أستغفر الله العظيم ... سبحان الله وبحمده



العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > المنتدى العام


مواضيع مميزة  


آخر عشرة مواضيع المواضيع النشطة


18-10-2003, 01:27 AM
Sam_syrian غير متصل
عضـو
رقم العضوية: 1107
تاريخ التسجيل: Aug 2003
المشاركات: 75
إعجاب: 0
تلقى 0 إعجاب على 0 مشاركة
تلقى دعوات الى: 0 موضوع
    #1  

مقالة ( عصرنة التراث)


مقالة عصرنة التراث) و هذه ايضا مقالة احببت ان تستفيد منها
عصرنة التـراث للاستاذ محمود أحمد السيد
سأحاول في هذه العجالة أن أقف على مفهوم التراث ومفهوم العصرنة وأن أقدم نماذج من عصرنة التراث لأرسم أخيراً بعض الصوى المستقبلية في ضوء هذه العصرنة.

أولاً: التراث مفهوماً وسمات
التراث لغةً مصدر من الفعل ورِثَ إذ يقال: ورِثَ فلاناً أي انتقل إليه مال فلانٍ بعد وفاته؛ ويقال: ورث المال والمجد عن فلان إذا صار مال فلان ومجده إليه.

وفي ضوء المصطلح اللغوي نرى أن التراث لفظ يشمل الأمور المادية والمعنوية؛ ويتمثل في جميع ما يبقيه الآباء والأجداد للأبناء والأحفاد؛ فهو قبل كل شيء هذه الأرض التـي نعيش عليها؛ ويجب أن يحتفظ الوارث بها؛ وها هو ذا شاعرنا العربي يقول:

ورثناهُنَّ عن آباء صدقٍ ونورثها إذا متنا بنينا
والتراث يشمل ما أنشئ على هذه الأرض من معالم وما قام على ظهرها من آثار؛ وما حفظ في داخلها من خيرات؛ وما ابتدعه عقل الأمة من مبتكرات؛ وما صنفه من تآليف؛ وما سجله من رسوم؛ وما خطه من مناهج؛ ورسمه من سبل ونظمه من مسالك وطرق.

والتراث في معناه العام يشمل كل ما خلفته لنا الأجيال السابقة في مختلف الميادين الفكرية والأثرية والمعمارية وآثار ذلك في أخلاق الأمة وأنماط عيشها وسلوكها؛ فهو منجز تاريخي لاجتماع إنساني في المعرفة والقيم والتنظيم والصنع؛ وهو كل ما هو حاضر في وعينا الشامل مما ينحدر إلينا من التجارب الماضية في المعرفة والقيم والنظم والمصنوعات والحضور ...إلخ.

وتراث أمتنا العربية لا يقف من حيث الزمان عند بداية التاريخ الإسلامي؛ وإنما يمتد مع ماضيها إلى ما قبل ذلك موغلاً في أعماق الزمن؛ فماضي كل الشعوب التـي أسلمت وتعربت هو من ماضي هذه الأمة؛ وكلُّ الحضارات الفكرية والمادية التـي ازدهرت في أرضنا العربية هي في الواقع التاريخي ميراث أمتنا.

وهذا الإدراك لا يصحح ما شاع فينا من أن مكانتنا في التاريخ الحضاري لم تأخذ دوراً قيادياً إلا في العصر الوسيط حيث كان الشرق العربي الإسلامي مناراً للعلم والمعرفة والتمدن وأوروبا غارقة في ظلمات عصورها الوسطى. إذ لا يجوز أن نقف بالتراث عند حد زماني أو مكاني يحصره في نصوص الأدب الجاهلي وذخائر علوم العربية والتاريخ الإسلامي؛ بل تمتد أبعاده لتستوعب التراث القديم لكل أفكار وطننا العربي على امتداد الزمان والمكان فتراثنا العربي أغنى من أن يحد بمرحلة حضارية واحدة؛ فمن بابل وآشور؛ ومن الفراعنة والبابليين وغيرهم من بناة الحضارات القديمة؛ ومن الديانات السماوية وغيرها من الرسالات الروحية والاجتماعية والفكرية الكبرى ينحدر إلينا تراث ضخم هو جَماع التاريخ المادي والمعنوي للأمة منذ أقدم العصور إلى الآن.

