أستغفر الله العظيم ... سبحان الله وبحمده



العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > الطب البشري - العلاج بالأدوية و الأعشاب الطبية


مواضيع مميزة  


آخر عشرة مواضيع المواضيع النشطة


24-10-2005, 11:52 PM
Jacky غير متصل
طبيب بشري
رقم العضوية: 2113
تاريخ التسجيل: Oct 2003
الإقامة: بلاد الله الواسعة
المشاركات: 2,057
إعجاب: 338
تلقى 10 إعجاب على 9 مشاركة
تلقى دعوات الى: 1 موضوع
    #1  

لنقف جميعا لهذا العالم المسلم


لقد سجل مؤرخو الطبوالعلوم في العصور الوسطى آراء مختلفة ومتضاربة عن حياة أبي بكر محمد بن زكرياالرازي ، ذلك الطبيب الفيلسوف الذي تمتاز مؤلفاته وكلها باللغة العربية ، بأصالةالبحث وسلامة التفكير . وكان مولده في بلدة الري ، بالقرب من مدينة طهران الحديثة . وعلى الأرجح أنه ولد في سنة 251 هـ / 865 م . وكان من رأي الرازي أن يتعلم الطلابصناعة الطب في المدن الكبيرة المزدحمة بالسكان ، حيث يكثر المرضى ويزاول المهرة منالأطباء مهنتهم . ولذلك أمضى ريعان شبابه في مدينة السلام ، فدرس الطب في بيمارستانبغداد . وقد أخطأ المؤرخون في ظنهم أن الرازي تعلم الطب بعد أن كبر في السن . وتوصلت إلى معرفة هذه الحقيقة من نص في مخطوط بخزانة بودليانا بأكسفورد ، وعنوانه " تجارب البيمارستان " مما كتبه محمد بن ببغداد في حداثته "، ونشر هذا النص مرفقابمقتطفات في نفس الموضوع ، اقتبستها من كتب الرازي التي ألفها بعد أن كملت خبرته ،وفيها يشهد أسلوبه بالاعتداد برأيه الخاص .
وبعد إتمام دراساته الطبية في بغداد، عادالرازي إلى مدينة الري بدعوة من حاكمها، منصور بن إسحاق، ليتولى إدارة بيمارستانالري. وقد ألف الرازي لهذا الحاكم كتابه "المنصوري في الطب ثم "الطب الروحاني " وكلاهما متمم للآخر، فيخص.الأول بأمراض الجسم، والثاني بأمراض النفس. واشتهر الرازيفي الري، ثم انتقل منها ثانيه إلى بغداد ليتولى رئاسة البيمارستان المعتضدي الجديد، الذي أنشأه الخليفة المعتضد بالله (279- 289 م /892- 902 م). وعلى ذلك فقد أخطأابن أبي أصيبعة في قوله أن الرازي كان ساعورا للبيمارستان العضدي الذي أنشأه عضدالدولة (توفى في 372 هـ/973 م)، ثم صحح ابن أبي أصيبهة خطأه بقوله "والذي صح عنديأن الرازي كان أقدم زمانا من عضد الدولة ولم يذكر ابن أبي أصيبعة البيمارستانالمعتضدي إطلاقا في مقاله المطول في الرازي .
وتنقل الرازي عدةمرات بين الري وبغداد- تارة لأسباب سياسية- وأخرى ليشغل مناصب مرموقة لكل من هذينالبلدين. ولكنه أمضى الشطر الأخير من حياته بمدينة الري ، وكان قد أصابه الماءالأزرق في عينيه، ثم فقد بصره وتوفى في مسقط رأسه أما في سنة 313هـ /925 م، وأما فيسنة 320 هـ/ 932 م.
ويتضح لنا تواضعالرازي وتقشفه في مجرى حياته من كلماته في كتاب "السيرة الفلسفية" حيث يقول: "ولاظهر مني على شره في جمع المال وسرف فيه ولا على منازعات الناس ومخاصماتهم وظلمهم،بل المعلوم مني ضد ذلك كله والتجافي عن كثير من حقوقي. وأما حالتي في مطعمي ومشربيولهوي فقد يعلم من يكثر مشاهدة ذلك مني أني لم أتعد إلى طرف الإفراط وكذلك في سائرأحوالي مما يشاهده هذا من ملبس أو مركوب أو خادم أو جارية وفي الفصل الأول من كتابه "الطب الروحاني "، " في فضل العقل ومدحه "، يؤكد الرازي أن العقل هو المرجع الأعلىالذي نرجع إليه ، " ولا نجعله، وهو الحاكم، محكوما عليه، ولا هو الزمام ، مزموماولا، وهو المتبوع، تابعا، بل نرجع في الأمور إليه ونعتبرها به ونعتمد فيها عليه." .
كان الطبيب في عصرالرازي فيلسوفا، وكانت الفلسفة ميزانا توزن به الأمور والنظريات العلمية التي سجلهاالأطباء في المخطوطات القديمة عبر السنين وكان الرازي مؤمنا بفلسفة سقراط الحكيم (469 ق. م- 399 ق. م)، فيقول، أن الفارق بينهما في الكم وليس في الكيف. ويدافع عنسيرة سقراط الفلسفية، فيقول: أن العلماء إنما يذكرون الفترة الأولى من حياة سقراط،حينما كان زاهدا وسلك طريق النساك. ثم يضيف أنه كان قد وهب نفسه للعلم في بدء حياتهلأنه أحب الفلسفة حبا صادقا، ولكنه عاش بعد ذلك معيشة طبيعية.
