"لا أستطيع" عبارة لطالما قلناها وسمعناها حولنا مراراً وتكراراً، حتى أن البعض أصبح يرددها تلقائياً، ويعتبرونها الرد المثالي لأسئلة مثل: "لماذا لا تصلي؟"، "لماذا تسمع الغناء؟"، "لماذا لا تطيع والديك؟"، لماذا تدخن؟"، والكثير الكثير من الأسئلة المماثلة. يردد معظمنا هذا الجواب على هكذا أسئلة إلا قليل ممن رحم ربي، ويغفل معظمنا عن حتى التفكير في الأمر..
لماذا لا يسأل كل واحد نفسه "لماذا لا أستطيع؟" ، وأتحدى كل واحد صادق مع نفسه أنه لن يجد إجابة مقنعة على هذا السؤال، لقد حاولت بنفسي ولم أجد الإجابة المقنعة الشافية، والسبب ببساطة أنه لا يوجد سبب مقنع يبرر عصيان الله إلا عند بعض الضرورات التي تبيح المحظورات..
أخي الكريم، أختي الكريمة، أنا أعرف أن داخلكم خير كثير، وأن كل واحد فيكم يريد أن يصبح أفضل مما هو عليه، ولكن الدنيا ومشاغلها وملهياتها يباعدون المسافة بينكم وبين الله. فاسمعوا ما لدي..
لو أن هناك شخصاً يحبك حباً جماً، وقد يعطيك حياته كلها في سبيل رضاك وسعادتك، ولا يرفض لك طلباً، ألا تحبه؟
فإذا أحببته، ألا تطيعه؟
فإذا أطعته ألا تحس بالسعادة لسعادته؟
فاقرؤوا هذا الحديث:
188038 - لله أشد فرحا بتوبة عبده، حين يتوب إليه ، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة. فانفلتت منه . وعليها طعامه وشرابه . فأيس منها . فأتى شجرة . فاضطجع في ظلها . قد أيس من راحلته . فبينما هو كذلك إذا هو بها ، قائمة عنده . فأخذ بخطامها . ثم قال من شدة الفرح : اللهم ! أنت عبدي وأنا ربك . أخطأ من شدة الفرح
الراوي: أنس بن مالك - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 2747
تصوروا معي هذا إخوتي، "الله الذي لا إله إلا هو خالق السماوات والأرض العزيز الجبار مالك الملك ذو الجلال والإكرام" بجلال قدره وعظيم سلطانه يفرح بكم إذا توجهتم إليه، والله لا أرى فرحة ولا تكريماً ولا تعظيماً بعد ذلك، فكيف لنا أن نعصيه ليلاً نهاراً في السر والعلانية، وإذا سُئلنا عن معصيته قلنا "لا أستطيع".
إخوتي الكرام، لم أكتب هذا الموضوع لأعاتب كل خطّاء فأنا من الخطّائين، وأدعو الله أن يغفر لي ولكم ولسائر المسلمين، ولكن سبب كتابتي للموضوع هو أن الله هداني – وأعوذ بالله من نفسي - إلى مفتاح التوبة من كل الذنوب، و وددت أن أشارككم إياه عسى الله أن يغفر لي بذلك.
إخوتي، مفتاح التوبة هو الرغبة، أبسط رغبة، ليست الرغبة في العمل ولا الجزاء، ولكنها رغبة بسيطة موجودة في كل واحد منا، وهي الرغبة في السعادة. أعلم أن ذلك يبدو غريباً، ولكن اسمعوا كيف استخدمت هذه الرغبة في التوبة إلى الله.
عندما كنت مراهقاً، لم يكن في عقلي جنة ولا نار، ولا حساب ولا عذاب، كنت أعيش بلا هدف، كنت تاركاً للصلاة، قاطعاً للرحم، عاقاً لوالديّ، وسامعاً للمحرمات. حتى أصبحت حياتي عذاباً في عذاب. وأضنى عقلي التفكير في السبيل إلى السعادة بأقل جهد ممكن، ولكن كلما فكرت وجدت في الله الإجابة، وتيقنت أن السعادة لا تكون إلا في التوجه إليه، رغم أني لم أكن أؤمن به حينها. فعزمت أمري وعاهدت نفسي أن أتوجه إليه خالصاً متضرعاً بالدعاء والعمل الصالح، وقلت لنفسي أن التجربة لن تضر، وإن لم أجد السعادة في تلك الطريق سلكت طريقاً أخرى.
ولكني أردت أن أحب الله لكي أستطيع أن أعبده، ولم أتعود أن أحب شخصاً لا أراه. فقطعت على نفسي عهداً أن أن لا أضيع أي صلاة طوال شهر كامل، وأن أدعو الله في كل سجود أن يريني نفسه كي أحبه وأؤمن به. أعلم أنكم تظنون أن ذلك من الجنون. ولكن بالفعل، خلال ذلك الشهر رأيت الله كما لم يره أحد من قبل، رأيت الله في كل شيء، وسمعته في كل صوت، وأحسست بوجوده وعظمته في قلبي، وحدثت معي مواقف صعبة التصديق، حتى تيقنت من وجود الله، ورأيت منه ما جعلني أحبه ثم أحبه ثم أحبه، ودعوت الله أن أستشهد في سبيله حتى تكون نفسي فداءاً للا إله إلا الله.
وبعد انقضاء هذا الشهر، لم أعد أجبر نفسي على الصلاة أو على طاعة والديّ أو غير ذلك، بل أصبحت الصلاة شيئاً أفعله لأني أحبه، وتحسنت علاقتي مع والديّ ومع الناس جميعاً، وأصبح حب الخير من طبعي، ولم تفارق السعادة قلبي إلا قليلاً. لم تعد المصائب بعدها تهزني أو تردعني، وأصبحت الحياة أبسط وأيسر مما كانت عليه والحمدلله.
إخوتي الكرام، إذا أردتم التوبة والرجوع إلى الله فما عليكم إلا أن تسألوه، مدوا أيديكم إلى الله بقلوب خاشعة ذليلة، وسيتلقاكم الله بالفرحة والترحاب إن شاء الله..
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴿186﴾
والله إن الله قريب مجيب، ولا يسألكم شيئاً إلا أن تتوجهوا إليه بقلوبكم. والله لن تجدوا حلاوة مثل حلاوة السجود لله وسؤاله، ولن تجدوا حناناً ولا رحمة مثل حنان الله ورحمته. ولا تظنوا أن الله يراكم ولا ترونه، وأنه يسمعكم ولا تسمعونه، فالقلوب المنيبة ترى نور الله وتسمع كلامه.
أدعو الله أن يهدينا جميعاً إلى حبه وحب نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن يملأ قلوبنا بنور الهداية، وينور لنا طريقنا في الدنيا والآخرة..
الحمدلله الذي أنعم علينا بالإسلام، وعلمنا ما لم نكن نعلم..
اللهم اغفر لي اخطائي يا غفور يا رحيم، ووفقني إلى ما تحبه وترضاه..
اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم..