أستغفر الله العظيم ... سبحان الله وبحمده



العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > المنتدى الاسلامي


مواضيع مميزة  


آخر عشرة مواضيع المواضيع النشطة


26-02-2013, 06:14 PM
شروق الامل غير متصل
عضوية الشرف
رقم العضوية: 412624
تاريخ التسجيل: Feb 2013
الإقامة: فى القلوب الطيبة
المشاركات: 8,570
إعجاب: 111
تلقى 3,635 إعجاب على 1,972 مشاركة
تلقى دعوات الى: 921 موضوع
    #1  

نواقض الوضوء


بابُ نواقض الوُضُوء

ينْقُضُ ما خرج من سبيلٍ ..........
النواقض: جمعُ ناقض؛ لأن «ناقض» اسم فاعل لغير العاقل، وجمعُ اسم الفاعل لغير العاقل على «فواعل».
والوُضُوء بالضم: الطهارة التي يرتفع بها الحدث، وبالفتح: الماءُ الذي يُتوضأُ به كما يُقال: طهُور بالفتح: لما يُتطهرُ به، بالضم لنفس الفعل، وسحور بالفتح: لما يُتسحرُ به، وبالضم لنفس الفعل الذي هو الأكل.
ونواقض الوُضُوء: مفسداتُه، أي: التي إذا طرأت عليه أفسدته.
والنواقض نوعان:
الأول: مجمع عليه، وهو المستند إلى كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
الثاني: فيه خلاف، وهو المبنيُ على اجتهادات أهل العلم رحمهم الله.
وعند النزاع يجب الردُ إلى كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
قوله: «ينقضُ ما خرج من سبيلٍ» ، هذا هو الناقض الأول من نواقض الوُضُوء.
وقوله: «ما خرج من سبيل»، ما: اسم موصول بمعنى الذي، وهو للعموم، وكلُ أسماء الموصولات للعموم؛ سواء كانت خاصة، أم مشتركة، فالخاصة: هي التي تدلُ على المفرد، والمثنى، والجمع مثل: الذي، اللذيْن، الذين.
والمشتركة: هي الصالحة للمفرد وغيره مثل: «منْ»، «ما»، فقوله: «ما خرج من سبيل» يشمل كل خارج.
و«من سبيل» مطلق يتناول القُبُل، والدُبر، وسُمي «سبيلا»، لأنه طريق يخرج منه الخارج.
وقوله: «ما خرج» عام يشمل المعتاد وغير المعتاد؛ ويشمل الطاهر والنجس[(482)]، فالمعتاد كالبول، والغائط، والريح من الدُبر، قال الله تعالى: {{أوْ جاء أحد منْكُمْ من الْغائط}} [المائدة: 6] .
وفي حديث صفوان بن عسال: «ولكن من بول، وغائط، ونوم»[(483)].
وفي حديث أبي هريرة، وعبد الله بن زيد رضي الله عنهما: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا»[(484)].
وغير المعتاد: كالريح من القُبُل.
واختلف الفقهاء ـ رحمهم الله ـ فيما إذا خرجت الريحُ من القُبُل؟
فقال بعضهم: تنقض وهو المذهب[(485)].
وقال آخرون: لا تنقض[(486)].
وهذه الريح تخرج أحيانا من فُروج النساء، ولا أظنُها تخرج من الرجال، اللهم إلا نادرا جدا.
وتنقضُ الحصاةُ إذا خرجت من القُبُل، أو الدُبُر؛ لأنه قد يُصابُ بحصوة في الكلى، ثم تنزلُ حتى تخرج من ذكره بدون بول.
ولو ابتلع خرزة، فخرجت من دبره، فإنه ينتقض وضوءُه لدخوله في قوله: «ينقض ما خرج من سبيل».
ويشمل الطاهر: كالمني.
والنجس ما عداه من بولٍ، ومذيٍ، وودْيٍ، ودمٍ.
وهذا هو الناقض الأول، وهو ثابت بالنص، والإجماع، إلا ما لم يكن معتادا، ففيه الخلاف[(487)].

وخارج منْ بقية البدن إنْ كان بوْلا، أو غائطا، ..........
قوله: «وخارج من بقية البدن إن كان بولا، أو غائطا» ، هذا هو الناقض الثاني من نواقض الوُضُوء.
وهو معطوف على «ما»، أي: وينقضُ خارج من بقية البدن، إن كان بولا، أو غائطا، وهذا ممكن ولا سيما في العصور المتأخرة، كأن يُجرى للإنسان عملية جراحية حتى يخرج الخارج من جهة أخرى.
فإذا خرج بول، أو غائط من أي مكان فهو ناقض، قل أو كثُر.
وقال بعض أهل العلم: إن كان المخرج من فوق المعدة فهو كالقيء، وإن كان من تحتها فهو كالغائط، وهذا اختيار ابن عقيل رحمه الله[(488)]. وهذا قول جيد، بدليل: أنه إذا تقيأ من المعدة، فإنه لا ينتقض وضوءُه على القول الراجح، أو ينتقض إن كان كثيرا على المشهور من المذهب.
ويُستثنى مما سبق منْ حدثُه دائم، فإنه لا ينتقضُ وضوءهُ بخروجه؛ كمنْ به سلسُ بول، أو ريح، أو غائط، وله حال خاصة في التطهُر تأتي إن شاء الله[(489)].
وظاهر قوله: «إن كان بولا، أو غائطا»، أن الريح لا تنقض إذا خرجت من هذا المكان الذي فُتح عوضا عن المخرج، ولو كانت ذات رائحة كريهة، وهذا ما مشى عليه المؤلف، وهو المذهب.
وقال بعضُ العلماء: إنها تنقضُ الوُضُوء[(490)]، لأن المخرج إذا انسد وانفتح غيره كان له حكمُ الفرج في الخارج، لا في المس، لأن مسه لا ينقض الوُضُوء كما سيأتي إن شاء الله[(491)].

أو كثيرا نجسا غيْرهُما ............
قوله: «أو كثيرا نجسا غيرهُما» ، أي: أو كان كثيرا نجسا غير البول والغائط، فقيد المؤلفُ غير البول، والغائط بقيدين.
الأول: كونُه كثيرا.
الثاني: أن يكون نجسا.
ولم يقيد البول والغائط بالكثير النجس؛ لأن كليهما نجس، ولأن قليلهُما وكثيرهُما ينقض الوُضُوء.
وقوله: «أو كثيرا»، أطلق المؤلف الكثير، والقاعدة المعروفة: أن ما أتى، ولم يُحددْ بالشرع فمرجعُه إلى العُرف، كما قيل:
وكلُ ما أتى ولم يحدد
بالشرع كالحرْز فبالعُرف احدُد[(492)]
فالكثير: بحسب عُرف الناس، فإن قالوا: هذا كثير، صار كثيرا، وإن قالوا: هذا قليل، صار قليلا.
وقال بعض العلماء: إن المعتبر عند كل أحد بحسبه[(493)]، فكلُ من رأى أنه كثير صار كثيرا، وكلُ من رأى أنه قليل صار قليلا.
وهذا القول فيه نظر؛ لأن من الناس من عنده وسواس، فالنُقطةُ الواحدة عنده كثيرة، ومنهم من عنده تهاون فإذا خرج منه دم كثير قال: هذا قليل.
والصحيح الأول: أن المعتبر ما اعتبره أوساط الناس، فما اعتبروه كثيرا فهو كثير، وما اعتبروه قليلا فهو قليل.
وقوله: «نجسا غيرهُما»، نجسا: احترازا من الطاهر، فإذا خرج من بقية البدن شيء طاهر، ولو كثُر فإنه غيرُ ناقض كالعرق، واللُعاب ودمع العين.
وقوله: «غيرهُما» أي: غير البول والغائط، فدخل في هذا الدمُ، والقيءُ، ودمُ الجروح، وماءُ الجروح وكلُ ما يمكن أن يخرج مما ليس بطاهر.
فالمشهور من المذهب أنه إذا كان كثيرا إما عُرفا، أو كل إنسان بحسب نفسه ـ على حسب الخلاف السابق ـ أنه ينقض الوُضُوء، وإن كان قليلا لم ينقض.
واستدلُوا على ذلك بما يلي:
1- أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء، فأفطر، فتوضأ[(494)]. وقد قال الله تعالى: {{لقدْ كان لكُمْ في رسُول الله أُسْوة حسنة}} [الأحزاب: 21] ، فلما توضأ بعد أن قاء فالأُسوة الحسنة أن نفعل كفعله.
2- أنها فضلات خرجت من البدن فأشبهت البول والغائط، لكن لم تأخذْ حكمهما من كل وجهٍ؛ لاختلاف المخرج، فتُعطى حكمهما من وجه دون وجه، فالبول والغائطُ ينقض قليلهُ وكثيرُه؛ لخروجه من المخرج، وغيرهما لا ينقض إلا الكثير.
وذهب الشافعيُ، والفقهاءُ السبعةُ[(495)] وهم المجموعون في قول بعضهم:
إذا قيل منْ في العلم سبعة أبْحُرٍ
روايتهم ليست عن العلم خارجه
فقل: هم عُبيدُ الله، عروة، قاسم
سعيد، أبو بكرٍ، سليمانُ، خارجه[(496)]
إلى أن الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوُضُوء قل أو كثُر إلا البول والغائط، وهذا هو القول الثاني في المذهب[(497)]، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية[(498)]، واستدلُوا بما يلي:
1 ـ أن الأصل عدم النقض، فمن ادعى خلاف الأصل فعليه الدليل.
2 ـ أن طهارته ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي.
ونحن لا نخرجُ عما دل عليه كتاب الله، وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأننا متعبدون بشرع الله، فلا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارةٍ لم تجبْ، ولا أن نرفع عنهم طهارة واجبة.
وأما الحديث الذي استدلُوا به على نقض الوُضُوء فقد ضعفه كثير من أهل العلم. وأيضا: هو مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدلُ على الوجوب؛ لأنه خالٍ من الأمر. وأيضا: هو مقابل بحديث ـ وإن كان ضعيفا ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وصلى، ولم يتوضأ[(499)]. وهذا يدلُ على أن الوُضُوء ليس على سبيل الوجوب، وهذا هوالقول الراجح.

