أستغفر الله العظيم ,, اللهم لك الحمد



العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > المنتدى الاسلامي


مواضيع مميزة  


آخر عشرة مواضيع المواضيع النشطة


10-11-2016, 11:41 PM
عدنان الجزائر غير متصل
عضو مشارك
رقم العضوية: 852546
تاريخ التسجيل: Nov 2016
الإقامة: الجزائر/ تيزي وزو
المشاركات: 36
إعجاب: 26
تلقى 14 إعجاب على 12 مشاركة
تلقى دعوات الى: 0 موضوع
مواضيع لم تعجبه: 0
تلقى 0 عدم اعجاب على 0 مشاركة
    #1  

في طرق تنصيب إمام المسلمين وتقرير وجوب الطاعة وبذل النصيحة



في طرق تنصيب إمام المسلمين
وتقرير وجوب الطاعة وبذل النصيحة

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدّين، أمّا بعد:

فلا يخفى أنَّ إمامة المسلمين أمانةٌ عظمى ومسؤوليَّةٌ كبرى، لا قيام للدِّين إلاَّ بها، ولا تنتظم مصالح الأمَّة إلاَّ بسلطانٍ مطاعٍ، ولا يستطيع القيام بها إلاَّ من كان على درجةٍ من التأهُّل تمكِّنه من حملها، فمن قام بهذه المسؤوليَّة -في حدود القدرة والطاقة- على خير وجهٍ، وأدَّى هذه الأمانة بصدقٍ وإخلاصٍ كان في عِداد من يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه(١).

وسياسة الناس وَفْق شرع الله تعالى من أعظم واجبات إمام المسلمين، وهو مطلبٌ جوهريٌّ أساسيٌّ، لا تتحقَّق متطلَّبات الرَّعية وما تنشده من حفظ الدين وإقامة العدل وإزالة الظلم إلاَّ تبعًا لتحقيق ذاك المطلب العزيز، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الحج: ٤١]، وصلاحُ الرعية وفسادُها متوقِّفٌ على أولي الأمر، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه؛ وهم الذين يأمرون الناس؛ وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام؛ فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والأمراء، فإذا صلَحوا صلَح الناس، وإذا فسَدوا فسَد الناس»(٢).

هذا، وإنَّ من أعظم الأدلَّة على وجوب نصبِ الإمام الأعظم وبذلِ البيعة له قولَه صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِمَامُ جَمَاعَةٍ فَإِنَّ مَوْتَتَهُ مَوْتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ»(٣)، وقوله: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(٤)، «وذلك أنَّ أهل الجاهلية لم يكن لهم إمامٌ يجمعهم على دينٍ ويتألَّفهم على رأيٍ واحدٍ، بل كانوا طوائفَ شتَّى وفرقًا مختلفين، آراؤهم متناقضةٌ وأديانهم متباينةٌ، وذلك الذي دعا كثيرًا منهم إلى عبادة الأصنام وطاعة الأزلام»(٥)، ولأنَّ المقصود من نصب الإمام الأعظم هو اجتماعُ الكلمة ولمُّ الشمل، وإقامةُ الدين وتنفيذُ أحكام الله تعالى، ورفعُ الظلم ونشرُ العدل، وصيانة الأعراض واستتبابُ الأمن، وفضُّ المنازعات، والأخذُ على يد الظَّالم وإنصافُ المظلوم، وجهادُ أعداء الإسلام، وحمايةُ حوزة البلاد وحفظُ بيضة المسلمين، وقمعُ الشَّرِّ والفساد، وأخذُ الحقوق الواجبة على ما اقتضاه الشرع، ووضعُها في مواضعها الشرعية، قال الجويني -رحمه الله-: «ولا يرتاب من معه مَسْكةٌ من عقلٍ أنَّ الذبَّ عن الحوزة، والنضالَ دون حفظ البيضة محتومٌ شرعًا، ولو تُرك الناس فوضى لا يجمعهم على الحقِّ جامعٌ، ولا يَزَعُهم وازعٌ، ولا يردعهم عن اتِّباع خطوات الشيطان رادعٌ، مع تفنُّن الآراء وتفرُّق الأهواء؛ لانتثر النظام، وهلك العظام، وتوثَّبت الطَّغام(٦) والعوامُّ، وتحزَّبت الآراء المتناقضة، وتفرَّقت الإرادات المتعارضة، وملك الأرذلون سراةَ الناس، وفُضَّت المجامع، واتَّسع الخرقُ على الراقع، وفَشَتِ الخصوماتُ، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات(٧)، وتبدَّدت الجماعات، ولا حاجةَ إلى الإطناب بعد حصول البيان، وما يَزَعُ الله بالسلطان أكثرُ مما يَزَعُ بالقرآن»(٨)، لذلك كانت الإمامةُ موضوعةً لخلافة النبوَّة في حفظ الدِّين وسياسة الدنيا، قال ابن خلدون -رحمه الله-: «إنَّ نصْبَ الإمام واجبٌ قد عُرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأنَّ أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكرٍ رضي الله عنه وتسليمِ النظر إليه في أمورهم، وكذا في كلِّ عصرٍ من بعد ذلك، ولم تُترك الناسُ فوضى في عصرٍ من الأعصار، واستقرَّ ذلك إجماعًا دالاًّ على وجوب نصب الإمام»(٩).