كان الرازي مؤمناباستمرار التقدم في البحوث الطبية، ولا يتم ذلك، على حد قوله، إلا بدراسة كتبالأوائل، فيذكر في كتابه "المنصوري في الطب " ما هذا نصه: "هذه صناعة لا تمكنالإنسان الواحد إذا لم يحتذ فيها على مثال من تقدمه أن يلحق فيها كثير شيء ولو أفنىجميع عمره فيها لأن مقدارها أطول من مقدار عمر الإنسان بكثير. وليست هذه الصناعةفقط بل جل الصناعات كذلك. وإنما أدرك من أدرك من هذه الصناعة إلى هذه الغاية فيألوف من السنين ألوف، من الرجال. فإذا اقتدى المقتدي أثرهم صار أدركهم كلهم له فيزمان قصير. وصار كمن عمر تلك السنين وعنى بتلك العنايات . وإن هو لم ينظر فيإدراكهم، فكم عساه يمكنه أن يشاهد في عمره. وكم مقدار ما تبلغ تجربته واستخراجه ولوكان أذكى الناس وأشدهم عناية بهذا الباب. على أن من لم ينظر في الكتب ولم يفهم صورةالعلل في نفسه قبل مشاهدتها، فهو وإن شاهدها مرات كثيرة، أغفلها ومر بها صفحا ولميعرفها البتة" ويقول في كتابه " في محنة الطبيب وتعيينه "، نقلا عن جالينوس "وليسيمنع من عني في أي زمان كان أن يصير أفضل من أبوقراط " .
كتب الرازيالطبية.
يذكر كل من ابنالنديم والقفطي أن الرازي كان قد دون أسماء مؤلفاته في " فهرست " وضعه لذلك الغرض . ومن المعروف أن النسخ المخطوطة لهذه المقالة قد ضاعت مع مؤلفات الرازي المفقودة. ويزيد عدد كتب الرازي على المائتي كتاب في الطب والفلسفة والكيمياء وفروع المعرفةالأخرى. ويتراوح حجمها بين الموسوعات الضخمة والمقالات القصيرة ويجدر بنا أن نوضحهنا الإبهام الشديد الذي يشوب كلا من "الحاوي في الطب " و "الجامع الكبير". وقدأخطأ مؤرخو الطب القدامى والمحدثون في اعتبار ذلك العنوانين كأنهما لكتاب واحد فقط،وذلك لترادف معنى كلمتي الحاوي والجامع.
التعريف بمادة "الحاوي في الطب "
يتوفر الدليل فيمادة "الحاوي في الطب " على أنها لمذكرات شخصية سجل الرازي فيها آراءه الخاصة، وقصصمرضاه، كما دون فيها مقتطفات من كتب الطب التي قرأها، من مؤلفات أبوقراط إلى كتبمعاصريه من الأطباء.وبذلك فقد حفظ لنا الرازي من الضياع مادة بعض الكتب التي فقدتأصولها اليونانية منذ قرون عديدة . وعندي أن مذكرات "الحاوي في الطب " ليست إلامكتبة الرازي الخاصة جمع مادتها- في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي- منمصادر متعددة مسجلا معها خبراته الكثيرة المتواصلة. ويوحي ترتيب المادة العلمية فيهذه المذكرات بأن الرازي كان يدون ملاحظاته في كراسات يضعها في حافظات. وكانت كلحافظة من حافظات الأوراق مخصصة لموضوع من الموضوعات الطبية ، وترتيبها جميعا علىنظام خاص، من القرن إلى القدم وكان الرازي يدون كل ما يقرأ- حتى تلك الآراء التيحكم ببطلانها . فكان يسجل هذه مشفوعة بنقد يكتبه بوضوح تام لا لبس فيه، بعد كلمتهالمأثورة: "لى". وكثيرا ما نقح الرازي المادة التي نقلها من المراجع ، مسجلا تلكالعبارات المنقحة عقب قوله "لى مصلح ". وبذلك فقد ضرب لنا المثل الأعلى في الأمانةالعلمية ذاكرا ماله وما لغيره من الأطباء والفلاسفة. واستعان الرازي بمذكراتهالخاصة في تأليف كتبه الطبية التي تمتاز بجمال الأسلوب وأصالة المادة ، مثل كتاب "القولنج " ، وكتاب "المنصورى في الطب " ، وكتاب "الجدري والحصبة" ، وكتاب "الأدويةالمفردة" ، وقد وجدت أصولها جميعا في مذكرات "الحاوي في الطب ". ونظن أن بعضالأطباء جمعوا مذكرات الرازي الخاصة معا- بعد وفاته- وأطلقوا عليها اسم "الحاوىفيالطب "، وذلك لما تحتوي عليه من دراسات وافية في كتب الأواثل. كما اهتدى علماءالغرب بنور العلم العربي، فتمت ترجمة هذه الموسوعة الطبية إلى اللغة اللاتينية سنة 1279 م، وعرفت باسم Continens .
ومما يدل على أن "الحاوي في الطب " لم يكن إلا مجموعة من المذكرات الخاصة، أن القارىء يجد ملاحظاتإكلينيكية عن أمراض ووعكات أصابت الرازي نفسه كما دون الرازي فيها بيانات مفصلة عنحالات مرضاه. ومن المعروف أنه كان يؤمن بسرية المهنة، كما ذكر ذلك في كتابه " فيمحنة الطبيب وتعيينه " فليس من المعقول إذن أن يثبت هذه الأسرار في كتاب يعدهللنشر ويضمنه أسماء مرضاه من ذكور وأناث، وفيه وصف دقيق لما يشكوه كل مريض، معبيانات اجتماع مميزة كالمهنة ومكان السكن وسن المريض.
