أستغفر الله العظيم ... سبحان الله وبحمده



العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > المنتدى الاسلامي


مواضيع مميزة  


آخر عشرة مواضيع المواضيع النشطة


13-08-2007, 10:35 PM
سوري ثقافي غير متصل
عضو مشارك
رقم العضوية: 95558
تاريخ التسجيل: Aug 2007
المشاركات: 40
إعجاب: 1
تلقى 23 إعجاب على 17 مشاركة
تلقى دعوات الى: 0 موضوع
    #1  

من دلائل النبوة


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن قاعدة الإسلام وأصلَه الشهادتان، شهادةُ أن لا إله إلا الله ، والشهادة بأن محمداً رسول الله، وهما مفتاح الجنة، وباب كل خير، وهما أجلُّ ما يدين المسلم به لربه، وأشرف ما يحمله إلى العالمين.
قال رسول الله r: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غيرَ شاكٍ فيهما إلا دخل الجنة)) ، فالذي يؤمن بهاتين الشهادتين من غير شك ولا مرية يدخل الجنة.
ويخبر النبي rعن موعود آخر لهؤلاء المؤمنين ، ألا وهو الأمن من النار: ((ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبدُه ورسوله، إلا حرمَه الله على النار)).
ولذلك فإن المسلم حين يُعنى بالحديث عن نبوة النبي eودلائلِها؛ فإنما يتناول باباً عظيماً من أبواب الإسلام، إنه الشق الثاني من الركن الأول للإسلام.
إن المسلم حين يؤمن بنبوة النبي rإنما يؤمن بعقيدة راسخة رسوخَ الجبال الرواسي، ورسوها مصدره أنها عقيدة قامت على العلم والدليل والبرهان، إن حاله ليس كحال أولئك الذين قالوا: ]إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مقتدون[ (الزخرف: 23)، فهؤلاء وأضرابهم حجبوا عقولهم عن النظر في الحق ودلائل صدقه ، وصمّوا آذانهم عن سماعه ، واكتَفوا بالقعود حيث تاهت عقول آبائهم الأولين، فأنكر القرآن عليهم هذا الجمود، وقبّحه ، ودعاهم لإعمال عقولهم والإفادة منها، فقال: ]قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون [ (يونس: 16).
وقد دعانا القرآن الكريم للتأمل في دلائل نبوة النبي rفي غير آية: ]قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد [ (سبأ: 46).
ولسوف نعرض للأدلة التي تشهد بنبوة النبي r، تثبيتاً لإيمان المؤمنين، وخروجاً به من التقليد إلى البرهان والدليل، وهو أيضاً دعوة للبشرية التائهة عن معرفة نبينا rوجوانب العظمة في حياته ودعوته، دعوة لهم للتعرف على هذا النبي الكريم، والإيمان به نبياً ورسولاً.