وزوالُ العقْل إلا يسير نوْمٍ منْ قاعدٍ أوْ قائمٍ ............
قوله: «وزوالُ العقل» ، هذا هو الناقض الثالث من نواقض الوُضُوء، وزوال العقل على نوعين:
الأول: زواله بالكُلية، وهو رفع العقل، وذلك بالجنون.
الثاني: تغطيته بسبب يوجب ذلك لمدة معينة كالنوم، والإغماء، والسُكر، وما أشبه ذلك.
وزوال العقل بالجنون والإغماء والسُكْر هو في الحقيقة فقْد له، وعلى هذا فيسيرُها وكثيرُها ناقض، فلو صُرع ثم استيقظ، أو سكر، أو أُغمي عليه انتقض وضوءُه سواء طال الزمنُ أم قصُر.
قوله: «إلا يسير نوم من قاعدٍ أو قائمٍ» ، اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في النوم هل هو ناقض، أو مظنة النقض، على أقوالٍ منها:
القول الأول: أن النوم ناقض مطلقا يسيرُه وكثيره[(500)]، وعلى أي صفة كان؛ لعموم حديث صفوان وقد سبق[(501)]. ولأنه حدث، والحدثُ لا يُفرقُ بين كثيره ويسيره كالبول.
القول الثاني: أن النوم ليس بناقضٍ مطلقا[(502)]؛ لحديث أنس رضي الله عنه أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينتظرون العشاء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تخفق رؤوسهم ثم يُصلُون ولا يتوضؤون»[(503)]، وفي رواية البزار: «يضعون جنوبهم»[(504)].
القول الثالث: ـ وهو المذهب ـ أن النوم ليس بحدثٍ، ولكنه مظنة الحدث، ولا يُعفى عن شيء منه إلا ما كان بعيدا فيه الحدث[(505)]، ولهذا قال المؤلف: «إلا يسير نومٍ من قاعدٍ وقائم».
القول الرابع: ـ وهو اختيار شيخ الإسلام، وهو الصحيح ـ: أن النوم مظنة الحدث، فإذا نام بحيث لو انتقض وضوءُه أحس بنفسه، فإن وضوءه باقٍ، وإذا نام بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه فقد انتقض وضوءُه[(506)].
وبهذا القول تجتمع الأدلة، فإن حديث صفوان بن عسال دل على أن النوم ناقض، وحديث أنس رضي الله عنه دل على أنه غيرُ ناقض.
فيُحمل ما ورد عن الصحابة على ما إذا كان الإنسانُ لو أحدث لأحس بنفسه، ويُحمل حديثُ صفوان على ما إذا كان لو أحدث لم يحس بنفسه.
ويؤيد هذا الجمع الحديثُ المروي «العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء»[(507)]. فإذا كان الإنسانُ لم يُحكمْ وكاءه بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه فإن نومه ناقض، وإلا فلا.
وقوله: «إلا يسير نومٍ من قاعد أو قائم»، هذا استثناء من قول المؤلف: «وزوال العقل»، فخرج باليسير: الكثير، وخرج بقوله: «من قائم أو قاعد» ما عداهما، فما عدا هاتين الحالين ينقض النوم فيها مطلقا.
فعلى هذا يكون النومُ الكثيرُ ناقضا مطلقا، والنومُ اليسيرُ ناقضا أيضا إلا من قائم أو قاعد.
واليسيرُ يُرجعُ فيه إلى العُرف، فتارة يكونُ يسيرا في زمنه بحيث يغفل غفلة كاملة، وربما يرى في منام شيئا، لكنه شيء يسير؛ لأنه استيقظ سريعا، ولو خرج منه شيء لشمه.
وتارة يكون يسيرا في ذاته بحيث لا يغْفُل كثيرا في نومه، فمثلا يسمع المتكلمين، أو إذا كلمه أحد انتبه بسرعة، أو لو حصل له حدث لأحس به.
وظاهر قوله: «من قاعد أو قائم» الإطلاق، ولكنهم استثنوا ما إذا كان محتبيا أو متكئا أو مستندا فإنه ينتقض وضوؤُه؛ لأنه في الغالب يستغرق في نومه، وإذا استغرق في نومه، فإنه قد يُحدثُ ولا يحسُ بنفسه.
ولو أن رجلا نام وهو ساجد نوما خفيفا، فالمذهب: ينتقضُ وضوؤُه؛ لأنه ليس قاعدا ولا قائما.
وعلى القول الراجح: لا ينتقض إلا في حال لو أحدث لم يحس بنفسه.

ومسُ ذكرٍ مُتصلٍ، أوْ قُبُلٍ بظهْر كفه، أوْ بطْنه،........
قوله: «ومسُ ذكر متصل» ، هذا هو الناقض الرابع من نواقض الوُضُوء والمسُ لا بُد أن يكون بدون حائلٍ؛ لأنه مع الحائل لا يُعدُ مسا.
وقوله: «ذكرٍ»، أي: أن الذي ينقض الوُضُوء مسُ الذكر نفسه، لا ما حوله.
وقوله: «متصلٍ»، اشترط المؤلف أن يكون متصلا احترازا من المنفصل، فلو قُطع ذكرُ إنسان في جناية، أو علاج، أو ما أشبه ذلك، وأخذه إنسان ليدفنه، فإن مسه لا ينقض الوُضُوء.
وأيضا: لا بُد أن يكون أصليا؛ احترازا من الخُنثى؛ لأن الخُنثى ذكره غيرُ أصليٍ؛ لأنه إن تبين أنه أنثى فهو زائد، وإن أشكل فلا ينتقضُ الوُضُوءُ مع الإشكال.
قوله: «أو قُبُلٍ» ، القُبُل للمرأة، ويُشترطُ أن يكون أصليا ليخرج بذلك قُبُل الخُنثى.
قوله: «بظهر كفه أو بطنه» متعلق بـ«مس»، أي: لا بُد أن يكون المسُ بالكف، سواء كان بحرفه، أو بطنه، أو ظهره.
ونص المؤلف على ظهر الكف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن المس بظهر الكف لا ينقض الوُضُوء[(508)]؛ لأن المس والإمساك عادة إنما يكون بباطن الكف.
والمسُ بغير الكف لا ينقض الوُضُوء؛ لأن الأحاديث الواردة في المس باليد كقوله صلى الله عليه وسلم: «منْ أفضى بيده إلى ذكره ليس بينهما ستر، فقد وجب عليه الوضوءُ»[(509)]. واليد عند الإطلاق لا يُراد بها إلا الكفُ لقوله تعالى: {{والسارقُ والسارقةُ فاقْطعُوا أيديهُما}} [المائدة: 38] ، أي: أكُفهُما.
واختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في مس الذكر والقُبُل، هل ينقضُ الوُضُوء أم لا؟ على أقوال:
القول الأول: وهو المذهب أنه ينقض الوُضُوء، واستدلُوا بما يلي:
1- حديث بُسْرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «منْ مس ذكره فليتوضأ»[(510)].
2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إذا أفضى أحدُكُم بيده إلى ذكره؛ ليس دونها ستْر فقد وجب عليه الوُضُوء».
وفي رواية: «إلى فرجه»[(511)].
3- أن الإنسان قد يحصُل منه تحرُكُ شهوةٍ عند مس الذكر، أو القُبُل فيخرج منه شيء وهو لا يشعر، فما كان مظنة الحدث عُلق الحكم به كالنوم.
القول الثاني: أن مس الذكر لا ينقضُ الوضوء[(512)]، واستدلُوا بما يلي:
1- حديث طلْق بْن عليٍ أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجُل يمسُ ذكره في الصلاة: أعليه وُضُوء؟ فقال النبيُ صلى الله عليه وسلم: «لا، إنما هو بضْعة منك»[(513)].
2- أن الأصل بقاءُ الطهارة، وعدمُ النقض، فلا نخرج عن هذا الأصل إلا بدليل متيقن. وحديث بُسرة وأبي هريرة ضعيفان، وإذا كان فيه احتمال؛ فالأصل بقاءُ الوُضُوء. قال صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا»[(514)]، فإذا كان هذا في السبب الموجب حسا، فكذلك السببُ الموجبُ شرعا، فلا يمكن أن نلتفت إليه حتى يكون معلوما بيقين.
القول الثالث: أنه إنْ مسهُ بشهوة انتقض الوُضُوء وإلا فلا[(515)]، وبهذا يحصُل الجمع بين حديث بُسرة، وحديث طلْق بن عليٍ، وإذا أمكن الجمع وجب المصير إليه قبل الترجيح والنسخ؛ لأن الجمْع فيه إعمال الدليلين، وترجيح أحدهما إلغاء للآخر.
ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما هو بضْعة منك»[(516)]، لأنك إذا مسسْت ذكرك بدون تحرُك شهوة صار كأنما تمسُ سائر أعضائك، وحينئذٍ لا ينتقض الوُضُوء، وإذا مسسْته لشهوةٍ فإنه ينتقض؛ لأن العلة موجودة، وهي احتمال خروج شيء ناقض من غير شعور منك، فإذا مسه لشهوةٍ وجب الوُضُوء، ولغير شهوة لا يجب الوُضُوء، ولأن مسه على هذا الوجه يخالف مس بقية الأعضاء.
قالوا ـ وهم يحاجُون الحنابلة ـ: لنا عليكم أصل، وهو أنكم قلتم: إن مس المرأة لغير شهوة لا ينقض، ومسها لشهوة ينقض؛ لأنه مظنة الحدث.
وجمع بعض العلماء بينها بأن الأمر بالوُضُوء في حديث بُسْرة للاستحباب، والنفي في حديث طلْق لنفي الوجوب[(517)]؛ بدليل أنه سأل عن الوجوب فقال: «أعليه»، وكلمة: «على» ظاهرة في الوجوب.
القول الرابع: وهو اختيار شيخ الإسلام أن الوُضُوء من مس الذكر مستحب مطلقا، ولو بشهوةٍ[(518)].
وإذا قلنا: إنه مستحب، فمعناه أنه مشروع وفيه أجر، واحتياط، وأما دعوى أن حديث طلْق بن عليٍ منسوخ، لأنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني مسجده أول الهجرة[(519)]، ولم يعُدْ إليه بعدُ. فهذا غير صحيح لما يلي:
1- أنه لا يُصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن.
2- أن في حديث طلْق علة لا يمكن أن تزول، وإذا رُبط الحُكم بعلة لا يمكن أن تزول فإن الحكم لا يمكن أن يزول؛ لأن الحكم يدور مع علته، والعلة هي قوله: «إنما هو بضْعة منك»، ولا يمكن في يوم من الأيام أن يكون ذكرُ الإنسان ليس بضْعة منه، فلا يمكن النسخ.
3- أن أهل العلم قالوا: إن التاريخ لا يُعلم بتقدُم إسلام الراوي، أو تقدُم أخذه؛ لجواز أن يكون الراوي حدث به عن غيره.
بمعنى: أنه إذا روى صحابيان حديثين ظاهرهما التعارض، وكان أحدُهما متأخرا عن الآخر في الإسلام، فلا نقول: إن الذي تأخر إسلامُه حديثُه يكون ناسخا لمن تقدم إسلامُه، لجواز أن يكون رواه عن غيره من الصحابة، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث به بعد ذلك.
والخلاصة: أن الإنسان إذا مس ذكره استُحب له الوُضُوءُ مطلقا، سواء بشهوة أم بغير شهوة، وإذا مسه لشهوة فالقول بالوجوب قوي جدا، لكني لا أجزم به، والاحتياط أن يتوضأ.