هذا، وانعقاد الإمامة الكبرى يتمُّ بإحدى الطُّرق التَّالية: * الطريق الأول: الاختيار والبيعة من أهل الحل والعقد:

أهل الحلِّ والعقد من قادة الأمَّة الذين يتَّصفون بالعلم والرَّأي والمشورة والتوجيه مخوَّلٌ لهم اختيار إمام المسلمين -نيابةً عن الأُمَّة- وَفْق شروطِ ومعاييرِ الإمامة الكبرى، فإذا ما بايعه أهل الحلِّ والعقد ثبتت له بذلك ولاية الإمام الأعظم، ولزمت طاعتُه، وحَرُمت مخالفتُه فيما يأمر به وينهى بالمعروف، وليس من شروط ثبوت الإمامة والطاعة أن يكون كلُّ مسلم من جملة المبايعين له، وإنما تلزم بيعةُ أهل الحلِّ والعقد كلَّ واحدٍ ممن تَنْفُذُ فيه أوامره ونواهيه، لأنَّ المسلمين أمَّةٌ واحدةٌ وجسدٌ واحدٌ، تجمعهم الأخوَّة الإيمانية وتربطهم العقيدة الإسلامية، وهم في الحقوق والحرمات سواءٌ؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ، لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ»(١٠).

قال الشوكاني -رحمه الله-: «طريقها أن يجتمع جماعةٌ من أهل الحلِّ والعقد فيعقدون له البيعة ويقبل ذلك، سواء تقدَّم منه الطلب لذلك أم لا، لكنَّه إذا تقدَّم منه الطلب فقد وقع النهي الثابت عنه صلَّى الله عليه وسلَّم عن طلب الإمارة(١١)، فإذا بويع بعد هذا الطلب انعقدت ولايتُه وإن أَثِمَ بالطلب، هكذا ينبغي أن يُقال على مقتضى ما تدلُّ عليه السنَّة المطهَّرة، ... والحاصل أنَّ المعتبر هو وقوع البيعة له من أهل الحلِّ والعقد، فإنها هي الأمر الذي يجب بعده الطاعةُ ويَثْبُتُ به الولاية وتحرم معه المخالفة، وقد قامت على ذلك الأدلَّة وثبتت به الحجَّة...»، ثمَّ قال: «قد أغنى الله عن هذا النهوض وتجشُّم السفر وقطعِ المفاوز ببيعةِ مَن بايع الإمامَ من أهل الحلِّ والعقد، فإنها قد ثبتت إمامته بذلك ووجبت على المسلمين طاعتُه، وليس من شرط ثبوت الإمامة أن يبايعه كلُّ من يصلح للمبايعة، ولا من شرط الطاعة على الرجل أن يكون من جملة المبايعين، فإنَّ هذا الاشتراط في الأمرين مردودٌ بإجماع المسلمين: أوَّلهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم»(١٢).

