أستغفر الله العظيم ... سبحان الله وبحمده



العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > منتدى الشعر العربي والخواطر والنثر


مواضيع مميزة  


آخر عشرة مواضيع المواضيع النشطة


17-08-2016, 06:13 PM
شاكر العامري غير متصل
عضو جديد
رقم العضوية: 736074
تاريخ التسجيل: Feb 2016
المشاركات: 11
إعجاب: 1
تلقى 3 إعجاب على 3 مشاركة
تلقى دعوات الى: 2 موضوع
    #1  

مقالة علمية حول الشعر العربي المعاصر في الكويت


الشعر العربي المعاصر في الكويت بقلم شاكر العامري
(مقالة منتزعة من رسالتي للدكتوراه وطُبعت في العدد الثالث من مجلة الجمعية الإيرانية للغة العربية وآدابها أُعيد نشرها للفائدة)
الملخّص:
تحاول هذه المقالة التعريف بالشعر الكويتي المعاصر متناولة مقدمة وعدة محاور. اهتمّ المحور الأول بالنظر باختصار الى الحركة الأدبية الكويتية في مسيرتها التاريخية التي بدأت اولى طلائعها المنظمة في العقد الثاني من القرن الماضي، متعثرة في البداية حتى العقد الخامس منه لتشتد في نهاياته، ولتقوم على سوقها بعد استقلال الكويت في أوائل العقد اللاحق، وهي اليوم تعتبر من النماذج الناجحة في العالم العربي. ويمر هذا المحور على العوامل التي أدّت الى انتعاش الحركة الأدبية في الكويت. أما المحور الثاني فقد اختص بذكر مختصر لشعراء الكويت وشواعرها، فيما تولى المحور الثالث بيان عدد من الموضوعات والأغراض الشعرية التي اهتم بها الشعراء، والتي حملت العناوين التالية من الموضوعات والاتجاهات: (المجتمع؛ الهموم والتطلعات) ــ (الهموم الإنسانية) ــ (الشعر السياسي) ــ (الغزو العراقي للكويت) ــ (الاهتمامات القومية) ــ (الشعر الديني) ــ و(الشعر الوطني). ومن الأغراض الشعرية حملت عناوين: الغزل، الوصف، المدح، الرثاء والفخر.

كلمات مفتاحية: الشعر المعاصر، الحركة الأدبية، البحر، الصحراء، المجتمع، فلسطين، العرب.

المقدمــة
لا يمكن ـ في الواقع ـ تحديد تاريخ دقيق للحركة الأدبية لأي مجتمع، لأن الأدب لا ينفصل عن الوجود الإنساني، مثله في ذلك مثل اللغة. ولا يمكن تصور تكوّن كيان للكويت ومجتمع له خصائصه دون تصور أدب خاص به، فللبحر أدبه الخاص، وللصحراء كذلك أدبها. فكان البحارة منذ خروجهم الى البحر وتركهم لأهليهم وحتى عودتهم الى ديارهم ثانية، يرددون من الأشعار والأغاني ما يمثل الحالات النفسية والروحية لهم فكان هناك الشوق للأهل والدعاء بالتوفيق والنجاح في رحلتهم والخلاص من الأخطار المحتملة. ثم اختص بالغناء البحري متصدٍ أطلقوا عليه النهّام، كما سمّوا الغناء الذي كان يؤديه بالنهمة، وهي نوع من الدعاء. ويُصور ديوان (مذكرات بحار) للشاعر محمد الفايز حياة البحّار ومعاناته أحسن تصوير. أما الصحراء فكانت لها أغانيها التي تصور حالات سكانها النفسية وصراعهم مع الطبيعة القاسية. وقد شاع في صحراء الكويت وبين أهلها نوع من الشعر المحلي أطلقوا عليه (الشعر النبطي)، الذي كان يؤدى بعض الاحيان مع الربابة؛ إحدى الآلات الموسيقية. يكثر تداول الأشعار في جلسات الأسمار التي يتبارى فيها الشعراء، وقد يلجأون إلى النقائض أو معارضة بعضهم للبعض الآخر.
البحر والصحراء هما أهم المظاهر الطبيعية التي وسمت بيئة الكويت. وكان البحر أكثر حضوراً في حياة الكويتيين بكافة مظاهرها، فقد ترك البحر بصماته واضحة على اقتصاد الكويت، فكان مصدر رزقهم ووسيلة اتصالهم بالعالم الخارجي ورمز أفراحهم وأتراحهم. به تغنوا ومنه اشتكوا وإليه شكوا، فكما أن العاشق عادة يشكو الى القمر ويجد صفاءه وراحته في سكون الليل وهدوئه، ونور القمر وشعاعه، كذلك وجد العاشق الكويتي راحته في صفاء البحر وامتداده، وسعته واستدارته، فوقف يستمع الى سمفونيته العذبة الألحان وهو مستغرق في أفكاره وتأملاته. ولم يكن البحر دائماً رحيماً ودوداً، بل كان يغضب أحياناً فاذا هو مارد قاسٍ لا يردعه رجاء أو عقل، ولا يؤثر فيه التماس أو منطق. فكم من والهة وقفت على سِيفه تسأله عن وحيدها المغادر بلا قلوع، فأرعد وأزبد واشمخرّ. وكم من فتاة أغرقته بدموع واكفة بلا انقطاع، فما رقّ لها قلبه وما ارتاع. لقد وجد الكويتيون في البحر صديقاً حميماً، وعدواً لدوداً؛ أُمّاً رؤوماً، وجلاداً قاسياً. فشكوا إليه مرة واشتكوا منه مرات.
وقد انعكست تلك الصفات البحرية – إن صح التعبير- على الكويتيين فخلقت منهم رجالاً أشداء، صارعوا البحر فصرعوه، ونازلهم فنازلوه ووجد فيهم مراساً على الصعاب واعتياداً على الجهاد، فاستسلم لهم طائعاً حيناً ومخاتلاً أحياناً فكان إذا رقّ رقّوا فكان وكانوا كالنسيم العليل، أو كالصّبا والأصيل. فاذا البحّار الشديد يفيض شوقاً للديار والأهل، ويتحرق ألماً لفقدان خليل أو حبيب، يردد في سرّه صدىً خفياً للبحر ويستشعر في وعيه نشيجاً للخليج.
ويصور الشاعر محمد الفايز في مذكراته حياة البحار القديم في حلّه وترحاله، في أفراحه وأتراحه وكافة مشاعره وهمومه حين يذهب للصيد أو الغوص وبعد أن يعود.
أما الشاعر إبراهيم الخالدي فقد بدا رمز الصحراء في شعره واضحاً قوياً. وتبين قصيدة البَخَتْري، التي هي نبتة برية زهرتها زرقاء، تبيّن حضوراً واضحاً للصحراء ورموزها الكثيرة. ونستطيع القول إن رمز الصحراء حاضر لدى الخالدي في أكثر أعماله. فإذا كان ديوانه (عاد من حيث جاء) مشحوناً برموز الصحراء فإن ديوانه الآخر (دعوة عشق للأنثى الاخيرة)، وهو أول دواوينه، لم يخل منها.