ولقد عبر الشاعر الكبير سليمان العيسى عن هذا المنحى قائلاً:

وأبعدُ نحنُ من عبسٍ ومن مُضَرٍ نعم أبعد

حمورابي وهاني بعلُ بعضُ عطائنا الأخلد

لنا بلقيسُ والأهـرامُ و البُرديُ و المعبـد

و من زيتوننا عيسى ومن صحرائنا أحمد

ومنا الناس يعـرفها الجميعُ تعلموا أبجد

و كنا دائمـاً نعطـي وكنا دائماً نجحـدُ!

ويتسم تراث أمتنا العربية بالعراقة؛ إذ إنه نشأ قبل ألوف السنين على الأرض العربية؛ وامتد متنامياً عبر الزمان والمكان؛ معبراً عن ذاته في عدد كبير من الحضارات قبل أن يتحد في النهاية في حضارة عربية إسلامية واحدة ذات ثقافة واحدة شملت الأرض العربية كلها.

كما اتسم بقدرته على استيعاب الثقافات الأخرى من فلسفة الإغريق وعلومهم إلى حكمة الهند وفكرها إلى آداب الفرس ونظمها؛ وفد تفاعلت ثقافتنا مع هذه الثقافات دون أن تفقد هويتها أو تذوب او تفقد أصالتها؛ وطبعت ذلك كله بالطابع العربي مبرهنة على قدرة فائقة في التطور والنمو واستيعاب المحدثات في مجال العلوم والتقانة والفنون والآداب؛ وصمدت أمام محاولات التشوية والاستلاب؛ واجتازت بنجاح المعادلة الصعبة بين الحوار المكافئ والأخذ الإيجابي عن الثقافات الأخرى وبين الرفض القاطع لمحاولات طمس الهوية.

وإذا كانت ثقافتنا العربية تؤمن بالانفتاح الرحب على الثقافات الإنسانية فإنها كانت على الدوام ذات سمات إنسانية. ولعلنا لانضيف جديداً إذا ذكرنا أن جوهر أمتنا العربية إنما يقوم على الانفتاح الحضاري الإنساني؛ فمن أرضها قامت الفتوحات وعبرها مرت وتعرضت لمحن واجتياحات؛ ومع ذلك كله بقيت تقدم للعالم أنموذجاً اجتماعياً إنسانياً يؤكد انفتاح الإنسان على أخيه الإنسان، وظلت تحمل راية الحياة المعطاء؛ راية الأخوة الإنسانية.

وبعد أن اخترعت الأبجدية وقدمتها للعالم وشقت البحار ناشرة الثقافة؛ وبعد أن نشأت في رباها أول الشرائع بدءاً بشريعة حمورابي وانتهاءً بشرائع السماء؛ لا نستغرب ما يقوله "توينبي" إن لكل إنسان في العالم وطنين أحدهما مسقط رأسه وثانيهما مسقط روحه وجوهره الإنساني وهو بيئة أمتنا الحضارية.

وليس عجيباً أن تكون الرسالات السماوية التـي أسهمت في السمو بالإنسان إلى ذرا الإنسانية السمحة قد وجدت في هذه البيئة الأرض الخصبة لنموها وانتشارها في العالم؛ لأنها في توقها الإنساني التوحيدي لامست روح هذه الأمة؛ روح هذا الوجود الحضاري؛ فوجد فيها تعبيراً عن أشواقه ومثله ونزعته الإنسانية فيه فحملها ونشرها في العالم.

