أستغفر الله العظيم ... سبحان الله وبحمده



العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > المنتدى الاسلامي


مواضيع مميزة  


آخر عشرة مواضيع المواضيع النشطة


25-07-2013, 10:31 PM
دنيا المشاعر غير متصل
عضو فعال
رقم العضوية: 340035
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 51
إعجاب: 39
تلقى 15 إعجاب على 7 مشاركة
تلقى دعوات الى: 0 موضوع
    #1  

ثلاثون سببا ونيف للخشوع في الصلاة-بتصرف للشيخ محمد المنجد.


الحمد لله رب العالمين، الذي قال في كتابه المبين: [وقوموا لله قانتين]، وقال عن الصلاة: [وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين] والصلاة والسلام على إمام المتقين وسيد الخاشعين محمد رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
فإن الصلاة أعظم أركان الدين العملية، والخشوع فيها من المطالب الشرعية، ولما كان عدو الله إبليس قد أخذ العهد على نفسه بإضلال بني آدم وفتنتهم، وقال: [ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم] صار من أعظم كيده صرف الناس عن الصلاة بشتى الوسائل، والوسوسة لهم فيها لحرمانهم لذة هذه العبادة وإضاعة أجرهم وثوابهم، ولما كان الخشوع أول ما يرفع من الأرض ونحن في آخر الزمان، انطبق فينا قول حذيفة-رضي الله عنه-: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورُب مصلٍ لا خير فيه، ويوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيهم خاشعا. (المدارج 1/521).
ومما يلمسه المرء من نفسه ويسمعه من كثرة المشتكين من حوله بشأن قضية الوساوس في الصلاة وفقدان الخشوع؛ تتبين الحاجة إلى الحديث عن هذا الموضوع، وفيما يلي تذكرة لنفسي ولإخواني المسلمين أسأل الله أن ينفع بها:
فقد قال الله -سبحانه وتعالى-: [قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون].
أي خائفون ساكنون و"الخشوع هو السكون والطمأنينة والتؤدة والوقار والتواضع والحامل عليه الخوف من الله ومراقبته". (تفسير ابن كثير ط. دار الشعب 6/414)والخشوع هو قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل. (المدارج 1/520)
ويروى عن مجاهد قال: (قوموا لله قانتين): "فمن القنوت: الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح من رهبة الله -عز وجل-". (تعظيم قدر الصلاة 1/188).
ومحل الخشوع في القلب وثمرته على الجوارح.
والأعضاء تابعة للقلب، فإذا فسد خشوعه بالغفلة والوساوس فسدت عبودية الأعضاء والجوارح؛ فإن القلب ملك الأعضاء، والأعضاء جنود له؛ فبه يأتمرون وعن أمره يصدرون، فإذا عُزل الملك وتعطل بفقد القلب لعبوديته ضاعت الرعية وهي الأعضاء.
والتظاهر بالخشوع ممقوت مكروه، ومن علامات الإخلاص:
إخفاء الخشوع:
كان حذيفة-رضي الله عنه-يقول: "إياكم وخشوع النفاق!" فقيل له: وما خشوعُ النفاق قال: "أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع". وقال الفضيل بن عياض-رحمه الله تعالى-: "كان يُكره أن يُري الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه". ورأى بعضهم رجلا خاشع المنكبين والبدن فقال: يا فلان، الخشوع هاهنا وأشار إلى صدره، لا ها هنا وأشار إلى منكبيه. (المدارج 1/521).
وقال ابن القيم-رحمه الله تعالى-مبينا الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق: "خشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء، فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل والخجل والحب والحياء، و شهود نعم الله وجناياته هو، فيخشع القلب لا محالة فيتبعه خشوع الجوارح. وأما خشوع النفاق فيبدو على الجوارح تصنعا وتكلفا والقلب غير خاشع، و كان بعض الصحابة-رضي الله عنهم-يقول: "أعوذ بالله من خشوع النفاق"، قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: "أن يُرى الجسدُ خاشعا والقلبُ غير خاشع". فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته، وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر وأشرق فيه نور العظمة" فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي حشي به، وخمدت الجوارح، وتوقر القلب واطمأن إلى الله وذكره، بالسكينة التي نزلت عليه من ربه، فصار مخبتا له، والمخبت المطمئن، فإن الخبت من الأرض ما اطمأن فاستنقع فيه الماء، فكذلك القلب المخبت، قد خشع واطمأن كالبقعة المطمئنة من الأرض، التي يجري إليها الماء فيستقر فيها، وعلامته أن يسجد بين يدي ربه، إجلالا له وذلا وانكسارا، سجدة لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه. فهذا خشوع الإيمان، وأما القلب المتكبر فإنه قد اهتز بتكبره وربا، فهو كبقعة رابية من الأرض لا يستقر عليها الماء.
وأما التماوت وخشوع النفاق فهو حال عند تكلف إسكان الجوارح تصنعا ومراءاة، ونفسه في الباطن شابة طرية، ذات شهوات وإرادات، فهو يتخشع في الظاهر، وحية الوادي وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة". (كتاب الروح ص:314 ط. دار الفكر-الأردن).
"والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين كما قال النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-: "...وجعلت قرة عيني في الصلاة" (تفسير ابن كثير 5/456 والحديث في مسند أحمد 3/128 وهو في صحيح الجامع 3124)
وقد ذكر الله الخاشعين والخاشعات في صفات عباده الأخيار، وأخبر أنه أعد لهم مغفرة وأجرا عظيما (سورة الأحزاب 35).
ومن فوائد الخشوع أنه يخفف أمر الصلاة على العبد قال سبحانه وتعالى-: [واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين] والمعنى: أي مشقة الصلاة ثقيلة إلا على الخاشعين. (تفسير ابن كثير 1/ 125).
والخشوع أمر عظيم شأنه، سريع فقده، نادر وجوده خصوصا في زماننا وهو من آخر الزمان، قال النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-: "أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترى فيها خاشعا". (قال الهيثمي في المجمع 2/136: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن وهو في صحيح الترغيب رقم 543 وقال: صحيح).
"قال بعض السلف: الصلاة كجارية تُهدى إلى ملك الملوك، فما الظن بمن يُهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد والرجل، أو مريضة أو دميمة أو قبيحة، حتى يهدي إليه جارية ميتة بلا روح!.. فكيف بالصلاة يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى؟ والله طيب لا يقبل إلا طيبا وليس من العمل الطيب: صلاة لا روح فيها. كما أنه ليس من العتق الطيب عتقُ عبدٍ لا روح فيه". (المدارج 1/526)
حكم الخشوع:
والراجح في حكم الخشوع أنه واجب. قال شيخ الإسلام-رحمه الله تعالى-: قال الله -سبحانه وتعالى-: [واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين] وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين..، والذم لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محرم، وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع..، ويدل على وجوب الخشوع فيها أيضا قولُه -سبحانه وتعالى-: [قد أفلح المؤمنون*الذين هم في صلاتهم خاشعون*]-إلى قوله-[أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون]. أخبر-سبحانه وتعالى-:أن هؤلاء هم الذين يرثون فردوس الجنة، وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم.. وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبا، وهو المتضمن للسكون والخضوع، فمن نقر نقر الغراب لم يخشع في سجوده، وكذلك من لم يرفع رأسه في الركوع ويستقر قبل أن ينخفض لم يسكن؛ لأن السكون هو الطمأنينة بعينها، فمن لم يطمئن لم يسكن، ومن لم يسكن لم يخشع في ركوعه ولا في سجوده، ومن لم يخشع كان آثما عاصيا،.. ويدل على وجوب الخشوع في الصلاة أن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-توعد تاركيه كالذي يرفع بصره إلى السماء فإن حركته ورفعه هو ضد حال الخاشع.. (مجموع الفتاوى 22/553-558).
وفي فضل الخشوع ووعيد من تركه يقول النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-: "خمس صلوات افترضهن الله تعالى، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن، كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل، فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه". (رواه أبو داود رقم 425 وهو في صحيح الجامع 3242).
وقال-صلى الله عليه وآله وسلم-في فضل الخشوع أيضا: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يُقبل عليهما بقلبه ووجهه"-وفي رواية: "لا يحدث فيهما نفسه"-غفر له ما تقدم من ذنبه-وفي رواية إلا وجبت له الجنة-" (البخاري ط. البغا رقم 158 والنسائي 1/95 وهو في صحيح الجامع 6166).
وعند البحث في أسباب الخشوع في الصلاة يتبين أنها تنقسم إلى قسمين:
الأول: جلب ما يوجد الخشوع ويقويه. والثاني دفع ما يزيل الخشوع ويضعفه. وهو ما عبر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- في بيانه لما يعين على الخشوع فقال:
"والذي يعين على ذلك شيئان: قوة المقتضى و ضعف الشاغل.
أما الأول: قوة المقتضى:
فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله و ما يفعله، ويتدبر القراءة والذكر والدعاء، ويستحضر أنه مناجٍ لله-سبحانه وتعالى-كأنه يراه. فإن المصلي إذا كان قائما فإنما يناجي ربه.
و"الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد، وهذا يكون بحسب قوة الإيمان.
والأسباب المقوية للإيمان كثيرة، ولهذا كان النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-يقول: "حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة"، وفي حديث آخر قال: "أرحنا بالصلاة يا بلال" ولم يقل: أرحنا منها.