ودلائل النبوة الشاهدةُ بنبوة نبينا eمتنوعةٌ وكثيرة، ويجمعها أقسام ستة:
الأول: الغيوب التي أخبر عنها النبي eوتحققتْ حال حياته أو بعد وفاته كما أخبر عنها ، ومن هذا النوع أيضاً ما أخبر به عليه الصلاة والسلام من الإعجاز العلمي الذي شهد بصحته العلم التجريبي الحديث.
الثاني: المعجزات الحسية التي وهبها الله النبي rكتكثير الطعام وشفاءِ المرضى وانشقاقِ القمر.
الثالث: الدلائل المعنوية، كاستجابة الله دعاءه، وعصمتِه له من القتل، وانتشارِ رسالته عليه الصلاة والسلام، فهذا النوع من الدلائل يدل على تأييد الله له ومعيِته لشخصه ثم لدعوته ودينه، ولا يؤيد الله دعياً يفتري عليه الكذب بمثل هذا.
وأما رابع أنواع دلائل نبوته rفهو أعظمُها وأدومُها، إنه القرآن الكريم معجزة الله التي لا تبليها السُنونُ ولا القرون، هذا الكتاب معجزة خالدة ودليل باهر بما أودعه الله من أنواع الإعجاز العلمي والتشريعي والبياني، وغيرِها من وجوه الإعجاز، يقول رسول الله r: ((ما من الأنبياء من نبي، إلا قد أُعطي من الآيات، ما مثلٌه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيتُ وحياً أَوحى اللهُ إليّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعاً يوم القيامة)).
وخامس أنواع دلائل النبوة إخبار النبوات السابقة وتبشيرها بمقدمه e، فهو النبي الذي أخذ الله الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه حال بعثته: }وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين { (آل عمران: 81).
وأما سادس أنواع دلائل النبوة فأخلاق النبي eوأحواله الشخصية الدالة على كماله ونبوته، إذ لم تجتمع فيه هذه الصفات وتلك الكمالات إلا من تأديب الله له، فقد أدّبه فأحسن تأديبه.
وما أعرض للحديث عنه من دلائل النبوة في بحثي؛ أقتصر فيه على الصحيح الذي روي وفق شروط المحدثين، وأكفّ القلم عن الضعيف والغريب الذي أثقل كتب السير والدلائل المختلفة.
ولست أزعم أني استوفيت هذه الدلائل، بل قد صح عندي منها ما تركته لشهرته أو لغيره من الأسباب، كما تغافلت عن كثير من وجوه الإعجاز كالعلمي والبياني، تاركاً ذلك لأهل الاختصاص، وفي كل ذلك أبذل وسعي آملاً من الله التوفيق والسداد.
ويسر رابطة العالم الإسلامي أن تقدم للمكتبة الإسلامية هذا الكتاب، في وقت كثر الافتراء عليه واستطار التشكيك الظالم في شخصه rورسالته، راجين أن يقوم ببعض الواجب علينا تجاه حبيبنا وقدوتنا r، والله ولي التوفيق.