إثبات أن الرازي ألفموسوعة طبية،
وقد أطلق عليها اسم "الجامع الكبير"
يتضح جليا لكل منيقرأ نصوص كتب الرازي ومقالاته بإمعان أنه لم يذكر كلمة "الحاوي " في أي منها. وإنكان الرازي قد ألف كتابا أطلق عليه اسم "الحاوي " فهذا- ولا شك- آخر مؤلفاته. وتختلف مادة كتاب "الحاوي " الذي قرأته في مخطوط فريد بمعهد ولكم لتاريخ الطب، رقم (WMS. Or. 123) كل الاختلاف عن مادة مذكراته الخاصة " الحاوي في الطب "
يذكر كل من ابنالنديم وابن أيى أصيبعة عنوان كتاب "الجامع الكبير" ضمن مؤلافات الرازي، ويضيف كلمنهما أن هذه الموسوعة العلمية تتكون من اثني عشر جزءا ، جزءا، إلا أنهما لايتفقان في بيانهما لعناوين هذه الأجزاء، ثم يخطئان فى تعريفهما "الجامع الكبير" بأنه كتاب "الحاوي "
وأما الرازي فإنهيذكر عنوان كتابه "الجامع الكبير" عدة مرات، بل يحدد السنين الطويلة التي قضاها فيتأليف هذه الموسوعة الضخمة. فيقول في كتابه "السيرة الفلسفية": وأنه بلغ من صبريواجتهادي أني كتبت بمثل خط التعاويذ في عام واحد أكثر من عشرين ألف ورقة وبقيت فيعمل "الجامع الكبير" خمس عشرة سنة أعمله الليل والنهار حتى في ضعف بصري وحدث علىفسخ في عضل يدي يمنعاني في وقتي هذا عن القراءة والكتابة. وأنا على حالي لا أدعهابمقدار جهدي واستعين دائما بمن يقرأ ويكتب لي " وفي موضع آخر من كتاب "السيرةالفلسفية" يذكر الرازي عناوين بعض مؤلفاته الطبية كنموذج لكتبه التي يفتخر ويعتزبها، قائلا "وكتابنا في "الأدوية الموجودة" والموسوم "بالطب الملوكي " والكتابالموسوم "بالجامع " الذي لم يسبقني إليه أحد من أهل المملكة ، ولا أحتذي فيه أحدبعد احتذائي وحذوي، وكتبنا في صناعة الحكمة التي هي عند العامة الكيمياء وبالجملةفقرابة مائتي كتاب ومقالة ورسالة خرجت عني إلى وقت عملي على هذه المقالة في فنونالفلسفة من العلم الطبيعي والإلهي ".
كما يذكر الرازيمؤلفه "الجامع الكبير" في كتابه "المرشد أو الفصول " ثم في كتابه "الأقراباذينالمختصر" الذي عثرت عليه في مخطوط واحد بمعهد ولكم لتاريخ الطب، رقم (WMS. Or. 9) (3) وكذلك يذكر الرازي اسم "الجامع الكبير" ست مرات في كتابه (الشكوك على جالينوس " مؤكدا أن مادة كتابه "الجامع الكبير" أحسن وأوضح وأوفى مما كتبه- جالينوس نفسهفي كتبه التي ينقدها الرازي.
وعلى ذلك، فيتضحجديا مما سبق من الادلة، وكلها من كتب الرازي، أنه ألف موسوعة طبية أطلق عليها اسم "الجامع الكبير" في اثني عشر جزءا على الأقل. وكان يعد العدة لكتابة آخرين من أجزاء "الجامع الكبير"، أحدهما "الجامع في العين " والثاني "الجامع في الحميات " ، إلاأنه توفي قبل أن يحقق تلك الأمنية.
العثور على ثلاثةأجزاء من الموسوعة الطبية المسماة "بالجامع الكبير"
قد وجدت في مخطوطات "الحاوي في الطب " مسودات لجزأين كاملين من أجزاء "الجامع الكبير" وهما: كتاب "صيدلية الطب " وكتاب " في استنباط الأسماء والأوزان والمكاييل المجهولة الواقعةفي كتب الطب " كما وجدت مسودات كتاب "الجامع في الحميات " الذي كان ينوي الرازينشره كجزء من أجزاء "الجامع الكبير". ووجدت في مخطوطات "الحاوي في الطب " أيضامسودات كتب أخرى غير هذه، لم ينشرها الرازي إطلاقا، وهي كتبه "في البول" و " فيالبحران وأيامه " ، و " في تدبير الناقه ".
أصالة" البحث عندالرازي
وأقصر دراستي الآنعلى بعض كتب الرازي التي أرى أن فيها أصالة في البحث أو فيها ما يلقي ضوءا جديداعلى سيرته وعلى مقدرته كطبيب، أو يصحح أخطاء وقع فيها بعض مؤرخيالطب.
كتاب "في الفصدوالحجامة".
ألف جالينوس (130 متقريبا- 200 م تقريبا) كتابا (في الفصد (4) في ثلاثة مقالات، وخصص المقالتين الأولىوالثانية من هذا الكتاب لمناقضة أرسطوطاليس من مدرسة الإسكندرية القديمة، القرنالرابع ق. م- القرن الثالث ق. م)، ثم تلاميذ أرسطاطاليس وكانوا جميعا يمنعون منالفصد، ظنا منهم بأنه يجلب المرض.