أما الثاني: زوال العارض:
فهو الاجتهاد في دفع ما يشغل القلب من تفكر الإنسان فيما لا يعنيه، و تدبر الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة، وهذا في كل عبد بحسبه، فإن كثرة الوسواس بحسب كثرة الشبهات والشهوات، وتعليق القلب بالمحبوبات التي ينصرف القلب إلى طلبها، والمكروهات التي ينصرف القلب إلى دفعها. (مجموع الفتاوى 22/606-607).
وبناء على هذا التقسيم نستعرض فيما يلي طائفة من أسباب الخشوع في الصلاة تذكر إجمالا ثم يفصل القول فيها قليلا بعد وهي:
(1)الاستعداد للصلاة والتهيؤ لها، (2)الطمأنينة في الصلاة، (3)تذكر الموت في الصلاة، (4)تدبر الآيات المقروءة وبقية أذكار الصلاة والتفاعل معها، (5)أن يقطع قراءته آية آية، (6)ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها، (7)أن يعلم أن الله يُجيبه ويكلمه في صلاته، (8)الصلاة إلى سترة والدنو منها، (9)وضع اليمنى على اليسرى على الصدر، (10)النظر إلى موضع السجود، (11)تحريك السبابة، (12)التنويع في السور والآيات والأذكار والأدعية في الصلاة، (13)أن يأتي بسجود التلاوة إذا مر بموضعه، (14)الاستعاذة بالله من الشيطان، (15)التأمل في حال السلف في صلاتهم، (16)معرفة مزايا الخشوع في الصلاة، (17)الاجتهاد بالدعاء في مواضعه في الصلاة وخصوصا في السجود، (18)الأذكار الواردة بعد الصلاة، (19)إزالة ما يشغل المصلي من المكان، (20)ألا يصلي في ثوب فيه نقوش أو كتابات أو ألوان أو تصاوير تشغل المصلي، (21) ألا يصلي وهو حاقن أو حاقب، (22)ألا يصلي وقد غلبه النعاس، (23)أن لا يصلي خلف المتحدث أو (النائم)، (24)عدم الانشغال بتسوية الحصى، (25)عدم التشويش بالقراءة على الآخرين، (26)ترك الالتفات في الصلاة، (27)عدم رفع البصر إلى السماء، (28)أن لا يبصق أمامه في الصلاة، (29)مجاهدة التثاؤب في الصلاة، (30)عدم الاختصار في الصلاة، (31)ترك السدل في الصلاة، (32)ترك التشبه بالبهائم.
أولا: الحرص على ما يجلب الخشوع ويقويه.
وهذا يكون بأمور منها:
(1)الاستعداد للصلاة والتهيؤ لها:
ويحصل ذلك بأمور منها: الترديد مع المؤذن، والإتيان بالدعاء المشروع بعده: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته"، والدعاء بين الأذان والإقامة، وإحسان الوضوء والتسمية قبله والذكر والدعاء بعده: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"، "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين". والاعتناء بالسواك، وهو تنظيف وتطييب للفم الذي سيكون طريقا للقرآن بعد قليل، لحديث النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-: "طهروا أفواهكم للقرآن".(رواه البزار وقال: لا نعلمه عن علي بأحسن من هذا الإسناد كشف الأستار 1/242 وقال الهيثمي: رجاله ثقات 2/99 وقال الألباني إسناده جيد: الصحيحة 1213). وأخذ الزينة باللباس الحسن النظيف، قال الله-سبحانه وتعالى-: [يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد] والله عز وجل أحق من تُزين له، كما أن الثوب الحسن الطيب الرائحة، يعطي صاحبه راحة نفسية، بخلاف ثوب النوم والمهنة(العمل). وكذلك الاستعداد بستر العورة وطهارة البقعة والتبكير وانتظار الصلاة، وكذلك تسوية الصفوف والتراص فيها لأن الشياطين تتخلل الفُرج بين الصفوف.
(2)الطمأنينة في الصلاة:
"كان النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-يطمئن حتى يرجع كل عظم إلى موضعه" (صحح إسناده في صفة الصلاة ص: 134 ط.11 وعند ابن خزيمة نحوه كما ذكر الحافظ في الفتح 2/308)، وأمر بذلك المسيء صلاته وقال له : "لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك" (رواه أبو داود 1/ 536 رقم 858).
عن أبي قتادة-رضي الله عنه-قال: قال النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-: "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قال يا رسول الله: كيف يسرق صلاته، قال: "لا يتم ركوعها ولا سجودها". (رواه أحمد والحاكم 1/ 229 وهو في صحيح الجامع 997).
وعن أبي عبد الله الأشعري-رضي الله عنه-قال: قال النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-: "مثل الذي لا يتم ركوعه، وينقر في سجوده، مثل الجائع يأكل التمرة والتمرتين، لا يغنيان عنه شيئا". (رواه الطبراني في الكبير 4/115 وقال في صحيح الجامع: حسن).
والذي لا يطمئن في صلاته لا يمكن أن يخشع؛ لأن السرعة تذهب بالخشوع، ونقر الغراب يذهبُ بالثواب.
(3)تذكر الموت في الصلاة:
لقوله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يحسن صلاته، وصل صلاة رجل لا يظن أنه يصلي غيرها". (السلسلة الصحيحة للألباني-رحمه الله تعالى-1421ونقل عن السيوطي-رحمه الله تعالى-تحسين الحافظ ابن حجر-رحمه الله تعالى-لهذا الحديث).
وفي هذا المعنى أيضا وصية النبي-صلى الله عليه وآله وسلم- لأبي أيوب-رضي الله عنه-لما قال له: "إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع". (رواه أحمد 5/412 وهو في صحيح الجامع رقم 742)، يعني صلاة من يظن أنه لن يصلي غيرها وإذا كان المصلي سيموت ولابد، فإن هناك صلاة ما هي آخر صلاة له، فليخشع في الصلاة التي هو فيها؛ فإنه لا يدري لعلها تكون هذه هي.
(4)تدبر الآيات المقروءة وبقية أذكار الصلاة والتفاعل معها:
القرآن نزل للتدبر [كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليذكر أولوا الألباب] ولا يحصل التدبر إلا بالعلم بمعنى ما يقرأ، فيستطيع التفكر، فينتج الدمع والتأثر، قال الله-سبحانه وتعالى-: [والذين إذا ذُكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا] وهنا يتبين أهمية الاعتناء بالتفسير قال ابن جرير-رحمه الله-: "إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله(أي: تفسيره) كيف يلتذ بقراءته". (مقدمة تفسير الطبري لمحمود شاكر 1/10)، ولذلك فمن المهم لقارئ القرآن أن ينظر في تفسير ولو مختصر مع التلاوة مثل: كتاب زبدة التفسير للأشقر، المختصر من تفسير الشوكاني، وتفسير العلامة ابن سعدي المسمى(تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان)، -رحمهم الله تعالى-وإن لم يكن فكتاب في شرح الكلمات الغريبة مثل: (المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته) للعلامة اللغوي: أحمد مختار عمر-رحمه الله تعالى-.
ومما يُعين على التدبر كثيرا ترديد الآيات؛ لأنه يعين على التفكر ومعاودة النظر في المعنى، وكان النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-يفعل ذلك فقد جاء أنه-صلى الله عليه وآله وسلم-: "قام ليلة بآية يرددها حتى أصبح وهي: [إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم]". (رواه ابن خزيمة 1/271 وأحمد 5/149 وهو في صفة الصلاة ص: 102)
وكذلك فإن مما يعين على التدبر التفاعل مع الآيات كما روى حذيفة -رضي الله عنه-قال: "صليت مع رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم- ذات ليلة.. يقرأ مسترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، و إذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ". (رواه مسلم رقم 772)، وفي رواية: "صليت مع رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-ليلة، فكان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب تعوذ، وإذا مر بآية فيها تنزيه لله سبح". (تعظيم قدر الصلاة 1/327) وقد جاء هذا في قيام الليل.
وقام أحد الصحابة-وهو قتادة بن النعمان رضي الله عنه-الليل لا يقرأ إلا (قل هو الله أحد)، يرددها لا يزيد عليها. (البخاري: الفتح 9/59 وأحمد 3/43).
وقال سعيد بن عبيد الطائي-رحمه الله تعالى-: "سمعت سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: يؤمهم في شهر رمضان وهو يردد هذه الآية [فسوف يعلمون*إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يُسحبون*في الحميم ثم في النار يُسجرون*]"، وقال القاسم-رحمه الله تعالى-: "رأيت سعيد بن جبير قام ليلة يصلي فقرأ [واتقوا يوما تُرجعون فيه إلى الله ثم تُوفى كل نفس ما كسبت] فرددها بضعا وعشرين مرة"، وقال رجل من قيس يُكنى أبا عبد الله: "بتنا ذات ليلة عند الحسن-رحمه الله تعالى-فقام من الليل فصلى فلم يزل يردد هذه الآية حتى السحر: [وإن تعدوا نعمة الله لا تُحصوها]فلما أصبح قلنا: يا أبا سعيد لم تكد تجاوز هذه الآية سائر الليل، قال: أرى فيها معتبرا، ما أرفع طرفا ولا أرده إلا وقد وقع على نعمة، وما لا يُعلم من نعم الله أكثر". (التذكار للقرطبي ص: 125).
وكان هارون بن رباب الأسيدي-رحمه الله تعالى-يقوم من الليل للتهجد، فربما ردد هذه الآية حتى يُصبح: [قالوا يا ليتنا نُرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين] ويبكي حتى يُصبح.
ومما يعين على التدبر أيضا حفظ القرآن والأذكار المتنوعة في الأركان المختلفة ليتلوها ويذكرها ليتفكر فيها.