ولمْسُهُما من خُنْثى مُشْكلٍ، ولمْسُ ذكرٍ ذكره، أوْ أُنْثى قُبُله لشهوةٍ فيهما .......
قوله: «ولمسُهُما من خُنْثى مُشْكل» ، لمسُهُما: أي القُبُل والذكر. وقوله «من خُنْثى مُشْكلٍ» هو الذي لا يُعلم أذكر هو أم أنثى.
أي: إذا مس قُبُل الخُنثى وذكره انتقض وضوءُه؛ لأنه قد مس فرجا أصليا إذ إن أحدهما أصلي قطعا.
قوله: «ولمسُ ذكرٍ ذكره» ، أي: لمسُ الذكر ذكر الخُنْثى لشهوة.
قوله: «أو أنثى قُبُله» ، أي: لمْسُ الأُنثى قُبُل الخُنثى لشهوة.
قوله: «لشهوة فيهما» ، أي: فيما إذا مس الذكرُ ذكر الخُنثى، أو الأنثى قُبُلهُ.
مثاله: رجل خُنثى، ورجل صحيح، هذا الصحيحُ مس ذكر الخُنثى لشهوةٍ فينتقضُ وضوؤُه.
والعلة: أنه لما مس هذا الجزء من بدنه لشهوة، فإن كان أنثى فقد مسها لشهوة، ومسُ المرأة لشهوة ينْقُضُ الوُضُوء على المذهب كما سيأتي[(520)]، وإن كان ذكرا فقد مس ذكره، ومسُ الذكر ينقض الوُضُوء، وعلى هذا يكون وُضُوؤُه منتقضا على كل تقدير. وإنْ مس الرجلُ فرج الخُنثى لم ينتقض الوُضُوءُ، وإن كان بشهوة؛ لأن الخُنثى إنْ كان ذكرا فقد مسه لشهوة، ومسُ الرجُل الرجُل لشهوة لا ينقضُ الوُضُوء، وإن كان أنثى فقد مس فرجها، لكن ليس لدينا علم الآن بأنه أنثى، بل فيه شك، فيبقى الوُضُوء على أصله، ولا ينتقض.
وإن كانت الأنثى مستْ قُبُل الخُنثى لشهوة، فإن ينتقض الوُضُوء.
مثاله: امرأة صحيحة عندها خُنثى، فمستْ قُبُله لشهوةٍ، فإنه ينتقضُ الوُضُوء.
والعلة: أنه إن كان الخُنثى ذكرا، فقد مستْه لشهوةٍ، ومسُ المرأة الرجُل لشهوة ينقض الوُضُوء، وإن كان أنثى فقد مست فرجها، ومسُ فرج المرأة ينقض الوُضُوء، وعلى هذا يكون وُضوءُها منتقضا على كل تقدير، والصُور كما يلي:
1- مسُ أحد فرجي الخنثى المشكل بدون شهوة، فإنه لا ينقض مطلقا، سواء كان اللامس ذكرا أم أنثى.
2- مسُهُما جميعا، فإنه ينتقض الوُضُوء مطلقا.
3- مسُ أحد فرجي الخُنثى المشكل بشهوة؛ فله أربع حالات:
حالتان ينتقض الوُضُوء فيهما وهما:
1- أن يمس الذكرُ ذكره.
2- أن تمس الأنثى فرجه.
وحالتان لا ينتقضُ الوُضُوء فيهما وهما:
1- أن يمس الذكرُ فرجه.
2- أن تمس الأنثى ذكره.

ومسُهُ امرأة بشهوةٍ ..........
قوله: «ومسُه امرأة بشهوة» ، هذا هو الناقض الخامس من نواقض الوُضُوء.
والضمير في قوله: «ومسُه» يعود على الرجُل، أي: مسُ الرجل امرأة بشهوة؛ وظاهره العموم وأنه لا فرق بين الصغير والكبير، والعاقل والمجنون، والحر والعبد.
ولم يقيد المؤلف المس بكونه بالكف فيكون عاما، فإذا مسها بأي موضع من جسمه بشهوة انتقض وضُوءُه.
والباء في قوله: «بشهوةٍ» للمصاحبة، أي: مصحوبا بالشهوة.
وبعضُهم يعبر بقوله: «لشهوة» باللام، فتكون للتعليل[(521)]، أي مسا تحملُ عليه الشهوةُ.
وقوله: «امرأة» المرأة هي البالغة، ولكن البلوغ هنا ليس بشرط، لكن قيده بعضُ العلماء ببلوغ سبع سنين، سواء من اللامس أم الملموس[(522)]. وفيه نظر؛ لأن الغالب فيمن كان له سبع سنوات أنه لا يدري عن هذه الأمور شيئا؛ ولهذا قيده بعضُ العلماء بمن يطأ مثله. ومن تُوطأ مثلها، أي: تشتهي[(523)]. والذي يطأ مثله من الرجال هو من له عشر سنوات، والتي تُوطأ مثلُها من النساء هي من تم لها تسعُ سنوات، فعلى هذا يكون الحُكم معلقا بمن هو محلُ الشهوة، وهذا أصحُ؛ لأن الحُكم إذا عُلق على وصف فلا بُد أن يوجد محل قابل لهذا الوصف.
واختلف أهل العلم في هذا الناقض على أقوال:
القول الأول: ـ وهو المذهبُ ـ أن مس المرأة بشهوة ينقض الوُضُوء[(524)].
واستدلُوا:
بقوله تعالى: {{أوْ لامسْتُمُ النساء}} [المائدة: 6] وفي قراءة سبعية: «أوْ لمسْتُمُ النساء»[(525)]. والمسُ واللمس معناهما واحد، وهو الجسُ باليد أو بغيرها، فيكون مسُ المرأة ناقضا للوُضُوء.
فإن قيل الآية ليس فيها قيدُ الشهوة، إذ لم يقل الله «أو لامستم النساء بشهوة »، فالجواب: أن مظنة الحدث هو لمس بشهوة، فوجب حمل الآية عليها، ويؤيد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُصلي من الليل، وكانت عائشةُ رضي الله عنها تمدُ رجليها بين يديه، فإذا أراد السُجود غمزها فكفتْ رجليها[(526)]، ولو كان مجردُ اللمس ناقضا لانتقض وضوءُ النبي صلى الله عليه وسلم واستأنف الصلاة.
ولأن إيجاب الوُضُوء بمجرد المس فيه مشقة عظيمة، إذ قل من يسلمُ منه، ولا سيما إذا كان الإنسان عنده أم كبيرة، أو ابنة عمياء وأمسك بأيديهما للإعانة أو الدلالة. وما كان فيه حرج ومشقة فإنه منفي شرعا.
القول الثاني: أنه ينقضُ مطلقا، ولو بغير شهوة، أو قصد[(527)].
واستدلُوا: بعموم الآية.
وأجابوا عن حديث عائشة: بأنه يحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمسُها بظُفره، والظُفر في حكم المنفصل، أو بحائل، والدليل إذا دخله الاحتمال بطل الاستدلال به، وفي هذا الجواب نظر، وهذا ليس بصريح.
القول الثالث: أنه لا ينقض مسُ المرأة مطلقا، ولو الفرج بالفرج، ولو بشهوة (527) .
واستدلُوا:
1- حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة، ولم يتوضأ[(528)]، حدثت به ابن اختها عروة بن الزبير فقال: ما أظنُ المرأة إلا أنت، فضحكت.
وهذا حديث صحيح، وله شواهدُ متعددة، وهذا دليل إيجابي، وكون التقبيل بغير شهوة بعيد جدا.
2- أن الأصل عدم النقض حتى يقوم دليل صحيح صريح على النقض.
3- أن الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعيٍ، فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي، ولا دليل على ذلك وهذا دليل سلبي.
وأجابوا عن الآية بأن المُراد بالملامسة الجماع لما يلي:
1- أن ذلك صح عن ابن عباس[(529)] رضي الله عنهما، الذي دعا له النبيُ صلى الله عليه وسلم أن يعلمه الله التأويل[(530)]، وهو أولى من يُؤخذ قوله في التفسير إلا أن يعارضه من هو أرجح منه.
2- أن في الآية دليلا على ذلك حيث قُسمت الطهارةُ إلى أصلية وبدل، وصُغرى وكُبرى، وبُينت أسباب كلٍ من الصُغرى والكُبرى في حالتي الأصل والبدل، وبيان ذلك أن الله تعالى قال: {{ياأيُها الذين آمنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصلاة فاغْسلُوا وُجُوهكُمْ وأيْديكُمْ إلى الْمرافق وامْسحُوا برُؤُوسكُمْ وأرْجُلكُمْ إلى الْكعْبيْن}} [المائدة: 6] ، فهذه طهارة بالماء أصلية صُغرى.
ثم قال: {{وإنْ كُنْتُمْ جُنُبا فاطهرُوا}}، وهذه طهارة بالماء أصلية كُبرى.
ثم قال: {{وإنْ كُنْتُمْ مرْضى أوْ على سفرٍ أوْ جاء أحد منْكُمْ من الْغائط أوْ لامسْتُمُ النساء فلمْ تجدُوا ماء فتيممُوا}}، فقوله: «فتيممُوا» هذا البدل، وقوله: {{أوْ جاء أحد منْكُمْ من الْغائط}} هذا بيانُ سبب الصُغرى، وقوله: {{أوْ لامسْتُمُ النساء}} هذا بيان سبب الكُبرى.
ولو حملناه على المس الذي هو الجسُ باليد، لكانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصُغرى، وسكت الله عن سبب الطهارة الكُبرى مع أنه قال: {{وإنْ كُنْتُمْ جُنُبا فاطهرُوا}}، وهذا خلاف البلاغة القرآنية.
وعليه؛ فتكون الآية دالة على أن المُراد بقوله: {{أوْ لامسْتُمُ النساء}} أي: «جامعتم»، ليكون الله تعالى ذكر السببين الموجبين للطهارة، السبب الأكبر، والسبب الأصغر، والطهارتين الصُغرى في الأعضاء الأربعة، والكُبرى في جميع البدن، والبدُل الذي هو طهارةُ التيمُم في عضوين فقط؛ لأنه يتساوى فيها الطهارة الكُبرى والصغرى.
فالراجح: أن مس المرأة، لا ينقضُ الوُضُوء مطلقا إلا إذا خرج منه شيء فيكون النقضُ بذلك الخارج.
قوله: «أو تمسُه بها» ، ضمير المفعول في «تمسُه» يعود على الرجل، أي: أو تمسُ المرأة الرجل بشهوة، فينتقض وضوءُها.
والدليل على ذلك: القياس، فإذا كان مسُ الرجل للمرأة بشهوة ينقض الوُضُوء، فكذا مسُ المرأة للرجُل بشهوة ينقضُ الوُضُوء، وهذا مقتضى الطبيعة البشرية، وهذا قياس واضح جلي.
وعُلم من قوله: «أو تمسُه بها»، أن المرأة لو مست امرأة لشهوة فلا ينتقض وضوءها، لأن المرأة ليست محلا لشهوة المرأة الأخرى كما أن الرجُل ليس محلا لشهوة الرجُل.
ويمكن أن نقول: إن المرأة إذا مست امرأة لشهوة انتقض وضوءُها بالقياس على ما إذا مست الرجُل بشهوة؛ لأن العلة واحدة، ويوجد من النساء من تتعلق رغبتُها بالشابات، كما أنه يوجد من الرجال ـ والعياذ بالله ـ من تتعلق رغبتهم بالشباب، وما دامت العلة معقولة، فإن ما شارك الأصل في العلة، وجب أن يُعطى حكمه، لكن سبق أن القول الراجح أن مس المرأة لا ينقضُ الوُضُوء مطلقا ما لم يخرج منه شيء، فما تفرع عنه فهو مثله.