وذكر جالينوس فيالمقالة الثالثة ما يراه من العلاج بالقصد. وكان الرازي يؤمن بأن القصد مفيد لعلاجبعض الأمراض. قرأت كتاب الرازي " في الفصد والحجامة" أربع عشرة مقالة- بحثا عنتجربة المقارنة التي دونها في مذكراته الخاصة "الحاوي في الطب "، وكنت قد نشرت عنهاكلمة وجيزة " وملخصها أن الرازي قسم عددا من المرضى المصابين بمرض السرسام (التهابسحائي) الى مجموعتين. ثم فصد جميع أفراد المجموعة الأولى وترك أفراد المجموعةالثانية بدون فصد، يقول: "وتركت متعمدا جماعة استدني بذلك رأيا" ولم أعثر على هذهالتجربة الشيقة في كتاب "الفصد والحجامة" ولكني كوفئت بمعلومات جديدة، لم يسبقنشرها، عن الرازي، حيث يقول: "وقد كان بمدينة مصر رجل بغدادي يتصرف في خدمةالسلطان. وكان يلزمني تدبيره، وسنه يومئذ نيف وسبعون سنة. كنت أفصده في كل خمسةوعشرين يوما وما يقرب منها، في جميع الأزمنة واحتمال زيارة الرازي هذا الشيخ المسنفي مصر أكثر من احتمال توجه هذا المريض مرة في خمسة وعشرين يوما إلى مدينة الري أوإلى بغداد. ومن الطريف أن يقول الرازي في كتاب "الفصد والحجامة": "وخبرني بعض منكنت أتعلم عنده الفصد أنه عسر عليه إخراج عرق امرأة، فنهرها وزجرها ولكمها فبرزتعروقها ففصدها للوقت، واعتذر إليها وأخبرها بحيلته. " كما يقول في نفس الكتاب: "وأخبرني من كنت أقرأ عليه أن المأمون افتصد. فلما أق وقت التثنية عسر خروج الدم،فأحضر المتطببين، فكل أشار بما لم يقبله. وحضر المجلس من ضمن خروج الدم بأسهلالوجوه، بعد أن يزول من حضر. فلما زالوا امتص العروق، فأنزل في فمه في الوقت ".
وإذا أمعنا النظر فيقول الرازي: "وأخبرني من كنت أقرأ عليه أن المأمون افتصد" ثم قوله "وخبرني بعض منكنت أتعلم عنه الفصد" لا ستدلينا على أن الرازي درس الطب على أستاذ طيب، ولكنه تعلمالفصد عند فصاد من غير الأطباء، ممن كانوا يمارسون "أعمال الطبالجزئية".
ويقول الرازي في هذاالكتاب أيضا "وقد رأيت بمدينة السلام رجلا من ولد أحمد بن عبد الملك الزيات وسنهنيف، وأربعون سنة. وكان من قصافة البدن وصفرة اللون على غاية. وكان يعرض له في كلشهر أو ما زاد قليلا أن يحمر جسمه ويختنق كأن نفسه تميط، حتى يلجأ الى الفصد. وكانيخرج من الدم قدر خمسة عشر درهما كيلا، فكان يأنس بالراحة في الوقت. وكان الذي يعرضلهذا احتراف الدم لا كثرته. وأيضا كان هذا الرجل قد قرأ كثيرا من كتب جالينوس علىمعلم، ولم تكن له دربة ولا خدمة. " وتدلنا هذه القصة على اسم طبيب معاصر للرازي،لم يقرن دراسة العلم بالعمل، فبقي متخلفا في مهنته. فهذا طبيب من أطباء القرنالرابع الهجري عرفنا الرازي به وبمدى تعلمه صناعة الطب.
ويقول الرازي فيكتاب " المرشد أو الفصول ": "ليس يكفي في أحكام صناعة الطب قراءة كتبها. بل يحتاجمع ذلك إلى مزاولة المرضى. إلا أن من قرأ الكتب ثم زاول المرضى. يستفيد من قبلالتجربة كثيرا. ومن زاول المرضى من غير أن يقرأ الكتب، يفوته ويذهب عنه دلائلكثيرة، ولا يشعر بها البتة. ولا يمكن أن يلحق بها في مقدار عمره، ولو كان أكثرالناس مزاولة للمرضى ما يلحقه قارىء الكتب مع ادنى مزاولة، فيكون كما قال الله عزوجل: (وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) (سورة يوسفآية105) .
كتاب في "الشكوك علىجالينوس "
هذا كتاب غزيرالمادة، ولم يطبع حتى الآن. وينقد الرازي لا هذا الكتاب ثمانية وعشرين كتابا من كتبجالينوس، أولها كتاب "البرهان " ، وآخرها كتاب "النبض الكبير" وأن مقتطفات الرازيمن كتاب " البرهان " لجديرة بالدراسة المتعمقة، فقد كان الجزء الأكبر من هذا الكتابالفلسفي مفقودا في زمان حنين بن إسحاق (192- 260 هـ 808 ــ 873 م) الذي ترجم ما عثرعليه من النصوص اليونانية لبعض مقالات هذا الكتاب. ويقول حنين ابن إسحاق أنه سافرإلى مدينة الإسكندرية ، باحثا عن المخطوطات النادرة الوجود لهذا الكتاب القيم .