وبهذا الطريق تمَّت مبايعة أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه، فثبتت خلافته بالبيعة والاختيار(١٣) في سقيفة بني ساعدة، قال القرطبي -رحمه الله-: «وأجمعت الصحابة على تقديم الصدِّيق بعد اختلافٍ وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين»(١٤). * الطريق الثّاني: ثبوت البيعة بتعيين ولي العهد:

وذلك بأن يعهد وليُّ الأمر إلى من يراه أقدر على مهمَّة حماية الدِّين وسياسة الدنيا، فيخلفه مِن بعدِه، فإنَّ بيعته على الإمامة تلزم بعهدِ مَن قبله، كمثل ما وقع مِن عهدِ أبي بكرٍ لعمر رضي الله عنهما، فإنَّ الصدِّيق رضي الله عنه لَمَّا حضرَتْه الوفاة عَهِد إلى عمر رضي الله عنه في الإمامة، ولم ينكر ذلك الصحابة رضي الله عنهم، وقد اتَّفقت الأمة على انعقاد الإمامة بولاية العهد، وقد عَهِدَ معاوية رضي الله عنه إلى ابنه يزيد كما عَهِدَ غيرُهم، ويدلُّ عليه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أعطى الراية يوم مؤتة زيد بن حارثة وقال: «فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ -أَوِ اسْتُشْهِدَ- فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ -أَوِ اسْتُشْهِدَ- فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ»(١٥)، فاستُشهدوا جميعًا، ثم أخذها خالد بن الوليد ولم يكن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تقدَّم إليه في ذلك، والحديث دلَّ على وجوب نصب الإمام والاستخلاف، قال الخطَّابي: «فالاستخلاف سنَّةٌ اتَّفق عليها الملأ من الصحابة، وهو اتِّفاق الأمة، لم يخالف فيه إلا الخوارج والمارقة الذين شقُّوا العصا وخلعوا ربقة الطاعة»(١٦). * الطريق الثَّالث: ثبوت البيعة بتعيين جماعة تختار ولي العهد.

وذلك بأن يعهد وليُّ الأمر الأوَّل إلى جماعةٍ معدودةٍ تتوفَّر فيها شروط الإمامة العظمى، لتقوم باختيار وليِّ العهد المناسب فيما بينهم يتوالَوْن عليه ويبايعونه، كمثل ما فعل عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، حيث عَهِدَ إلى نفرٍ من أهل الشورى لاختيار واحدٍ منهم، قال الخطَّابي -رحمه الله-: «ثم إنَّ عمر لم يُهملِ الأمر ولم يُبطلِ الاستخلاف، ولكنْ جعله شورى في قومٍ معدودين لا يعدوهم، فكلُّ من أقام بها كان رضًا ولها أهلاً، فاختاروا عثمان وعقدوا له البيعة»(١٧)، ثم لَمَّا استُشهد عثمان رضي الله عنه بايعوا عليًّا رضي الله عنه. * الطريق الرابع: ثبوت البيعة بالقوّة والغلبة والقهر.