أو تمسُهُ بها ومسُ حلْقة دُبُرٍ،.............
قوله: «ومسُ حلْقة دُبُرٍ» ، هذا من النواقض، ولا يحتاج إلى أن يُخص؛ لأنه داخل في عموم مس الفرْج، ولكن لما ذكر المؤلفُ «مس الذكر احتاج إلى أن يقول: «ومسُ حلْقة دُبُرٍ»، ولو قال هناك: «مسُ الفرْج» لكان أعم ولم يحتج إلى ذكر الدُبر.
وقد روى الإمامُ أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مس فرجه فليتوضأ»[(531)]، والدُبُر فرْج ـ لأنه منفرج عن الجوف، ويخرج منه ما يخرج.
وعلى هذا فإنه ينتقضُ الوضوءُ بمس حلْقة الدُبُر، وهذا فرع من حكم مس الذكر فليُرجعْ إليه لمعرفة الراجح في ذلك[(532)].
وقوله: «حلقة دُبُر» يخرج به ما لو مس ما قرُب منها كالصفحتين، وهما جانبا الدُبُر، أو مس العجيزة، أو الفخذ، أو الأنثيين، فلا ينتقض الوُضُوء.

لا مس شعرٍ وظُفُرٍ،...........
قوله: «لا مس شعْرٍ» ، أي: لا ينقض مسُ شعرٍ ممن ينقضُ مسُه كمس المرأة بشهوة على المذهب.
مثاله: رجل مس شعْر امرأته بشهوة، ولم يخرجْ منه شيء، فإنه لا ينتقض وضوءه، لأن الشعْر في حكم المنفصل، فكما لو مس خمارها لم ينتقض وضوءُهُ ولو بشهوة، فكذا الشعر؛ لأنه في حكم المنفصل، ولا حياة فيه.
قوله: «وظُفُر» ، يعني لو مس ظُفُر من ينقضُ الوُضُوء مسُه لم ينقضْ وضوءه[(533)].
مثاله: رجل مس ظُفْر امرأته لشهوة فإنه لا ينتقض وضوءُه، سواء طال هذا الظُفْر، أو قصُر.
وكذا السنُ، فلو مسه بشهوة لا ينتقضُ وضوءهُ، لأنه في حكم المنفصل ولا حياة فيه ولا شعور.
وقال ابن عقيل: إذا قلتم: إن هذه الثلاثة لا حياة فيها، فقولوا: إن المس بالعضو الأشل لا ينقض الوُضُوء أيضا، وأنتم تقولون بأنه ينقض[(534)].

وأمْردٍ،..............
قوله: «وأمْردٍ» ، أي لا ينقضُ الوُضُوء مسُ الأمرد، وهو من طر شاربُه، أي: اخضر ولم تنبت لحيتُه؛ لأنه ليس محلا للشهوة، ولذا قال لوط لقومه: {{أتأْتُون الذُكْران من الْعالمين *وتذرُون ما خلق لكُمْ ربُكُمْ منْ أزْواجكُمْ بلْ أنْتُمْ قوْم عادُون *}} [الشعراء] .
فالذكر لم يُخلق للذكر فهو كما لو مس بنت ثلاثة أشهر؛ لأن كُلا منهما ليس محلا للشهوة.
وهذا القول ضعيف جدا، إذا قلنا بنقض الوُضُوء بمس المرأة لشهوة؛ لأن من الناس ـ والعياذ بالله ـ من قلب اللهُ حسه وفطرته فأصبح يشتهي الذُكور دون النساء، بل أشدُ.
وقوم لوط لما جاؤوا إلى لوط قال: {{هؤُلاء بناتي هُن أطْهرُ لكُمْ}} فقالوا: {{لقدْ علمْت ما لنا في بناتك منْ حقٍ وإنك لتعْلمُ ما نُريدُ}} [هود: 79] يقصدون الملائكة الذين أتوا في صورة شباب.
والصواب: أن مس الأمرد كمس الأُنثى سواء، حتى قال بعض العُلماء: إن النظر إلى الأمرد حرام مطلقا كالنظر إلى المرأة فيجب عليه غضُ البصر[(535)].
وقال شيخ الإسلام: لا تجوز الخلوةُ بالأمرد، ولو بقصد التعليم[(536)]؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وكم من أُناس كانوا قتلى لهذا الأمرد، فأصبحوا فريسة للشيطان والأهواء، وهذه المسألة يجب الحذر منها.
ولهذا كان القول الراجح أن عقوبة اللوطي ـ فاعلا كان أو مفعولا به إذا كان راضيا ـ القتلُ بكل حالٍ إذا كانا بالغين عاقلين، حتى وإن لم يكونا محصنين.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به، لكن اختلفوا كيف يُقتلُ[(537)].
فأبو بكر، وعبد الله بن الزُبير، وخالد بن الوليد حرقوهم بالنار؛ لأن فعلتهم هذه من أقبح المنكرات، ولهذا قال الله في الزنا: {{ولا تقْربُوا الزنى إنهُ كان فاحشة}} [الإسراء: 32] يعني: من الفواحش؛ لأن «فاحشة» نكرة.
وقال الله في اللـواط: {{أتأْتُون الْفاحشة}} [الأعراف: 80] ، فكأنها بلغـت فـي الفُحْش غايته، وأعلاه.
والإمام يقتله بما يردع عن هذه الفعلة الخبيثة؛ لأنه لا يمكن التحرُز منها إطلاقا، فالزنا يُتحرز منه، فإذا رأينا رجلا معه امرأة غريبة، قلنا له: من هذه؟ أما الرجُلُ مع الرجُل فلا يمكن ذلك.
وهذا كما قالوا: إن قتل الغيلة موجب للقتل بكل حال، ولو عفا أولياء المقتول، لأنه لا يمكن التحرُز منه[(538)].

ولا مع حائلٍ، ولا ملْمُوسٍ بدنُه، ولوْ وُجد منه شهْوة، ....
قوله: «ولا مع حائل» ، أي: ولا ينقض مس مع حائل؛ لأن حقيقة المس الملامسةُ بدون حائل.
قوله: «ولا ملموسٍ بدنُه» ، يعني ولا ينتقضُ وضوءُ ملموسٍ بدنُه، فلو أن امرأة مسها رجُل بشهوةٍ، فلا ينتقض وضوءُها، وينتقض وضوءُ الرجُل.
قوله: «ولو وُجد منه شهوة» ، أي: ولو وُجد من الملموس بدنُه شهوة؛ فإن وضوءه لا ينتقضُ؛ وهذا غريب: أنه لا ينتقضُ وضوءُ الملموس.
مثاله: شاب قبل زوجته وهي شابة بشهوة، وهي كذلك بشهوة فيجب عليه الوضوء، ولا يجب عليها مع أن العلة واحدة.
ولهذا كان القول الصحيح في هذه المسألة: أن الملموس إذا وُجد منه شهوة انتقض وضوءُه؛ على القول بأن اللامس ينتقض وضوءُه، وهو القياس.
قال الموفق رحمه الله: كل بشرتين حصل الحدثُ بمس إحداهما؛ فإن الطهارة تجبُ على اللامس والملموس، كالختانين فيه مُجامع ومُجامع، إذا التقى الختانان بدون إنزال منهما وجب الغسل عليهما جميعا[(539)].
وهذا الذي قاله الموفق رحمه الله هو الصوابُ؛ لكنه مبني على القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض الوُضُوء، وقد سبق أن الراجح أنه لا ينقض إلا أن يخرج منه شيء.

وينْقُضُ غسْلُ ميتٍ،.............
قوله: «وينقضُ غسْلُ ميتٍ» ، هذا هو الناقضُ السادسُ من نواقض الوضوء.
والغسل بالفتح: بمعنى التغسيل، وبالضم، المعنى الحاصل بالتغسيل، ومعنى: ينقض غسلُ ميت، أي: تغسيل ميت، سواء غسل الميت كله أو بعضه.
وقوله: «ميت» يشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحُر والعبد، ولو من وراء حائل؛ لأن المؤلف يقول: «غسل» ولم يقل «مسُ»، فلو وضع على يده خرقة، وأخذ يغسله انتقض وضوءهُ مطلقا، وهذا الذي مشى عليه المؤلفُ هو المذهبُ، وهو من مفردات مذهب أحمد[(540)]؛ لأن الأئمة الثلاثة قالوا بخلاف ذلك[(541)].
واستدل الأصحاب بما يلي:
1- ما رُوي عن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس رضي الله عنهم أنهم أمروا غاسل الميت بالوُضُوء[(542)].
2- أن غاسل الميت غالبا يمسُ فرجه، ومسُ الفرج من نواقض الوُضُوء.
القول الثاني: أن غسْل الميت لا ينقضُ الوُضُوء[(543)].
واستدلُوا على ذلك بما يلي:
1- أن النقض يحتاجُ إلى دليل شرعيٍ يرتفعُ به الوُضُوءُ الثابتُ بدليل شرعيٍ، ولا دليل على ذلك من كتاب الله، ولا من سُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا من الإجماع.
وأجابوا عما ورد عن هؤلاء الصحابة الثلاثة:
أن الأمر يحتملُ أن يكون على سبيل الاستحباب، وفرضُ شيء على عباد الله من غير دليل تطمئنُ إليه النفس أمر صعب، لأن فرض ما ليس بفرض كتحريم ما ليس بحرام.
ولأننا إذا فرضنا عليه الوُضُوء، فقد أبطلنا صلاته إذا غسل الميت وصلى ولم يُعد الوُضُوء، وإبطال الصلاة أمر صعب يحتاج إلى دليل بينٍ.