ثانياً: عصرنة التراث
تجدر الإشارة أولاً إلى أنه لابد من النظر إلى التراث على أنه حياة لا موت وحركة لا جمود؛ ذلك لأنه كما سبقت الإشارة مجموعة من المثل والقيم والأعمال والمضامين والأشكال؛ نشأت من الماضي القديم وشقت طريقها إلى الماضي الحديث؛ وسافرت إلينا عبر القرون لتكوّن خلفيتنا وحالنا وكثيراً من مستقبلنا.

وعصرنة التراث تعني اختيار ما في التراث من نماذج وأصول اختياراً قائماً على الفهم والتمييز والفرز والتبويب والتصنيف والتقويم التحليلي الأمين البعيد عن الأهواء العارضة؛ ومن ثم ترسيخ أكثر عناصر التراث قدرة على الإسهام في تغيير واقعنا باستخدام المنهج العلمي في التفكير.

فإذا كان لدى أسلافنا طريقة تفيدنا في حياتنا الراهنة أخذناها؛ وأما ما لا ينفع نفعاً عمليّاً تطبيقياً في حياتنا تركناه. ولقد حدد الدكتور زكي نجيب محمود هذا المنحى قائلاً: "نأخذ من الموروث جزءه العاقل المبدع الخلاق؛ وننبذ جزءه الآخر الخامل البليد؛ نأخذ جزءه العاقل المبدع لا لنقف عند مضمونه وفحواه نبدي ونعيد؛ بل لنستخلص منه الشكل كي نملأ مضمون هذا الشكل من عصرنا ومن حياتنا ومن خبراتنا".

وبهذا تكون عصرية التراث متمثلة في إعطائه قيمة وظيفية حاضرة بتحويله إلى مؤثّرات فاعلة في حياتنا المعاصرة وفي بناء المستقبل الذي ننشده.

فعصرنة التراث لا تعني تقليد التراث؛ ولا أن نعود بحاضرنا ومستقبلنا فنصبهما في قوالب الأمس البعيد؛ ولكنها تعني أن نبصر جذور غدنا الذي نريده مشرقاً في الصفحات المشرقة من التراث؛ وأن نجعل العدل الاجتماعي الذي نناضل من أجله الامتداد المتطور لحلم أسلافنا بسيادة العدل في حياة الإنسان؛ وأن نجعل قسمات العقلانية والقومية في تراثنا زاداً طيباً وروحاً ثوريةً تفعل فعلها في يومنا وغدنا؛ وبذلك يصبح تراثنا روحاً سارية في ضمير الأمة وعقلها؛ تصل مراحل تاريخها وتدفع مسيرة تطورها خطوات وخطوات إلى الأمام؛ وبذلك وحده يصبح التراث طاقة فاعلة وفعالة على حد تعبير الباحث التراثي محمد عمارة.

وكان العقاد من قبل قد أشار إلى أن الوسيلة المثلى لإيجاد الرغبة في إحياء التراث العربي هو مزجه بالحياة الحاضرة وإتمامه في داخلها؛ فلا يشارف متحفاً قديماً للآثار المحفوظة؛ بل يشارفه كما يدخل في معترك الحياة؛ وينغمس في تيار العاطفة والشعور؛ وليس بعسير إذا حسنت المطالعة وحسن الاجتهاد وحسن التنبيه.

ولقد تبنت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في الاستراتيجيات التـي وضعتها مفهوم الماضي الحي؛ ورأت أن الاصالة تعبر عن هذا المفهوم؛ وتعني اختيار ما في التراث من نماذج وأصول اختياراً قائماً على الفهم والتمييز وعلى ما تنطوي عليه من الإبداع والإبتكار وعلى ما تدل عليه من ذاتية ثقافة الأمة وذاتية العبقرية التـي أسهمت في تطور هذا التراث في مجالات القيم والثقافة والفكر، وجوهرها تأكيد على خصائص الإبداع والابتكار وعلى ذاتية الثقافة وتميزها، وعلى اتصالها بعراقة الأمة في ماضيها الحي وعلى استمرارها في التعبير عن شخصيتها في مستقبلها.

