدة ، فالأمرُ عظيم ... والخطرُ جسيم !!
      ... فإن لم أجد من يَعذُرُني ـ ولا بد إن شاء اللهُ واجد ـ فربي يعلمُ ما في نفسي ، ومُطلع بما في خبيئةِ فُؤادي ...
      أَوَ لَيسَ اللهُ بِأعلَمَ بِما في صُدور ِ العالَمين ؟ .
      وإني أكررُ هنا ما كتبته في مقام آخر ... أكررُه ليُفهم بوعي عميق ... لا ليمرر دون تأمل وتطبيق :

      (( ومن نافلةِ القول ِ أن أؤكد ـ هنا ـ أن جميع من تكلمنا عليهم ، أو أشرنا إليهم ... هم إخواننا ... وأحبابنا ... فلهم حق علينا ، ولنا حق عليهم ... فلا تضيق صدور ... ولا تطيش ظنون ...
      ... و القلب مفتوح للنصح ... والأذن تنتظر الإرشاد ... واللهُ الموفق للسداد )) .
      فإن أبى ( البعضُ ) إلا الكلام ... وأصر على قذف ( السهام ) فإني أعزي نفسي ومن هو ( مثلي ) بقول من قال في قديم الزمان :

      اعمل لنفسكَ صـالحاً لا تحتفـل بظهور قيل في الأنام ِ وقال
      فالخلق لا يرجى اجتماع قلوبهم لا بد من مثن علـيك وقـالي

      وأما أولئك المتربصون .. الذين يتصيدون في الماء العكر ، بوضع الحق في غير نصابه ، واستغلالهِ في غير بابه ـ كالعلمانيِّينَ وأذنابِ السَّاسَةِ الماكرينَ ـ ، فهم أقل مِن أن يُحَتفى بهم أو يُشارَ إليهم !! لِدَنيءِ مقاصِدهم ِ ، وَخبيثِ مآرِبهـِم !!
      فلا يجعلنا مكرهم ودهاؤهم نعرض عن قاعدة التواصي بالحق والتواصي بالصبر ، ضمن دائرة الأخوة الصادقة والعقيدة الصافية ، ولو صاحبها أحياناً ـ لمقتضى مهم ـ نوع حدةٍ أو شدةٍ ! لكنها بين إخوةِ العقيدة (( حدةُ الوَدودِ ... وشدةُ الحبيبِ )).

      فنحنُ ـ وللهُ الحَمدُ ـ في تطبيقنا لقاعَدةِ النقدِ الصريح ِ (( لا نتعصبُ لأحدٍ دون الآخرِ ؛ لأننا نعتقدُ أن الجميعَ إخواُننا ، ونحنُ نُحُّبهُم في اللهِ بقدْرِ عَمَلهم وإخلاصهم لهذا الدين وفِقههم ؛ وعندما ننقد مسلكاً لبعضهم فلا يعني هذا أننا نتعصب ضدهُ ،أو نُؤثرُ عليهِ غَيرهُ ، أو نكرهُهُ .. معاذ اللهِ ؛ بل نفعلُ ذلك لأنَّ هذا هو حقُّ الأخ علينا ، إذا رأيناهُ في حاجةٍ إلى النُّصح ِ والتسديدِ ، ولولا أننا نحبُّ لهُ الخيرَ والصوابَ والفلاحَ لَمَا نَصَحناهُ ، واللهُ عَزَّ وجلَّ يَشهدُ ، وهو وَحدهُ العليمُ بما في الصُّدورِ )) ، (( والخلاف في الرأي لا يجوز أن يكون مصدر لجاجةٍ أو غضبٍ )).

      وواللهِ إن أقل واحدٍ من إخوانِنا ( الدُّعاةِ ) أو طُلاِّبِ العلم ِ ، فضلا ً عن مشايخنا من العلماءِ ـ على ما قد يقع بينهم من اختلافٍ أو خلافٍ ـ لهو أغلى عندنا من دنيا أولئك المتهوكين وما فيها !!
      (( فأمَّا الزَّبَدُ فيَذهَبُ جُفاءً وَأمَّا ما يَنفعُ النَّاسَ فيَمكُثُ في الأرض ِ )).

      ... فإلى رسالةِ شيخِنا ؛ لننْهَلَ من واسِع ِ علمِهِ ، ونستفَيدَ من عُمق ِ تَجربتهِ ، وننتفعَ بثاقبِ نظرِهِ . واللهُ المُستعان .

      وكتبهُ : أبو الحارث الحلبي الأثري ـ يوم الاثنين 1/ ذي القعدة / 1412 هـ .



      انتهت المقدمة إلى هنا، ولنا لقاءات بإذن الله تعالى في دُرَرٍ من كلام الشيخ الألباني عليه رحمة الله تعالى نستفيد منها ونترحم عليه.