د. منقذ بن محمود السقار

مكة المكرمة
صفر – 1427هـ
mongiz@maktoob.com

إخباره rبغيوب تحققت في حياته
الغيب سر الله ، فهو وحده تبارك وتعالى الذي يعلم السر وأخفى
}وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقةٍ إلا يعلمها ولا حبةٍ في ظلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مبينٍ { (الأنعام: 59).
والنبي eكسائر البشر لا يعلم الغيب }قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملكٌ { (الأنعام: 50)، }قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذيرٌ وبشيرٌ لقومٍ يؤمنون { (الأعراف: 188).
فإذا ما أخبر النبي عن شيء من الغيوب؛ فإنما يخبر بشيء من علم الله الذي خصه به وأطلعه عليه، ليكون برهان نبوته ودليل رسالته.
ولقد أخبر النبي eعن زهاء ألف أمر غيبي، بعضها في القرآن، وبعضها في السنة، وكل منها دليل على نبوته ورسالته.
والغيوب التي أخبر بها rعلى ضروب، فمنها ما تحقق حال حياته r، ومنها بعده ، ومنها ما يكون قريباً من الساعة، وفي كل ذلك دلائل على نبوته ورسالته.
ومن الغيوب التي تنبأ بها rووقعت حال حياته خبر الريح التي تنبأ eبهبوبها وهو منطلق وأصحابُه إلى تبوك فقال: ((ستهبُّ عليكم الليلة ريحٌ شديدة، فلا يقُمْ فيها أحدٌ منكم، فمن كان له بعيرٌ فليشُدَّ عِقاله)).
قال أبو حميد tراوي الحديث: فهبَّت ريحٌ شديدة، فقام رجلٌ، فحملته الريح، فألقته بجبلي طيء. فمن الذي أخبر النبي eبهبوب هذه الريح في زمن ما كان الناس يقدرون على التنبؤ بالطقس وحركات الرياح؟ إنه الله الذي لا تغيب عنه غائبة.
قال النووي: "هذا الحديث فيه هذه المعجزة الظاهرة؛ من إخبارِه عليه الصلاة والسلام بالمغيَّب، وخوفِ الضرر من القيام وقت الريح .. وفيه ما كان عليه eمن الشفقة على أمته , والرحمةِ لهم , والاعتناءِ بمصالحهم , وتحذيرِهم مما يضرُّهم في دين أو دنيا".
ومن إخباره rبالغيوب تنبؤه بهزيمة الفرس وغلب الروم ، في وقت كادت دولة الفرس أن تزيل الإمبرطورية الرومانية من خارطة الدنيا، فقد وصلت جيوش كسرى أبرويز الثاني إلى وادي النيل، ودانت له أجزاء عظيمة من مملكة الرومان.
سنواتٌ معدودة تمكن فيها جيش الفرس من السيطرة على بلاد الشام وبعض مصر، واحتلت جيوشهم أنطاكيا شمالاً، مما آذن بنهاية وشيكة للإمبرطورية الرومانية.
وأمام هذا الطوفان الفارسي أراد هرقل ملك الروم أن يهرب من عاصمة ملكه القسطنطينية، وكاد أن يفعل لولا أن كبير أساقفة الروم أقنعه بالصمود وطلب الصلح الذليل من الفرس.
ووسط هذه الأحداث - وخلافاً لكل التوقعات - أعلن النبي eفي أجواء مكة المتربصة به وبدعوته أن الروم سينتصرون على الفرس في بضع سنين، أي فيما لا يزيد عن تسع سنين، فقد نزل عليه قول الله تعالى: ]غلبت الروم %في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون %في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون %بنصر الله[ (الروم: 2-5).
يقول المؤرخ إدوار جِبن في كتابه "تاريخ سقوط وانحدار الإمبراطورية الرومانية": "في ذلك الوقت، حين تنبأ القرآن بهذه النبوءة، لم تكن أية نبوءةٍ أبعدَ منها وقوعاً، لأن السنين العشر الأولى من حكومة هرقل كانت تؤذن بانتهاء الإمبرطورية الرومانية".
لقد كان النبي rيتنبأ بانتصار المهزوم الذي يكاد يستسلم لخصمه، ويحدد موعداً دقيقاً لهذا النصر الذي ما من شيء أبعد في تحققه منه.
وتناقلت قريش هذه النبوءة الغريبة التي خالفت أهواءهم التي مالت إلى جانب الفرس إخوانِهم في الوثنية، بينما أحب المسلمون انتصار الروم لأنهم أهل كتاب، واستبشروا بالخبر.
قال ابن عباس: (كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم، لأنهم وإياهم أهلُ أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهلُ كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله eفقال: أما إنهم سيَغلبون.
فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا [أي بدوام انتصار الفرس] كان لنا كذا وكذا [أي من الرهن]، وإن ظهرتم [أي بانتصار الروم] كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلاً خمس سنين، فلم يظهر الروم [أي في هذه السنينِ الخمس].
فذكروا ذلك للنبي rفقال: ألا جعلته إلى دون العشر [أي طلب منه زيادة الأجل إلى تسع سنين، لأن البضع في لغة العرب ما دون العشر]، والله قد وعد بظفر الروم في بضع سنين.
قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر.
قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال ابن عباس: فذلك قوله تعالى: ]غلبت الروم %في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون %في بضع سنين [.
لقد كان الأمر كما تنبأ عليه الصلاة والسلام، ففي عام 623م وما بعدها استطاع هرقل أن يتخلص من لهوه ومجونه، وشن ثلاث حملات ناجحة أخرجت الفرس من بلاد الرومان.
وفي عام 626م واصل الرومان زحفهم حتى وصلوا إلى ضفاف دجلة داخل حدود الدولة الفارسية، واضطر الفرس لطلب الصلح مع الرومان بعد هزيمتهم في معركة نينوى، وأعادوا لهم الصليب المقدس - عندهم - وكان قد وقع بأيديهم.
فمن ذا الذي أخبر محمداً rبهذه النبوءة العظيمة؟ إنه وحي الله، وهو دليل رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام.
ولو تأملنا قوله تعالى: ]غلبت الروم %في أدنى الأرض [فإن أعيننا لن تخطئ برهاناً آخر من براهين نبوته r، فقوله تعالى: ]في أدنى الأرض [يشير إلى حقيقة علمية كشف عنها العلم الحديث، وهي أن البقعة التي انتصر فيها الفرس على الروم في منطقة الأغوار قريباً من البحر الميت هي أدنى الأرض، أي أخفض مكان في الأرض كما تؤكده الموسوعة البريطانية وغيرها، إنه بعض علم اللطيف الخبير.
ومما أطلع الله نبيه عليه من الغيوب التي لا يعرفها لولا إخبار الله له؛ خبر كتاب حاطب بن أبي بلتعة tالذي أرسله إلى قريش مع امرأة، يخبرهم فيه بعزم النبي eعلى غزو مكة.
فلما كشف الله ذلك لنبيه؛ بعث علياً والزبيرَ والمقدادَ بنَ الأسود، وقال: ((انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب، فخذوه منها))، يقول علي t: فانطلقنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب.
قال ابن حجر: "وفيه من أعلام النبوة إطلاعُ الله نبيه على قصة حاطب مع المرأة".
ومثله من الإخبار المعجِز نعْيُه لقادة مؤتة الثلاثة - وقد استشهدوا في الشام - وهو في المدينة ، يقول أنس t: نعى النبي eزيداً وجعفراً وابنَ رواحة للناس قبل أن يأتيَهم خبرُهم ، فقال: ((أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان؛ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم)).
فالذي أعلم النبيَّ eبمقتلهم قبل أن يأتي خبرهم إلى الناس هو الله علام الغيوب، قال الطحاوي: "وفيه عَلَمٌ ظاهر من أعلام النبوة".
ومن إخباره eبالغيوب؛ تعريفه أبا هريرة tبحقيقة الشيطان المتمثل في صورة رجل، ، وتنبؤه بأنه سيأتي مرة بعد مرة، فقد جاءه شيطان، يسرق من طعام الزكاة، فأمسك به أبو هريرة، ثم خلّى عنه لما شكى الفقر والعَيْلة.
يقول أبو هريرة: فخليتُ عنه، فأصبحتُ، فقال النبي e: ((يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟)) فقلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعِيالاً، فرحمته، فخليتُ سبيله، قال: ((أما إنه قد كذَبك, وسيعود))، قال أبو هريرة: فعرَفتُ أنه سيعود لقول رسول الله e: ((إنه سيعود)) ...
وعاد الرجل كما أخبر النبي e، وأطلقه أبو هريرة ثانية, فأخبره النبي بمقدَمِه ثالثة، فكان كما أخبر.
فلما غدا إلى النبي eقال له e: (( تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟)) قال: لا، قال: ((ذاك شيطان)).
قال ابن حجر: "وفيه إطلاع النبي eعلى المغيَبات".
فهذه الغيوب وغيرَها مما أخبر به rأدلةٌ واضحة وبراهينُ ساطعة على نبوة النبي r، فهي غيوب أخبره بها عالمُ السر والنجوى.