ولا شك أن هذا العمل-من التدبر والتفكر والترديد والتفاعل-من أعظم ما يزيد الخشوع كما قال الله -سبحانه وتعالى-: [ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا].
وفيما يلي قصة مؤثرة يتبين فيها تدبره وخشوعه-صلى الله عليه وآله وسلم-مع بيان وجوب التفكر في الآيات: عن عطاء-رحمه الله تعالى-قال: "دخلت أنا و عبيدُ بنُ عمير على عائشة-رضي الله عنها-فقال ابن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-، فبكت وقالت: قام ليلة من الليالي فقال: يا عائشة ذريني أتعبد لربي، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بل حجره، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر ما فيها: [إن في خلق السموات والأرض...]الآية". (رواه ابن حبان وقال في السلسلة الصحيحة رقم 68: وهذا إسناد جيد).
ومن التفاعل مع الآيات التأمين بعد الفاتحة، وفيه أجر عظيم، قال رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إذا أمن الإمام فأمنُوا فإنه من وافق تأمينُهُ تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه". (رواه البخاري رقم 747)، وهكذا التفاعل مع الإمام في قوله: سمع الله لمن حمده فيقول المأموم: ربنا ولك الحمد وفيه أجر عظيم؛ فعن رفاعة بن رافع قال: "كنا يوما نصلي وراء النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم، قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أولُ". (رواه البخاري الفتح 2/284).
(5)أن يقطع قراءته آية آية:
وذلك أدعى للفهم والتدبر وهي سنة النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-كما ذكرت أم سلمة-رضي الله عنها-قراءة رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "[ثلاثون سببا ونيف للخشوع الصلاة-بتصرف]-وفي رواية: ثم يقف-ثم يقول: [الحمد لله رب العالمين]-وفي رواية: ثم يقف-ثم يقول: [الرحمن الرحيم]-وفي رواية: ثم يقف-ثم يقول: [ملك يوم الدين] يقطع قراءته آية آية". (رواه أبو داود رقم 4001 وصححه الألباني في الإرواء وذكر طرقه 2/60).
والوقوف عند رؤوس الآي سنة وإن تعلقت في المعنى بما بعدها.
(6)ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها:
كما قال الله-عز وجل-: [ورتل القرآن ترتيلا] وكانت قراءته-صلى الله عليه وآله وسلم-"مفسرة حرفا حرفا".(مسند أحمد 6/294 بسند صحيح صفة الصلاة : ص: 105)، "وكان-صلى الله عليه وآله وسلم-يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها". (رواه مسلم رقم 733).
وهذا الترتيل والترسل أدعى للتفكر والخشوع بخلاف الإسراع والعجلة، ومما يعين على الخشوع أيضا تحسين الصوت بالتلاوة وفي ذلك وصايا نبوية منها قوله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "زينوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا". (أخرجه الحاكم 1/575 و هو في صحيح الجامع رقم 3581).
وليس المقصود بتحسين الصوت: التمطيط والقراءة على ألحان أهل الفسق، وإنما جمال الصوت مع القراءة بحزن، كما قال النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله". (رواه ابن ماجه 1/1339 و هو في صحيح الجامع رقم 2202).
(7)أن يعلم أن الله يُجيبه ويكلمه في صلاته:
قال النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-: "قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: [الحمد لله رب العالمين] قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: [الرحمن الرحيم]، قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: [مالك يوم الدين]، قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: [إياك نعبد وإياك نستعين]، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: [اهدنا الصراط المستقيم*صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين] قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". (صحيح مسلم كتاب الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة).
وهذا حديث عظيم جليل، لو استحضره كل مصلٍ لحصل له خشوع بالغ، ولوجد للفاتحة أثرا عظيما، كيف لا وهو يستشعر أن ربه يخاطبه ويكلمه، ثم يعطيه سؤله.
وينبغي إجلالُ هذه المخاطبة وقدرُها حق قدرها، قال رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه". (مستدرك الحاكم 1/236 و هو في صحيح الجامع رقم 1538).
(8)الصلاة إلى سترة والدنو منها:
والسترة كل شيء مرتفع يجعله المصلى أمامه لئلا تقطع صلاته من: عمود أو عصا أو جدار أو شجرة أو حجر و مثل ذلك.
و من الأمور المفيدة لتحصيل الخشوع في الصلاة الاهتمام بالسترة والصلاة إليها فإن ذلك أقصر لنظر المصلي وأحفظ له من الشيطان وأبعد له عن مرور الناس بين يديه فإنه يشوش ويُنقص أجر المصلي.
قال النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة و ليدن منها". (رواه أبو داود رقم 695 1/446 و هو في صحيح الجامع رقم 651).
وللدنو من السترة فائدة عظيمة، قال عليه الصلاة والسلام: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته". (رواه أبو داود رقم 695 1/446 و هو في صحيح الجامع رقم 650). والسنة في الدنو من السترة أن يكون بينه وبين السترة ثلاثة أذرع وبينها وبين موضع سجوده ممر شاة(من عشرين إلى ثلاثين سم)كما ورد في الأحاديث الصحيحة. (البخاري انظر الفتح 1/574، 579).
وأوصى النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-المصلي بأن لا يسمح لأحد أن يمر بينه وبين سترته فقال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه، و ليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين". (رواه مسلم 1/260 و هو في صحيح الجامع رقم 755).
قال النووي-رحمه الله تعالى-: "والحكمة في السترة كفُ البصر عما وراءه، ومنع من يجتاز بقربه...، وتمنع الشيطان المرور والتعرض لإفساد صلاته". (شرح صحيح مسلم 4/216).
(9)وضع اليمنى على اليسرى على الصدر:
كان النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-إذا قام في الصلاة "وضع يده اليمنى على اليسرى". (مسلم رقم 401) و "كان يضعهما على الصدر" (أبو داود رقم 759 وانظر إرواء الغليل 2/71) وقال رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إنا معشر الأنبياء أُمرْنا أن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة". (رواه الطبراني في المعجم الكبير رقم 11485 قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح؛ المجمع 3/155).
وسئل الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-عن المراد بوضع اليدين إحداهما على الأخرى حال القيام فقال: "هو ذل بين يدي العزيز". (الخشوع في الصلاة ابن رجب ص:21).
قال ابن حجر-رحمه الله تعالى-: "قال العلماء: الحكمة في هذه الهيأة؛ أنها صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع". (فتح الباري 2/224).
(10)النظر إلى موضع السجود:
لما ورد عن عائشة-رضي الله عنها-: "كان رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-إذا صلى طأطأ رأسه و رمى ببصره نحو الأرض". (رواه الحاكم ا/479 وقال صحيح على شرط الشيخين و وافقه الألباني صفة الصلاة ص 89).
"و لما دخل الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج عنها". (رواه الحاكم في المستدرك 1 /479 وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، قال الألباني وهو كما قالا؛ إرواء الغليل 2/73).
أما إذا جلس للتشهد فإنه ينظر إلى أُصبعه المشيرة وهو يحركها لما جاء عنه-صلى الله عليه وآله وسلم-أنه كان إذا جلس للتشهد "يشير بأصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة ويرمي ببصره إليها) رواه ابن خزيمة 1/355 رقم 719 وقال المحقق: إسناده صحيح وانظر صفة الصلاة ص: 139). وفي رواية: "وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره إشارته". (رواه أحمد 4/3 وأبو داود رقم 990).
مسألة:
وهنا سؤال يدور في أذهان بعض المصلين وهو: ما حكم إغماض العينين في الصلاة خصوصا وأن المرء قد يحس بمزيد من الخشوع إذا فعل ذلك؟
والجواب: أن ذلك مخالف للسنة الواردة عن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-كما تقدم قبل قليل كما أن الإغماض يفوت سنة النظر إلى موضع السجود وإلى الأصبع، ولكن هناك شيء من التفصيل في المسألة، فلندع الميدان للفارس، ولنفسح المكان للعلامة أبي عبد الله ابن القيم يبين الأمر ويجليه، قال-رحمه الله تعالى-: "ولم يكن من هديه -صلى الله عليه وآله وسلم-تغميض عينيه في الصلاة، وقد تقدم أنه كان في التشهد يومئ ببصره إلى أصبعه في الدعاء ولا يُجاوز بصره إشارته...
وقد يدل على ذلك: مد يده في صلاة الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنة، وكذلك رؤيته النار وصاحبة الهرة فيها، وصاحب المحجن، وكذلك حديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمر بين يديه، ورده الغلام والجارية، وحجزه بين الجاريتين، وكذلك أحاديث رد السلام بالإشارة على من سلم عليه وهو في الصلاة، فإنه إنما كان يشير إلى من يراه، وكذلك حديث تعرض الشيطان له فأخذه فخنقه وكان ذلك رؤية عين. فهذه الأحاديث وغيرها يُستفاد من مجموعها العلم بأنه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة.
وقد اختلف الفقهاء في كراهته، فكرهه الإمام أحمد وغيره وقالوا: "هو فعل اليهود"، وأباحه جماعة ولم يكرهوه...والصواب أن يُقال: إن كان تفتيح العين لا يُخل بالخشوع فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع ما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره، مما يشوش عليه قلبه فهنالك لا يُكره التغميض قطعا، والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة، والله أعلم". (زاد المعاد 1/293 ط. دار الرسالة).
وبهذا يتبين أن السنة عدم الإغماض إلا إذا دعت الحاجة لتلافي أمر يضر بالخشوع.