      تعليق


        #8
        ونداء من يحيى صالح إلى كل أخٍ كريمٍ يمر من هنا ويحب أن يكتب الرد:

        بالله عليك إن لم تقرأ الموضوع لا تكتب أية ردود

        تعليق


          #9
          مقدِّمة المؤلِّف


          *****

          الحمدُ لله ربِّ العالَمين ، والصلاة ُ والسلامُ على سَيِّدِ المُرسَلين ، وعلى آلِهِ وصحبهِ أجمعين .
          أما بعد :

          فهذه رسالة ضمنتها جواباً على سؤال وَرَدَ إلَيَّ حولَ ما يُسمى بـ (( فقه ِ الواقع )) وحُكمهِ ، ومَدى حاجةِ المُسلمينَ إليهِ ، مَعَ بيان ِ صورَتِهِ الشرعيَّةِ الصَّحيحة .
          وأصلُ هذه الرِّسالةِ جوابٌ مُرتجَلٌ في مَجلس ٍ من المَجالس ِ العلميَّة التي يَجتمعُ فيها ـ ولله الحَمد ـ عَددٌ مِن الشبابِ المُسلم ِ الحَريص ِ على طلبِ العلم ِ الصَّحيح ِ ؛ المُستقى مِن الكتابِ والسُّـنَّة ، وعلى منهَج ِ السَّلَفِ الصَّالح ، صَفوَةِ الأُمَّة .

          ثمَّ قامَ أحَدُ الإخوَةِ ـ جزاهُ اللهُ خيراً ـ بنسخ ِ كلامي الوارِد في شريط التَّسجيل ، وعَرَضهُ عَلَيَّ ، فعَدَّلتُهُ ، وَزِدتُ عليه ، وَنقَّحُتهُ ، بما يَتناسَبُ مع نشْرِهِ ؛ لِتعُمَّ به الفائدَةُ ، ويَزدادَ به النَّفعُ ـ إن شاءَ اللهُ ـ .

          وقَـَد قامَ أخونا الفاضلُ (( علي بن حَسَن )) ـ وَفـَّقـَهُ اللهُ لِمَراضيهِ ـ بَتهيئـَةِ هذه الرِّسالةِ للنَّشرِ ، وإعدادِها للطَّبع(1) ، ثم نَسَخَها ـ بَعدُ ـ بِيَدِهِ ، وَضَبَط نَصَّها ، وَقَدَّمَ لها ؛ فَجَزاهُ اللهُ خَيراً .
          فاللهَ أسألُ أن يَنفَعَ بهذه الرِّسالةِ المُختَصرةِ قارئيها ، وأن يُفيدَ بها طالبيها ، إنَّهُ سميعٌ مُجيبٌ .
          وكتبه : محمد ناصر الدين الألباني ــ عَمَّان : 29 شوَّال 1412 هـ .



          فقهُ الواقع ِ

          *****




          إنَّ الحَمدَ لله نَحمَدُهُ ونَستعينُهُ ونَستغفرُهُ ، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسنا ومِن سيِّئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهدِهِ اللهُ فلا مُضلَّ لهُ ، ومَن يُضِلل فلا هادِيَ لهُ .
          وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شريكَ لهُ .
          وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُهُ .
          أمَّا بَعد :

          فإنَّ رَسولَ اللهِ مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم يقولُ :
          (( يُوشِكُ الأُمَمُ أن تـَداعى عَليكُم ، كما تـَداعى الأكَلَةُ إلى قَصْعَتِها )) .
          فقال قائلٌ : ومِن قِلَّةٍ نَحنُ يَومَئذٍ ؟
          قال : (( بَل أنتُم يَومَئذٍ كثيرٌ ، ولكنَّكُم غُثاءٌ كَغُثاء ِ السَّيل ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللهُ من صُدورِ عَدُوِّكُم المَهابَةَ منكُم ، وَلَيَقْذفَنَّ اللهُ في قُلوِبكُم الوَهَن )) .
          فقال قائلٌ : يا رَسولَ اللهِ ! وما الوَهَنُ ؟
          قال : (( حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ المَوت ))(2).

          ◄ واقعُ المُسلمين :

          قـَد تـَجلَّى هذا الحَديثُ النَّبويُّ الشريفُ بأقوى مظاهرِهِ وأجلى صُوَرِهِ ، في الفتنةِ العظيمَةِ التي ضَرَبَت المُسلمين ؛ فَفَرَّقـَتْ كلمَتـَهُم ، وَشـَتـَّتـَتْ ( صُفوفَـَهُم ) .