الحركة الأدبية في الكويت
إن مقصودنا من الحركة الأدبية ليس النشاط الأدبي بشكل عام، بل النشاط الأدبي المنظم. ومن هذا المنظور نستطيع أن نقول إن العمل الأدبي المنظم تعود جذوره الى بدايات العقد الثاني من القرن العشرين متمثلة بالجمعية الخيرية التي تأسست عام 1913م (انظر: مجلة الكويت، العدد 214، ص 30). وفي بداية العشرينات اُنشئ النادي الأدبي، الذي استمر بأعضائه طوال العشرينات والثلاثينات، والمكتبة الأدبية التي كانت ــ في الواقع ــ تجمعاً ثقافياً تناقَش فيه مختلف الأمور الثقافية وغيرها، وقد تم إغلاقها فترة لتعود الى نشاطها السابق في منتصف الثلاثينات (انظر: المصدر السابق، ص31). وتم في بداية العشرينات كذلك إنشاء الرابطة الأدبية.

عوامل انتعاش الحركة الأدبية في الكويت:
1. العامل الاقتصادي: يعتبر العامل الاقتصادي سبباً في اتصال الكويتيين بالحركة الادبية خارج الكويت، وخاصة العربية، وانفتاحهم عليها. فإن عدم وجود زراعة في الكويت كان سبباً لتعميق الصلات الاقتصادية بالخارج عن طريق التجارة، والتي أدت بدورها الى توثيق الصلات الثقافية والسياسية كذلك.
2. البعثات الدراسية: بعد أن ازدادت البعثات الدراسية الى القاهرة ـ التي كانت عاصمة للثقافة العربية وموئلاً لنهضتها ـ ظهرت الحاجة الى مقر دائم لتلك البعثات المتلاحقة، فتم في الأربعينات تأسيس (بيت الكويت الثقافي) الذي ـ بعد أن رسخت أقدامه ـ كان يصدر مجلة البعثة التي كانت، بحق، تجمعاً ثقافياً يمارس أنشطة متعددة: ندوات، أمسيات شعرية، مسرحيات، وغيرها (انظر: المصدر السابق، نفس الصفحة).
3. المؤسسات الأدبية: في بداية الخمسينات، ظهرت عدة نوادٍ ثقافية وجمعيات ومجلات على شكل تجمعات ثقافية نشطة. فقد ظهر النادي الثقافي القومي، ونادي المعلمين، ونادي الإرشاد، أضافة الى بيت الكويت الثقافي الذي استمرت نشاطاته الثقافية بعد عودته للكويت في تلك الفترة، فكان يقيم الأمسيات الشعرية والندوات الثقافية وغيرها. وفي تلك الفترة صدرت مجلتا "الرائد" و "الإيمان" اللتان كان يكتب فيهما عدد من الوجوه الثقافية الكويتية، من مثل: فهد الدويري، محمد الرشيد وأحمد العدواني، والوجوه الثقافية العربية، من مثل: غسان كنفاني (انظر: المصدر السابق، نفس الصفحة).
وقد أدّى التواصل الثقافي بين الكويت والدول العربية الى أن تنعكس التحولات الثقافية فيها بسرعة على المسرح الثقافي في الكويت. فبعد تأسيس اتحاد الكتاب العرب إثر مؤتمر بلودان عام 1955، أنشئ في الكويت النادي الأدبي، أو الرابطة الأدبية، عام 1958، حيث أشرفت على مؤتمر الأدباء الذي عقد في الكويت عام 1959. وفي عام 1958، تأسست مجلة العربي الشهيرة التي كانت من العوامل المهمة لتشجيع الأدب والثقافة العربيين.
وفي عام 1964، تم إنشاء رابطة الأدباء التي كانت، ولا تزال، راعية الحركة الأدبية في الكويت. وإن أهم إصدارات الرابطة منذ تأسيسها حتى الآن هو مجلة البيان التي تنطق باسمها، والتي صدرت لأول مرة عام 1966 ولازالت مستمرة بالصدور حتى اليوم، ماعدا عددين لم يصدرا في مناسبتين أليمتين: الاولى نكسة حزيران عام 1967، والثانية غزو العراق للكويت عام 1990.
إن الدارس للحركة الأدبية في الكويت يشدّ انتباهه استمرار تلك الحركة ومواكبتها لحركة المجتمع، وإن ما يميز تلك الحركة هو أنها حافظت على أصولها ولم تنجرف مع التيارات الأدبية الغربية التي عصفت بالأدب العربي ابتداءً بشعر التفعيلة وانتهاءً بمفاهيم الحداثة وما بعدها. ولا يعني ذلك أن شعراء الكويت لم يعرفوا شعر التفعيلة، بل إن عدداً منهم قد مارس شعر التفعيلة في وقت مبكر إضافة لقصيدة النثر، ولكننا هنا نتحدث عن ظاهرة. شعر التفعيلة وقصيدة النثر، أو ما يسمى بالشعر الحر جمعاً، لم يصل الى مستوى الظاهرة الشعرية في الكويت، وبقي الشعر الكويتي محافظاً على سماته الأصيلة، ينظر للحداثة من منظار غير المنظار الذي ينظر منه دعاتها. ويميز د. سليمان الشطي مدرستين في الأدب الكويتي: «ترى الأولى أن الفن يجب أن يكون في خدمة المجتمع، والثانية ترى أن الفن للفن، وكلتاهما تساهمان في خدمة المجتمع بشكل أو بآخر... تجد شاعراً قد عنى (بالرسالة) وآخر عنى (بالجماليات). هذا همه إصلاحي وذاك همه شعري» (المصدر السابق، ص 37). أما عبد الله خلف فانه يقسم مسيرة الحركة الأدبية الى مرحلتين: «مرحلة التعليم القديم والبسيط التي أنتجت الخطاب الوعظي التقريري... ومرحلة التعليم الجديد، خاصة العالي منه، والتي ساهمت في تأهيل الفعل الأدبي، تأهيلاً فنياً» (المصدر السابق، نفس الصفحة).