ثالثاً: نماذج من عصرنة التراث
لو رحنا نستعرض النماذج التـي يمكن أن تكون في نسج حياتنا المعاصرة من تراثنا لأعيانا الحصر والتعداد؛ ذلك لأن ثمة مفاهيم واتجاهات نعتمدها في حياتنا المعاصرة؛ وقد يظن بعضنا أنها من إنتاج الغرب؛ هي موجودة في تراثنا. ولن أتمكن في هذه العجالة من حصرها؛ وحسبي أن أشير إلى بعضها متمثلاً في الوظيفية والمنهج التجريبي والحوار واحترام الرأي وحقوق الإنسان والتربية البيئية.

- 1 الوظيفية: وتتمثل في التركيز على أن كل ما يتعلمه المرء ينبغي له أن يؤدي وظيفته لصاحبه في الحياة التـي يتفاعل معها؛ ويلبي له حاجاته ومتطلبابته؛ إذ لا خير في علم لا ينفع. ومن هنا كان ثمة ربط وثيق في تراثنا بين الجانب النظري من المعرفة والجانب العملي؛ إذ إن ثمة اهتماماً بالجوانب التطبيقية والسلوكية في الحياة بعد أن ارتبط العلم بحاجات البشر ومنافعهم.

وفي الدعاء النبوي: "اللهم علّمني ما ينفعني؛ وانفعني بما علّمتني وزدني علماً وكل علم وبال على صاحبه إلا من عمل به".

ولكم نردد في تراثنا مقوله "العلم بلا عمل جنون؛ والعمل بغير علم لا يكون"!

وفي ضوء هذا النهج الوظيفي دعا الجاحظ في إحدى رسائله إلى الابتعاد عن المماحكات والتأويلات التـي لا تفيد المتعلم في شؤون الحياة إذ يقول في صدد تعليم النحو: "وأما النحو فلا تشغل قلب الصبي بعويص النحو الذي لا يفيد في المعاملات؛ ويكفي أن تزوده بالقدر الذي يؤدي إلى السلامة من فاحش اللحن ومن مقدار جهل العوام في كتاب إن كتبه وشعر إن أنشده وشيء إن وصفه؛ وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو أولى به من رواية المثل الشاهد والخبر الصادق والتعبير البارع".

ويهتم ابن خلدون بالناحية التطبيقيّة في اكتساب العلم؛ إذ ليس المهم معرفة القواعد والقوانين والاصطلاحات في حد ذاتها؛ وإنما المهم القدرة على استخدامها والاستفادة منها عملّياً؛ فقد فرق بين صناعة اللغة التـي تكوّنُ قواعدَها وقوانينها واصطلاحاتها وبين ملكة اللغة. والشخص الذي يستوعب هذه القواعد والمصطلحات دون أن يطبقها عملياً يكون مثل الشخص الذي يتقن صناعة من الصناعات علما ولا يكون له أي دراية بهذه الصناعات عملياً.

وفي ميدان الرياضيات كان ثمة اهتمام بالمسائل العملية التـي تتناول ما يقتضيه العصر؛ ويدور حول المعاملات التجارية والصدقات وإجراء الغنائم والرواتب على الجيوش؛ كما تتطرق إلى البريد وطرق البيع والشراء؛ وهذه ميزة امتازت بها المؤلفات العربية القديمة؛ فلقد كان رياضيو العرب يفضلون المسائل العلمية التـي تتعلق بحاجات العصر ومقتضياته.

ولو يتبع مؤلفو الرياضيات حالياً بعض الطرق التـي كان يسير عليها العرب في وضع المسائل الرياضية كان في ذلك ما يعود على الطلاب بأكبر الفوائد؛ مما يجعلهم يدركون أهمية العلوم الرياضية عملياً في نواحي الحياة المختلفة واتصالها الوثيق بحياة الإنسان المادية.