، وأكْلُ اللحْم خاصة من الجزُور ...........
قوله: «وأكل اللحم خاصة من الجزُور» ، يعني وينقض أكلُ اللحم خاصة من الجزور، وهذا هو الناقضُ السابعُ من نواقض الوُضُوء، وهو من مفردات مذهب أحمد رحمه الله[(544)].
وقوله: «وأكل اللحم» يشمل النيء والمطبوخ؛ لأنه كله يُسمى لحما. وخرج بقوله: «أكلُ» ما لو مضغه ولم يبلعه، فإنه لا ينتقض وضوءُه؛ لأنه لا يُقال لمن مضغ شيئا ثم لفظه: إنه أكله.
وقوله: «خاصة» يعود إلى اللحم لا إلى الجزور؛ لأن قوله «الجزور» يُغني عن «خاصة».
وخرج بكلمة «خاصة» ما عدا اللحم كالكرْش، والكبد، والشحم، والكلية، والأمعاء، وما أشبه ذلك.
والدليل على ذلك:
1- أن هذه الأشياء لا تدخل تحت اسم اللحم، بدليل أنك لو أمرت أحدا أن يشتري لك لحما، واشترى كرشا؛ لأنكرت عليه، فيكون النقضُ خاصا باللحم الذي هو «الهبْرُ»[(545)].
2- أن الأصل بقاءُ الطهارة، ودخولُ غير «الهبْر» دخول احتمالي، واليقينُ لا يزول بالاحتمال.
3- أن النقْض بلحم الإبل أمر تعبُدي لا تُعرف حكمته، وإذا كان كذلك، فإنه لا يمكن قياس غير الهبْر على الهبْر؛ لأن من شرط القياس أن يكون الأصل معللا، إذ القياس إلحاق فرع بأصل في حُكم لعلةٍ جامعة، والأمور التعبُدية غير معلومة العلة وهذا هو المشهور من المذهب.
والصحيح: أنه لا فرق بين الهبْر وبقية الأجزاء، والدليل على ذلك:
1- أن اللحم في لُغة الشرع يشمل جميع الأجزاء، بدليل قوله تعالى: {{حُرمتْ عليْكُمُ الْميْتةُ والدمُ ولحْمُ الْخنْزير}} [المائدة: 3] ، فلحم الخنزير يشمل كل ما في جلده، بل حتى الجلد، وإذا جعلنا التحريم في لحم الخنزير ـ وهو منْع ـ شاملا جميع الأجزاء فكذلك نجعل الوُضُوء من لحم الجزور ـ وهو أمْر ـ شاملا جميع الأجزاء، بمعنى أنك إذا أكلت أي جزء من الإبل، فإنه ينتقض وضوءُك.
2- أن في الإبل أجزاء كثيرة قد تُقارب الهبْر، ولو كانت غير داخلة لبين ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لعلْمه أن الناس يأكلون الهبْر وغيره.
3- أنه ليس في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم حيوان تتبعضُ أجزاؤه حلا وحُرمة، وطهارة ونجاسة، وسلبا وإيجابا، وإذا كان كذلك فلتكن أجزاء الإبل كلُها واحدة.
4- أن النص يتناول بقية الأجزاء بالعموم المعنوي، على فرض أنه لا يتناولها بالعُموم اللفظي؛ إذْ لا فرق بين الهبْر وهذه الأجزاء، لأن الكُل يتغذى بدمٍ واحد، وطعام واحد، وشراب واحد.
5- أنه إذا قلنا بوجوب الوُضُوء وتوضأنا وصلينا، فالصلاة صحيحة قولا واحدا، وإن قلنا بعدم الوجوب وصلينا بعد أكل شيء من هذه الأجزاء بلا وُضُوء، فالصلاة فيها خلاف؛ فمن العلماء من قال بالبطلان، ومنهم من قال بالصحة، ففيها شُبهة، وقد قال النبيُ صلى الله عليه وسلم: «من اتقى الشُبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»[(546)].
وقال صلى الله عليه وسلم: «دعْ ما يريبُك إلى ما لا يريبُك»[(547)].
6- أنه روى أحمد في «مسنده» بسندٍ حسن عن أُسيد بن حُضير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «توضؤوا من ألبان الإبل»[(548)].
وإذا دلت السُنة على الوُضُوء من ألبان الإبل، فإن هذه الأجزاء التي لا تنفصل عن الحيوان من باب أوْلى. وعلى هذا يكون الصحيحُ أن أكل لحم الإبل ناقض للوُضُوء مطلقا، سواء كان هبْرا أم غيره.
وقوله: «من الجزور» أي: البعير، وخرج به اللحم من غير الجزور، وإن شارك الجزور في الحكم كالبقرة، فإنها تُسمى بدنة وتجزئ عنها في الهدي والأضاحي، ومع ذلك فإن لحمها لا ينْقُضُ الوُضُوء، وكذلك اللحم المحرم لا ينقض الوضوء، كما لو اضطر إنسان إلى أكل لحم حمار أو ميتة فإنه لا ينقض الوُضُوء، وكذا لو أكل اللحم المحرم لغير ضرورة، فإنه لا ينقض وضوءه، لأن الأصل بقاء الطهارة.
وقوله: «من الجزور» ظاهره أنه لا فرق بين القليل والكثير، والمطبوخ والنيء، وسواء كانت الجزور كبيرة أم صغيرة لا تجزئ في الأضحية لعموم الحديث. ولا يُقال: إن لحم الصغير يُترفه به كلحم الضأن، فلا يوجب الوُضُوء؛ لأن هذه علة مظنونة، والعموم أقوى منها، فنأخذ به.
وهذا الناقض من نواقض الوُضُوء هو من مفردات مذهب أحمد رحمه الله واستدلُوا على ذلك بما يلي:
1- حديث جابر بن سمُرة رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم، فتوضأ من لحوم الإبل»، قال: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ»[(549)].
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم علق الوُضُوء بالمشيئة في لحم الغنم، فدل هذا على أن لحم الإبل لا مشيئة فيه ولا اختيار، وأن الوُضُوء منه واجب.
2- حديث البراء، وفيه: «توضؤوا من لحوم الإبل»[(550)]. والأصل في الأمر الوجوب، قال الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه: فيه حديثان صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم: حديث البراء، وحديث جابر بن سمُرة[(551)].
القول الثاني: أنه لا ينقض الوُضُوء[(552)]، واستدلُوا على ذلك بما يلي:
1- حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ـ: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم تركُ الوُضُوء مما مست النار»، رواه أهل السُنن[(553)].
ووجه الدلالة أن قوله: «مما مست» عام يشمل الإبل وغيرها، وقد صرح بقوله: «كان آخرُ الأمرين»، وإذا كان آخر الأمرين، فالواجب أن نأخذ بالآخر من الشريعة؛ لأن الآخر يكون ناسخا للأول.
2- حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الوُضُوء مما خرج، لا مما دخل»[(554)].
وأجيب عن هذين الدليلين بما يلي:
أما حديث جابر: «كان آخر الأمرين ترك الوُضُوء مما مست النار»، فلا يعارض حديث الوُضُوء من لحم الإبل، فضلا عن أن يكون ناسخا له؛ لأنه عام، والعام يُحمل على الخاص، باتفاق أهل العلم، فيخرج منه الصُور التي قام عليها دليل التخصيص، ولا يُقال بالنسخ مع إمكان الجمع؛ لأن النسخ مع إمكان الجمع إبطال لأحد الدليلين، مع أنه ليس بباطل.
والغرض من حديث جابر: بيان أن الوُضُوء مما مست النار ليس بواجب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أمر بالوُضُوء مما مست النارُ، وصح عنه الأمر بذلك، فقال جابر: «كان آخُر الأمرين ترك الوُضُوء مما مست النار».
والنبيُ صلى الله عليه وسلم إذا أمر بأمرٍ وفعل خلافه، دل على أن الأمر ليس للوجوب.
وأصل بعضُ أهل العلم أصلا ليس بأصيل، ومال إليه الشوكاني[(555)]، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر بأمرٍ، وفعل خلافه، صار الفعلُ خاصا به، وبقي الأمر بالنسبة للأمة على مدلوله للوجوب.
وهذا ضعيف؛ لأن سُنة الرسول صلى الله عليه وسلم تشمل قوله صلى الله عليه وسلم وفعله، فإذا عارض قولُه فعله، فإن أمكن الجمع فلا خصوصية؛ لأننا مأمورون بالاقتداء به قولا وفعلا، ولا يجوز أن نحمله على الخصوصية مع إمكان الجمع، لأن مقتضى ذلك ترك العمل بشطر السُنة، وهو السُنة الفعلية.
وأما حديث ابن عباس فضعيف، وإن صح موقوفا[(556)]، فقد خُولف.
فظهر بذلك ضعفُ دليل من قال: إن لحم الإبل لا ينقضُ الوضوء، ويبقى حديثُ الوُضُوء من لحم الإبل سالما من المعارض المقاوم، وإذا كان كذلك، وجب الأخذ به، والقول بمقتضاه.
وأما الوُضُوء من ألبان الإبل؛ فالصحيح أنه مستحب وليس بواجب؛ لوجهين:
الأول: أن الأحاديث الكثيرة الصحيحة واردة في الوُضُوء من لحوم الإبل، والحديث في الوضوء من ألبانها إسناده حسن وبعضهم ضعفه[(557)].
الثاني: ما رواه أنس في قصة العُرنيين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يلحقوا بإبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها[(558)]... ولم يأمرْهم أن يتوضؤوا من ألبانها، مع أن الحاجة داعية إلى ذلك، فدل ذلك على أن الوُضُوء منها مستحب.
مسألة: الوُضُوء من مرق لحم الإبل.
المذهب: أنه غير واجب، ولو ظهر طعمُ اللحم؛ لأنه لم يأكل لحما.
وفيه وجه للأصحاب: أنه يجب الوُضُوء[(559)]؛ لوجود الطعم في المرق، كما لو طبخنا لحم خنزير، فإن مرقه حرام. وهذا تعليل قوي جدا. فالأحوط أن يتوضأ، أما إذا كان المرق في الطعام، ولم يظهر فيه أثره فإنه لا يضرُ.
فإن قيل: ما الحكمة من وجوب الوُضُوء من أكل لحم الإبل؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن الحكمة أمرُ النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما أتى به النبيُ صلى الله عليه وسلم من الأحكام فهو حكمة.
قال تعالى: {{وما كان لمُؤْمنٍ ولا مُؤْمنةٍ إذا قضى اللهُ ورسُولُهُ أمْرا أنْ يكُون لهُمُ الْخيرةُ منْ أمْرهمْ}} [الأحزاب: 36] .
وقالت عائشة لما سُئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يُصيبُنا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[(560)].
ولأننا نؤمن ـ ولله الحمد ـ أن الله لا يأمر بشيء إلا والحكمة تقتضي فعله، ولا ينهى عن شيء إلا والحكمة تقتضي تركه.
الثاني: أن بعض العلماء التمس حكمة فقال: إن لحم الإبل شديدُ التأثير على الأعصاب، فيُهيجها[(561)]؛ ولهذا كان الطبُ الحديث ينهى الإنسان العصبي من الإكثار من لحم الإبل، والوُضُوء يسكن الأعصاب ويبردها، كما أمر النبيُ صلى الله عليه وسلم بالوُضُوء عند الغضب[(562)]؛ لأجل تسكينه.
وسواء كانت هذه هي الحكمة أم لا؛ فإن الحكمة هي أمر النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إن علمنا الحكمة فهذا فضْل من الله وزيادة علم، وإن لم نعلم فعلينا التسليم والانقياد.

