أُعلن بصفة رسمية عن تسليم وفاء قسطنطين -التي كانت زوجة لأحد القساوسة- إلى الكنيسة، وإيداعها دير وادي النطرون الذي يعتكف فيه رأس الكنيسة القبطية البابا شنودة الثالث تديناً حيناً، وسياسة حيناً آخر. فهو إذا أراد الوحدة والخلوة الروحية ذهب إلى هذا الدير، وإذا ألمَّ به أمر يغضبه، أو كان له مطلب يريد من الحكومة تلبيته اعتكف فيه إلى أن يلبى مطلبه أو يذهب غضبه.
والمسألة التي شغلت مصر كلها، وبقاعاً كثيرة أخرى في العالم المهتم بها، أن وفاء قسطنطين التي ذهبت بمحض إرادتها إلى الجهات المختصة عرفاً لإشهار إسلامها، وأشيع ـ مع العلم اليقيني بعدم صحة ذلك ـ أنها قد اختطفت وأُكرهت على الإسلام؛ وأشيع ـ مع العلم اليقيني بعدم صحة ذلك أيضاـ أنها وقعت في أحابيل علاقة غرامية مع مسلم أغـراها بالزواج؛ وأشـيع ـ مع العلم اليقيني بعدم صحة ذلك أيضاـ أن إمام أحد المساجد في بلدة أبو المطامير مهتم بدعوة النساء المسيحيات إلى الدخول في الإسلام، وأنه هو الذي أغراها بترك الدين الذي ولدت عليه إلى دينها الجديد...
وتكاثرت الشائعات حتى ولّدت الفتنة التي أصيب فيها (55) من رجال الأمن منهم خمسة من الضباط، واعتدي بالضرب على صحفي وانتزعت منه آلة تصويره وبطاقته المهنية، وبالتهديد على صحفية وانتزع منها المسجّل الذي كانت تسجل عليه حوارات مع بعض المتظاهرين ورجال الدين في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية ولولا أنْ حَمَاها رجل قبطي أخذ يصيح في المحاولين الإمساك بها: (إنها أختي.. إنها أختي) ثم هرب بها من باب خلفي للقاعة الكبرى لأصابها ما أصاب الصحفي من الاعتداء البدني (الصحفي هو مصطفى سليمان من الأسبوع، والصحفية هي نشوى الديب من العربي).
وفي النهاية أودعت وفاء قسطنطين أحد البيوت المخصصة للسيدات الراغبات في الالتحاق بسلك الرهبنة الأرثوذكسية النسائية، التي يرجع إلى البابا شنودة الثالث فضل إحيائها في مصر بعد أن كانت قد أوشكت على الانقراض (بيت المكرَّسات)، وأخذ يتردد عليها عدد من كبار رجال الكنيسة (ليعظوها)، وآل الأمر إلى أخذها إلى نيابة عين شمس (ولا أدري ما وجه اختصاصها؟!) لتسجل في محضر موثق أنها مسيحية وأنها لم تسلم من قبل، وصرفتها النيابة من دارها.. ليأخذها رجال الكنيسة إلى ديرها. ونشرت الصحف (المصري اليوم: 16/12/2004) أنه احتفل بعودتها إلى الكنيسة ووصولها إلى الدير بأن استقبلها البابا، وَوُزِّعَ جاتوه صيامي ومشروبات غازية محفوظة!!
هل هذه هي خلاصة القصة ونهايتها؟ أم هذه هي البداية التي لم تتم فصولها بعد؟
هذا علمه عند الله وحده. لكن الذي يدخل في علمنا، ويقع في مقدورنا، ويجب علينا هو أن نُجيل النظر فيما حولنا، بل فيما نحن فيه من حال هو حديث كل مجلس، ومحور كل لقاء، وشاغل كل بيت. وهو حال تعبر عنه أسئلة عديدة تنظر إلى وفاء قسطنطين وقصتها من مختلف زواياها، وهي أسئلة مشروعة تحتاج إلى إجابات صريحة صحيحة، وذلك ما تحاول هذه السطور صنع ما تستطيع في سبيل بيانه.
تساؤل عن حق الاعتقاد
* السؤال الأول: يدور حول حق الاعتقاد، وحرية الاختيار فيه ومن الذي يملك القرار في شأنه، وهو سؤال لا يثور في الفراغ الفلسفي أو الفكري الذي قد يثار فيه مثله من الأسئلة، لكنه يقوم اليوم ليجاب عنه في الواقع المصري الديني والقانوني.