شعراء الكويت:
وفي ما يلي نذكر شعراء الكويت، الرجال أولاً ثمّ النساء. وبما أنّ ذكر حياتهم أو شيء من أشعارهم هو ما يضيق عنه وسع هذه المقالة، لذلك نكتفي بذكر الأسماء ونحيل القارئ على مظانّ ذلك في الموضوعات والأغراض، أو المصادر بشكل أعمّ. ويلاحظ من بين الأسماء المذكورة أسماء رواد في حركة تجديد الشعر الكويتي، كخالد الفرج وأحمد العدواني وعبد المحسن الرشيد وأسماء عدد من المخضرمين الذين رفدوا الحركة الشعرية في الكويت كعلي السبتي وخالد سعود الزيد والفايز والوقيان والعتيبي والسبيعي وغيرهم. كما يلاحظ بينهم من وقف جهده وماله على دعم الحركة الأدبية العربية عموماً، والكويتية خصوصاً، ألا وهو الشاعر عبد العزيز سعود البابطين والدكتورة سعاد الصباح، وكلاهما صاحب مؤسسة أدبية مختصة.
إن السمة التي يشترك فيها أدباء الكويت، وشعراؤها بالأخص، على اختلاف مشاربهم ومساربهم، هي اهتمامهم بقضايا المجتمع الكويتي والأمة العربية. ثم إن بعضهم كانت له مدرسة شعرية التزمها في حياته الشعرية وظهرت في قصائده، كالمدرسة الرومانسية التي التزم بها الشاعر يعقوب السبيعي، وبعضهم الآخر تنقّل مع المدارس الشعرية أو الاتجاهات النقدية وتقلّب في أشكال الشعر القديمة والحديثة، كالشاعرين سالم عباس خداده وإبراهيم الخالدي وغيرهما، وإن كان الأخير بالتجارب الحديثة أكثر اختصاصاً. وهذا الكلام يصح بالنسبة لعدد من الشاعرات كذلك كنجمة إدريس التي اختصت بشعر التفعيلة، وثريا البقصمي التي وقفت نتاجها على قصيدة النثر أو الشعر الحر، كما يسميه بعضهم.
أما مصادر ثقافة الشعراء الكويتيين والمنابع اللغوية لقصائدهم فهي لا تختلف كثيراً عنها لدى أقرانهم في بقية الدول العربية، بل وتشترك مع مصادر ثقافة شعراء الدول الإسلامية كذلك. فالقرآن الكريم والسنة الشريفة، إضافة الى التراث العربي الغني شعراً ونثراً منذ العصر الجاهلي وحتى يوم الناس هذا، كل ذلك يشكل أهم نمير استقى منه الشعراء الكويتيون ثقافتهم ونهلوا منه معرفتهم.

رجال شعراء:
خالد الفرج ـ عبد الله سنان ـ أحمد السقاف ـ أحمد العدواني ـ عبد الله زكريا الأنصاري ـ فاضل خلف ـ عبدالمحسن الرشيد ـ يعقوب الرشيد ـ عبدالله حسين ـ علي السبتي ـ عبدالعزيز سعود البابطين ـ خالد سعود الزيد ـ محمّد الفايز ـ الدكتور خليفة الوقيان ـ عبدالله العتيبي ـ خالد السعد ـ خالد الشايجي ـ يعقوب السبيعي ـ هاشم السبتي ـ الدكتور سالم عباس خداده.

شواعر كويتيات:
الدكتورة سعاد الصباح ـ خزنة بورسلي ـ غنيمة زيد الحرب ـ ثريا البقصمي ـ الدكتورة نجمة إدريس ـ جنّة القريني ـ فاطمة العبد الله ـ نورة المليفي.

الشعر الكويتي المعاصر: الموضوعات والأغراض
لقد شغل عدد من الموضوعات الهامة بال الشعراء الكويتيين فتناولوها كلاً من زاويته، وهذه أهمها:

المسائل الاجتماعية في الشعر الكويتي المعاصر:
يمكننا تحديد عدد من المسائل الاجتماعية التي اهتم الشعراء ببيانها ابتداءً من التحول النفطي العظيم في الكويت كما يلي:
1. الطفرة الاجتماعية وانقلاب الأسس والعلاقات الاجتماعية بفعل ذلك التحول النفطي. فقد كانت الكويت مجتمعاً صغيراً تسوده علاقات بسيطة واهتمامات متواضعة، وإذا به يشهد خلال بضع سنوات تحولات كبيرة في مختلف المجالات مما أدى الى اختلال واضح في الروابط الاجتماعية للأفراد وانفتح المجتمع الكويتي الذي كان شبه مغلق لتدخله تيارات واتجاهات اجتماعية ومفاهيم مادية غربية غريبة عليه مما حرّك الشعراء، الذين هم طلائع المجتمع، وأثار فيهم تحفظاً. يقول عبد الله سنان مسجلاً تلك الطفرة:
عُدِمَتْ مِنّا الثقَـــــةْ والسجايا المشرقَــــــــةْ
وأخذنا من فُتــاتِ الـ ــغَرْبِ رشفَ الملعقَـــــةْ
2. سيادة القيم المادية في المجتمع على حساب المفاهيم الجميلة الاخرى:
في قصيدة (مدينةٌ ناسُها بشر) يصف علي السبتي المادة بأفظع وصف لها، حيث تشترى بها القيم المعنوية، مما يقزّز النفس منها، يقول:
المالُ في مدينتي المالْ
يبيعُ، يشتري، يستأجرُ الرجالْ
فكلُّ شيءٍ في مدينتي له ثمنْ
الجنسُ والأطفالُ والسكنْ (السبتي، 1982، ص 164- 165)
3. الظلم الاجتماعي:
إن سبب كثير من الامراض الاجتماعية هو سيادة المادة وطغيانها في المجتمع وإثراء نفر معدودين على حساب الآخرين المستضعفين. وللسبتي قصيدة حديثة بعنوان (بلى آذنتنا) ذكر فيها كثيراً من القضايا، أو الأمراض، الاجتماعية التي وصفها «بالزعازع القديمة» في إشارة الى أن تلك الأمور لم تكن وليدة ساعتها، ولم تكن كارثة الغزو إلاّ محصلة لتلك الآفات، وكأنه يريد أن يشير الى قوله تعالى: «ذلك بأنّ الله لم يكُ مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» (الانفال، 53). يقول:
بلى.. آذنتنا من قديم زعــازعُ ولم نحسِمِ الأمرَ الذي هو واقـعُ
ثم يشير الى أزمة سوق الأوراق المالية (المناخ) بقوله:
بلى..حادثاتُ الأمسِ ليست بعيدةً وهذا حديثُ السوقِ في السوقِ ذائعُ
شُغِلنا بجمع المالِ والمالُ سبّـةٌ إذا لم تَصُنْهُ المحصِناتُ الـروادعُ
إذن! فالمال سبة وعار إذا كان بلا ضابط يضبطه أو عقل يدبّره أو قانون ينتظمه، وإن الذين شغلوا بجمعه تحكم أكثرهم نفوس جشعة وأرواح متعلقة بالدنيا لا يردعها رادع ولا تتعض بكثرة الموتى الذين ملأوا بطن الأرض وقد خرجوا من الدنيا كما جاءوا إليها صفر اليدين؛ فلا مال ولا عقار:
وقد اُثقِلتْ أرضٌ وضَجّتْ لحودُهـا وما شبعتْ تلك النفوسُ الجوائــعُ
ثم يشير الى استشراء الارتشاء والظلم والتحايل على القانون في عمليات التثمين (تقدير أثمان العقارات) التي أثقلت كاهل الدولة وكلفتها أموالاً طائلة استفاد منها النفعيون المتلاعبون:
فهذا مديرٌ يُشترى بهديـــــةٍ وهذا مَن التثمينِ للسُحتِ جامـــعُ
بعد ذلك يتطرق الى واقع اجتماعي مؤلم هو قضية الدعارة التي تتفشى في المجتمعات التي يديرها المال، فهي طريقة سهلة وقذرة في نفس الوقت لجمع المال. يقول:
وهذي هلوكٌ منهكاتٌ عروقُـــها أما خزيتْ مما تشيعُ المخـــادعُ؟
(السبتي، 1997، ص 94- 95)
4. الحالة المعاشية:
للشاعر عبد المحسن الرشيد قصيدة بعنوان (الغلاء) يشير فيها الى مشكلة الغلاء التي يخلقها التجار طلباً للإثراء على حساب الفقراء يقول فيها:
قالوا: الغلاءُ، فقلتُ وحشٌ ضارِ قد أطلقتْهُ عصابةُ التجّـــارِ
(خداده،2002م، ص 34)
5. المحسوبية والمنسوبية:
الوساطة مرض من الأمراض القديمة التي مازالت تفتك بالمجتمعات. عبد المحسن الرشيد الذي عانى هذا الأمر في المجتمع الكويتي أشارَ إليه في قصيدة بعنوان (الوساطة والمال)، قال في جانب منها:
دَعْ عنكَ أَنّكَ من أهلِ الكـــفاءاتِ ما الفوزُ إلاّ لأصحابِ الوساطـاتِ
هي المطايا التي يُرجى الوصول بها إلى منالِ مطاليبٍ وغايــــاتِ
(المصدر السابق، ص 27)