الجزُور وكُلُ ما أوْجب غُسْلا، أوْجب وُضُوءا،.............
قوله: «وكلُ ما أوجب غُسْلا أوجب وُضُوءا» ، هذا هو الناقض الثامن من نواقض الوُضُوء وبه تمت النواقضُ.
أي: وكلُ الذي أوجب غسلا أوجب وُضُوءا، وهذا ضابط.
ولا بُد من معرفة موجبات الغسل حتى نعرف أن هذا الذي أوجب غسلا أوجب وُضُوءا، فيكون هذا إحالة على باب وسيأتي إن شاء الله[(563)].
فالحدث الأكبر يدخل فيه الحدث الأصغر.
مثال ذلك: خروجُ المني موجب للغسل، وهو خارج من السبيلين فيكون ناقضا للوُضُوء بقاعدة: أن ما خرج من السبيلين فهو ناقض.
وهذا الضابط في النفس منه شيء لقوله تعالى: {{وإنْ كُنْتُمْ جُنُبا فاطهرُوا}} [المائدة: 6] . فأوجب الله في الجنابة الغسل فقط، ولم يوجب علينا غسل الأعضاء الأربعة، فما أوجب غُسْلا لم يوجب إلا الغُسْل، إلا إن دل إجماع على خلاف ذلك، أو دليل.
ولهذا فالراجح: أن الجنب إذا نوى رفع الحدث كفى، ولا حاجة إلى أنْ ينوي رفع الحدث الأصغر.

إلا الموت ..............
قوله: «إلا الموت» ، فالموت موجب للغسل، ولا يوجب الوُضُوء بمعنى أنه لا يجب على الغاسل أن يوضئ الميت أولا.
فلو جاء رجل وغمس الميت في نهرٍ ناويا تغسيله ثم رفعه فإنه يجزئ.
وهذا من غرائب العلم، كيف ينفون وجوب الوُضُوء في تغسيل الميت مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ابدأن بميامنها، ومواضع الوُضُوء منها»[(564)].
والتعليلُ على المذهب لاستثناء الموت: أن الشارع إنما أمر بتغسيل الميت فقط.
فيُقال: وكذا الشارع أمر بتغسيل الميت والبداءة بمواضع الوضوء منه.
فإن قالوا: إن الموت حدث لا يرتفع.
قلنا: ولكن الأثر الحاصل بتغسيله عندكم بمعنى ارتفاع الحدث، لأننا غسلناه وحكمنا بطهارته مع أن الحدث الموجب للطهارة ما زال باقيا، فيكون بمعنى ارتفاع الحدث.
ونحن نوافق أن الموت موجب للغسل، ولا يوجب الوُضُوء، لعدم الدليل الصريح على وجوب الوُضُوء. وإن كان يحتمل أن الوُضُوء واجب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ومواضع الوُضُوء منها»[(565)].
فالظاهر أن موجبات الغُسْل لا توجب إلا الغُسْل لعدم الدليل على إيجاب الوُضُوء.

ومنْ تيقن الطهارة وشك في الحدث، أوْ بالْعكْس بنى على اليقين،............
قوله: «ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أوْ بالعكْس بنى على اليقين» ، يعني: إذا تيقن أنه طاهر، وشك في الحدث فإنه يبني على اليقين، وهذا عام في موجبات الغُسل، أو الوُضُوء.
مثاله: رجل توضأ لصلاة المغرب، فلما أذن العشاء وقام ليُصلي شك هل انتقض وضوءُه أم لا؟
فالأصل عدم النقض فيبني على اليقين وهو أنه متوضئ.
مثال آخر: استيقظ رجل فوجد عليه بللا، ولم ير احتلاما، فشك هل هو مني أم لا؟ فلا يجب عليه الغسل للشك.
ولو رأى عليه أثر المني وشك هل هو من الليلة البعيدة أم القريبة؟ يجعله من القريبة لأنها مُتيقنة، وما قبلها مشكوك فيه.
ودليل ذلك حديث أبي هريرة، وعبد الله بن زيد رضي الله عنهما في الرجُل يجد الشيء في بطنه، ويُشْكلُ عليه: هل خرج منه شيء أم لا؟ فقال النبيُ صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا»[(566)]، وفي حديث أبي هريرة: «لا يخرج» (566) ، أي: من المسجد «حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» (566) مع أن قرينة الحدث موجودة، وهي ما في بطْنه من القرقرة والانتفاخ.
وقوله: «أو بالعكس»، يعني أن من تيقن الحدث وشك في الطهارة، فالأصْل الحدث.
ويُستدلُ لهذه المسألة بحديث أبي هريرة، وعبد الله بن زيد من باب قياس العكس.
وقياس العكس ثابت في الشريعة، قال صلى الله عليه وسلم: «وفي بُضْع أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدُنا شهوته، ويكون له فيها أجْر؟ قال: «نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام؛ أكان عليه وزْر؟»، قالوا: نعم، فقال: «فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر[(567)].
وكذا لو كان عليه جنابة، وشك هل اغتسل أم لا؟ فإنه يغتسل، ولا يتردد.
وهذه ـ أعني البناء على اليقين وطرح الشك ـ قاعدة مهمة، دل عليها قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا شك أحدكم في صلاته فليطرح الشك وليبْن على ما استيقن»[(568)]، ولها فروع كثيرة جدا في الطلاق والعقود وغيرهما من أبواب الفقه، فمتى أخذ بها الإنسان انحلت عنه إشكالات كثيرة، وزال عنه كثير من الوساوس والشُكوك، وهذا من بركة كلام النبي صلى الله عليه وسلم وحكمه.
وهو أيضا من يُسْر الإسلام وأنه لا يريد من المسلمين الوُقوع في القلق والحيرة؛ بل يريد أن تكون أمورهم واضحة جلية، ولو استسلم الإنسان لمثل هذه الشُكوك لتنغصت عليه حياته؛ لأن الشيطان لن يقف بهذه الوساوس والشكوك عند أمور الطهارة فقط، بل يأتيه في أمور الصلاة والصيام وغيرهما، بل في كل أمور حياته؛ حتى مع أهله، فقطع الشارع هذه الوساوس من أصلها، وأمر بتركها، بل ودفعها حتى لا يكون لها أثر على النفس.

فإن تيقنهُما، وجهل السابق، ...........
قوله: «فإن تيقنهُما وجهل السابق» ، أي: تيقن أنه مر عليه طهارة وحدث تيقنهُما جميعا، ولكن لا يدري أيُهما الأول، فيُقال له: ما حالُك قبْل هذا الوقت الذي تبين لك أنك أحدثت وتطهرْت فيه؟
فإن قال: محدث، قلنا: أنت الآن متطهر. وإن قال: متطهر، قلنا: أنت الآن محدث.
مثاله: رجل متيقن أنه على وُضُوء من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد طلوع الشمس بساعة أراد أن يُصلي الضُحى، فقال: أنا متيقن أنه من بعد طلوع الشمس إلى الآن حصل مني حدث ووُضُوء، ولا أدري أيُهُما السابق. نقول: أنت الآن محدث.
وإن قال: أنا متيقن أني بعد صلاة الفجر نقضْتُ الوُضُوء، وبعد طلوع الشمس حصل مني حدث ووُضُوء، نقول: أنت الآن طاهر.
والتعليل: أنه تيقن زوال تلك الحال إلى ضدها، وشك في بقائه، والأصل بقاؤه.
ففي الصُورة الأولى تيقن أنه كان على وُضُوء إلى طلوع الشمس، ثم تيقن أنه أحْدث بعد ذلك، ثم شك هل زال الحدث أم لا؟ فيُقال: إنك محدث لأن الأصل بقاء الحدث الذي تيقنْته، وهكذا.
فإن تيقن الطهارة والحدث؛ وجهل السابق منهما؛ وجهل حاله قبْلهُما؛ وجب عليه الوُضُوء؛ لأنه ليس هناك حال متيقنة ويُحالُ الحكم عليها. وهذا هو المذهب.
وقال بعض العُلماء: إنه يجب الوُضُوء مطلقا[(569)].
والتعليل: أنه تيقن أنه حصل له حالان، وهذان الحالان مُتضادان ولا يدري أيُهما الأسبق، فلا يدري أيُهما الوارد على الآخر فيتساقطان، وقد تيقن زوال تلك الحال الأولى، فيجب عليه الوُضُوء احتياطا كما لو جهل حاله قبلهما.
والقول بوجوب الوُضُوء أحْوط، لأنه مثلا بعد طلوع الشمس متيقن أنه أحْدث وتوضأ، ولا يدري الأسبق منهما، وفيه احتمال أنه توضأ تجديدا ثم أحدث، فصار يجب عليه الوُضُوء الآن، وإذا كان هذا الاحتمال واردا فلا يخرج من الشك إلا بالوُضُوء.
وهذا الوُضُوء إنْ كان هو الواجب فقد قام به، وإلا فهو سُنة. والفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا قوي الشكُ فإنه يُسنُ الوُضُوء؛ لأجل أن يُؤدي الطهارة بيقين[(570)].
والحاصل أن الصُور أربع وهي:
الأولى: أن يتيقن الطهارة ويشُك في الحدث.
الثانية: أن يتيقن الحدث ويشك في الطهارة.
الثالثة: أن يتيقنهُما ويجهل السابق منهما، وهو يعلم حاله قبْلهُما.
الرابعة: أن يتيقنهُما ويجهل السابق منهما، وهو لا يعلم حاله قبْلهُما، وقد تبين حكم كل حالٍ من هذه الأحوال.
وبهذا التقسيم وأمثاله يتبين دقة ملاحظة أهل العلْم؛ وأنه لا تكاد مسألة تطْرأُ على البال إلا وذكروا لها حُكْما، وهذا من حفْظ الله تعالى للشريعة، لأنه لولا هؤلاء العلماء الأجلاء الذين فرعوا على كتاب الله تعالى وعلى سُنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما فرعوا؛ لفاتنا كثير من هذه الفروع.