- الإجابة القانونية عن هذا السؤال نجدها في نص المادة (46) من الدستور المصري التي تقول: «تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية». ونجدها في أحكام محكمة النقض التي تواترت على أن «للشخص أن يغير دينه أو مذهبه أو طائفته وهو في هذا ـ وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض ـ مطلق الإرادة تحقيقاً لمبدأ حرية العقيدة طالما قد توافرت له أهلية الأداء، واستخلاص هذا التغيير من مسائل الواقع التي يستقل بها قاضي الموضوع».[1]
والسؤال الذي يثيره إخواننا الأقباط، ويثيره المسيحيون الغربيون، عند كل حديث عن حرية العقيدة في مصر هو سؤال الدين، لا سؤال الدستور والقانون، وسؤال الدين عندهم يعني: هل يقبل المسلمون أن يخرج من دينهم أحد إلى المسيحية دون أن يعتبر (مرتداً) تطبق عليه أحكام المرتد المقررة في الفقه الإسلامي؟ وإذا كانوا لا يقبلون ذلك فما جدوى النصوص الدستورية والأحكام القضائية؟.
والجواب ـ بقدر ما يتسع له المقام هنا[2] ـ هو أن الإسلام ـ الدين ـ لا يُكْرَهُ عليه أحد، لا ابتداءً ـ بقبول الدخول فيه رغماً عنه ـ ولا بقاءً ـ بالاستمرار على اعتناقه وهو كاره ـ والقرآن الكريم صريح في ذلك صراحة لا مرد لها. ففيه قول الله تعالى:
{لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} [البقرة: 256].
ومعنى الآية أن الدين ليس ما تظاهر به الإنسان أو أُكرِهَ عليه، لكن الدين هو الذي ينعقد عليه القلب. واستعمال القرآن الكريم تعبير (في الدين) يعني أن الإكراه لا يجوز في أمر الدين كله، أيَّ دين كان: فلا إكراه في العقيدة للإيمان بها أو الردة عنها، ولا إكراه في الشعائر لإقامتها أو للكف عنها، ولا إكراه في الشرائع لاتباعها أو مخالفتها. ولذلك قال العلماء: إن (لا) في هذه الآية تفيد النهي عن الإكراه، كما تفيد نفي إمكان وقوعه، وتفيد الإخبار بأن أمر الدين كله مبناه الاختيار والتمكين. وقالوا: إن هذه الآية تماثل قول الله تعالى {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [جزء من الآية 29 من سورة الكهف].
وقوله تعالى {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99][3].
والذين يخرجون عن دين الإسلام إلى دين غيره لا يُعترض على مجرد تغييرهم دينهم لكن يعترض على دعوتهم من كانوا معهم على الإسلام إلى الدين الذي اختاروه بدلاً منه، لأن هذه الدعوة تدخل تحت مسّمى الفتنة في الدين التي يحرمها القرآن الكريم ويصفها بأنها (أشد من القتل) و(أكبر من القتل) [البقرة: 191 و217]. وكذلك لا يجوز للمسلم، الذي كان يدين بدين آخر، أن يكون داعية للإسلام بين أهل هذا الدين درءًا للفتنة سواءً بسواء.
ولذلك قلت منذ سنين ـ وأخذ الذين سألوني بقولي ـ إنه لا يجوز أن تسوَّق في مصر ـ ولا في أي بلد متعدد الديانات ـ الأشرطة المسجَّلة عليها مناظرات الأستاذ أحمد ديدات مع بعض رجال الكنيسة البروتستانتية الأمريكيين. ولم توزع هذه الشرائط في مصر منذ ذلك الحين. ونصحت، مَنْ قَبِلَ نصيحتي، بعدم نشر شرائط عليها تسجيلات صوتية لبعض القساوسة الذين أسلموا، من أهل السودان، وسجلوا تجاربهم الإيمانية على تلك الشرائط، ولم تنشر هذه الشرائط، ولم توزع في مصر حتى الآن.
أقول ذلك علانية؛ وأنا أعلم مدى الألم الذي يصيب ملايين المسلمين الذين يشاهدون محطة فضائية يظهر فيها يوميًّا شخص يزعم أنه كاهن قبطي يهاجم القرآن الكريم ورسول الله محمد صلى الله عليه وسلَّم، ويسب الإسلام بأحط ألفاظ السباب، وأقول لمن يحدثني في أمره: {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد:17].