إذا غلب على الناس حاكمٌ بالقوَّة والسيف حتَّى أذعنوا له واستقرَّ له الأمر في الحكم وتمَّ له التمكين، صار المتغلِّبُ إمامًا للمسلمين وإن لم يستجمع شروطَ الإمامة، وأحكامُه نافذةٌ، بل تجب طاعتُه في المعروف وتحرم منازعتُه ومعصيته والخروج عليه قولاً واحدًا عند أهل السنَّة، ذلك لأنَّ طاعته خيرٌ من الخروج عليه، لِما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، ولِما في الخروج عليه من شقِّ عصا المسلمين وإراقة دمائهم، وذهاب أموالهم وتسلُّطِ أعداء الإسلام عليهم، قال الإمام أحمد -رحمه الله-: «ومن خرج على إمامٍ من أئمَّة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرضا أو الغلبة؛ فقد شقَّ هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فإن مات الخارج مات ميتةً جاهليّةً، ولا يحلُّ قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحدٍ من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنَّة والطريق»(١٨).

وقد حكى الإجماعَ على وجوب طاعة الحاكم المتغلِّب الحافظُ ابن حجر في «الفتح»(١٩)، والشيخ محمَّد بن عبد الوهَّاب في «الدرر السنية»(٢٠).

قلت: ومن الإمامة التي انعقدت بالغلبة والقوَّة ولاية عبد الملك بن مروان، حيث تغلَّب على الناس بسيفه واستتبَّ له الأمر في الحكم، وصار إمامًا حاكمًا بالغلبة، ومن ذلك ولاية بني أميَّة في الأندلس: انعقدت لهم بالاستيلاء والغلبة، مع أنَّ الخلافة كانت قائمةً في بغداد للعبَّاسيِّين.

فهذه هي الطُّرق التي تثبت بها الإمامة الكبرى، فتنعقد بالاختيار والاستخلاف سواء بتعيين وليِّ عهدٍ مستخلَفٍ أو بتعيين جماعةٍ تختار من بينها وليَّ عهدٍ، وهما طريقان شرعيَّان متَّفقٌ عليهما، فإذا بايعه أهل الحلِّ والعقد بالاختيار لزمت بيعتُهم سائرَ من كان تحت ولايته، كما تلزمهم البيعةُ الحاصلة بالاستخلاف، وكذا المنعقدة عن طريق القهر والغلبة، فالبيعة حاصلةٌ على كلِّ أهل القطر الذي تولَّى فيه الحاكمُ المستخلَف أو المتغلِّب ممَّن يدخلون تحت ولايته أو سلطانه.

أمَّا انعقاد الولاية أو الإمامة العظمى بأساليب النُّظُم المستوردة الفاقدة للشرعية الدينية -فبغضِّ النظر عن فساد هذه الأنظمة وخطر العمل بها على دين المسلم وعقيدته- فإنَّ منصب الإمامة أو الولاية يثبت بها ويجري مجرى طريق الغلبة والاستيلاء والقهر، وتنعقد إمامة الحاكم وإن لم يكن مستجمِعًا لشرائط الإمامة، ولو تمكَّن لها دون اختيارٍ أو استخلافٍ ولا بيعةٍ.

قال النوويُّ -رحمه الله-: «وأمَّا الطريق الثالث فهو القهر والاستيلاء، فإذا مات الإمام، فتصدَّى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلافٍ ولا بيعةٍ، وقهر الناس بشوكته وجنوده، انعقدت خلافتُه لينتظم شملُ المسلمين، فإن لم يكن جامعًا للشرائط بأنْ كان فاسقًا أو جاهلاً فوجهان، أصحُّهما: انعقادها لما ذكرناه، وإن كان عاصيًا بفعله»(٢١)، وعليه، تلزم طاعتُه ولو حصل منه ظلمٌ وجَوْرٌ، ولا يطاع إلاَّ في المعروف دون المعصية؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»(٢٢)، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»(٢٣).

قال أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- -وهو يعدِّد ما أجمع عليه السلف من الأصول-: «وأجمعوا على السَّمع والطَّاعة لأئمَّة المسلمين، وعلى أنَّ كلَّ من وَلِيَ شيئًا من أمورهم عن رضًى أو غلبةٍ وامتدَّت طاعتُه من بَرٍّ وفاجرٍ لا يلزم الخروجُ عليهم بالسيف، جار أو عدل»(٢٤).