إخباره rبالغيوب المستقبلة التي تحققت بعد وفاته
ولئن دلت الغيوب التي ذكرناها قبل على نبوة النبي
rفإن ما بين أيدينا من الغيوب أعظم دلالة، إذ سنتناول ما أخبر به eوتحقق بعد موته e، فكان أيضاً برهاناً صادقاً على نبوته e.
وقف النبي eيوماً خطيباً بين أصحابه، ولنسمع إلى حذيفة وهو يقص علينا الخبر.
يقول حذيفة: "خطب خطبة، ما ترك فيها شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره، علِمه من علِمه، وجهِله من جهِله"، يقول حذيفة: (إنْ كنت لأرى الشيء قد نسيتُ، فأعرِف ما يعرِف الرجل إذا غاب عنه، فرآه فعرَفه).
قال ابن حجر: "دل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتُدئت إلى أن تفنى، إلى أن تُبعث , فشمل ذلك الإخبارَ عن المبدأ والمعاش والمعاد , في تيسير إيراد ذلك كلِّه في مجلس واحد من خوارق العادة أمرٌ عظيم , ويقْرَب ذلك - مع كون معجزاته لا مرية في كثرتها - أنه eأعطي جوامع الكلم".
وهذا الذي رواه حذيفة مجملاً؛ فصّله عمرو بن أخطب الأنصاري t، فقال: (صلى بنا رسول الله eالفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطَبَنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة، فأعلمُنا أحفظُنا).
قال القاضي عياض: " منذلكماأطلععليهمنالغيوبومايكون،والأحاديثفيهذاالباببحرلايُدركقعره،ولاينزَفغمْرُه،وهذهالمعجزةمنجملةمعجزاتهالمعلومةعلىالقطع،الواصلِإليناخبرهاعلىالتواتر،لكثرةرواتهاواتفاقمعانيهاعلىالاطلاععلىالغيب".
ومن الغيوب الباهرة التي كشفت لنبينا rخبر أم حرام بنت ملحان ، فقد سمعت النبي eيقول: ((أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا)).
قالت أم حرام: قلتُ: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: ((أنتِ فيهم)).
ثم قال النبي e: ((أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم)).
فقلتُ: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: ((لا)).
قال ابن حجر: " وفيه ضروب من إخبار النبي rبما سيقع، فوقع كما قال , وذلك معدود من علامات نبوته: منها إعلامه ببقاء أمته بعده، وأن فيهم أصحابُ قوةٍ وشوكة ونِكاية في العدو, وأنهم يتمكنون من البلاد حتى يغزوا البحر, وأن أمَّ حرام تعيش إلى ذلك الزمان, وأنها تكون مع من يغزو البحر, وأنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية ".
وفي حديث يرويه الشيخان أنه rنام يوماً في بيتها، ثم استيقظ وهو يضحك، فسألَتْه: ما يضحكك يا رسولَ الله؟ قال: ((ناس من أمتي عُرضوا عليّ غُزاة في سبيل الله، يركبون ثبج [ظهر] هذا البحر، مُلوكاً على الأَسِرّة، أو مثل الملوك على الأَسرّة)).
قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها.
ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فسألته أم حرام: ما يضحكُك يا رسول الله؟ قال: ((ناس من أمتي عُرِضوا عليّ غُزاة في سبيل الله )) فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: ((أنت من الأولين)).
فركبت أمُّ حرامٍ بنتِ مِلحانٍ البحرَ في زمن معاوية t، فصُرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت.
وقد نقل الطبراني وغيره أن قبرها معروف في جزيرة قبرص.
فمن الذي أعلم النبي eبما يكون بعده؟ من الذي أعلمه بأن أمته سوف تغزو البحر من بعده، وأن أم حرام بنت ملحان ستعيش حتى تدرك هذا الغزو، فتشارك فيه؟
وبينما النبي