          وَلـَقـَد أصابَ طـَرَفٌ مِن هذه الفتنةِ القاسيةِ جَذْرَ قـُلوبِ عَددٍ كبيرٍ مِن الدُّعاةِ وَطـَلـَبَةِ العلم ِ ، فانقـَسَموا ـ وللأسَف الشديدٍ ـ على أنفُسهم ، فصارَ بَعضُهُم ( يَتـَكلـَّمُ ) في بَعض ٍ ، والبَعضُ ( الآخَرُ ) ينقـُدُ الباقين ، ويَرُدُّ عليهم ... وهكذا ...

          ◄ معرفةُ الحقِّ بالردِّ :

          وليسَت تلك الرُّدودُ ( مُجَرَّدة ً ) ، أو هاتيكَ النَّقـَداتُ ( وَحدَها ) بضائرةٍ أحداً مِن هؤلاء أو أولئكَ ، سواءٌ منهم الرَّادُّ أم المَردودُ عليه ، لأنَّ الحَقَّ يُعرَفُ بنوِرهِ ودلائِلهِ ، لا بِحاكيِه وقائِلهِ ـ عند أهل ِ الإنصافِ ، وليسَ عندَ ذوي التعصُّب والاعتساف ـ ؛ وإنَّما الذي يَضيرُ أولئكَ أو هؤلاء : هو الكلامُ ، بغَير علم ٍ ، وإلقاءُ القَول ِ على عَواهِنِهِ ، والتكلُّمُ بغَيرِ حقَّ على عبادِ الله !!

          ◄ مسألةُ (( فقه الواقع )) :

          ولـَقـُد أثيرَت أثناءَ تلك الفتنةِ العَمياء ِ الصمَّاء ِ البَكماء ِ مسائلُ شَتَّى ؛ فِقهيَّة ً ، ومَنهَجيَّة ً ، ودَعَويَّة ً ، وكان لنا ـ حينَها ـ أجوبة ٌ علمَّية ٌ عليها بِحَمد الله سبحانهُ ومِنَّتِه .
          ومِن المَسائل التي أعقَبَت تلك الفتنة َ ، وكَثُرَ الخَوضُ فيها : ما اصْطَلحَ ( البَعضُ ) على تَسميِتِه بـ (( فقه الواقع )) !!

          وأنا لا أخاِلفُ في صورَةِ هذا العلم ِ الذي ابتَدعوا لهُ هذا الاسمَ ، ألا وهو (( فقه الواقع )) ؛ لأنَّ كثيراً مِن العُلَماءِ قـَد نَصُّوا على أنَّه يَنَبغي على مَن يَتَوَلونَ تَوجيهَ الأمَّةِ وَوضعَ الأجوبَةِ لِحَلِّ مشاكلهم : أن يَكونوا عالمينَ وعارفينَ بِواقِعِهِم ؛ لذلك كان مِن مَشهورِ كلماِتهِم : (( الحُكمُ على الشيءِ فَرعٌ عَن تَصَوُّرهِ )) ، ولا يَتَحقَّق ذلك إلا بمَعرفَةِ ( الواقِع ) المُحيطِ بالمسألَةِ المُرادِ بَحثُها ؛ وهذا مِن قَواعدِ الفُتيا بِخاصَّةٍ ، وأصول ِ العلم ِ بعامَّةٍ .

          فَفِقهُ الواقع ـ إذاً ـ هو الوقوفُ على ما يَهُمُّ المُسلمين مِمَّا يَتَعلَّقُ بشؤوِنهِم ، أو كيدِ أعدائِهم ؛ لتحذيرِهم ، والنُّهوض ِ بهم ، واقعيَّاً ، لا كلاماً نَظَريَّاً(3) ، أو انشغالاً بأخبارِ الكُفَّارِ وأنبائهم ... أو إغراقاً بِتحليلاِتهِم وأفكارِهم ِ !!
          _____


          1 ـ وبعدَ تنضيدِ الرِّسالةِ ـ بمُقدِّمتها ـ وتصحيحها ، عَرَضتُها على شيخنا فوافَقَ عليها ، وأقرَّها مَشكوراً ، فجزاهُ اللهُ خيراً . ( علي ) .

          2 ـ حديثٌ صحيحٌ ، تراه مُخَرَّجاً في (( الصَّحيحة )) ( 958 ) .

          3 ـ أمَّا الكلامُ ( النَّظريُّ ) الذي ليسَ لهُ مَن ( يتبنَّاهُ ) عمَلاً ، ويُخرجهُ إلى حيِّزِ ( الواقع ) فعلاً ؛ فقد وَصَفهُ شيخنا في بَعض مجالسهِ مع الأخ الدكتور ناصر العُمَر بأنهُ (( عَبثٌ وجُهدٌ ضائعٌ )) ، كما في شريطِ التسَّجيل ِ المَنشورِ من تلكَ المجالس ِ . ( عليّ ) . وانظر ما سيأتي .

          تعليق


            #10
            بارك الله فيك أخي الكريم و جزاك الله خيراً

            تعليق

            تنفيذ...
            X