ويحْرُمُ على المحدث مسُ المُصْحف،..........
قوله: «ويحرم على المحدث مسُ المصحف» ، المصْحفُ: ما كُتب فيه القرآن سواء كان كاملا، أو غير كامل، حتى ولو آية واحدة كُتبتْ في ورقة ولم يكن معها غيرها؛ فحكمها حكم المصحف.
وكذا اللوح له حكم المصحف؛ إلا أن الفقهاء استثنوا بعض الحالات.
وقوله: «المحدث»، أي: حدثا أصغر أو أكبر؛ لأن «أل» في المحدث اسم موصول فتشمل الأصغر والأكبر.
والحدثُ: وصف قائم بالبدن يمنع منْ فعْل الصلاة ونحوها مما تُشترط له الطهارة.
والدليل على ذلك:
1- قوله تعالى: {{إنهُ لقُرْآن كريم *في كتابٍ مكْنُونٍ *لا يمسُهُ إلا الْمُطهرُون *تنْزيل منْ رب الْعالمين *}} [الواقعة] .
وجه الدلالة: أن الضمير في قوله: «لا يمسُه» يعود على القرآن، لأن الآيات سيقت للتحدُث عنه بدليل قوله: {{تنْزيل منْ رب الْعالمين *}} [الواقعة] والمنزل هو هذا القرآن، والمُطهر: هو الذي أتى بالوُضُوء والغُسُل من الجنابة، بدليل قوله: {{ولكنْ يُريدُ ليُطهركُمْ}} [المائدة: 6] [(571)].
فإن قيل: يردُ على هذا الاستدلال: أن «لا» في قوله: «لا يمسُه» نافية، وليست ناهية، لأنه قال: «لا يمسُه» ولم يقل: «لا يمسه»؟.
قيل: إنه قد يأتي الخبر بمعنى الطلب، بل إن الخبر المراد به الطلب أقوى من الطلب المجرد، لأنه يُصور الشيء كأنه مفروغ منه، ومنه قوله تعالى: {{والذين يُتوفوْن منْكُمْ ويذرُون أزْواجا يتربصْن بأنْفُسهن أرْبعة أشْهُرٍ وعشْرا}} [البقرة: 234] ، فقوله: «يتربصْن» خبر بمعنى الأمر. وفي السُنة: «لا يبيع الرجُل على بيع أخيه»[(572)] بلفظ الخبر، والمراد النهي.
2- ما جاء في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبيُ صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن وفيه: «... ألا يمس القرآن إلا طاهر...»[(573)].
والطاهر: هو المُتطهرُ طهارة حسية من الحدث بالوُضُوء أو الغُسُل، لأن المؤمن طهارته معنوية كاملة، والمصحف لا يمسُه غالبا إلا المؤمنون، فلما قال: «إلا طاهر» عُلم أنها طهارة غير الطهارة المعنوية، بل المراد الطهارة من الحدث، ويدُلُ لهذا قوله تعالى: {{ما يُريدُ اللهُ ليجْعل عليْكُمْ منْ حرجٍ ولكنْ يُريدُ ليُطهركُمْ}} [المائدة: 6] أي طهارة حسية؛ لأنه قال ذلك في آية الوضوء والغُسل.
3- من النظر الصحيح: أنه ليس في الوجود كلام أشرف من كلام الله، فإذا أوْجب الله الطهارة للطواف في بيته، فالطهارة لتلاوة كتابه الذي تكلم به من باب أولى، لأننا ننْطق بكلام الله خارجا من أفواهنا، فمُماستنا لهذا الكلام الذي هو أشرف من البناء يقتضي أن نكون طاهرين؛ كما أن طوافنا حول الكعبة يقتضي أن نكون طاهرين، فتعظيما واحتراما لكتاب الله يجب أن نكون على طهارة.
وهذا قول جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة[(574)].
وقال داود الظاهري وبعض أهل العلم: لا يحرم على المُحْدث أن يمس المصحف[(575)].
واستدلُوا: بأن الأصل براءة الذمة، فلا نُؤثم عباد الله بفعل شيء لم يثْبُتْ به النص.
وأجابوا عن أدلة الجمهور:
أما الآية فلا دلالة فيها، لأن الضمير في قوله: «لا يمسُه» يعود إلى «الكتاب المكنون»، والكتاب المكنون يُحْتملُ أن المراد به اللوحُ المحفوظ، ويُحْتملُ أن المراد به الكتب التي بأيدي الملائكة. فإن الله تعالى قال: {{كلا إنها تذْكرة *فمنْ شاء ذكرهُ *في صُحُفٍ مُكرمةٍ *مرْفُوعةٍ مُطهرةٍ *بأيْدي سفرةٍ *كرامٍ بررةٍ *}} [عبس] ، وهذه الآية تفسير لآية الواقعة، فقوله: {{في صُحُفٍ مُكرمةٍ *}} كقوله: {{في كتابٍ مكْنُونٍ *}} [الواقعة] .
وقوله: {{بأيْدي سفرةٍ *}}، كقوله: {{لا يمسُهُ إلا الْمُطهرُون *}} [الواقعة] .
والقرآنُ يُفسر بعضه بعضا، ولو كان المراد ما ذكر الجمهور لقال: «لا يمسُه إلا المطهرون» بتشديد الطاء المفتوحة وكسر الهاء المشددة، يعني: المتطهرين، وفرق بين «المطهر» اسم مفعول، وبين «المتطهر» اسم فاعل، كما قال الله تعالى: {{إن الله يُحبُ التوابين ويُحبُ الْمُتطهرين}} [البقرة: 222] .
وقولهم: إن الخبر يأتي بمعنى الطلب، هذا صحيح لكن لا يُحْملُ الخبر على الطلب إلا بقرينة، ولا قرينة هنا، فيجب أن يبقى الكلام على ظاهره، وتكون الجملة خبرية، ويكون هذا مؤيدا لما ذكرناه من أن المراد بـ«المطهرون»، الملائكة كما دلت على ذلك الآيات في سورة «عبس».
وأما قوله: {{تنْزيل منْ رب الْعالمين *}} [الواقعة]، فهو عائد على القرآن، لأن الكلام فيه، ولا مانع من تداخل الضمائر، وعود بعضها إلى غير المتحدث عنه، ما دامت القرينة موجودة.
ثم على احتمال تساوي الأمرين فالقاعدة عند العلماء إنه إذا وُجد الاحتمال بطل الاستدلال. فيسقط الاستدلال بهذه الآية، فنرجع إلى براءة الذمة.
وأما بالنسبة لحديث عمرو بن حزم: فهو ضعيف، لأنه مُرسل، والمرسل من أقسام الضعيف، والضعيف لا يُحْتجُ به في إثبات الأحكام؛ فضلا عن إثبات حُكْمٍ يُلْحقُ بالمسلمين المشقة العظيمة في تكليف عباد الله ألا يقرؤوا كتابه إلا وهو طاهرون، وخاصة في أيام البرد.
وإذا فرضنا صحتهُ بناء على شُهْرته فإن كلمة «طاهر» تحْتملُ أن يكون طاهر القلب من الشرك، أو طاهر البدن من النجاسة، أو طاهرا من الحدث الأصغر؛ أو الأكبر، فهذه أربعة احتمالات، والدليل إذا احتمل احتمالين بطل الاستدلال به، فكيف إذا احتمل أربعة؟
وكذا فإن الطاهر يُطْلقُ على المؤمن لقوله تعالى: {{إنما الْمُشْركُون نجس}} [التوبة: 28] ، وهذا فيه إثبات النجاسة للمُشرك.
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن لا ينْجُس»[(576)]، وهذا فيه نفْيُ النجاسة عن المؤمن، ونفي النقيض يستلزم ثبوت نقيضه، لأنه ليس هناك إلا طهارة أو نجاسة، فلا دلالة فيه على أن من مس المصْحف لا يكون إلا من مُتوضئ.
وأما بالنسبة للنظر: فنحن لا نُقرُ بالقياس أصلا، لأن الظاهرية لا يقولون به.
وعندي: أن ردهم للاستدلال بالآية واضح، وأنا أوافقهم على ذلك.
وأما حديث عمرو بن حزم فالسند ضعيف كما قالوا[(577)]، لكنْ منْ حيثُ قبُولُ الناس له، واسْتنادُهم عليه فيما جاء فيه من أحكام الزكاة والديات وغيرها، وتلقيهم له بالقبُول يدلُ على أن له أصلا، وكثيرا ما يكون قبُول الناس للحديث سواء كان في الأمور العلمية أو العملية قائما مقام السند، أو أكثر، والحديث يُسْتدلُ به من زمن التابعين إلى وقتنا هذا، فكيف نقول: لا أصْل له؟ هذا بعيد جدا.
وكنت في هذه المسألة أميل إلى قول الظاهرية، لكنْ لما تأملتُ قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يمسُ القرآن إلا طاهر»، والطاهرُ يُطْلق على الطاهر من الحدث الأصغر والأكبر لقوله تعالى: {{ما يُريدُ اللهُ ليجْعل عليْكُمْ منْ حرجٍ ولكنْ يُريدُ ليُطهركُمْ}} [المائدة: 6] ، ولم يكن من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعبر عن المؤمن بالطاهر؛ لأن وصْفهُ بالإيمان أبْلغُ، تبين لي أنه لا يجوز أن يمس القرآن منْ كان محدثا حدثا أصغر، أو أكبر، والذي أرْكنُ إليه حديث عمرو بن حزم، والقياس الذي استُدل به على رأي الجمهور فيه ضعف، ولا يقوى للاستدلال به، وإنما العُمْدة على حديث عمرو بن حزم.
وقد يقول قائل: إن كتاب عمرو بن حزم كُتب إلى أهل اليمن، ولم يكونوا مسلمين في ذلك الوقت، فكوْنُهُ لغيْر المسلمين يكون قرينة أن المراد بالطاهر هو المؤمن.
وجوابُه: أن التعبير الكثير منْ قوله صلى الله عليه وسلم أن يُعلق الشيء بالإيمان، وما الذي يمْنعُهُ منْ أن يقول: لا يمسُ القرآن إلا مُؤْمن، مع أن هذا واضح بين.
فالذي تقرر عندي أخيرا: أنه لا يجوز مسُ المصْحف إلا بوُضُوء.
مسألة: هل المحرمُ مسُ القرآن، أو مسُ المصحف الذي فيه القرآن؟ فيه وجْه للشافعية: أن المحرم مسُ نفْس الحروف دون الهوامش[(578)]، لأن الهوامش ورق، قال تعالى: {{بلْ هُو قُرْآن مجيد *في لوْحٍ محْفُوظٍ *}} [البروج] ، والظرف غير المظروف.
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يمس القرآن إلا طاهر»[(579)].
وقال الحنابلة: يحْرُمُ مسُ القرآن وما كُتب فيه؛ إلا أنه يجوز للصغير أن يمس لوحا فيه قُرآن بشرْط ألا تقع يدُهُ على الحروف[(580)].
وهذا هو الأحوط؛ لأنه يثْبُتُ تبعا ما لا يثْبُتُ استقلالا.
مسألة: هل يشْمُل هذا الحُكْم منْ دون البُلُوغ.
قال بعض العلماء: لا يشْمُل الصغار لأنهم غير مكلفين[(581)]، وإذا كانوا غير مكلفين فكيف نُلزمهم بشيءٍ لا يتعلق به كُفْر، ولا ما دون الكُفْر؛ إلا أنه معْصية للكبير، وهؤلاء ليسوا من أهل المعاصي لرفْع القلم عنهم.
وهل يلزم وليُهُ أنْ يأمره بذلك، أو لا يلزمه؟
الصحيح عند الشافعية: أنه لا يلزمه الوُضُوء، ولا يلزم وليه أن يُلزمه به[(582)]؛ لأنه غير مكلف.
ولأن إلزام وليه به فيه مشقة وهو غير واجب عليه، وإذا كان فيه مشقة في أمر لا يجب على الصغير، فإنه لا يُلزمه به وليُه.
والمشهور عند الحنابلة: أنه لا يجوز للصغير أن يمس القرآن بلا وُضُوء، على وليه أن يُلزمه به كما يلزمه بالوُضُوء للصلاة[(583)]، لأنه فعل تُشترط لحله الطهارة، فلا بُد من إلزام وليه به.
واستثنوا اللوح، فيجوز للصغير أن يمسه ما لمْ تقع يدهُ على الحروف[(584)]. وعلل بعضُهم ذلك بالمشقة[(585)]، وعلل آخرون بأن هذه الكتابة ليست كالتي في المصحف (585) ، لأن التي في المصحف تُكْتبُ للثُبوت والاستمرار، أما هذه فلا.
ولو كتبْت قرآنا معكوسا ووضعته أمام المرآة، فإنه يكون قرآنا غير معكوس، ولا يحْرُم مس المرآة، لأن القرآن لم يُكتبْ فيها.
وظاهرُ كلام الفُقهاء رحمهم الله: أنه لا يجوز مسُ «السُبُورة»[(586)] الثابتة بلا وُضُوء إذا كُتبتْ فيها آية، لكن يجوز أن تكتب القرآن بلا وُضُوء ما لم تمسها. وقد يُقال: إن هذا الظاهر غير مراد؛ لأنه يُفرق بين المصحف أو اللوح وبين السُبُورة الثابتة، بأن المصحف أو اللوح يُنْقل ويُحْمل فيكون تابعا للقرآن بخلاف السبورة الثابتة.
وأما كُتُب التفسير فيجوز مسُها؛ لأنها تُعْتبر تفسيرا، والآيات التي فيها أقلُ من التفسير الذي فيها.
ويُسْتدلُ لهذا بكتابة النبي صلى الله عليه وسلم الكُتُب للكُفار، وفيها آيات من القرآن[(587)]، فدل هذا على أن الحُكْم للأغلب والأكثر.
أما إذا تساوى التفسير والقُرآن، فإنه إذا اجتمع مبيح وحاظر ولم يتميز أحدُهما برُجْحانٍ، فإنه يُغلب جانب الحظر فيُعْطى الحُكْمُ للقرآن.
وإن كان التفسير أكثر ولو بقليل أُعْطي حُكْم التفسير.