الاهتمامات القومية في الشعر الكويتي المعاصر:
لقد دأب الشعراء الكويتيون على المشاركة في الأحداث والقضايا القومية وإبداء آرائهم فيها انطلاقاً من ذلك الشعور العام الذي يجمعهم مع بقية العرب من إخوانهم. وقد كانت فلسطين محور اهتمام الشعراء الكويتيين، فهي قضية العرب المركزية. وقد ساير الشعراء أحداث القضية الفلسطينية منذ صدور وعد بلفور المشؤوم بجعل فلسطين وطناً قومياً لليهود. ونحن هنا لا نستطيع ذكر الشواهد الشعرية لضيق المجال ونحيل من أحبّ الإستزادة على المصادر أو دواوين الشعراء.
فالشاعر عبد الله سنان الذي كان لقضية فلسطين حصة الأسد من اهتماماته القومية، ينظر لوعد بلفور نظرة أخرى ويعالجه بطريقة مختلفة، إذ كان يرى فيه ناقوساً يدق ليستيقظ العرب من نوم عميق. يقول:
وعدُ بلفــــــورٍ ليسَ بالمشؤومِ لا، ومن زيّنَ السماءَ بالنجومِ
أيُّ شؤمٍ وقد تفتـــــــحتِ الأذْ هانُ منهُ وهبَّ كلُّ نــؤومِ
سوف تُسترجَعُ البـــــلادِ ويُرْمى كل مُستمسَخٍ بنارِ الجحيمِ
(مجلة الكويت، العدد 205، ص 41)
والشاعر خليفة الوقيان عندما يطلُّ عليه وعد بلفور وقد مضى على صدوره أكثر من خمسين عاماً، ينظر إليه بتشاؤم في قصيدته (في ذكرى وعد بلفور) التي نظمها عام 1970.
وتحلّ نكبة عام 1948، وينتصر اليهود وتنهزم الجيوش العربية ويحتل الصهيانة أراضي ومدناً من فلسطين ويعلنون عن ولادة كيان عنصري أطلقوا عليه (إسرائيل)، وتزداد أعداد المشرّدين وتمضي الأحوال من سيءٍ الى أسوأ. كلّ ذلك دعا الشعراء الكويتيين الى الغضب ورفض ذلك الواقع المأساوي الذي كان، في الواقع، تجسيداً لواقع الأمة العربية المأساوي الذي يجب أن يتغير أولاً لتنعم فلسطين بالحرية.
وتمر السنون ويحل الخامس من حزيران عام 1967 ويُمنى العرب والفلسطينيون بنكسة أكبر من الأولى ويأتي جماعة من العرب يحاولون إقناع الباقين بضرورة قبول الواقع والاستجابة لدعاة السلام مع إسرائيل في إطار قرارات مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة. هنا ينبري الشاعر عبد المحسن الرشيد ليعلن رفضه لتلك الدعوات وليدعو الى الصبر وعدم الخنوع وأن ما اُخذ بالقوة لا يستردّ إلاّ بالقوة، وأن الموت بعزّ خير من العيش بذلّ:
في مجلس الأمنِ أو في هيئةِ الأمــمِ ضاعتْ حقوقكُمُ فالقومُ في صَمَـــمِ
لا ينهضُ الحقُّ إلاّ حينَ تُسمِعُــــهُ صوتَ الرصاصِ يُدّوي لا صدى الكلمِ
شريعةُ الغابِ ما انفكتْ مسيــطرةً فالحقُّ للذئبِ وليسَ الحقُّ للغنـــمِ
(خداده، 2002م، ص 39)
وعندما وقعت حرب أكتوبر عام 1973 وسجّل العرب فيها انتصاراً على إسرائيل، تحركت كثير من الأطراف الدولية لإيقاف الحرب والحيلولة دون انهيار الكيان الإسرائيلي. وفعلاً توقفت الحرب بعدستة أيام فقط وبدأت مرحلة من المفاوضات بين العرب وإسرائيل لتوطيد السلام، فما كان من عبد المحسن الرشيد إلاّ أن رفع صوت المعارضة لتلك المفاوضات في قصيدة حملت عنوان (حرب أُكتوبر والمفاوضات) نشرتها جريدة القبس الكويتية بتاريخ 21/7/1981، قيلت بعد حرب أكتوبر وبدء محاولات أمريكا تمزيق وحدة الدول العربية برحلات وزير خارجيتها (كسينجر) المكوكية:
بالأمسِ قد مزَّقكُمْ (رَوْجَرُ) واليومَ قد عاوَدَ (كِيسَنْجَرُ)
(خداده، 2002م، ص 111- 112)
وبعد انبثاق حركة المقاومة الفلسطينية وتوحدها في منظمة التحرير الفلسطينية في أواسط الستينيات من القرن العشرين، ولد أمل جديد لدى كل من كان يحمل الهم الفلسطيني، ومنهم شعراء الكويت.
ونظر شعراء الكويت الى حالة الأمة العربية التي طالما تغنّوا بأمجادِها وافتخروا بها ودعوا الى رصّ صفوفها والتحام أفرادها، نظروا إليها فإذا هي ممزقة كلَّ ممزق؛ يُغار عليها ولا تغير وتُغزى ولا تغزو، متناحرة مشتتة، تقودها الأهواء وتغمرها الأطماع وهي تغطّ في نوم عميق في ليل بهيم. فهذا الشاعر عبد الله سنان ينتقد حالة التفكك والوهن التي تسود الأمة العربية، ويدعو العرب الى الصدق في العزيمة والإرادة من أجل استرداد الأراضي السليبة:
دعوا الأقوالَ فالأفعالُ أجدى وأجدى بالحِمى أن يُستردّا
إذا صدقتْ عزائمُكم سدَدْنا على أعدائِنا الأبوابَ سَدّا
(مجلة الكويت، العدد 205، ص 41)
وينتهز فهد العسكر مناسبة عيد المولد النبوي الشريف فيلقي قصيدة بعنوان (مناجاة عيد المولد)، حيث شكى الى صاحب الذكرى حيرة العالم العربي في الحرب العالمية الثانية ودعا العرب الى التكاتف ونبذ التفرقة في سبيل التحرر من الاستعمار. ويستغل الشاعر عبد الله حسين المناسبة نفسها ليبث الهموم نفسها في قصيدة (عيد)، ولكن بشكل أشد:
عيدٌ، وفي كلِّ عيـدٍ أمرُنا عجبُ وما أفاقتْ على إذلالِها العـــربُ
(صالح، 1996، ص 76)