إن نقد الرازي لكتبجالينوس لدليل قوي على اتجاه جديد محمود بين أطباء العالم العربي، فكم من أجيالتوارثت النظريات والآراء العلمية الخاطئة دون أن يجرؤ أحد على نقدها أو تعديلها،خشية الخروج على العرف السائد. يقول الرازي في مقدمة كتاب "الشكوك على جالينوس ": "إني لا أعلم أن كثيرا من الناس- يستجهلونني في تأليف هذا الكتاب، وكثيرا منهميلومونني ويعنفونني أو كان يجزي إلى تحليتي تحلية من يقصد باستغنام واستلذاذ منهكذلك، الى مناقضة رجل مثل جالينوس، في جلالته ومعرفته وتقدمه في جميع أجزاءالفلسفة، ومكانه منها؟ وأجد أنا لذلك- يعلم الله مضضا في نفسي. إذ كنت قد بليتبمقابلة من هو أعظم الخلق على منة، وأكثرهم لي منفعة، وبه اهتديت، وأثره اقتفيت،ومن بحره استقيت. "
وهذه مقدمة شيقة لمانسميه الآن بنقد الكتب وتقريظها، وتعبر عن الحقيقة إلى حد بعيد. فإن لجالينوس الفضلالأول في بناء صرح الطب، فقد أسهم بنصيب وافر في عامة فروع الطب، وخاصة في علميالتشريح ووظائف الأعضاء ، بالإضافة إلى ما حفظ لنا في نصوص كتبه من مقتطفات من تراثالأوائل الذي قد فقد أغلبه.
ثم يتكلم الرازيكأستاذ عالم ناقد، فيقول "لكن صناعة الطب كالفلسفة لا تحتمل التسليم للرؤساءوالقبول منهم، ولا مساهمتهم وترك الاستقصاء عليهم. ولا الفيلسوف يحب ذلك من تلاميذهوالمتعلمين منه.. وأما من لامني وجهلني في استخراج هذه الشكوك والكلام فيها، فإنيلا أرتفع به، ولا أعده فيلسوفا. إذ كان قد نبذ سنة الفلاسفة وراء ظهره وتمسك بسنةالرعاع من تقليد الرؤساء وترك الاعتراض عليهم. " ويستشهد الرازي بقول ينسب إلىأرسطاطاليس، فيقول "اختلف الحق وفلاطن- وكلاهما لنا صديق (إلا أن الحق أصدق منفلاطن. "
وكان جالينوس نفسهسليط اللسان، ويتضح ذلك جليا لكل من يقرأ كتبه. ويقول الرازي في ذلك: "ولا أحسب نجامنه أحد من الفلاسفة ولا من الأطباء إلا مشدوخا، وجل كلامه عليهم حق، بل لو شئتلقلت كله حق. "
ويؤمن الرازي بأن "الصناعات لا تزال تزداد وتقرب من الكمال على الايام، وتجعل ما استخرجه الرجلالقديم في الزمان ، الطويل (في متناول) الذي جاء من بعده في الزمان القصير حتىيحكمه، ويصير سببا يسهل له استخراج غيره به فيكون ، مثل القدماء في هذا الموضع مثلالمكتسبين، ومثل من يجيء من بعد مثل المورثين المسهل لهم ما ورثوا اكتسابا أكثروأكثر . "
وإني لأقدر الصعوباتالجمة التي سوف يلقاها كل من يرمى إلى نشر كتاب "الشكوك على جالينوس " للرازي نشراعلميا محققا، لما في مخطوطاته الثلاثة من خروم وأخطاء، ومصطلحات طبية وأخرى فلسافيةعسرة الفهم، كما أن الخط في المخطوطات الثلاثة دقيق وغير واضح. وكم رجعت إلىمخطوطات لكتب جالينوس بحثا عما يقتطفه الرازي منها، حتى أفهم قصد جالينوس، فيفتح ليذلك مستغلق قول الرازي. واكتفى هنا بان أورد أمثلة قليلة من مادة كتاب "الشكوك علىجالينوس "
يبين الرازي في نقدهلكتاب "البرهان ما أهمله جالينوس من ملائمة العين لوظيفتها باتساع الناظرين فيالظلمة وضيقها في النور" ومنها قوله (أي قول جالينوس) ، أنا إذا غمضنا إحدى العينيناتسع ثقب الناظر في الأخرى فنعلم يقينا أنه يملؤه جوهر جسمي. "ويقول الرازي رداعلى ذلك مباشرة:
"و (ولو) كان هذاالجوهر الجسمي لا يجرى إليه إلا في حال تغمض الأخرى ، لم يكن يتسعان جميعا في حالةويضيقان في أخرى. وقد نجد النواظر كلها تتسع في الظلمة وتضيق في الضوء. هذا أحد ماذهب على جالينوس، فلم يدركه، ولا خبر بمنفعته. والمنفعة في ذلك انه لما كان النورشديد التأثير في حاسة البصر حتى أنه يؤذيها ويؤلمها بأفرأط، والظلمة مانعة منالإبصار، احتاج البصر الى اعتدال منهما يقع معه الإبصار بغير أذى، فهيئت العين هيئةيمكن معها أن يتسع ثقبها في حالة ويضيق في أخرى ، لكن إذا كان المبصر في موضع نيرجدا، أضاق فوصل من النور بمقدار ما يبصر به ولا يؤذي. وإذا كان في هواء أقل نورا،اتسع ليصل من النور أيضا ما يقع به الإبصار. كرجل له بستان يجري إليه الماء في بربخمعلوم كيلا يفسد كثرته ولا يقصر قلته. فجعل على فم هذا البربخ لوحا وصماما، يزن بهالماء ليدخل بقدر حاجته. فمتى نقص الماء، شاله عن فم البربخ بقدر الحاجة ومتى زادمدة عليه بقدر الحاجة أيضا.
وأما اتساع أحدالناظرين في حال تغميض الأخرى، فلأن الحاس الأول متى فاته من المبصر بعين واحدة مافات، يروم أن يستدرك ذلك بالعين الأخرى، فيوسع لذلك ثقب العين المتهيء لذلك ليكشفالشبح من الجليدية بمقدار ما اقتسر عنه من العين الأخرى ، أو يقارب ذلك بأكثر مايمكن. كالرجل الذي يجري إلى بستانه ما يكفيه من الماء في مجريين. فحدث على أحدناحادث، فاستدرك سعة المجرى الآخر ما فاته من المجرى المنسد.