وقال الصابوني -رحمه الله-: «ويرى أصحاب الحديث الجمعةَ والعيدين، وغيرَهما من الصلوات خلف كلِّ إمامٍ مسلمٍ بَرًّا كان أو فاجرًا، ويَرَوْنَ جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جَوَرَةً فَجَرَةً، ويَرَوْنَ الدعاءَ لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبَسْطِ العدل في الرعية، ولا يَرَوْنَ الخروج عليهم وإن رَأَوْا منهم العدول عن العدل إلى الجَوْرِ والحيف، ويَرَوْنَ قتال الفئة الباغية حتَّى ترجع إلى طاعة الإمام العدل»(٢٥).

وقال ابن تيميَّة -رحمه الله-: «فأهل السنَّة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقًا، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، كما قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]»(٢٦)، وقال -رحمه الله- -أيضًا-: «ولهذا كان مذهبُ أهل الحديث تَرْكَ الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصبرَ على ظلمهم إلى أن يستريحَ بَرٌّ أو يُستراحَ من فاجرٍ»(٢٧).

وقال النووي -رحمه الله-: «لا تُنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تَرَوْا منهم منكرًا محقَّقًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأَنْكِروه عليهم وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم، وأمَّا الخروج عليهم وقتالُهم فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فَسَقَةً ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرتُه، وأجمع أهل السنَّة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق»(٢٨).

أمَّا إن تولَّى الكافرُ الحُكْمَ: فإن توفَّرت القدرة والاستطاعة على تنحيته وتبديله بمسلمٍ كفءٍ للإمامة مع أمن الوقوع في المفاسد وجبت إزالته إجماعًا، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، والكافرُ لا يُعدُّ من المسلمين، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لاَ، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ»(٢٩)، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»(٣٠)، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لاَ، مَا صَلَّوْا»(٣١)، قال ابن حجر -رحمه الله-: «وملخَّصه أنَّه ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجب على كلُّ مسلم القيامُ في ذلك: فمن قَوِيَ على ذلك فله الثَّواب، ومن داهن فعليه الإثم»(٣٢).

فإن عجزوا عن إزالته وإقامة البديل، أو لا تنتظم أمور السِّياسة والحكم بإزالته في الحال خشيةَ الاضطراب والفوضى وسوء المآل؛ فالواجب الصَّبر عليه وهم معذورون، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»(٣٣)، وهذا أحقُّ موقفًا من الخروج عليه؛ لأنَّ «دَرْءَ المَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ المَصَالِحِ»؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].

قال العلاَّمة ابن باز -رحمه الله-: «إذا رأى المسلمون كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرةٌ، أمَّا إذا لم تكن عندهم قدرةٌ فلا يخرجون، أو كان الخروج يسبِّب شرًّا أكثر، فليس لهم الخروج، رعايةً للمصالح العامَّة، والقاعدة الشرعية المجمع عليها أنه: لا يجوز إزالة الشرِّ بما هو أشرُّ منه، بل يجب درء الشرِّ بما يزيله أو يخفِّفه، أمَّا درء الشرِّ بشرٍّ أكثرَ فلا يجوز بإجماع المسلمين»(٣٤).

قلت: وتُلْحَق هذه الصورة بالمرحلة المكِّيَّة التي كان عليها النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه قبل الهجرة، فقد كانوا تحت ولاية الكفَّار، وقد أُمروا فيها بالدعوة إلى الله تعالى وكفِّ الأيدي عن القتال والصبر حتى يفتح الله عليهم أَمْرهم ويفرِّج كربهم وهو خير الفاتحين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧].

