إن السياسة الأمريكية الحالية، والتي ستستمر لفترةليست بالقليلة، لها أهداف واضحة في السيطرة على الشرق العربي، والدول الإسلامية،بطريقة أو أخرى، سياسية كانت أو عسكرية. ولهذا السبب فإن مصممي السياسة الأمريكية،يحاولون أن يضعوا صورة "براقة" وهي "فرض الديمقراطية على شعوب المنطقة" كهدف أساسيللتحرك الأمريكي في هذا الاتجاه، في محاولة منهم كسب تأييد البعض في الشارع العربي. ولقد بدأنا نسمع فعلاً، من عدد من المثقفين العرب، أن هذا الشعار مهم، وتحقيقه أهمطالما أن الشعوب العربية قبلت (مرغمة أو غير مرغمة) بالأوضاع التي تعيشها، وأنها لنتتحرك من أجل الوصول إلى الديمقراطية الحقيقية، لأن ذلك معناه المواجهة مع الأنظمةالقائمة، فلربما يجب قبول فكرة استيراد من يطبق الديمقراطية.
وسمعنا من أكثر منمثقف عربي يقول: إن الأمة العربية أخذت الكثير من الغرب، فلماذا عندما يتحدثون عن "تطبيق الديمقراطية" يصبح الوضع ملتهباً، ومرفوضاً؟ و هذا السؤال في غاية الأهمية فينظري ويجب ألا نتجاهله.
أولاً، يجب أن نعرف أن التعامل بين الدول هو تعاملمصالح، ولا أحد يفعل حسنات لوجه الله تعالى. فعندما تتحدث الولايات المتحدة عنديمقراطية في العالم العربي والإسلامي، فإنها تعني تغيير الأنظمة القائمة، وإقامةأنظمة متجانسة معها مغلفة بغلاف "الديمقراطية"، كما هو الحال في أفغانستان، وماتتوقعه في العراق، وربما في فلسطين أيضاً وبالتالي تستطيع أن تتحدى الأنظمة العربيةالتي كانت دائماً متعاطفة مع الولايات المتحدة، والغرب، لأنه لم يعد بمقدور أمريكاالدفاع عن هذه الأنظمة وتبرير عدم "ديمقراطيتها".
ثانياً: فمن مصلحة أمريكا فرضسيطرتها على منطقة الشرق الأوسط، بصفتها منطقة استراتيجية عسكرياً واقتصادياً. فعلىمر التاريخ كانت دول العالم تتصارع على فرض سيطرتها على هذه المنطقة، بما في ذلكالولايات المتحدة التي عملت على إقامة دولة إسرائيل، في نفس الوقت اتخاذ موقف حازممن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حيث أجبرت كلا من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل،على الانسحاب من منطقة القنال، ومن سيناء وقطاع غزة، لأن مصلحتها كانت تتطلب في ذلكالوقت اقتلاع فرنسا وبريطانيا من المنطقة، وغرست مخالبها هي فيها.
ثالثاً: فقداستطاعت أمريكا، وبمساعدة بعض الدول الغربية، من انتزاع مصالح العرب التي يمكن منخلالها المقايضة فيها، وذلك بعد أن أقنعت الكثير من الأنظمة العربية أن أمريكاوالغرب هما الحارس الأمين عليها وعلى مصالحها، وأنه بدون هذه الحراسة ستقع هذهالأنظمة فريسة ليست لجيرانها فحسب، بل لشعبها أيضاً. وبالتالي نجحت أمريكا في الفصلبين الشعب وحكامه. وسقط الكثيرون من الحكام العرب في هذا الفخ. فبدلاً من أن يكوناعتمادهم على شعبهم، أصبح اعتمادهم على القوى الأجنبية في حمايتهم.
رابعاً: أدىهذا التحرك إلى خسارة الأنظمة العربية لاحترامها أمام دول العالم، وأصبحت عبارة عنأحجار في لعبة الشطرنج الغربية يحركها الغرب كيفما يشاء.
خامساً: أصبح الدمالعربي مباحاً ورخيصا، وحرمات العرب مباحة، ومقدساتهم مباحة، والعالم بأسره يقفمتفرجاً على من لا يستطيع الدفاع عن نفسه وشرفه ومقدساته، أو تحدي مواقف الدول التيتقوم بذه الممارسات ضده، سوى بالكلام الضخم والبيانات الصارخة، والتصريحات الرنانةفقط
سادساً: استطاع الاستعمار الأمريكي، من انتزاع الخطاب العربي، وسكب الأمورفي الأطر الطائفية والمذهبية، مما جعل بعض قادة هذه الطوائف والمذاهب، أن تقنعالاستعمار الجديد، أن دعمه لها سيكون رمز انتصاره هو في المنطقة.
فالسكوت المطبقمن جانب الدول العربية والإسلامية، على ما يحدث في العراق وفلسطين، يصب أيضاً داخلبوتقة التحرك الاستعماري الأمريكي ومخططاته. وهذا لا يعني أن الدول العربية أصبحتفي مأمن من أن تقوم الولايات المتحدة، وربما دول غربية أخرى، من ممارسة مثل هذهالأعمال ضدها، مهما كانت صديقة لأمريكا، لأن الدنيا، كما سبق وقلنا، مصالح.
فماهي المصالح التي تحاول الدول العربية مقايضتها مع المصالح الأمريكية؟ لا أعتقد أنلدى هذه الدول ما تقايض به في الوضع الراهن، طالما أنها تسير على النهج القديم، لأنالسيطرة الأمريكية مكتسحة، واستطاعت نزع فتيل المقايضة العربية. ولكن هذا لا يعنيأنه لا يمكن العودة إلى اتخاذ مواقف تجعل الغرب، بما فيه أمريكا، يعيد النظر فيمجريات الأحداث
فالتنسيق العربي الجاد، واتخاذ المواقف الجادة يمكن لها أنتثمر، وأن تضع حداً للاستهتار الأمريكي بالعرب، وفي مقدمة ذلك انعاش الخطاب العربيالقومي، وأهدافه السامية، الداعية إلى التحرر ومحاربة الاستعمار. ويمكن أيضاً، علىسبيل المثال، لا الحصر، زيادة الاستثمارات العربية في الوطن العربي نفسه، أو في دولأكثر صداقة
للعرب
لقد حان لأهل الكهف أن يستيقظوا قبل أن تضيع كل الأمور إلىالأبد