rفي تبوك؛ أنبأ أصحابه بوقوع ستة أحداث مهمة، رتب وقوعها فقال لعوف بن مالك: ((اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتحُ بيت المقدس، ثم مُوتانٌ يأخذُ فيكم كقُعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يُعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنةٌ لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدِرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غايةٍ اثنا عشر ألفاً)).
وفي هذا الحديث يذكر النبي eأحداثاً ستة يرتبها، أولها: موتُه e، ثم فتحُ بيت المقدس، وقد كان ذلك في العام الخامس عشرَ من الهجرة، ثم موت عظيم يصيب الصحابة، وتحقق ذلك في طاعون عِمواس في السنة الثامنةِ عشرة للهجرة، ثم استفاضةُ المال حين كثرت الأموال زمن الفتوح في عهد عثمان، ثم الفتنةُ التي تصيب العرب، وقد وقعت زمن فتنة قتل عثمان tالتي كانت بوابة للفتن التي ما تركت بيتاً إلا ودخلته.
وأما العلامة الأخيرة، وهي الهدنة ثم الحرب مع بني الأصفر- وهم الروم - فقد اتفق العلماء على أنها لم تقع، وأن ذلك يكون في فتن وملاحم آخر الزمان.
قال ابن حجر: " وفيه أشياء من علامات النبوة قد ظهر أكثرُها".
ولو شئنا الحديث عن الحدث الرابع منها؛ فإنا نذكر قول النبي e : ((لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يُهِمَّ ربَ المال من يقبلُ صدقَتَه، وحتى يعرِضَه فيقولَ الذي يَعرِضُه عليه: لا أَرَب لي)).
قال ابن حجر: "في هذا الحديث إشارة إلى ثلاثة أحوال:
الأولى: إلى كثرة المال فقط، وقد كان ذلك في زمن الصحابة، ومن ثَم قيل فيه: ((يكثر فيكم)) ..
الحالة الثانية: الإشارة إلى فيضه من الكثرة، بحيث أن يحصل استغناء كلُّ أحدٍ عن أخذ مالِ غيرِه, وكان ذلك في آخر عصر الصحابة وأولِ عصر مَن بعدَهم، ومن ثَم قيل: ((يُهِمَّ ربَ المال))، وذلك ينطبق على ما وقع في زمن عمرَ بنِ عبد العزيز.
الحالة الثالثة: فيه الإشارة إلى فيضه وحصول الاستغناء لكل أحد، حتى يهتم صاحب المال بكونه لا يجد من يَقبل صدقته، ويزداد [أي الهمُّ] بأنه يعرضه على غيره؛ ولو كان ممن لا يستحق الصدقة، فيأبى أخذَه، فيقول: لا حاجة لي فيه، وهذا في زمن عيسى عليه السلام". أي بعد نزوله.
ومما أخبر به rمن المغيبات - التي أطلعه الله عليها لتكون برهان نبوته - قدومُ أُويس القَرَني من اليمن، وقد ذكر eلأصحابه بعضَ صفته وأحواله ، فقال: ((إن رجلاً يأتيكم من اليمن، يقال له: أُويس، لا يدع باليمن غيرَ أمٍ له، قد كان به بياض، فدعا الله فأذهبه عنه؛ إلا موضعَ الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم)).
وقد كان كما أخبر e، فقد أقبل أهل اليمن زمن عمر؛ فجعل يستقري الرفاق، فيقول: هل فيكم أحد من قَرَن؟ حتى أتى على قرن، فقال: من أنتم؟ قالوا: قَرَن.
قال: فوقع زِمامُ عمر tأو زِمام أويس، فناوله أحدهما الآخر، فعرفه.
فقال عمر: ما اسمك؟ قال: أنا أويس.
فقال: هل لك والدة؟ قال: نعم.
قال: فهل كان بك من البياض شيء؟ قال: نعم، فدعوتُ اللهَ عز وجل فأذهبَه عني إلا موضعَ الدِرهم من سُرَّتي لأذكر به ربي.
فقال له عمر t: استغفر لي. قال: أنتَ أحقُّ أن تستغفر لي، أنت صاحب رسول الله e.
فقال عمر t: إني سمعت رسول الله eيقول: ((إن خير التابعين رجل يقال له أويس، ولهُ والدة، وكان به بياض، فدعا الله عز وجل، فأذهبَه عنه إلا موضعَ الدِرهم في سُرَّتِه)) فاستغفَر له أويس، ثم دخل في غِمار الناس، فلم يُدر أين وقع [أي ذهب].
قال النووي: "وفي قصة أويس هذه معجزات ظاهرة لرسول الله e".
ويخبر النبي rعن بركان يثور في الحجاز ينعكس ضوؤه بالشفق، فيلحظه أهل بصرى بالشام، فتحقق تنبؤه rعام 654هـ، ليكون دليلاً آخر على نبوته ورسالته r، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناقَ الإبل ببصرى)).
