بغداد - خدمة قدس برس في 4 يناير/ ولد الفراغ الأمني الذي خلفه الاحتلال الأمريكي للعراق فوضى عارمة في كل شيء، فالأمن الذي كان يعد واحدا من أهم دعامات النظام العراقي السابق، بات في حكم المفقود تماما .. جرائم قتل وتصفية بالجملة أعقبت الاحتلال. المئات من العراقيين قتلوا بتهم شتى، ولا أحد يحقق في تلك الجرائم، أو يتقصى حقيقتها، وهكذا فقد قيدت معظم الجرائم ضد مجهول، مما دفع الكثير من العراقيين إلى التفكير في الهجرة الاضطرارية، للخلاص من جحيم بلد تحول فيه كل شيء إلى ما يشبه الغابة، فاللغة السائدة هي القتل، وكاتم الصوت حقق الريادة في عراق ما بعد الاحتلال.
وكان الفصل الأكثر سوداوية في كل عمليات القتل، التي جرت وتجري، هي عمليات اغتيال وتصفية العقول العراقية، سواء تلك المختصة في مجال العلوم الطبيعية، بل وحتى العلوم الإنسانية، حيث تجري عمليات القتل والتصفية والتهجير بلا تمييز، ناهيك عن تعرض الكثير من أطباء العراق إلى حملة محمومة، أدت إلى مقتل عدد منهم، واختطاف عدد آخر، وهجرة الكثيرين.
وحسب آخر إحصائية صادرة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فإن بين خمسين وستين أستاذا جامعيا عراقيا متخصصا في العلوم الطبية والنووية والحياتية والإنسانية قتلوا في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق.
أما الرقم الإجمالي للعلماء العراقيين، الذين تم اغتيالهم فقد وصل إلى 315 عالما.
وتتهم مصادر عراقية مستقلة فرقا إسرائيلية متخصصة بالاغتيالات بالوقوف خلف اغتيال العلماء العراقيين.
وتعرض أضعاف هذا العدد من العلماء إلى عمليات اختطاف، انتهت لقاء مبالغ مالية ضخمة جدا، مع الطلب من هذا العالم أو الطبيب أن يغادر البلاد لأنه سيعرض نفسه للقتل، إن فضل البقاء في البلاد.
وكان من بين هؤلاء الطبيب المعروف وليد الخيال، صاحب مستشفى من أقدم المستشفيات في المنطقة العربية، متخصصة في زرع الكلى، والدكتور عبد الهادي الخليلي، وكلاهما تعرض للخطف، ودفع مبالغ مالية ضخمة، مقابل الإفراج عنه، مما اضطرهما إلى مغادرة العراق.
ويقول الدكتور فراس العتابي المتخصص بطرائق التدريس "أعتقد أن العمليات التي استهدفت الكوادر العلمية في العراق هي عمليات منظمة .. كل عمليات القتل التي تعرض لها الأساتذة والعلماء كانت عمليات تجري بأساليب متشابهة، وليس لها دافع مادي كما يحصل في الغالب، كما أنها ليست عمليات انتقامية، بسبب تصرفات سابقة، كما حصل مع بعض البعثيين، وإنما السبب الوحيد كان عمليات تهجير تلك العقول إلى خارج البلد، وإفراغ العراق من هؤلاء". وأضاف يقول لوكالة "قدس برس" بقلق إن "أغلب العلماء غادروا العراق، مما ولد حالة من الفراغ العلمي في الجامعات العراقية .. المشكلة أننا إلى الآن لم نجد أي خيط يمكن أن يدلنا على الفاعلين".
وفي هذا الصدد تتحدث بعض التقارير عن أن هناك مشروعا أمريكيا إسرائيليا يهدف إلى إفراغ العراق من الكفاءات العلمية.
وتؤكد تقارير لوزارة الهجرة والمهجرين أن العشرات من الكفاءات العلمية التي غادرت البلد، وجدت أمامها فرصا للعمل في وحدات تابعة للجيش الأمريكي مقابل مبالغ مغرية، كما أن أعداد العراقيين المهاجرين بعد الاحتلال الأمريكي والتي توجهت إلى الدول الاسكندنافية وكندا عرضت عليهم مغريات مادية كبيرة، مقابل تغيير ديانتهم.
ولم تخف دوائر المهجرين والمهاجرين مخاوفها من وجود تنسيق مشترك بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وربما مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ومقرها في عمان في الأردن، خاصة وأن هذه المفوضية تقوم بانتقاء العناصر العراقية ومنحها اللجوء في هذا البلد أو ذاك.
وقد اغتيل قبل نحو أسبوع الدكتور حسن الربيعي معاون العميد في كلية الطب التابعة لجامعة بغداد. وتدل ظروف القتل وملابسات الاغتيال على أن الفاعل هو ذاته الذي سبق أن اغتال علماء وأستاذة عراقيين سابقين، مما يرفع وتيرة المخاوف من عمليات أخرى يجري الإعداد لها في الظلام، من أجل قتل أو تهجير العقول، التي طالما كان العراق يباهي بها الأمم والدول.
ومعروف أن عمليات تهجير العلماء العراقيين لم تكن وليدة الاحتلال، حيث سبق أن تعرض العديد منهم إلى عمليات تهجير سابقة، بسبب الوضع الاقتصادي الصعب الذي وضع فيه العراق إبان فترة الحصار، الذي فرض على البلاد في مرحلة التسعينيات من القرن الماضي، كما أن بعض العلماء العراقيين من المتخصصين في علم الذرة تعرضوا إلى ضغوط كثيرة من أجل دفعهم للهجرة، في فترة وجود المفتشين الدوليين في العراق، قبل الحرب، وذلك عندما عرض عليهم المفتشون الدوليون توفير ضمان الهجرة إلى أمريكا مقابل إفشاء الأسرار النووية العراقية.
كما أن عدد من هؤلاء عرضت عليهم مناصب في الولايات المتحدة، مع ضمان سفرهم إليها، مقابل إفشاء أسرار البرنامج النووي العراقي، وهو الأمر الذي صار يطرح على هؤلاء العلماء بشكل علني بعد الاحتلال الأمريكي، سواء بالترغيب أو بالترهيب، حتى أن مجلس الشيوخ الأمريكي سن قانونا يتحدث عن منح البطاقة الخضراء الأمريكية لعلماء عراقيين يوافقون على إفشاء أسرار البرنامج النووي العراقي.