- 2المنهج التجريبي: ويجيء في مقدمة عصرنة التراث المنهج التجريبي والمعاينة؛ وهو المنهج الذي اعتمده العلماء العرب أسلوباً في الوصول إلى حقائق الحياة وإدراك كنهها؛ إذ إن لعدد غير قليل من رجال الحضارة العربية فضلاً في الحث على تحصيل المعارف عن طريق المعاينة والاختبار والتجربة؛ والبعد عن تحصيلها عن طريق النقل والقياس الأرسطي، وسبيلهما في الغالب هو الحفظ والاستظهار.

وتعد دعوة الجاحظ إلى المعاينة والتجربة أول صيحة في الفكر العربي الإسلامي تسبق دعوة "فرانسوار رابليه" الفرنسي المتوفى سنة 1553م والذي نادى في مثابرة وإصرار بضرورة نبذ المذهب الجدلي في التعليم والتربية؛ وأن يستبدل به مذهب التجربة والاختبار في تحصيل المعرفة. كما سبق العالم البريطاني "فرنسيس بيكون" المتوفى سنة1626 م والذي دعا في حماسة شديدة إلى مذهب الملاحظة والتجربة في التعليم.

وعلى الرغم من أن الجاحظ قد عاش في وسط عاكف على الحفظ ويهتم بالمحفوظ ويعلي من قدر الحفاظ الذين كانوا يتباهون بنوادر الحفظ وغرابته؛ ويجعلونه سبباً إلى الشهرة والولوج إلى أبواب الخلفاء والأمراء وذوي الجاه. على الرغم من ذلك كله وعلى الرغم من تعمقه في الأدب ومسائل الفكر؛ لم يكن ليؤمن بالحفظ قدر إيمانه بالتجربة والمعاينة في كسب المعرفة؛ إذ يقول: "ليس يشفيني إلا المعاينة". وتجلى ذلك في التجارب التـي كان يجريها على الحشرات.

ولقد أسس العرب أصول علم الكيمياء بتجاربهم ومستحضراتهم؛ وكان جابر بن حيان في مختبره بالكوفة رائداً في مجال التجارب؛ ومن أقواله المأثورة: "إن علماء الطبيعة لا يفرحون بغزارة المادة؛ ولكنهم يبتهجون بمهارة طرقهم في التجارب". وعلى هذا النحو استعان الحسن ابن الهيثم على قوانين الضوء بإجراء التجارب على النحو الذي نعنيه اليوم بالتجارب.

وشقّ المنهج التجريبي طريقه إلى الطب؛ فها هو ذا يوحنا بن ماسوية نابغة الطب العربي في عصر الرشيد يعجز عن الحصول على جثث بشرية للتشريح لما في ذلك من مجافاة لروح الإسلام الذي يعلي من كرامة الإنسان؛ فيعمد إلى القردة التـي كانت مجلوبة من بلاد النوبة بأرض مصر إلى بلاط الخليفة العباسي فيشرّحها كما يشير إلى ذلك الدكتور فيليب حتي.

ولقد انعكست تقاليد العرب في الطب في الناحية العملية في طرائق التعليم الطبي الاكلينيكي القائمة على مشاهدة المرضى والاستماع بدقة إلى شكواهم واستقصاء أحوالهم وزيارة منازلهم. ومن وسائل ذلك المرور على أسرّة المرضى في البيمارستانات حيث كان شيوخ الأطباء يصطحبون تلاميذهم ويفسرون لهم أحوال المرضى ويشيرون عليهم بالعلاج؛ وهي وسيلة التعليم الطبي السليم القائم على المشاهدة والتجربة؛ وليس نقلاً عن الكتب والمخطوطات.