الغزو العراقي للكويت:
لا أحد ينكر أن أهم حادثة في تاريخ الكويت المعاصر هي حادثة، الغزو العراقي له، حيث استيقظ الكويتيون على زمجرة محركات الدبابات ودوي الطائرات وانفجارات القنابل هنا وهناك وأزيز الرصاص يصك مسامع الأطفال وعربدة الجنود العراقيين وزعقات ضباطهم وأمرائهم. فانبرى أكثر الشعراء يصور تلك الحادثة، وقد كانوا شهود عيان لها، حيث شهدوا لحظات دخول الجيش العراقي للكويت وعاينوا مقاومة الشباب الكويتي للغزاة وأعمال الجيش العراقي اللاإنسانية، وسقوط الشهداء والأسرى.
إنّ أهم قصيدة في ديوان السقاف المسمّى (نكبة الكويت) هي قصيدة (نكبة الكويت) التي أعارت اسمها للديوان، والتي كتبها بتاريخ 25/11/1990، أي أثناء الاحتلال، يبدأُها بقوله:
هي ثكلى والحزنُ حزنٌ شديدُ فاخترِ اللفظَ يومَ يُرثى الشهيدُ
هي ثكلى وفي حشاها جروحٌ حارَ فيها الدواءُ والتضميــدُ
(السقاف، 1996، ص 15)
وفي قصيدة (وكر الصقور) التي كتبتها عام 1991 يشرح الوقيان حبه للكويت، والصقور هم الشهداء الذين انقضّوا على الغزاة فكانت الشهادة وساماً لهم. ثم يعرّج على ذكر شهيدات الكويت اللاتي زاحمن شهداءها فزحمنهم:
وحرائرٍ مثلِ الزهـــــــورِ نديّةٍ يلبسنَ أكفانَ الحتوفِ جلابــــبا
أبدَعْنَ للتأريخِ سِفرَ مآثــــــــرٍ وشقَقْنَ درباً للبطولةِ لاحبـــــا
وكتبنَ من نزفِ العروقِ مــــلاحماً وعلونَ في نهج الفداءِ مراتــــبا
(الوقيان، 1996، ص 31- 32)
وترسم غنيمة زيد الحرب صورة لعروج الشهيد في (أغنيتان للشهيد)، حيث ترفض فكرة موت الشهيد وتعتبر الشهادة مولداً للحياة وعبوراً من حدود الزمن وسلّماً للوصول الى الراحة الأبدية:
لا تقلْ للطيفِ
للأحلامِ ماتْ
فأريجُ القطرةِ الحمراءِ ميلادُ الحياةْ
* * *
هو ما ماتَ.. ولكنْ
فرَّ من قيدِ الزمنْ
واحتسى الخُلدَ المصفّى
فانتشى
حدَّ الوسنْ
وصحا الروحُ المعنّى
من غياباتِ البدنْ
طائراً ملَّ الدياجي
أنِفَ الدنيا.. سكنْ (زيد الحرب، 1993، ص 56- 57)
ولا ينسى السقاف أسرى الكويت فيخصص لهم قصيدة (أسرى الكويت) التي كتبها عام 1993. يقول: القلبُ من شدّةِ الآلامِ يعتـصرُ والنفسُ تلهو بها الأحزانُ والفِـكَرُ
(السقاف، 1996، ص 49)
وبنظرتها الرمزية للأمور، تتناول ثريا البقصمي حادثة الغزو العراقي للكويت، فتعلن في البداية أن الكويت مزدوجة الشخصية، وقد أخطأت في موقفها مع العراق سابقاً ولذلك فعليها أن تغتسل غسل التوبة عشرات المرات وتخجل من تاريخها الحديث الذي يمثله فهد العسكر. (البقصمي، 1999، ص 136)
ويفرق السقاف في انتقاده لما فعله العراق بالكويت بين صدام الطاغية المجرم الذي نعته بنعوت متعددة، وبين الشعب العراقي المظلوم الذي هو في الواقع أسير بيد الظالم. (السقاف، 1996،ص 22)
ويسمع عبد الله العتيبي بتحرير الكويت فيكتب قصيدة (طائر البشرى) معبراً فيها عن فرحته:
بنصرِ بلادي جاءني طائرُ البشرى فجدَّدَ شوقي للغنا مرةً أُخـــرى
فصارتْ ضلوعي للكويتِ ربابـةً تترجمُ شوقَ الناسِ للفرحةِ الكبرى
(صالح، 1996، ص 150)

الشعر الوطني:
يندر أن نجد شاعراً كويتياً لم يذكر الكويت أو يطرِها أو يشتق لها مهما اختلفت مشاربه ومذاهبه.
فهذا صاحب مذكرات بحّار، أعني محمد الفايز، يخاطب الكويت بقوله:
كثبانُ رملِكَ واحةٌ معطــــاءٌ وأجاجُ بحرِكَ سكرٌ وبهــــارُ
(مجلة العربي، العدد 515، ص 104)
ويبتعد فاضل خلف عن الكويت ليعمل سنوات طويلة ملحقاً ثقافياً للسفارة الكويتية في تونس فيبثها من هناك أرقّ مشاعره وألطف عواطفه. ففي قصيدة (مهرجان الحب) تناول الشاعر قضية الوطن مجرداً منه حبيبة تغزل بها وشرح عواطفه اتجاهها منذ مطلع قصيدته:
ضُمّي فتاكِ فإنّهُ صَـــــبُّ كلُّ الجوانحِ للهوى نَهْــــــبُ
ضمآنُ والغدرانُ دافقـــــةٌ لكنَّ وِردَكِ وحدَهُ عـــــــذبُ
وفي البيتينِ التاسع والعاشر يُفصح الشاعر عن حبيبته:
جوّابُ آفاقٍ يؤَرّقُــــــهُ ليلُ المحبِّ ويؤلمُ الــــــدربُ
أرضَ الكويتِ وأنتِ فاتنتـي لم يثْنِنـي بعدٌ ولا قــــــربُ
(مجلة الكويت، العدد 217، ص 57-58)

الشعر السياسي:
منذ أن وعى شعراء الكويت دورهم في المجتمع ما انفكّوا يدافعون عن حقوق مجتمعهم في الحرية والعدل والمساواة وغيرها. ونحن هنا سوف نتعرض للمسائل السياسية الداخلية للكويت لأن مسائل السياسة الخارجية أدرجناها تحت عناوين أُخرى كالقومية ومسألة فلسطين أو الهموم الإنسانية وغيرها. ومن ملاحظتي للنصوص التي طالعتها- على قلتها- في هذا المجال وجدت أن أمير الكويت وولي عهده لم يمسّهما أحد من الشعراء بنقد ولا شكلَ النظام كذلك. كما أن الملاحظ أن النقد الذي وجهه الشعراء الى بعض الظواهر السلبية أو التنبيه عليها قد جاء قوياً وصريحاً، وخاصة ملاحظات الشاعر عبد المحسن الرشيد وعلي السبتي وغيرهما.
ينتقد عبد المحسن الرشيد في قصيدة بعنوان (يا وزراءنا) الوزراء بشدة متهماً إياهم بخيانة العهد الذي قطعوه على أنفسهم بالمحافظة على أموال الشعب وحراستها. يقول فيها:
جعلتم من مناصبِكم ضِياعـــا وظيّعتُم مصالحَنا ضَياعـــا
وأقطعتُم لمن تهوون منــــها وحرّمتم على الغير انتفــاعا
فيا وزراءَنا باللهِ مهــــــلاً فمالُ الشعبِ ليسَ لكم مـتاعا
(خداده، 2002، ص 33- 34)
ولعلي السبتي قصيدة بعنوان (أبا المبارك) يخاطب فيها أمير الكويت منتقداً أوضاع الكويت بعد التحرير ناصحاً ومذكراً. ينتقد علي السبتي في البداية حضور الجيوش الأجنبية الذي طال في الكويت مشككاً في نواياهم مطالباً بخروجهم معرّجاً على ذكر غزو صدام للكويت شاكياً من قيام بعض الوزراء والمسؤولين باستغلال وضع الفوضى في البلاد لصالحهم مذكراً نهايةً باستعداد شباب الكويت للتضحية. (السبتي، 1997، ص 81- 87)
وليعقوب السبيعي قصيدة بعنوان (مأساتنا) يشرح فيها المأساة التي تمر بها الشعوب العربية ومنها الشعب الكويتي بأُسلوب ساخر. يقول فيها:
مأساتُنَــا أعمقُ مِــــنْ ذَواتنـــا المُسّطحَـــــةْ
فَهي بنـــا علـــى مَدى عَوْراتِنَـــــــا.. مُنْفَتِحَةْ
ونحــــنُ من هيْبِتهــا لا نَسْتَطِيعُ النحْنحَــــــةْ
بَلْ نفتـــــدي خُسرانها بالصّفَقَـــاتِ المرْبِحـــةْ
سِلاحُنَـــا صِيَاحُنـــا وَقَدْ حَشَدْنــــــا الأسْلِحَةْ
* * *
مأساتنــا تحرُسُهــــا قوّاتُنــــا المسلّحَــــةْ
(السبيعي، 1985، ص 69- 70)

المفاهيم الدينية في الشعر الكويتي:
لا يمكن لنا استقصاء الشعر الديني، أو قل، النظرة الدينية لشعراء الكويت، حيث إن المجتمع الكويتي ـ كما أسلفنا ـ مجتمع محافظ بطبيعته وتحتل النظرة الدينية لديه حيزاً كبيراً من اهتماماته الحياتية. وبما أن المفاهيم الإسلامية، أو الدينية ككل، واسعة بسعة الحياة بكل نواحيها فإن استقصاء تلك المفاهيم في الشعر الكويتي، إن لم يكن صعباً، فهو يحتاج جهداً أكبر ومساحة أوسع. وكمثال على ذلك فإن مفهوم الشهادة هو من المفاهيم التي قلما تخلو منها قصيدة بعد الغزو العراقي، وخاصة تلك التي تتحدث عن معاني المقاومة والفداء. ومن المسلّم به أن مفهوم الشهادة هو مفهوم إسلامي خالص، وإن تحول إلى مفهوم عالمي، لا ينفصل عن بقية المفاهيم. لذلك وجدت من الأنسب أن أتناول الشعر الذي يختص بمسائل دينية بحتة لا تشترك مع غيرها. من ذلك بيتان للشاعر عبد الله سنان يناجي بهما الباري جلاّ وعلا، إذ يقول:
يامَن يقولُ إذا قضى للشيءِ كنْ فيكونُ قبلَ تحرّكِ الأبصــــارِ
رُحماكَ إنّ الهمَّ أقلقَ راحتــــــــــي وشربتُ منهُ مرارةَ الأكدارِ
(مجلة الكويت، العدد 205، ص 42)
ويحث عبدالمحسن الرشيد الأمة على الرجوع الى التمسك بالدين الحنيف وبتعاليمه الهادية ليعود لها عزّها السابق، وكأنه يستلهم من قوله تعالى:« ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين » (آل عمران، 39). يقول الرشيد:
عودي إلى الدين تعودي كما كنتِ وثوبُ العزّ ضافي الذيولْ
(خداده، 2002، ص 21- 22)