هذا، وجديرٌ بالتَّنبيه أنَّه إذا تعدَّد الأئمَّة والسلاطين فالطاعة بالمعروف إنَّما تجب لكلِّ واحدٍ منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي تَنْفُذُ فيه أوامره ونواهيه، وضمن هذا السياق يقول الشوكاني -رحمه الله-: «وأمَّا بعد انتشار الإسلام واتِّساع رقعته وتباعُد أطرافه، فمعلومٌ أنه قد صار في كلِّ قطرٍ أو أقطارٍ الولايةُ إلى إمامٍ أو سلطانٍ، وفي القطر الآخَرِ أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمرٌ ولا نهيٌ في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدُّد الأئمَّة والسلاطين، ويجب الطاعة لكلِّ واحدٍ منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يُقتل إذا لم يتبْ، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعتُه ولا الدخول تحت ولايته لتباعُد الأقطار، ...

فاعرفْ هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدلُّ عليه الأدلَّة، ودَعْ عنك ما يقال في مخالفته، فإنَّ الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أوَّل الإسلام وما هي عليه الآن أوضَحُ من شمس النهار، ومن أنكر هذا فهو مباهتٌ لا يستحقُّ أن يُخَاطَبَ بالحجَّة لأنه لا يعقلها»(٣٥).

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدّين وسلّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٤ ربيع الثاني ١٤٣٢ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٩ مارس ٢٠١١م

-
___________ من تطبيق آثار العلامة محمد علي #فركوس للتحميل على الأندرويد

https://goo.gl/CnfonF ______________

(١) في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري في «الأذان» باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد (٦٦٠)، ومسلم في «الزكاة» (١/ ٤٥٧) رقم (١٠٣١) عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ،...» الحديث.

(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٨/ ١٧٠).

(٣) أخرجه الحاكم في «مستدركه» (١/ ٧٧) رقم (٢٥٩، ٤٠٣)، من حديث عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٦٧٧) رقم (٩٨٤).

(٤) أخرجه مسلم في «الإمارة» (١٨٥١) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

(٥) «العزلة» للخطَّابي (٥٧-٥٨).

(٦) الطَّغام: أراذل الناس وأوغادهم، ويطلق -أيضًا- على الأحمق. [انظر: «القاموس المحيط» للفيروز آبادي (١٤٦٣)].

(٧) العرامة: الشدَّة والشراسة والقوّة والجهل والأذى. [انظر: «القاموس المحيط» للفيروز آبادي (١٤٦٧)، «لسان العرب» لابن منظور (١٢/ ٣٩٥)].

(٨) «غياث الأمم» للجويني (٢٣-٢٤).

(٩) «المقدّمة» لابن خلدون (١٧١).

(١٠) أخرجه أبو داود في «الجهاد» باب في السريَّة تردّ على أهل العسكر (٢٧٥١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، وصحَّحه الألباني في «إرواء الغليل» (٧/ ٢٦٦) رقم (٢٢٠٨).

(١١) من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا...» الحديث. [أخرجه البخاري في «الأحكام» باب من لم يسأل الإمارة أعانه الله عليها (٧١٤٦)، ومسلم في «الأيمان» (١٦٥٢)].

(١٢) «السيل الجرّار» للشوكاني (٤/ ٥١١-٥١٣).

(١٣) ومن العلماء من يرى أنّ خلافته ثبتت بالنصّ والإشارة من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. [انظر: «شرح العقيدة الطحاويّة» لابن أبي العزّ الحنفي (٥٣٣)].

(١٤) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١/ ٢٦٤).

(١٥) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٧٥٠)، من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما. وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٣/ ١٩٢)، والألباني في «أحكام الجنائز» (٢٠٩).

(١٦) «معالم السنن» للخطَّابي مع «سنن أبي داود» (٣/ ٣٥١).

(١٧) المصدر السابق، الجزء والصفحة نفسهما.

(١٨) «المسائل والرسائل» للأحمدي (٢/ ٥).

(١٩) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٧) وقد حكاه عن ابن بطَّال -رحمه الله-.