3 - الحوار واحترام الرأي الآخر: ومن المواقف التـي تنضوي تحت عصرنة التراث اعتماد الحوار واحترام الرأي الآخر. ولقد كانت الحلقات العلمية الشعبية مثلاً في هذا المجال؛ إذ كان العلماء فيها على قدم المساواة في حرية التعبير واحترام الآخر بصرف النظر عن ديانته وانتمائه المذهبي وعقيدته. قال خلف بن المثنى: لقد شهدنا عشرة في البصرة يجتمعون في مجلس لا يعرف مثلهم في الدنيا علماً ونباهة وهم: الخليل بن أحمد صاحب النحو وهو سني، والجبري الشاعر وهو شيعي، وصالح بن عبد القدوس وهو زنديق ثنوي؛ وسفيان بن مجاشع وهو خارجي؛ وبشار بن برد وهو شعوبي؛ وحماد عجرد وهو زنديق شعوبي؛ وابن رأس الجالوت الشاعر وهو يهودي، وابن نظير المتكلم وهو نصراني؛ وعمر بن المؤيد وهو مجوسي؛ وابن سنان الحراني وهو صابئي. وكانوا يجتمعون فيتناشدون الأشعار؛ ويتناقلون الأخبار؛ ويتحدثون في جو من الود والتقدير واحترام الرأي؛ ولا تكاد تعرف منهم أن بينهم هذا الاختلاف الشديد في دياناتهم ومذاهبهم، وقد جسدوا عملياً وواقعياً مقولة احترام الرأي الآخر في جو من المحبة والتفاهم.

وما أحوجنا في ندواتنا وحواراتنا إلى احترام الرأي والموضوعية في إصدار الأحكام على آراء الآخرين وعدم الانفعال والمقاطعة في أثناء الحديث؛ والتحلي بالأناة والصبر في الاستماع إلى وجهات النظر والإتيان بالحجج والأدلة التـي نستشهد بها في جو من المجاملة واحترام الرأي؛ ونبذ عقلية التزمت والتشنج والتعصب والتطرف التـي شقت طريقها إلى العقل العربي إبان عصور الانحطاط والانحدار والتخلف.

4 - حقوق الإنسان: لقد استطاع الإنسان في القرن العشرين أن يكتشف الكواكب في كبد السماء؛ وأن يسبر أغوار المحيطات؛ ولكنه لم يستطع أن يعيش على الأرض كإنسان؛ وإنّ ما نلاحظه على الساحة الدولية حالياً يشير إلى أنّ الإنسان ما يزال في منأى عن روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة ومقاصدها.

في الوقت الذي نلاحظ فيه أن حلف الفضول في تراثنا العربي كان سبّاقاً في مجال الحفاظ على حقوق الإنسان صوناً واحتراماً؛ فلقد اعتاد تجار قريش أكل أموال الناس بالباطل؛ وحدث لرجل يمني أن باع سلعته إلى واحد من بني سهم من قريش؛ فما طله في دفع الثمن حتـى يئس. فاعتلى اليمني مكاناً مرتفعاً وقريش في مجالسها حول الكعبة؛ ورفع صوته يشكو ظلمه؛ فمشت قريش بعضها إلى بعض يحركها بنوهاشم؛ واجتمعت عدة بطون في دار الندوة واتفقوا على إنصاف المظلوم من الظالم؛ وساروا إلى دار عبد الله بن جُدْعان؛ وتحالفوا هناك على إباء الضيم وهجر العار وأداء الحق؛ فسمي "حلف الفضول" وروي أن الرسول (ص) شهد حلف الفضول في دار عبد الله بن جدعان قبل نزول الوحي عليه؛ وقال بعد ذلك: والذي نفسي بيده لقد شهدت في الجاهلية حلفاً يعني حلف الفضول؛ أما لو دعيت إليه اليوم لأجبت.

ولم تنظر الحضارة العربية الإسلامية إلى الآخرين نظرة شوفينية متعصبة وتساوى لديها بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي مع عمار العربي؛ وأصبح سلمان الفارسي أميراً على المدائن وعمار بن ياسر أميراً على الكوفة؛ وأضحى الجميع متساوين.

لا فرق في ذلك بين العربي والرومي والحبشي والفارسي؛ وتلك هي إنسانية حضارتنا وسمو مراميها ونبل مقاصدها وغاياتها.