(11)تحريك السبابة:
وهذا أمر أهمله كثير من المصلين فضلا عن جهلهم بفائدته العظيمة وأثره في الخشوع.
قال النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-: "لهي أشد على الشيطان من الحديد". (رواه الإمام أحمد 2/119 بسند حسن كما في صفة الصلاة ص: 159). أي أن الإشارة بالسبابة عند التشهد في الصلاة أشد على الشيطان من الضرب بالحديد؛ لأنها تذكر العبد بوحدانية الله تعالى والإخلاص في العبادة وهذا أعظم شيء يكرهه الشيطان نعوذ بالله منه". (الفتح الرباني للساعاتي 4/15).
ولأجل هذه الفائدة العظيمة كان الصحابة-رضي الله عنهم- يتواصون بذلك ويحرصون عليه ويتعاهدون أنفسهم في هذا الأمر الذي يقابله كثير من الناس في هذا الزمان بالاستخفاف والإهمال، فقد جاء في الأثر ما يلي: "كان أصحاب النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-يأخذ بعضهم على بعض. يعني: الإشارة بالأصبع في الدعاء". (رواه ابن أبي شيبة بسند حسن كما في صفة الصلاة ص: 141، وفي المطبوع من أبي شيبة [بأصبع] انظر المصنف رقم 9732 ج10 ص: 381 ط. الدار السلفية-الهند)
والسنة في الإشارة بالسبابة أن تبقى مرفوعة متحركة مشيرة إلى القبلة طيلة التشهد.
(12)التنويع في السور والآيات والأذكار والأدعية في الصلاة:
وهذا يُشعر المصلي بتجدد المعاني، والانتقال بين المضامين المتعددة للآيات والأذكار، وهذا ما يفتقده الذي لا يحفظ إلا عددا محدودا من السور (وخصوصا قصارها) والأذكار، فالتنويع من السنة وأكملُ في الخشوع.
وإذا تأملنا ما كان النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-يتلوه ويذكره في صلاته فإننا نجد هذا التنوع.
ففي أدعية الاستفتاح مثلا نجد نصوصا مثل:
"اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد".
"وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرتُ وأنا أول المسلمين، اللهم اهدني لأحسن الأخلاق والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت"
"سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدُك ولا إله غيرك".
وغير ذلك من الأدعية والأذكار والمصلي يأتي بهذا مرة وبهذا مرة وهكذا اتباعا للسنة.
وفي السور التي كان-صلى الله عليه وآله وسلم-يقرؤها في صلاة الفجر نجد عددا كثيرا مباركا مثل: (طوال المفصل كـ(الواقعة) و(الطور) و(ق)، وقصار المفصل مثل: (إذا الشمس كورت) و(الزلزلة) و(المعوذتين)، وورد أنه قرأ: (الروم) و(يس) و(الصافات) وكان يقرأ في فجر الجمعة بـ (السجدة) و(الإنسان).
وفي صلاة الظهر ورد أنه كان يقرأ في كل من الركعتين قدر ثلاثين آية، وقرأ بـ(الطارق) و(البروج) و(الليل إذا يغشى).
وفي صلاة العصر يقرأ في كل من الركعتين قدر خمس عشرة آية ويقرأ بالسور التي سبقت في صلاة الظهر.
وفي صلاة المغرب يقرأ بقصار المفصل كـ(التين والزيتون) وقرأ بسورة (محمد) و(الطور) و(المرسلات) وغيرها.
وفي العشاء كان يقرأ من وسط المفصل كـ(الشمس وضحاها) و(إذا السماء انشقت) وأمر معاذا أن يقرأ بـ (الأعلى) و(القلم) و(الليل إذا يغشى).
وفي قيام الليل كان يقرأ بطوال السور وورد في سنته-صلى الله عليه وآله وسلم-قراءة مئتي آية، ومئة وخمسين آية وكان أحيانا يقصر القراءة.
وأذكار ركوعه-صلى الله عليه وآله وسلم-متنوعة فبالإضافة إلى "سبحان ربي العظيم" و"سبحان ربي العظيم وبحمده" يقول: "سُبوح قُدوس رب الملائكة والروح"، ويقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"، ويقول: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة" ويقول: "اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت وعليك توكلت أنت ربي، خشع لك سمعي وبصري، ودمي ولحمي، ومخي وعظمي، وعصبي، وما استقلت به قدمي لله رب العالمين".
وفي الرفع من الركوع يقول بعد (سمع الله لمن حمده): "ربنا ولك الحمد" وأحيانا "ربنا لك الحمد"، وأحيانا "اللهم ربنا و لك الحمد" وأحيانا "اللهم ربنا لك الحمد" "حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه؛ كما يحب ربنا ويرضى"، وكان يضيف أحيانا "ملء السموات وملءُ الأرض وملء ما شئت من شيء بعد" ويضيف تارة "أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
وفي السجود بالإضافة إلى "سبحان ربي الأعلى" و"سبحان ربي الأعلى وبحمده" يقول أيضا: "سُبوح قدوس رب الملائكة والروح" و "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" و "اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، أنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صوره، وشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين) وغير ذلك.
وفي الجلسة بين السجدتين بالإضافة إلى "رب اغفر لي رب اغفر لي" يقول: "اللهم-أو رب-اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني واهدني وعافني وارزقني".
وفي التشهد عدد من الصيغ الواردة مثل "التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي...الخ" وكذلك ورد "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي...الخ" وورد "التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي...الخ".
فيأتي المصلي مرة بهذا ومرة بهذا اتباعا للسنة.
وفي الصلاة على النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-عدة صيغ منها: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
وورد أيضا "اللهم صل على محمد وعلى أهل بيته وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل بيته وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
وورد (اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد".
ووردت صيغ أخرى كذلك، والسنة أن ينوع بينها كما تقدم، ولا يمنع أن يواظب على بعضها أكثر من بعض، لقوة ثبوتها، أو اشتهارها في كتب الحديث الصحيحة، أو لأن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-علمها أصحابه لما سألوه عن الكيفية بخلاف غيرها وهكذا. وجميع ما تقدم من النصوص والصيغ من كتاب صفة صلاة النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-للعلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني-رحمه الله تعالى-الذي اجتهد في جمعها من كتب الحديث.
(13)أن يأتي بسجود التلاوة إذا مر بموضعه:
من آداب التلاوة السجود عند المرور بالسجدة وقد وصف الله في كتابه الكريم النبيين والصالحين بأنهم: "إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا" قال ابن كثير-رحمه الله تعالى: "أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا اقتداء بهم واتباعا لمنوالهم". (تفسير القرآن العظيم 5/238 ط. دار الشعب).
وسجود التلاوة في الصلاة عظيم وهو مما يزيد الخشوع قال الله-عز وجل-: "ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا" وقد ثبت عن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-"أنه سجد بسورة النجم في صلاته" وروى البخاري -رحمه الله-في صحيحه (عن أبي رافع قال: "صليت مع أبي هريرة-رضي الله عنه-العتمة [العشاء] فقرأ: (إذا السماء انشقت) فسجد فقلت له، قال: سجدت خلف أبي القاسم-صلى الله عليه وآله وسلم-فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه". (صحيح البخاري: كتاب الأذان، باب الجهر بالعشاء). فينبغي المحافظة على سجود التلاوة في الصلاة، خصوصا وأن سجود التلاوة فيه ترغيم للشيطان، وتبكيت له، وذلك مما يضعف كيده للمصلي. عن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إذا قرأ ابن آدم السجدة، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، أُمر بالسجود فسجد، فله الجنة، وأُمرتُ بالسجود فعصيت، فلي النار". (رواه الإمام مسلم في صحيحه رقم 133)، ولو ترك سجود التلاوة-أحيانا-اتباعا للسنة فحسن لأن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-تركه أحيانا.
(14)الاستعاذة بالله من الشيطان:
الشيطان عدو لنا، ومن عداوته قيامه بالوسوسة للمصلي؛ كي يذهب خشوعه ويلبس عليه صلاته.
"والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو بغيره، لا بد له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، و يلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة ولا يضجر، فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان [إن كيد الشيطان كان ضعيفا].
وكلما أراد العبد توجها إلى الله-سبحانه وتعالى-بقلبه جاء من الوسوسة أمور أخرى، فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد السير إلى الله-سبحانه وتعالى-أراد قطع الطريق عليه، ولهذا قيل لبعض السلف: "إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس قال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت الخرب". (مجموع الفتاوى 22 / 608).
"وقد مثل ذلك بمثال حسن، وهو ثلاثة بيوت: بيت للملك فيه كنوزه وذخائره وجواهره، وبيت للعبد فيه كنوز العبد وذخائره وجواهره، وليس جواهر الملك وذخائره، وبيت خال صفر لا شيء فيه، فجاء اللص يسرق من أحد البيوت، فمن أيها يسرق؟ (الوابل الصيب ص: 43)
"والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه، فإنه قد قام في أعظم مقامٍ وأقربه وأغيظه للشيطان، وأشده عليه فهو يحرص ويجتهد كل الاجتهاد أن لا يقيمه فيه، بل ما يزال به يعده ويمنيه وينسيه، ويُجْلبُ عليه بخيله ورجله حتى يهون عليه شأن الصلاة، فيتهاون بها فيتركها، فإن عجز عن ذلك منه، وعصاه العبد، وقام في ذلك المقام، أقبل عدو الله-سبحانه وتعالى-حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكره في الصلاة ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي الشيء والحاجة وأيس منها، فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن الله-عز وجل-فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله-سبحانه وتعالى-وكرامته وقربه، ما يناله المقبل على ربه-عز وجل-الحاضر بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته مثلما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله، لم تُخففْ عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله-تعالى-بقلبه وقالبه". (الوابل الصيب ص: 36).