(٢٠) «الدرر السنية في الأجوبة النجديّة» (٧/ ٢٣٩).

(٢١) «روضة الطالبين» للنووي (١٠/ ٤٦).

(٢٢) أخرجه البخاري في «الأحكام»، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (٧١٤٥)، ومسلم في «الإمارة» (١٨٤٠)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

(٢٣) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٠٩٥)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٢/ ٢٤٨)، والألباني في «صحيح الجامع» (٧٥٢٠).

(٢٤) «رسالة إلى أهل الثغر» للأشعري (٢٩٦).

(٢٥) «عقيدة السلف» للصابوني (٩٢).

(٢٦) «منهاج السنّة» لابن تيميّة (٢/ ٧٦).

(٢٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٤٤٤).

(٢٨) «شرح النووي على مسلم» (١٢/ ٢٢٩).

وللمزيد يمكن مراجعة المصادر التالية: «الاعتقاد» للبيهقي (٢٤٢-٢٤٦)، «اعتقاد أئمة الحديث» للإسماعيلي (٧٥-٧٦)، «الشريعة» للآجرّي (٣٨-٤١)، «مقالات الإسلاميِّين» للأشعري (١/ ٣٤٨)، «الإبانة» للأشعري (٦١)، «الشرح والإبانة» لابن بطّة (٢٧٦-٢٧٨)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزّ (٢/ ٥٤٠-٥٤٤)، «العقيدة الواسطية» مع شرحها للهرّاس (٢٥٧-٢٥٩).

(٢٩) أخرجه مسلم في «الإمارة» رقم (١٨٥٥)، من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه.

(٣٠) أخرجه البخاري في «الفتن» باب قول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» (٧٠٥٦)، ومسلم في «الإمارة» رقم (١٧٠٩)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

(٣١) أخرجه مسلم في «الإمارة» رقم (١٨٥٤)، من حديث أمّ سلمة رضي الله عنها.

(٣٢) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ١٢٣).

(٣٣) أخرجه البخاري في «الاعتصام بالكتاب والسنّة»، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (٧٢٨٨)، ومسلم في «الحج» رقم (١٣٣٧)، واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣٤) انظر: «مراجعات في فقه الواقع السياسي والفكري» للرفاعي (٢٤). وللشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- كلام نفيس في «الشرح الممتع على زاد المستقنع» (١١/ ٣٢٣).

(٣٥) «السيل الجرّار» للشوكاني (٤/ ٥١٢).






المواضيع المشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين . كمال بدر المنتدى الاسلامي 19 24-12-2015 03:28 AM
ايصال امانه وتقرير خبير احمد الياسرجي مُسْتَشارُكَ القّانُونيْ 6 21-06-2013 04:18 AM
الطلاق للضرر وتقرير الحكمين dr.rania مُسْتَشارُكَ القّانُونيْ 3 01-03-2011 07:55 PM
من أصول السنة عندنا: من خرج على إمام من أئمة المسلمين .. فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين سنام المجد المنتدى الاسلامي 29 11-02-2011 10:59 PM
مشكلة في تنصيب الويندوز وجئت بان الويندوز لم يستطع العثور على اي قرص صلب albash1234 صيانة الكمبيوتر وحلول الحاسب الألي - هاردوير 6 24-02-2009 09:12 PM

11-11-2016, 02:22 AM
أسيرالشوق غير متصل
الوسـام الماسـي
رقم العضوية: 46842
تاريخ التسجيل: Jul 2006
المشاركات: 7,125
إعجاب: 310
تلقى 954 إعجاب على 843 مشاركة
تلقى دعوات الى: 283 موضوع
مواضيع لم تعجبه: 0
تلقى 3 عدم اعجاب على 3 مشاركة
    #2  
بارك الله فيك
الشكر الجزيل على الموضوع الرائع


 


في طرق تنصيب إمام المسلمين وتقرير وجوب الطاعة وبذل النصيحة


Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.