وقد كتب شعراء الكويت في عدد من الأغراض الشعرية، هذه أهمّها:

الغزل وذكر المرأة:
يندر، أو يتعذر، أن نجد شاعراً لم يذكر المرأة. فالمرأة هي الزوجة والحبيبة والملهم والمؤنس في أكثر صورها؛ يشكو لها الشعراء ويشتكون منها، فهي رمز الحب ورسول الغزل. وقد تناول الشعراء مواضيع متعددة في هذا المجال وتحدثوا عن تجارب حب صادقة أو متخيّلة وعن إصرارهم على الحب ونظرة التقديس له وعن مكابدة الوجد والشوق والفراق ووصفوا المرأة حسياً وتغنوا بمفاتنها أو صنعوا لها هالة من التقديس. وقد استفاد عدد من الشعراء من موضوع المرأة كمقدمة للدخول في مواضيع اجتماعية أو وجدانية. الوقيان يصف حبيبته ويبين شوقه إليها، إذ يقول من قصيدة تحت عنوان (ليلى):
عيناكِ بحــــرٌ همسُهُ صَخَبُ يا فضةً قد شابَها ذهــبُ
والوردُ يغـــــفو مترفاً ثمـلاً في وجنتيكِ وعــرفُهُ لهبُ
(الوقيان، 1996، ص 177- 180)
وقد اهتم الشعراء كثيراً ببيان مكابدتهم للحب ولواعج الشوق. كما فعل محمد الفايز في قصيدة (لقاء في المنامة) مخاطباً حبيبته واصفاً التهاب الأشواق لديه مع البرود الذي يراه منها. (نخبة من الشعراء، 2000، ص 166)
ويبكي علي السبتي لغياب حبيبته، كأنه طفل يبكي لغياب امة، ثم يتساءل عن سبب ذلك الغياب ويشرح بعد ذلك علل شدة تعلقه بها واختلافها عن غيرها من الفتيات. يقول من قصيدة (النشيد الأخير):
وبكيتُ كالطفلِ الرضيعِ بكــى إذا أمّهُ غـابتْ عـنِ البلــدِ
(السبتي، 1980، ص 13)
وعلى العكس من السبتي، يؤكد يعقوب السبيعي رفضه للحب الذي لم يُنله ما يبتغي فتتغير طباعه وعاداته وتفارقه الرزانة ويجفوه الصبر ويقرر أن لن يشتاق الى حبيبته حين تفارقه بلا سبب وأنه سوف يتركها الى غير رجعة. يقول في قصيدة (ليلى):
لقد فارقتُ- منذُ الأمسِ- طبعي فما أنا بالذي يـــزدادُ لينا
ولستُ أنا الذي يحيــا ليفنى بلا غضبٍ، لكي يبدو رزينا
ولن أشتاقَ ليلى حين تنــأى بلا سببٍ، لكي اُبدي الحنينا
وداعاً يا التي عــوّدتِ قلبي عليكِ، فانّ بي مللاً دفينــا
وما انفصلتْ عيــونك عني ولكنّ الهوى ليسَ العيــونا
(السبيعي، 1985، ص 65)

الوصـــــــــــف:
لم يعالج شعراء الكويت المعاصرون الوصف كما عالجه القدماء وتعاملوا معه، حيث ركزوا اهتمامهم، كما فعل الشعراء الآخرون، على وصف حالات معينة؛ نفسية أو وجدانية أو اجتماعية أو غيرها. ولكننا قد نجد هنا أو هناك من حاول وصف الطبيعة أو مظاهرها كفاضل خلف الذي بهرته طبيعة (تونس) وعبد المحسن الرشيد الذي تنقل بين الكويت وإيران التي تتمتع بطبيعة جميلة خلابة.
قال فاضل خلف يصف طبيعة تونس الخضراء في قصيدة (خفقات قلب):
في تونسَ الخضراءِ بَيْـنَ الحُسْنِ والماءِ النميرْ
حيثُ الطبيعةُ تزدهي تجودُ بالفنِّ الوقورْ
حيثُ الجداولُ ترسلُ النَّـــغَماتِ أثناءَ الخريرْ
حيثُ الجبالُ الراسياتُ تتيهُ بالثلجِ الغزيرْ
حيثُ الأزاهرُ تملأُ الرَّحْبَ المضمَّخَ بالعبيرْ
(مجلة الكويت، العدد 206، ص 23)

المـــــــــــــدح:
قلما نعثر في شعر الكويت المعاصر على غرض المدح كما كان لدى الأقدمين. ولكن بعض شعراء الكويت مارسوا هذا اللون من الشعر لأهداف مختلفة. فعلي السبتي، مثلاً، لم يكن متكسباً بشعره، فقد ولى ذلك العهد ولا يمكن أن نراه الاّ في حثالة من عبيد السلطان وعبدة الطاغوت والسبتي لايمكن قرنه بهم أو إدراجه ضمنهم بأي وجه من الوجوه. إن السبتي تحركه المواقف التي يرى أن يسجلها لشخص ما، كما حدث بعدالغزو العراقي للكويت، حيث رأى في أمير الكويت، الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، بطلاً وطنياً ورمزاً لوحدة الارض والشعب في الكويت فعبّر عن ذلك في قصيدة قصيرة من ثمانية أبيات أسماها (الشعر لولا أنت)، قال في جانب منها:
جدّدتُ عهدَكَ واثقاً بكَ مؤمنـا وأتيتُ أُنشدُكَ القصيــدَ الأحسَنــا
بكَ تزدهي الدنيا فأنتَ وحيدُها وبكَ استحالَ الصعبُ أمـــراً ممكنا
(السبتي، 1997، ص 5- 6)
الرثــــــــــــــاء:
عندما فقد علي السبتي صديقه ومعلمه الشعري- إن صح التعبير- رثاه بقصيدة عصماء أظهر فيها توجعه لفقده، جعل عنوانها (الى قثيارة العرب الخالدة.. بدر شاكر السياب) وهو ما يفصح عن عظم المنزلة التي احتلها السياب لدى السبتي. يقول فيها:
اُريكَ ابتساماتي وفي القلبِ جمرةٌ تكـــادُ بها الأحشـاءُ أن تتلهبا
واُسمِعُكَ القولَ الجميلَ تأسّيـــاً وفي النفسِ جرحٌ كان مذ كانَ أشيبا
(السبتي، 1980، ص 46- 50)
الفخـــــــــــــــــر:
نحن هنا نقتصر على الفخر الفردي فقط، لأن الفخر بالدولة قد تناولناه في الشعر الوطني، والفخر بالعرب تناولناه في الشعر القومي. قال عبد المحسن الرشيد في مقدمة قصيدة (أفيقوا) مخاطباً زوجته (أم ماهر) مفتخراً:
أقلّي من عتابكِ أمَّ ماهِـــرْ ولا تخدعْكِ كاذبةُ المظاهـرْ
فإن يدنو من الخمسينَ عمري فلي عزمٌ تُفَلُّ بهِ البــواترْ
وإن لاحَ المشيبُ بشعرِ رأسي فما شابَ الفؤادُ ولا المشاعرْ
فإني ما عُهِدتُ إذا اكفهـرّتْ ركبتُ غمارَها والموجُ ثائرْ
اُعرّضُ للعواصف حرَّ صدري وأهزأُ من مزمجرةِ الأعاصِرْ
(خداده، 2002، ص 109)