فقد بان أن العلة فياتساع أحد الناظرين في حال تغميض العين الأخرى ليس هو أن جوهرا جسميا يجريالى
الأخرى إذ كانا قديتسعان ويضيقان في حال وهما مفتوحتان ليكون الاستدراك بالكشف عن الجليدية منالمبصر ما فات في الآخر .
يقول الرازي : وقدأفردت للنظر في هذا الرأي مقالة ضخمة وبينت أن الإبصار يكون بتشبح الأشباح في البصر " وجدير بمؤرخي الطب أن يبحثوا في دور الكتب التي لم تفهرس مخطوطاتها بعد ، عن هذهالمقالة الضخمة التي يذكرها الرازي . ويثبت مؤرخو العصور الوسطى المؤلفات الآتيةللرازي في الإبصار ، وكلها في حكم المفقودة : " كتاب في فصل العين على سائر الحواس " " مقالة في المنفعة في أطراف الأجفان دائما ، "مقالة في العلة التي من أجلهاتضيق النواظر في الضوء وتتسع في الظلمة " ، " كتاب في شروط النظر" ، و" مقالة فيعلاج العين بالحديد " .
ومن المعروف أنالرازي كان طبيبا إكلنيكييا عظيما وفي النص التالي ما يدل أيضا على أنه كان جراحاماهرا. ففي نقده للجزء الأول من كتاب جالينوس " في تركيب الأدوية " يقول الرازي :
فأما كتاب " قاطاجانس" فالإنسان أن يلزمه ويعدله بالحق على تطويله وتكريره الكلام في تلكالمراهم ، كأنه لا يشفق على الزمان ، أو ليس له شغل هو أولى به . وجل تلك المراهممما لا نستعملها نحن قط ، على كثر عنايتنا لصناعة الجراحات ، ومعالجة الرديئة منها، ولم نر أحدا من أصحاب الجراحات استعملها . إلا أن الإنسان أيضا يجب أن يمدحه غايةالمدح ويقرظه لما علمنا في فيه من مداواة جراحات العصب . وهذا أمر عظيم من منافعهذا الكتاب " .
وفي كتاب " الشكوكعلى جالينوس " ينقد الرازي كتاب جالينوس " في البحران " ، فيقول : " ما يتضاربالعلم مع العمل ، فإن جالينوس يصور الحميات بصور ثابتة أو قريبة من الثابتة ، محدداأوقاتها الأربعة : الابتداء والتزيد والمنتهى ولانحطاط . وغذا طلب الطبيب ذلكبالفعل وقعت الشكوك المغلظة " ، ولا يلاحظ ذلك إلا من كثرت تجربته واشتدت عنايتهوزاد تفقده للأمراض فكم من مرة رأى الرازي الحمى تبتديء بنافض يشبه نافض الغب ،وتصعد صعودها ، ثم تصير بعد ذلك إلى حمى يوم فيبرأ المريض برءا سريعا . ويعددالرازي حالات أخرى كثيرة غير هذه ، ثم يقول في مرض أصابه فجأة :
ومنذ قريب حممت وأناعلى سفر ، وظهر اليرقان بي ، وهو شيء لم يعتريني قط ، من غير يوم النوبة في العين ،وفي الماء ، وذلك إني لما رأيت الماء صبيحة تلك الليلة قلت : انظروا إلى عيني ، لمارأيت اليرقان في الماء . فأخبروني بما فيها منه . ثم لم يكن إلا خيرا . وكم ترصدتفي البيمارستان ببغداد وفي الري ، وفي منزلي ، سنين كثيرة هذه المعاني وأثبت أسماءمن كان أمره جرى على حكم هذه الكتب، وأسماء من جرت حالته على خلاف ذلك (كل) علىحدة. فلم يكن عدد من جرى أمره منهم على الخلاف بأقل عددا فينبغي أن يطرح ولا يعبأبه، كحكم سائر الصناعات بل شيء كثير لا ينبغي لعاقل محترس أن يثق معه بهذه الطريقةغاية الثقة ويركن إليها، ويطلق القول بتقدمة المعرفة، أو ينزع إلى العلاج والتدبربحسبها. وذلك أن من جرى أمره على الخلاف قد كانوا على الستمائة من نحو ألفي مريضومن ذلك أمسكت عن الإنذار بما هو كائن، إلا حيث كان الأمر من وضوح الدلائل وقوتهاما لم يلزمني فيه شك.
وبقيت زمانا أطلببالتجربة والقياس تدبير الأمراض الحادة حريزا آمنا معه ألا أجني على المريض بالخطأمع أن أخطأت، ألا يطول، مدة العلة متى وجدت.
إن رسالة الراازي فيهذا النص لواضحة جلية: لأهل العلم والبحث أن يتشككوا فيما يقرؤون ولا يصدقوا إلا مايثبت صحته بالتجربة والقياس، وكثيرا ما ردد الرازي رأيه هذا في كتابه "في خواصالأشياء" .
خلاصة:-
كان الرازي طبيبا وجراحا فاضلا، يقرأ كثيرا ويربط بين العلم والعمل. وكانت له الشجاعة الكافية، فنقد أساطين الطب فيما لا يتفق مع الحقيقة كما يراها وأسهم بنصيب وافر في بناء صرح العلم ، بما دونه من آراء خاصة ومشاهدات دقيقة .