ولمواجهة كيد الشيطان وإذهاب وسوسته أرشدنا النبي-صلى الله عليه وآله وسلم إلى العلاج التالي:
عن أبي العاص-رضي الله عنه-قال: "يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "ذاك شيطان يُقال له خنْزبُ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثا". قال : ففعلت ذلك فأذهبه الله عني". (رواه مسلم رقم : 2203).
ومن كيد الشيطان للمصلي ما أخبرنا عنه-صلى الله عليه وآله وسلم-وعن علاجه فقال: "إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان فلبس عليه-يعني خلط عليه صلاته وشككه فيها-حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس". (رواه البخاري، كتاب السهو، باب السهو في الفرض والتطوع).
ومن كيده كذلك ما أخبرنا عنه رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-بقوله: "إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو لم يحدث، فأشكل عليه، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". (رواه مسلم رقم 389).
بل إن كيده ليبلغُ مبلغا عجيبا كما يوضحه هذا الحديث: عن ابن عباس-رضي الله عنهما-أن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-سئل عن الرجل يخيل إليه في صلاته أنه أحدث ولم يُحدث، فقال رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته حتى يفتح مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث ولم يُحدثْ، فإذا وجد أحدُكم ذلك فلا ينصرفن حتى يسمع صوت ذلك بأُذنه أو يجد ريح ذلك بأنفه". (رواه الطبراني في الكبير رقم 11556 ج:11 ص: 222 وقال في مجمع الزوائد 1/242 رجاله رجال الصحيح).
مسألة
وهناك خدعة شيطانية يأتي بها "خنزب" إلى بعض الخيرين من المصلين، وهي محاولة إشغالهم عن الصلاة بالتفكير في أبواب أخرى من الطاعات، وذلك كإشغال أذهانهم ببعض أمور الدعوة أو المسائل العلمية، فيستغرقون فيها فلا يعقلون أجزاء من صلاتهم، وربما لبس على بعضهم بأن عمر كان يجهز الجيش في الصلاة، ولندع المجال لشيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى- يجلي الأمر ويجيب عن هذه الشبهة.
قال-رحمه الله تعالى-: "وأما ما يروى عن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-من قوله: "وإني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة" فذاك لأن عمر كان مأمورا بالجهاد وهو أمير المؤمنين، فهو أمير الجهاد، فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلي الذي يصلي صلاة الخوف حال معاينة العدو، إما حال القتال وإما غير حال القتال، فهو مأمور بالصلاة، ومأمور بالجهاد، فعليه أن يؤدي الواجبين بحسب الإمكان. قال-سبحانه وتعالى-: [يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون]، ومعلوم أن طمأنينة القلب حال الجهاد لا تكون كطمأنينته حال الأمن، فإذا قُدر أنه نقص من الصلاة شيء لأجل الجهاد، لم يقدح هذا في كمال إيمان العبد وطاعته.
ولهذا تخفف صلاة الخوف عن صلاة الأمن، ولما ذكر الله–سبحانه-صلاة الخوف قال: [فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا] فالإقامة المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف.
ومع هذا: فالناس متفاوتون في ذلك، فإذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب في الصلاة، مع تدبره للأمور بها، وعمر قد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وهو المحدث المُلهم فلا ينكر لمثله أن يكون مع تدبيره جيشه في الصلاة من الحضور ما ليس لغيره، لكن لا ريب أن حضوره مع عدم ذلك يكون أقوى، ولا ريب أن صلاة رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-حال أمنه كانت أكمل من صلاته حال الخوف في الأفعال الظاهرة، فإذا كان الله قد عفا حال الخوف عن بعض الواجبات الظاهرة فكيف بالباطنة.
وبالجملة فتفكر المصلي في الصلاة [في] أمر يجب عليه، قد يضيقُ وقْتُهُ، ليس كتفكره فيما ليس بواجب أو فيما لم يضق وقته، وقد يكون عمر لم يمكنه التفكر في تدبير جيشه إلا في تلك الحال، وهو إمام الأمة والواردات عليه كثيرة، ومثل هذا يعرض لكل أحد بحسب مرتبته، والإنسان دائما يذكر في الصلاة ما لا يذكره خارج الصلاة، ومن ذلك ما يكون من الشيطان، كما أن بعض السلف ذكر له رجل أنه دفن مالا وقد نسي موضعه، فقال: قم فصل، فقام فصلى فذكره، فقيل له: من أين علمت ذلك؟ قال: علمت أن الشيطان لا يدعه في الصلاة حتى يذكره بما يشغله ولا أهم عنده من ذكر موضع الدفن، لكن العبد الكيس يجتهد كمال الحضور مع كمال فعل بقية المأمور، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (مجموع الفتاوى 22/ 610).
(15)التأمل في حال السلف في صلاتهم:
وهذا يزيد الخشوع ويدفع إلى الاقتداء فـ "لو رأيت أحدهم وقد قام إلى صلاته فلما وقف في محرابه واستفتح كلام سيده خطر على قلبه أن ذلك المقام هو المقام الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين فانخلع قلبه وذهل عقله". (الخشوع في الصلاة ابن رجب ص : 22).
قال مجاهد-رحمه الله-: "كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء أو يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه من شأن الدنيا إلا ناسيا ما دام في صلاته". (تعظيم قدر الصلاة 1/188).
كان ابن الزبير-رضي الله عنهما-إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع، وكان يسجد فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه، وكان مسلمة بن بشار-رحمه الله-يصلي في المسجد فانهدم طائفة منه فقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر، ولقد بلغنا أن بعضهم كان كالثوب الملقى، وبعضهم ينفتل من صلاته متغير اللون لقيامه بين يدي الله-عز وجل-وبعضهم إذا كان في الصلاة لا يعرف من على يمينه وشماله. وبعضهم يصفر وجهه إذا توضأ للصلاة، فقيل له إنا نراك إذا توضأت للصلاة تغيرت أحوالك، قال: إني أعرف بين يدي من سأقوم، وكان علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-إذا حضرت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه، فقيل له: ما لك؟ فيقول: جاء والله وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتُها. وكان سعيد التنوخي-رحمه الله-إذا صلى لم تنقطع الدموع من خديه على لحيته، وبلغنا عن بعض التابعين أنه كان إذا قام إلى الصلاة تغير لونه، وكان يقول : أتدرون بين يدي من أقف ومن أناجي؟! فمن منكم لله في قلبه مثل هذه الهيبة؟ (سلاح اليقظان لطرد الشيطان: عبد العزيز السلمان ص: 209).
وقالوا لعامر بن عبد القيس-رحمه الله-: أتحدث نفسك في الصلاة؟ فقال: أو شيء أحبُ إلي من الصلاة أحدث به نفسي! قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبالجنة والحور ونحو ذلك؟ قالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا. فقال: لأن تختلف الأسنة في (أي لأن يكثر طعن الرماح في جسدي) أحبُ إلي من أن أحدث نفسي في الصلاة بأمور الدنيا.
وقال سعد بن معاذ-رضي الله عنه-في ثلاث خصال لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن، لكنت أنا أنا: إذا كنت في الصلاة لا أحدث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله حديثا لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أحدث نفسي بغير ما تقول ويقال لها (الفتاوى لابن تيمية 22/605).
قال حاتم-رحمه الله-: أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترتيل والتفكير، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهد بالتمام، وأسلم بالنية، وأختمها بالإخلاص لله عز وجل، وأرجع على نفسي بالخوف أخاف أن لا يقبل مني وأحفظه بالجهد إلى الموت. (الخشوع في الصلاة 27-28)
قال أبو بكر الصبغي-رحمه الله-: أدركت إمامين لم أُرزق السماع منهما: أبو حاتم الرازي ومحمد بن نصر المروزي-رحمهما الله-، فأما ابن نصر فما رأيت أحسن صلاة منه، لقد بلغني أن زنبورا قعد على جبهته فسال الدم على وجهه ولم يتحرك. وقال محمد بن يعقوب الأخرم-رحمه الله-: ما رأيت أحسن صلاة من محمد بن نصر، كان الذباب يقع على أذنه.. فلا يذبه على نفسه، ولقد كنا نتعجب من حسن صلاته وخشوعه وهيبته للصلاة كان يضع ذقنه على صدره كأنه خشبة منصوبة. (تعظيم قدر الصلاة 1/58). وكان شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-إذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميل يمنة ويسرة. (الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية لمرعي الكرمي ص: 83 دار الغرب الإسلامي).
قارن بين هذا وبين ما يفعله بعضنا اليوم هذا ينظر في ساعته، وآخر يصلح هندامه، وثالث يعبث بأنفه، ومنهم من يبيع ويشتري في الصلاة، وربما عد نقوده، وبعضهم يتابع الزخارف في السجاد والسقوف، أو يحاول التعرف على من بجانبيه.
تُرى لو وقف واحد من هؤلاء بين يدي عظيم من عظماء الدنيا هل يجرؤ على فعل شيء من ذلك؟!.
(16)معرفة مزايا الخشوع في الصلاة ومنها:
-قوله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله". (رواه مسلم 1/206 رقم 2/4/7).
-أن الأجر المكتوب بحسب الخشوع كما قال-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن العبد ليصلي الصلاة ما يُكتب له منها إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها". (رواه الإمام أحمد 4/321 وهو في صحيح الجامع 1626).