5 - التربية البيئية: إذا كان العالم المعاصر يعاني المشكلات البيئية بسبب الممارسات الجائرة للإنسان على الطبيعة ومصادرها وفقدان الوعي البيئي تجاهها فإن تراثنا العربي زاخر بالقيم والاتجاهات الرامية إلى الحفاظ على البيئة والتعاطف معها.

وهل يمكننا أن ننسى وصية رسول الله لأصحابه في غزوة مؤتة إذ يقول: أوصيكم بتقوى الله؛ ومن معكم من المسلمين خيراً؛ اغزوا باسم الله وفي سبيل الله؛ لا تغدروا ولا تغلوا؛ ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانيا؛ ولا منعزلاً بصومعة؛ ولا تقربوا نخلا؛ ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناء "ولكم نستقي من هذه الوصية دروساً وعبراً في الحفاظ على حقوق الإنسان أياً كان وصوناً للبيئة وحمايتها.

ولقد تجاوزت النزعة الإنسانية في تراثنا الإنسان إلى الرفق بالحيوان وأنسنته؛ إن دل هذا على شيء فإنما يدل على سمو المشاعر الإنسانية تجاه الكون والبيئة وما فيها من أحياء؛ وهل يمكننا أن ننسى خطاب عنتره لفرسه وتعاطفه معه إذ يقول:

أحدّثه إن الحديث من القرى وتكلأ عيني عينه حين يهجع
وفي موضع آخر يصور فرسه في أثناء القتال قائلاً:

فازْورّ مـن وقـع القـنا بلبانـه وشكـا إلـيّ بعبرة و تحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمـي
وهل يمكننا أن ننسى نداء أبي فراس للحمامة والشريف الرضي لظبية البان. وتوسعت دائرة المشاركة الوجدانية والتعاطف ليسبغ على الوادي والشجر والجبل سمات الإنسان؛ وتلك هي مزية لحضارتنا العربية التـي أنسنت المصادر الطبيعية وحولت الأشياء إلى أناس يحسون ويتألمون؛ وتلك لعمري الذروة في المشاعر الإنسانية الرفيعة.

وما أبشع أن تنقلب الآية في عالمنا المعاصر فتتحول أنسنة الأشياء إلى تشيئة الإنسان وانحسار القيم الإنسانية!

وما أمر أن يتحول الإنسان على الأرض إلى شيء لا يحس به أخوه الإنسان!.

رابعاً: صوى مستقبلية
ثمة صوى يمكن الاسئناس بها واعتمادها في انطلاقتنا المستقبلية ومنها!.

1 - الماضي حافز للتفوق والإبداع: إذا كان يقال: الماضي مثل؛ والحاضر عمل؛ والمستقبل أمل؛ فإن المستقبل أمل وعمل في حياتنا المعاصر؛ وإذا كان الاهتمام بالحاضر أمراً لازبا في بناء المستقبل؛ فإن علينا أن نأخذ من الماضي جميع ما يعين على إغناء الحاضر وحسن التخطيط لما هو آت.

وما ضينا الحضاري حافز لنا على التفوق والإبداع؛ على أن نقف منه موقفاً إيجابياً خلاقاً؛ وألا نركن على إبداعات الأقدمين ونعمل على التفاخر بها دون أن نقدم شيئاً؛ بل لابد أن نأخذ نأخذ بمعطيات العصر؛ عصر العلم والتقانة مستندين إلى ماض يمنحنا قوة دافعة إلى الأمام.

2 - التزود بالتفكير العلمي: إن التفكير العلمي لا يمكن اكتسابه إلا بالممارسة والمران والدربة؛ إنه اتجاه يقوم على التحقق من صحة الفروض والبعد عن الخرافة والبحث عن الدليل الواقعي والبرهان والتحرر من تأثير التحيز والانفعال والأهواء والعواطف؛ واتساع الأفق العقلي وعدم الجمود في النظر إلى الحقيقة العلمية وتقبل النقد واحترام الرأي والإذعان للحقيقة.