المواضيع المشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مكتبة المصمم للفوتوشوب عناصر للتصميم وأدوات المصمم بحجم 5.8 جيجا Demscio خلفيات فوتوشوب - فريمات وزخارف للفوتوشوب GFX 12 20-07-2017 02:43 PM
استفسار بخصوص موقف التجنيد وتجديد جواز السفر- موقف معقد - ارجو المساعدة جزاكم الله خيرا medomoo مُسْتَشارُكَ القّانُونيْ 2 22-09-2014 07:23 PM
قصة ابنة هولاكو مع العالم المسلم جهاد ع المنتدى العام 8 10-09-2014 05:38 PM
عندما يكون الطفل المسلم رخيص وللقتل وماذا المسلم الكبير ؟؟ ali_k المنتدى العام 0 18-07-2007 11:49 AM
04-11-2005, 11:00 PM
MOHAMED_79 غير متصل
عضو مميز
رقم العضوية: 534
تاريخ التسجيل: Jul 2003
المشاركات: 348
إعجاب: 1
تلقى 9 إعجاب على مشاركة واحدة
تلقى دعوات الى: 0 موضوع
    #2  
شكرا" لك على هذا الموضوع الممتع و المفيد
ولكن لي ملاحظة: على اسلوب الكتابة يفضل ان يكون هنال
فواصل بين السطور لكي لا يصبح الموضوع مملا"