-أنه ليس له من صلاته إلا ما عقل منها كما جاء عن ابن عباس-رضي الله عنهما-: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها".
-أن الأوزار والآثام تنحط عنه إذا صلى بتمام وخشوع كما قال النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن العبد إذا قام يصلي أُتي بذنوبه كلها فوضعت على رأسه وعاتقيه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه". (رواه البيهقي-رحمه الله-في السنن الكبرى 3/10 وهو في صحيح الجامع). قال المناوي-رحمه الله-: "المراد أنه كلما أتم ركنا سقط عنه ركن من الذنوب حتى إذا أتمها تكامل السقوط وهذا في صلاة متوافرة الشروط والأركان والخشوع كما يؤذن به لفظ "العبد" و"القيام" إذ هو إشارة إلى أنه قام بين يدي ملك الملوك مقام عبدٍ ذليلٍ". (رواه البيهقي-رحمه الله-في السنن الكبرى 3/10 وهو في صحيح الجامع).
-أن الخاشع في صلاته "إذا انصرف منها وجد خفة من نفسه، وأحس بأثقال قد وضعت عنه، فوجد نشاطا وراحة وروحا، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها، لأنها قرة عينه ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها، فيستريح بها، لا منها، فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم-صلى الله عليه وآله وسلم-: "يا بلال أرحنا بالصلاة" ولم يقل أرحنا منها.
وقال-صلى الله عليه وآله وسلم-: "جعلت قرة عيني بالصلاة" فمن جُعلت قرة عينه في الصلاة، كيف تقر عينه بدونها وكيف يطيق الصبر عنها؟!". (الوابل الصيب 37).
(17)الاجتهاد بالدعاء في مواضعه في الصلاة وخصوصا في السجود:
لاشك أن مناجاة الله تعالى والتذلل إليه والطلب منه والإلحاح عليه مما يزيد العبد صلة بربه فيعظم خشوعه، والدعاء هو العبادة والعبد مأمور به قال-سبحانه وتعالى-: [ادعوا ربكم تضرعا وخفية] و"من لم يسأل الله يغضب عليه". (رواه الترمذي-رحمه الله-كتاب الدعوات 1/426 وحسنه الألباني-رحمه الله-في صحيح الترمذي 2686). وقد ثبت الدعاء في الصلاة عن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-في مواضع معينة هي السجود وبين السجدتين وبعد التشهد وأعظم هذه المواضع السجود لقوله-سبحانه وتعالى-: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء". (رواه مسلم-رحمه الله- كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود رقم 215). وقال: "...أما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن-أي حري وجدير-أن يُستجاب لكم". (رواه مسلم-رحمه الله-كتاب الصلاة باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود رقم 207).
ومن أدعيته-صلى الله عليه وآله وسلم-في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره". (رواه مسلم-رحمه الله-: كتاب الصلاة، باب ما يُقال في الركوع والسجود رقم 216). وكذلك "اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت" (أخرجه النسائي-رحمه الله-: المجتبى 2/569 وهو في صحيح النسائي1067) وقد تقدم بعض ما كان يدعو به بين السجدتين انظر السبب رقم 11.
ومما كان يدعو به-صلى الله عليه وآله وسلم-بعد التشهد ما علمناه بقوله: "إذا فرغ أحدكم من التشهد فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال" وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل" "اللهم حاسبني حسابا يسيرا" وعلم أبا بكر الصديق-رضي الله عنه-أن يقول: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" وسمع رجلا يقول في تشهده: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم" فقال-صلى الله عليه وآله وسلم-: قد غُفر له، قد غُفر له" وسمع آخر يقول في تشهده: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار" فقال النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-لأصحابه: "تدرون بما دعا؟" قالوا الله ورسوله أعلم قال: "والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى"، وكان من آخر ما يقوله-صلى الله عليه وآله وسلم-بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" " هذه الأدعية وغيرها وتخريجها في صفة الصلاة للعلامة الألباني-رحمه الله-ص: 163 ط.11 وحفظ مثل هذه الأدعية يعالج مشكلة صمت بعض الناس وراء الإمام إذا فرغوا من التشهد لأنهم لا يدرون ماذا يقولون.
(18)الأذكار الواردة بعد الصلاة:
فإنه مما يعين على تثبيت أثر الخشوع في القلب وما حصل من بركة الصلاة وفائدتها.
ولاشك أن منْ حفظ الطاعة الأولى وصيانتها إتباعُها بطاعة ثانية، وكذلك فإن المتأمل لأذكار ما بعد الصلاة يجد أنها تبدأ بالاستغفار ثلاثا، فكأن المصلي يستغفر ربه عما حصل من الخلل في صلاته، وعما حصل من التقصير في خشوعها فيها، ومن المهم كذلك الاهتمام بالنوافل؛ فإنها تجبر النقص في الفرائض ومنه الإخلال بالخشوع.
وبعد الكلام عن تحصيل الأسباب الجالبة للخشوع يأتي الحديث عن:
ثانيا: دفع الموانع والشواغل التي تصرف عن الخشوع وتكدر صفوه:
(19)إزالة ما يشغل المصلي من المكان:
عن أنس-رضي الله عنه-قال: كان قرام (ستر فيه نقش وقيل ثوب ملون) لعائشة-رضي الله عنها-سترت به جانب بيتها(حجرتها)، فقال لها النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-: "أميطي(أزيلي)عني فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي". (رواه البخاري-رحمه الله-: فتح الباري 10/391).
وعن القاسم-رحمه الله-عن عائشة-رضي الله عنها-أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة (بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع أو الخزانة) فكان النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-يصلي إليه فقال: "أخريه عني فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي" فأخرته فجعلته وسائد. (رواه مسلم-رحمه الله-في صحيحه 3/1668).
ويدل على هذا المعنى أيضا أن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-لما دخل الكعبة ليصلي فيها رأى قرني كبش فلما صلى قال لعثمان الحجبي-رضي الله عنه-"إني نسيت أن آمرك أن تخمر(تستر)القرنين فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي". (أخرجه أبو داود 2030 وهو في صحيح الجامع 2504).
ويدخل في هذا؛ الاحتراز من الصلاة في أماكن مرور الناس، وأماكن الضوضاء، والأصوات المزعجة، وبجانب المتحدثين، وفي مجالس اللغو واللغط، وكل ما يشغل البصر.
وكذلك تجنب الصلاة في أماكن الحر الشديد والبرد الشديد إذا أمكن ذلك؛ فإن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-أمر بالإبراد في صلاة الظهر بالصيف لأجل هذا، قال ابن القيم-رحمه الله تعالى-: "إن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور، ويفعل العبادة بتكره وتضجر، فمن حكمة الشارع أن أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحر، فيصلي العبد بقلب حاضر، ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والإقبال على الله تعالى".(الوابل الصيب ط. دار البيان ص: 22).
(20)ألا يصلي في ثوب فيه نقوش أو كتابات أو ألوان أو تصاوير تشغل المصلي:
فعن عائشة-رضي الله عنها-قالت: قام النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-يصلي في خميصة ذات أعلام(كساء مخطط ومربع)فنظر إلى علمها فلما قضى صلاته قال: "اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم بن حذيفة و أتوني بأنبجانية(كساء ليس فيه تخطيط ولا تطريز ولا أعلام)، فإنها ألهتني آنفا في صلاتي"، وفي رواية: "شغلتني أعلام هذه" وفي رواية: "كانت له خميصة لها علم، فكان يتشاغل بها في الصلاة" (الروايات في صحيح مسلم رقم 556 ج: 1/391).
ومن باب أولى ألا يصلي في ثياب فيها صور وخصوصا ذوات الأرواح كما شاع وانتشر في هذا الزمان.
(21) ألا يصلي وهو حاقن أو حاقب:
لاشك أن مما ينافي الخشوع أن يصلي الشخص وقد حصره البول أو الغائط ولذلك "نهى رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-أن يصلي الرجل وهو حاقن". (والحاقن: الحابس البول)، (والحاقب هو حابس الغائط)(رواه ابن ماجه في سننه رقم 617 وهو في صحيح الجامع رقم 6832).
ومن حصل له ذلك فعليه أن يذهب إلى الخلاء لقضاء حاجته ولو فاته ما فاته من صلاة الجماعة فإن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-قال: "إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء". (رواه أبو داود-رحمه الله تعالى-رقم 88 وهو في صحيح الجامع رقم 299).
بل إنه إذا حصل له ذلك أثناء الصلاة فإنه يقطع صلاته لقضاء حاجته ثم يتطهر ويصلي لأن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-قال: "لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان". (صحيح مسلم رقم 560). وهذه المدافعة بلا ريب تذهب بالخشوع. ويشمل هذا الحكمُ أيضا مدافعة الريح.
(22)ألا يصلي وقد غلبه النعاس:
عن أنس بن مالك-رضي الله عنه-قال: قال: رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقول" أي فليرقد حتى يذهب عنه النوم. (رواه البخاري رقم 210).
وقد جاء ذكر السبب في ذلك: فعن عائشة-رضي الله عنها-أن رسول الله
-صلى الله عليه وآله وسلم-قال: "إذا نعس أحدكم و هو يصلي فليرقد، حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه". (رواه البخاري-رحمه الله تعالى- رقم 209).