قال النووي: "وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت ناراً عظيمة جداً، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة".
قال ابن كثير: "وقد ذكر أهل التاريخ وغيرهم من الناس، وتواتر وقوع هذا في سنة أربع وخمسين وستمائة، قال الشيخ الإمام الحافظ شيخ الحديث وإمام المؤرخين في زمانه شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل الملقب بأبي شامة في تاريخه: إنها ظهرت يوم الجمعة في خامس جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة .. وذكر كتباً متواترة عن أهل المدينة في كيفية ظهورها شرق المدينة .. وقد ذكر الشيخ شهاب الدين أن أهل المدينة لجؤوا في هذه الأيام إلى المسجد النبوي، وتابوا إلى الله من ذنوب كانوا عليها".
ثم نقل رحمه الله بعض ما قيل من شعر فيها:
يا كاشف الضر صفحاً عن جرائمنا فقد أحاطـت بنـا يا رب بأساء
نشكو إليك خُطوباً لا نـطيق لها حـملاً ونحـن بهـا حقاً أحقاء
زلازل تخشع الصمُّ الصِّـلاد لها وكيف تقوى على الزلزال صماء
أقام سبعاً يرجُّ الأرض فانصدعت عن منظر منه عين الشمس عشواء
بحـر من النار تجري فوقـه سفن من الهضاب لها في الأرض إرساء
يرى لهـا شرر كالقصـر طائشةٌ كأنهـا ديمـة تنصَبُّ هطْـلاء
تنشق منها قلوب الصخر إن زفرت رعباً وترعد مثل الشهب أضواء
فيالهـا آية من معجـزات رسول الله يعقـلها أقـوام ألبـاء
ومن علامات نبوته
eإخباره عن ظهور الدجالين الذين يدَّعون النبوة، فقال محذراً منهم: ((لا تقوم الساعة حتى يُبعث دجالون كذابون قريباً من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله)).
وفي رواية: ((في أمتي كذابون ودجالون، سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين، لا نبي بعدي)).
قال ابن حجر: "وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقاً؛ فإنهم لا يُحصَون كثرة، لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك عن جنون .. وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة ".
وأول النسوة الأربع اللاتي يتنبأن بالكذب سجاحُ التميمية التي ادعت النبوة في وسط الجزيرة العربية، قال ابن حجر: "وقد ظهر مصداق ذلك في آخر زمن النبي e، فخرج مسيلمة باليمامة, والأسود العنسي باليمن, ثم خرج في خلافة أبي بكر طليحةُ بن خويلد في بني أسد بن خزيمة, وسجاح التميمية في بني تميم.. ".
وقد نصّ النبي rوأنبأ عن دجالَيْن يظهر أمرهما بعده، وقد ادعيا النبوة في آخر حياته e، وهما مسيلمةُ الكذاب في اليمامة، والأسودُ العنسي في اليمن.
فقد رأى النبي eفي رؤياه أن في يديه سِوارين من ذهب، يقول e: ((فأهمني شأنُهما، فأُوحي إليَّ في المنام أن انفُخْهما، فنفختُهما، فطارا، فأوَّلْتُهما كذابَيْن يخرجان بعدي)).
وقد تحققت رؤياه، فكان مسيلمة أول الكذابَين، فقد قدم المدينة على





المواضيع المشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من دلائل نبوته استجابة دعائه محب الصحابه المنتدى الاسلامي 2 04-02-2016 09:21 PM
دلائل إعجازية فى غض البصر . كمال بدر المنتدى الاسلامي 20 15-12-2015 06:10 AM
دلائل الوجود الأربعة محب الصحابه المنتدى الاسلامي 0 19-11-2015 08:22 PM
أسطوانة برنامج دلائل النبوة للشيخ الدكتور منقذ السقار طريق الهدى برامج 3 08-06-2009 08:59 PM
من دلائل حب الله للعبد hema المنتدى الاسلامي 2 23-03-2005 10:18 AM
 


من دلائل النبوة

English

Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.