و اتمنى لك الصحة الدئمة


04-11-2005, 11:53 PM
LONLY غير متصل
الوسـام الماسـي
رقم العضوية: 430
تاريخ التسجيل: Jun 2003
المشاركات: 4,406
إعجاب: 32
تلقى 55 إعجاب على 17 مشاركة
تلقى دعوات الى: 0 موضوع
    #3  
تسلم ايدك مشرفنا الكبير
ننتظر منك المزيد من هذه المواضيع الشيقة


05-11-2005, 12:18 AM
I-HSSAN غير متصل
عضوية الشرف
رقم العضوية: 20038
تاريخ التسجيل: May 2005
المشاركات: 5,622
إعجاب: 973
تلقى 1,340 إعجاب على 94 مشاركة
تلقى دعوات الى: 20 موضوع
    #4  
الف شكر مشرفنا الغالي جاكي على هذه المعلومات القيمة لعالم عربي اسلامي

تقبل خالص التحية


اللهم أني أسألك بإسمك العظيم الأعظم الكريم الأكرم الذي إذا دعيت به أجبت
أن ترحم والدي ووالدتي واخواتي وجميع موتى المسلمين
اللهم اسكنهم الفردوس الأعلى اللهم جازهم بالحسنات إحسانا والسيئات عفواً وغفرانا
اللهم نقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس
اللهم اوسع لهم قبورهم وانرها لهم
اللهم اجمعهم مع الانبياء والصدقين والشهداءم في الفردوس الأعلى من الجنان
اللهم صلٍ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 


لنقف جميعا لهذا العالم المسلم

English

Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.