وقد يحصل هذا في قيام الليل وقد يصادف ساعة إجابة فيدعو على نفسه وهو لا يدري، ويشمل هذا الحديث الفرائض أيضا إذا أمن بقاء الوقت. (فتح الباري: شرح كتاب الوضوء: باب الوضوء من النوم)
(23)أن لا يصلي خلف المتحدث أو (النائم):
لأن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-نهى عن ذلك فقال: "لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث" (رواه أبو داود رقم 694 و هو في صحيح الجامع رقم 375 و قال حديث حسن).
لأن المتحدث يلهي بحديثه والنائم قد يبدو منه ما يلهي.
قال الخطابي-رحمه الله تعالى-: "أما الصلاة إلى المتحدثين فقد كرهها الشافعي وأحمد بن حنبل-رحمهما الله تعالى- وذلك من أجل أن كلامهم يُشغل المصلي عن صلاته".(عون المعبود 2/388).
أما أدلة النهي عن الصلاة خلف النائم فقد ضعفها عدد من أهل العلم منهم أبو داود في سننه كتاب الصلاة: تفريع أبواب الوتر: باب الدعاء، وابن حجر في فتح الباري شرح باب الصلاة خلف النائم: كتاب الصلاة.
وقال البخاري-رحمه الله تعالى- في صحيحه: باب الصلاة خلف النائم، وساق حديث عائشة-رضي الله عنها-: كان النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه" (صحيح البخاري-رحمه الله تعالى-:كتاب الصلاة).
"وكره مجاهد وطاوس ومالك الصلاة إلى النائم خشية أن يبدو منه ما يلهي المصلي عن صلاته..." فتح الباري الموضع السابق.
فإذا أُمن ذلك فلا تُكره الصلاة خلف النائم والله أعلم.
(24)عدم الانشغال بتسوية الحصى:
روى البخاري-رحمه الله تعالى-عن معيقيب-رضي الله عنه-: أن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال: "إن كنت فاعلا فواحدة". (فتح الباري 3/79).
قال رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "لا تمسح وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلا فواحدة" يعني تسوية الحصى. (رواه أبو داود رقم 946 و هو في صحيح الجامع رقم 7452).
والعلة في هذا النهي؛ المحافظة على الخشوع و لئلا يكثر العمل في الصلاة. والأولى إذا كان موضع سجوده يحتاج إلى تسوية فليسوه قبل الدخول في الصلاة.
ويدخل في الكراهية مسح الجبهة والأنف وقد سجد النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-في ماء و طين، وبقي أثر ذلك في جبهته ولم يكن ينشغل في كل رفع من السجود بإزالة ما علق، فالاستغراق في الصلاة والخشوع فيها يُنسي ذلك ويُشغل عنه، وقد قال النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن في الصلاة شغلا". (رواه البخاري-رحمه الله تعالى-فتح الباري 3/ 72)، وقد روى ابن أبي شيبة-رحمه الله تعالى-عن أبي الدرداء-رضي الله عنه-قال : "ما أحب أن لي حمر النعم وأني مسحت مكان جبيني من الحصى" وقال عياض-رحمه الله تعالى-: "كره السلف مسح الجبهة في الصلاة قبل الانصراف". (الفتح 3/ 79). يعني الانصراف(التسليم)من الصلاة.
وكما أن المصلي ينبغي أن يحترز مما يشغله عن صلاته كما مر في النقاط السابقة، فكذلك عليه أن يلتزم بعدم التشويش على المصلين الآخرين ومن ذلك:
(25)عدم التشويش بالقراءة على الآخرين:
قال رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة" أو قال "في الصلاة" رواه أبو داود-رحمه الله تعالى-2/83 و هو في صحيح الجامع رقم 752)وفي رواية "لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن". (رواه الإمام أحمد 2/36 وهو في صحيح الجامع 1951).
(26)ترك الالتفات في الصلاة:
لحديث أبي ذر-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "لا يزال الله-عز وجل-مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه" (رواه أبو داود-رحمه الله تعالى-رقم 909 وهو في صحيح أبي داود).
والالتفات في الصلاة قسمان:
الأول: التفات القلب إلى غير الله-عز وجل-.
الثاني: التفات البصر، وكلاهما منهي عنه وينقص من أجر الصلاة، وقد سئل رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-عن الالتفات في الصلاة فقال: "اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" رواه البخاري-رحمه الله تعالى-: كتاب الأذان باب: الالتفات في الصلاة.
"ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو قلبه مثل رجل استدعاه السلطان فأوقفه بين يديه وأقبل يناديه ويخاطبه وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يمينا وشمالا، وقد انصرف قلبه عن السلطان فلا يفهم ما يخاطبه به لأن قلبه ليس حاضرا معه فما ظن هذا الرجل أن يفعل به السلطان؟!
أفليس أقل المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتا مبعدا قد سقط من عينيه، فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله-تعالى-في صلاته الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه، فامتلأ قلبه من هيبته وذلت عنقه له، واستحيى من ربه أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه وبين صلاتيهما كما قال حسان بن عطية-رحمه الله تعالى-: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض، وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله-عز وجل-والآخر ساه غافل" (الوابل الصيب لابن القيم. دار البيان ص : 36).
و أما الالتفات لحاجة فلا بأس به، روى أبو داود-رحمه الله تعالى-عن سهل بن الحنظلية-رضي الله عنه-قال: "ثُوب(أقيم) بالصلاة-صلاة الصبح-فجعل رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-يصلي وهو يلتفت إلى الشعب". قال أبو داود-رحمه الله تعالى-: "وكان أرسل فارسا من الليل إلى الشعب يحرس". وهذا كحمله أمامة بنت أبي العاص، وفتحه الباب لعائشة-رضي الله عنها-ونزوله من المنبر لما صلى بهم يعلمهم، وتأخره في صلاة الكسوف، وإمساكه الشيطان وخنقه لما أراد أن يقطع صلاته، وأمره بقتل الحية والعقرب في الصلاة، وأمره برد المار بين يدي المصلي ومقاتلته، وأمره النساء بالتصفيق وإشارته في الصلاة وغير ذلك من الأفعال التي تُفعل لحاجة، ولو كانت لغير حاجة كانت من العبث-المنافي للخشوع-المنهي عنه في الصلاة". (مجموع الفتاوى 22/559).
(27)عدم رفع البصر إلى السماء:
وقد ورد النهي عن ذلك والوعيد على فعله في قوله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إذا كان أحدكم في الصلاة فلا يرفع بصره إلى السماء، أن يلتمع بصره" (رواه أحمد-رحمه الله تعالى- 5/ 294 وهو في صحيح الجامع رقم 762)، وفي رواية : "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم" فاشتد قوله في ذلك حتى قال: "لينْتهُن عن ذلك أو لتُخْطفن أبصارُهم) رواه الإمام أحمد-رحمه الله تعالى- 5/ 258 وهو في صحيح الجامع 5574).
(28)ألا يبصق أمامه في الصلاة:
لأنه مما ينافي الخشوع في الصلاة والأدب مع الله لقوله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه إذا صلى". (رواه البخاري في صحيحه رقم 397).
و قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله-تبارك و تعالى-ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا، و ليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها" (رواه البخاري-رحمه الله تعالى-: الفتح رقم 416 1/512).
وقال: "إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربه، وإن ربه بينه و بين قبلته، فلا يبزقن أحدكم في قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه" (رواه البخاري الفتح الباري رقم 417 1/513).
وإذا كان المسجد مفروشا بالسجاد ونحوه كما هو الغالب في هذا الزمان، فيمكنه إذا احتاج أن يُخرج منديلا ونحوه فيبصق فيه ويرده.
(29)مجاهدة التثاؤب في الصلاة:
قال رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إذا تثاءب أحدُكم في الصلاة فليكظم ما استطاع فإن الشيطان يدخل". (رواه مسلم 4/2293). وإذا دخل الشيطان يكون أقدر على التشويش على خشوع المصلي بالإضافة إلى أنه يضحك من المصلي إذا تثاءب.
(30)عدم الاختصار في الصلاة:
عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: "نهى رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-عن الاختصار في الصلاة" (رواه أبو داود-رحمه الله تعالى-رقم 947 وهو في صحيح البخاري-رحمه الله تعالى- كتاب العمل في الصلاة، باب الخصر في الصلاة). (والاختصار: هو أن يضع يديه على خصره).
فعن زياد بن صبيح الحنفي-رحمه الله تعالى-قال : "صليت إلى جنب ابن عمر-رضي الله عنهما-فوضعت يدي على خاصرتي فضرب يدي فلما صلى قال هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-ينهى عنه" رواه الإمام أحمد-رحمه الله تعالى- 2/106 وغيره وصححه الحافظ العراقي-رحمه الله تعالى-في تخريج الإحياء: انظر الإرواء 2/94).
وقد جاء في حديث مرفوع أن "التخصر راحة أهل النار"-والعياذ بالله-رواه البيهقي-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة –رضي الله عنه-مرفوعا. قال العراقي-رحمه الله تعالى-: ظاهر إسناده الصحة.