ومن هنا كان لابد لنا في انطلاقتنا المستقبلية من العمل على سيرورة التفكير العلمي والعناية بالبحث العلمي وتعميق الفهم الشعبي للقضايا العلمية والتقانية وتوضيح دورها في التنمية ونشر المنهج العلمي في تبادل شؤونها؛ ذلك لأن العناية بالبحث العلمي هي السبيل لمعالجة قضاياها المجتمعية معالجة موضوعية؛ مع التركيز على تحرير الفكر العربي المعاصر من إرهاب الفكر الخرافي المتزمت والمتعصب وضيق الأفق والأثرة؛ وتأصيل احترام العقل والنقد واحترام الرأي.

3 - تعزيز الانتماء: إن الحفاظ على الهوية والذاتية الثقافية للأمة واجب مقدس في عصر العولمة؛ إلا أن ذلك لا ينفي أهمية الانفتاح الرحب على الثقافات الأخرى في جو من العقلنة، ذلك لأن الحفاظ على الهوية لا يعني الجمود؛ بل هو عملية تتيح للمجتمع أن يتطور ويتغير دون أن يفقد هويته الأصلية؛ وأن يتقبل التغيير دون أن يغترب فيه؛ إنه التفاعل بين الأصالة والمعاصرة؛ بين الإيجابي البناء في تراثنا والإيجابي البناء من الثقافات الأخرى بما يتفق ومناخنا وأرضنا وفي جو من الندية؛ وفي منأى عن الدونية والانبهار والاستلاب؛ مقتدين بأجدادنا إبان الألق الحضاري لأمتنا.

4 - الاستثمار في مناجم العقول: إن أعظم ثروة في العالم إنما هي ثورة المعرفة؛ فالمعرفة قوة؛ والأمم العارفة هي الأمم القوية.

ومن هنا كان الاستثمار في الموارد البشرية يعد أفضل استثمار؛ وغدت مناجم العقول موئل الأمم المتقدمة. وعندما أولت حضارتنا العربية الإسلامية العقول اهتمامها بلغت الأوج تقدما وارتقاء؛ وعندما مرت على أمتنا في القرن السابع للهجرة وما تلاه غاشية الجمود والركود انقطع الناس عن العلم وسادت نزعة التقليد والتواكل والسلبية واللامبالاة والسذاجة والميل إلى الرتابة واللفظية والركاكة والسطحية والانغلاق والجمود والشلل الفكري.

ومن هنا كان الاستثمار في التنمية البشرية تأهيلاً وتدريباً مستمراً أمراً على غاية كبيرة من الأهمية إضافة إلى الحيلولة دون النزف البشري الذي يشكل خسارة ثقافية واقتصادية كبيرة تزيد من نقص الكفايات التـي يحتاج إليها الوطن في تنميته الشاملة.

5 - التفاؤل بالمستقبل: إذ من غير التقاؤل لا يمكن للمرء أن يرتقي ويبدع؛ ولا يمكن للأمة أن تواجه التحديات التـي تتعرض لها إلا إذا تسلح أبناؤها بالعزيمة والإرادة والتصميم والثقة بالغد والمستقبل.





المواضيع المشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نشر التراث اللغوى احرنجم واحة اللّغة العربيّة 2 22-12-2014 05:29 PM
عين التراب حكمت نايف خولي منتدى الشعر العربي والخواطر والنثر 0 22-09-2011 06:36 AM
مقالب شات خفيفة @@@ newhulkhuithem برامج 13 06-08-2010 12:01 AM
نكت من التراث العربي. عمر البرايجي صور - طرائف - الغاز - مسابقات - تسالي - مرح - نكت - فوازير 0 09-11-2009 01:44 PM
لم يبق إلا 1000 مقالة Big Shark شؤون ثقافية واقتصادية 4 21-05-2009 02:19 PM
 


مقالة ( عصرنة التراث)

English

Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.