النتيجة:
لقد سعت هذه المقالة الى التعريف بأهم المحاور التي يدور عليها الشعر الكويتي المعاصر والتي تمت الإشارة إليها في المقدمة. ويمكننا القول إن أهم النتائج التي توصل لها هذا البحث تتلخص في ما يلي:
1. لقد لعب البحر دوراً كبيراً في حياة الكويتيين في كافة نواحيها حتى يمكن القول إنه جعل منها حياة بحرية. وكان للصحراء دور أقل أهمية من دور البحر، ولكن لا يمكن تجاهله أو غضّ النظر عنه.
2. إن المسيرة المؤثرة للحركة الأدبية قد بدأت في العشرينات من القرن العشرين واستمرت حتى اليوم مارةً بمنتصف القرن العشرين لتتزود منه بأهمّ التيارات الثقافية والفكرية والسياسية.
3. خاض شعراء الكويت في مختلف الموضوعات والأغراض ولكن بنسب مختلفة. حظيت الاهتمامات القومية، وفلسطين بالذات، بحصة الأسد، ليأتي المجتمع بعد ذلك، وأقل حصة كانت من نصيب الشعر السياسي. وعلى صعيد أغراض الشعر، كان للمرأة القدح المعلى، وللفخر الصُبابة.
4. المجتمع هو الهمّ الذي يؤرّق شعراء الكويت على اختلاف مذاهبهم. فكانوا يراقبون تحركات مختلف قطاعاته ويرصدون الظواهر السلبية، محاولين القضاء عليها عن طريق شنّ حرب شعواء ضدّها أو تحجيمها إذا لم يتسنَّ لهم ذلك. وكانوا ينصحون مرة ويحذّرون أخرى ويتململون ثالثة.
5. قضية فلسطين هي مركز الاهتمامات القومية لشعراء الكويت، وقلما نجد شاعراً قد مرّ من أمامها مرور الكرام، او لم يُدلِ فيها برأي. ومن خلال متابعتنا للشعر القومي الكويتي ـ إن صحّ التعبير ـ رأينا تسلسلاً تاريخياً مع أحداث القضية الفلسطينية، أو تسجيلاً لتاريخها.

المصادر
القرآن الكريم
الكتب:
1. خداده، سالم عباس. عبد المحسن الرشيد؛ الشاعر والشعرية، رابطة الادباء في الكويت، الطبعة الثانية، سبتمبر 2002م، الكويت.
2. زيد الحرب، غنيمة. أجنحة الرمال، مطابع الخط، الطبعة الأولى، 1993، الكويت.
3. السبتي، علي. أشعار في الهواء الطلق، مطابع دار السياسة، الطبعة الأولى، 1980، الكويت.
4. السبتي، علي. بيت من نجوم الصيف، شركة الربيعان للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1982، الكويت.
5. السبتي، علي. وعادت الأشعار، الطبعة الأولى، 1997، الكويت.
6. السبيعي، يعقوب. مسافات الروح، شركة الربيعان للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1985، الكويت.
7. السقاف، أحمد. نكبة الكويت، دار قرطاس للنشر، الطبعة الأولى، 1996، الكويت.
8. صالح، ليلى محمد. أدباء وأديبات الكويت، رابطة الأدباء في الكويت، الطبعة الأولى، 1416هـ ــ 1996م، الكويت.
9. الوقيان، خليفة. ديوان مختارات، دار الآداب، الطبعة الأولى، 1996، بيروت.
المجلات:
1. مجلة العربي، العدد 515، اكتوبر 2001م.
2. مجلة الكويت، العدد 205، 5 شعبان 1421 هـ ــ 1 نوفمبر 2000م.
3. مجلة الكويت، العدد 206، 4 رمضان 1421هـ ــ 1 ديسمبر 2000م.
4. مجلة الكويت، العدد 214، 12 جمادى الاولى 1422 هـ ــ 1 اغسطس 2001م.
5. مجلة الكويت، العدد 217، 16 شعبان 1422 هـ ــ 1 نوفمبر 2001م.


The Contemporary Arabic Poetry in Kuwait

By: Shaker Amery
University of Semnan

This article consists of several basic sections. The first section considers, in brief, the movement of cultural associations in Kuwait, which began in 1920s, continued in 1950s and strengthened after Independence in 1962. The section, also, mentions the factors of the rapid growth of the Kuwaiti cultural movement. The second section contains a list of the Kuwaiti poets and poetesses. The third section discusses the subjects of the Kuwaiti poetry; the society, the central mater of the Arabic world; Palestine. The historical sequence is considered here.

Key words:
The contemporary poetry, the cultural movement, Sea, Desert، Society, Palestine, The Arabs.





المواضيع المشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تاريخ الجزائر المعاصر - محمد العربي الزبيري AvilmA كتب تاريخية 2 04-02-2015 08:47 AM
الكويت يفشل في استعادة الصدارة من العربي ALAA رياضة - أندية كرة القدم - بطولات دولية - بطولات عربية 3 04-10-2014 06:23 PM
صبغات الشعر,كويتيات,صالون الكويت,العنايه بالشعر ACCS أدوات ومستحضرات التجميل والماكياج - قسم العناية بالجسم والشعر والبشرة 0 23-03-2014 04:43 PM
فرد وتمليس الشعر بالكيراتين والتجميل بالمنزل- الكويت smoaa بيع وشراء منتجات ومقتنيات وبضائع 0 22-03-2014 12:08 AM
موقع به أكثر من 6 ملايين مقالة علمية كاملة فهد الأحمد التطبيقات الهندسية 14 06-04-2005 10:42 PM

 


مقالة علمية حول الشعر العربي المعاصر في الكويت

English

Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.