(31)ترك السدل في الصلاة:
لما ورد أن رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم-: "نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه". (رواه أبو داود رقم 643 و هو في صحيح الجامع رقم 6883 و قال حديث حسن في عون المعبود 2/347). قال الخطابي: السدل؛ إرسال الثوب حتى يصيب الأرض. ونقل في مرقاة المفاتيح 2/236: السدل منهي عنه مطلقا لأنه من الخيلاء وهو في الصلاة أشنع وأقبح. وقال صاحب النهاية: أي يلتحف بثوبيه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد. وقيل إن كانت اليهود تفعله. وقيل السدل : أن يضع الثوب على رأسه أو كتفه ويرسل أطرافه أمامه أو على عضديه فيبقى منشغلا بمعالجته فيخل بالخشوع بخلاف ما لو كان مربوطا أو مزررا لا يُخشى من وقوعه فلا يُشغل المصلي حينئذ ولا ينافي الخشوع. ويوجد في بعض ألبسة الناس اليوم من بعض الأفارقة وغيرهم وفي طريقة لبس بعض المشالح والأردية ما يبقي المصلي مشغولا في أحيان من صلاته برفع ما وقع أو ضم ما انفلت وهكذا فينبغي التنبه لذلك.
أما النهي عن تغطية الفم فمن العلل التي ذكرها العلماء في النهي عنه أنه يمنع حسن إتمام القراءة وكمال السجود (مرقاة المفاتيح 2/236).
(32)ترك التشبه بالبهائم:
لما أن الله كرم ابن آدم وخلقه في أحسن تقويم، كان من المعيب أن يتشبه الآدمي بالبهائم وقد نهينا عن مشابهة عدد من هيئات البهائم وحركاتها في الصلاة لما في ذلك من منافاة الخشوع أو قبح الهيأة التي لا تليق بالمصلي فمما ورد في ذلك: "نهى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في الصلاة عن ثلاث: عن نقر الغراب، وافتراش السبُع وأن يوطن الرجل المقام الواحد كإيطان البعير" رواه أحمد-رحمه الله تعالى-3/428) قيل: معناه أن يألف الرجل مكانا معلوما من المسجد مخصوصا به يصلي فيه كالبعير لا يُغير مناخه فيوطنه.(الفتح الرباني 4/91). وفي رواية: "نهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب" (رواه الإمام أحمد 2/311 وهو في صحيح الترغيب رقم 556) ويستثنى من ذلك الإقعاء بين السجدتين فإنه "كان-أحيانا-يقعي؛ ينتصب على عقبيه و صدور قدميه" (رواه الإمام مسلم وغيره).
هذا ما تيسر ذكره من الأسباب الجالبة للخشوع لتحصيلها والأسباب المشغلة عنه لتلافيها.
وإن من عظم مسالة الخشوع وعلو قدرها عند العلماء أنهم ناقشوا القضية التالية:
مسألة: فيمن كثرت الوساوس في صلاته، هل تصح أم عليه الإعادة؟
قال ابن القيم-رحمه الله تعالى-:
فإن قيل ما تقولون في صلاة من عُدم الخشوع، هل يُعتد بها أم لا؟
قيل: أما الاعتداد بها في الثواب: فلا يعتد بها، إلا بما عقل فيه منها، و خشع فيه لربه.
قال ابن عباس-رضي الله عنهما-:"ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها".
و في المسند مرفوعا: "إن العبد ليصلي الصلاة، و لم يكتب له إلا نصفُها، أو ثلثُها، أو ربعُها، حتى بلغ عشرها".
فقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم، فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح، و لو اعْتُد له بها ثوابا لكان من المفلحين. و أما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء فإن غلب عليها الخشوع و تعقلها اعتد بها إجماعا، و كانت من السنن و الأذكار عقيبها (بعدها) جابرات و مكملات لنقصها.
وإن غلب عليها عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها، فأوجبها ابن حامد-رحمه الله تعالى- من أصحاب أحمد-رحمه الله تعالى-. ومن هذا أيضا اختلافهم في الخشوع في الصلاة وفيه قولان للفقهاء، وهما في مذهب أحمد -رحمه الله تعالى-وغيره.
وعلى القولين: اختلافهم في وجوب الإعادة على من غلب عليه الوسواس في صلاته، فأوجبها ابن حامد-رحمه الله تعالى- من أصحاب أحمد-رحمه الله تعالى-ولم يوجبها أكثر الفقهاء.
واحتجوا بأن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-أمر من سها في صلاته بسجدتي السهو ولم يأمره بالإعادة مع قوله: "إن الشيطان يأتي أحدكمْ في صلاته فيُلبسُ عليه حتى لا يدْري كمْ صلى، فإذا وجد ذلك أحدُكمْ فلْيسْجُدْ سجدتيْن وهُو جالس قبل أنْ يُسلم ، ثُم يُسلمُ".
ولكن لا نزاع أن هذه الصلاة لا ثواب على شيء منها إلا بقدر حضور قلبه وخضوعه، كما قال-صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن العبد لينصرفُ من صلاته ولم يُكْتبْ له منها إلا نصفها، إلا ثُلُثها، حتى قال: إلا عُشْرها".
وقال ابن عباس-رضي الله عنهما-: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها" فليست صحيحة باعتبار ترقب كمال مقصودها عليها وإن سميت صحيحة باعتبار أنا لا نأمره بالإعادة. (مدارج السالكين 1/112).
وقد ثبت عن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-في الصحيح أنه قال: "إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط؛ حتى لا يسمع الأذان، فإذا قضي الأذان أقبل، فإذا ثوب بها(أقيمت) أدبر، فإذا قضي التثويب(الإقامة)أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول : اذكر كذا و كذا، ما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل إنْ(لا)يدري كم صلى، فإذا لم يدر أحدكم كم صلى، ثلاثا أو أربعا، فليسجد سجدتين وهو جالس". (صحيح البخاري-رحمه الله-رقم 1231). قالوا: فأمره النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها، حتى لم يدر كم صلى بأن يسجد سجدتي السهو، ولم يأمره بإعادتها، ولو كانت باطلة-كما زعمتم-لأمره بإعادتها.
قالوا: وهذا هو السر في سجدتي السهو، ترغيما للشيطان في وسوسته للعبد، وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة، ولهذا سماها النبي الْمُرْغمتين. (مدارج السالكين 1/528-530).
فإن أردتم وجوب الإعادة: لتحصل هذه الثمرات والفوائد فذاك كله إليه إن شاء أن يحصلها وإن شاء أن يفوتها على نفسه.
وإن أردتم بوجوبها أنا نلزمه بها ونعاقبه على تركها ونرتب عليه أحكام تارك الصلاة فلا.
وهذا هو أرجح القولين. والله أعلم.

خاتمة
أمر الخشوع كبير، وشأنه خطير، ولا يتأتى إلا لمن وفقه الله لذلك، وحرمان الخشوع مصيبة كبيرة وخطب جلل ولذلك كان النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع..." (رواه الترمذي-رحمه الله تعالى- 5/ 485 رقم 3482 وهو في صحيح سنن الترمذي 2769).
والخاشعون درجات، والخشوع من عمل القلب يزيد وينقص، فمنهم من يبلغ خشوعه عنان السماء، ومن يخرج من صلاته لم يعقل شيئا، "والناس في الصلاة على مراتب خمسة:
أحدها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط، وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها فهذا معاقب.
الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها، لكنه قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة، فذهب مع الوساوس والأفكار فهذا محاسب.
الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد فهذا مكفر عنه.
الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع شيئا منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها وإتمامها، قد استغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه-تبارك وتعالى-فيها فهذا مثاب.
الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل، ناظرا بقلبه إليه، مراقبا له، ممتلئا من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات ، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه عز وجل قرير العين به، فهذا مقرب من ربه، لأن له نصيبا ممن جُعلت قرة عينه في الصلاة، فمن قرت عينه بصلاته في الدنيا، قرت عينه بقربه من ربه عز وجل في الآخرة، وقرت عينه أيضا به في الدنيا، ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات".(الوابل الصيب ص : 40).
وختاما أسأل الله-عز وجل-أن يجعلنا من الخاشعين وأن يتوب علينا أجمعين وأن يجزي بالخير من ساهم في هذه الرسالة وأن ينفع من قرأ فيها. آمين، والحمد لله رب العالمين.





المواضيع المشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خطبة ومحاضرة - للشيخ محمد المنجد amar1 المنتدى الاسلامي 0 20-02-2011 12:31 PM
ثلاثون سببا لدخول الجنة من القرآن وصحيح السنة max@max المنتدى الاسلامي 1 30-05-2010 07:06 PM
ثلاثون سببا للسعادة زكريا الناهى المنتدى الاسلامي 2 05-01-2008 04:54 PM
أربعين سببا ذهبيـــــاً للخشوع في الصلاة elbass المنتدى الاسلامي 0 01-08-2007 06:57 PM
25-07-2013, 10:46 PM
شروق الامل غير متصل
عضوية الشرف
رقم العضوية: 412624
تاريخ التسجيل: Feb 2013
الإقامة: فى القلوب الطيبة
المشاركات: 8,570
إعجاب: 111
تلقى 3,635 إعجاب على 1,972 مشاركة
تلقى دعوات الى: 921 موضوع
    #2  
جزاك الله خيراً أخى وجعله فى ميزان حسناتك



إن قرأت ما يعجبك و يفيدك منا فاذكر الله و كبره و اذكرنا بدعائك بظهر الغيب،
و إن قرأت ما لا يفيدك و لا يعجبك فسبح الله و استغفره عنا


26-07-2013, 12:06 AM
دنيا المشاعر غير متصل
عضو فعال
رقم العضوية: 340035
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 51
إعجاب: 39
تلقى 15 إعجاب على 7 مشاركة
تلقى دعوات الى: 0 موضوع
    #3  
شكر الله لكم مروركم، وبارك فيكم، وتقبل منا ومنكم والمسلمين.

 


ثلاثون سببا ونيف للخشوع في الصلاة-بتصرف للشيخ محمد المنجد.

English

Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.