والصلاةُ، ........
قوله: «والصلاة» ، أي: تحْرُمُ الصلاة على المحدث، وذلك بالنص من الكتاب والسُنة والإجماع.
أولا: الكتاب:
قال الله تعالى: {{ياأيُها الذين آمنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصلاة فاغْسلُوا وُجُوهكُمْ}} [المائدة: 6] ، ثم علل ذلك بأن المقصود التطهُر لهذه الصلاة.
وعلى هذا فالطهارة شرْط لصحة الصلاة وجوازها، فلا يحلُ لأحدٍ أن يُصلي وهو مُحْدث، سواء كان حدثا أصغر أو أكبر.
فإن صلى وهو مُحْدث، فإنْ كان هذا استهزاء منه؛ فهو كافر لاستهزائه. وإنْ كان متهاونا فقد اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في تكفيره.
فمذهب أبي حنيفة رحمه الله: أنه يكْفُر[(588)]، لأن من صلى وهو مُحْدث مع علْمه بإيجاب الله الوُضُوء فهذا كالمستهزئ، والاستهزاء كُفْر كما قال الله تعالى: {{قُلْ أبالله وآياته ورسُوله كُنْتُمْ تسْتهْزئُون} } [التوبة: 65، 66] .
ومذْهبُ الأئمة الثلاثة: أنه لا يكْفُر[(589)]، لأن هذه معصية، ولا يلْزمُ منْ ترْكه أنْ يكون مُسْتهزئا.
ولهذا قلنا: إنْ صلى بلا وُضُوء استهزاء فإنه كافر، وإلا فلا، وهذا أقرب، لأن الأصْل بقاءُ الإسلام، ولا يمكن أنْ نُخرجه منه إلا بدليل.
ثانيا: السُنة:
قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقْبلُ الله صلاة بغير طُهُور»[(590)]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بغير طُهُور»[(591)]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكُمْ إذا أحْدث حتى يتوضأ»[(592)].
ثالثا: الإجماع:
فقد أجمع المسلمون أنه يحْرُمُ على المحْدث أن يُصلي بلا طهارة.
والصلاة هي التي بينها الرسولُ صلى الله عليه وسلم تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، سواء كانت ذات رُكوع وسُجود أم لا.
فالفرائض الخمسُ صلاة، والجمعة، والعيدان، والاستسقاء، والكسوف، والجنازة صلاة، لأن الجنازة مُفتتحة بالتكبير، مُختتمة بالتسليم، فينطبق عليها التعريف الشرعي، فتكون داخلة في مُسمى الصلاة.
وقال بعض العلماء: إن الصلاة هي التي فيها رُكُوع وسجود[(593)].
وقال آخرون: إن الصلاة هي التي تكون ركْعتيْن فأكثر، إلا الوتْر فهو صلاة، ولو ركْعة (593) .
والأول هو الأصحُ.
وبناء على هذا التعريف ننظر في سجدتي التلاوة والشُكر هل يكونان صلاة؟
فالمشهور من المذْهب أنهما صلاة تُفْتتحُ بالتكبير، وتُخْتتمُ بالتسليم، ولهذا يُشرعُ عندهم أن يُكبر إذا سجد وإذا رفع، ويُسلم. وبناء على هذا يحْرُمُ على المحْدث أن يسْجُد للتلاوة أو الشُكْر وهو غير طاهر. فالخلاف في اشتراط الطهارة لهما مبني على أن سجْدتي التلاوة والشُكر هل هما صلاة أم لا؟ فإن قُلْنا: إنهما صلاة وجب لهما الطهارة، وإن قلنا: إنهما غير صلاة لم تجبْ لهما الطهارة.
والمتأملُ للسُنة يُدْرك أنهما ليسا بصلاة لما يلي:
1- أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسجد للتلاوة، ولم يُنْقل عنه أنه كان يُكبر إذا سجد أو رفع،ولا يسلم، إلا في حديث رواه أبو داود في التكبير للسجود دُون الرفع منه، ودُون التسليم[(594)].
2- أن الرسول صلى الله عليه وسلم سجد في سورة النجْم، وسجد معه المسلمون والمشركون، والمشركُ لا تصحُ منه صلاة، ولم يُنكر النبيُ صلى الله عليه وسلم ذلك[(595)].
وهذا قدْ يُعارضُ فيه، فيُقال: إن سُجُود المشركين في ذلك الوقت كان قبل فرْض الوُضُوء، لأن فرْض الوُضُوء لمْ يكُنْ إلا مع فرْض الصلاة، والصلاةُ لم تُفرض إلا مُتأخرة قبل الهجرة بسنةٍ، أو بثلاث سنوات، وما دام الاحتمالُ قائما فالاستدْلال فيه نظر.
والمتأمل لسُجُود النبي صلى الله عليه وسلم للشُكر، أو التلاوة يظْهرُ له أنه لا يُكبر، وعليه لا تكون سجدة التلاوة والشُكر من الصلاة، وحينئذٍ لا يحْرُم على منْ كان مُحْدثا أن يسْجُد للتلاوة أو الشُكْر وهو على غير طهارة، وهذا اختيار شيخ الإسلام رحمه الله[(596)].
وصح عن عبد الله بن عُمر رضي الله عنه أنه كان يسْجُدُ للتلاوة بلا وُضُوء[(597)].
ولا ريْب أن الأفضل أن يتوضأ، ولا سيما أن القارئ سوف يتْلُو القرآن، وتلاوةُ القرآن يُشْرعُ لها الوُضُوء، لأنها منْ ذكْر الله، وكلُ ذكر لله يُشرع له الوُضُوء.
أما اشتراط الطهارة لسُجُود الشُكر فضعيف، لأن سببهُ تجدُد النعم، أو تجدُد اندفاع النقم، وهذا قد يقعُ للإنسان وهو مُحْدث.
فإن قلنا: لا تسْجُدُ حتى تتوضأ؛ فرُبما يطول الفصل، والحُكْمُ المعلق بسببٍ إذا تأخر عن سببه سقط، وحينئذٍ إما أن يُقال: اسْجُدْ على غير وُضُوء، أو لا تسجد، لأنه قد لا يجدُ الإنسانُ ماء يتوضأ منه سريعا ثم يسْجُد.
أما سُجُود التلاوة فينْبغي ألا يسْجُد الإنسانُ إلا وهو على طهارةٍ كما أنهُ ينْبغي أنْ يقرأ على طهارة.

والطوافُ.
قوله: «والطواف» ، أي: يحْرُم على المُحْدث الطوافُ بالبيت، سواء كان هذا الطواف نُسُكا في حجٍ، أو عُمْرةٍ أو تطوُعا، كما لو طاف في سائر الأيام.
والدليل على ذلك:
1 ـ أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين أراد الطواف توضأ ثم طاف[(598)].
2 ـ حديث صفية لما قيل له: إن صفية قد حاضتْ، وظن أنها لم تطُفْ للإفاضة فقال: «أحابستنا هي؟»[(599)].
والحائضُ معلوم أنها غيرُ طاهرٍ.
3 ـ حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها حين حاضت: «افعلي ما يفعل الحاجُ غير أنْ لا تطوفي بالبيت»[(600)].
4 ـ قوله صلى الله عليه وسلم: «الطواف بالبيت صلاة؛ إلا أن الله أباح فيه الكلام؛ فلا تكلموا فيه إلا بخير»[(601)].
5 ـ استدل بعضهم بقوله تعالى: {{وعهدْنا إلى إبْراهيم وإسْماعيل أنْ طهرا بيْتي للطائفين والْعاكفين والرُكع السُجُود}} [البقرة: 125] .
وجه الدلالة: أنه إذا وجب تطهير مكان الطائف، فتطهيرُ بدنه أوْلى، وهذا قول جمهور العلماء[(602)].
وقال بعض العلماء: إن الطواف لا تُشْترطُ له الطهارة، ولا يحْرُمُ على المُحْدث أنْ يطُوف، وإنما الطهارة فيه أكْمل[(603)].
واسْتدلُوا: بأن الأصْل براءة الذمة حتى يقوم دليل على تحريم هذا الفعْل إلا بهذا الشرط، ولا دليل على ذلك، ولمْ يقُل النبيُ صلى الله عليه وسلم يوما من الدهْر: لا يقبل الله طوافا بغير طهور، أو: لا تطوفوا حتى تطهروا. وإذا كان كذلك فلا نُلْزم الناس بأمرٍ لم يكن لنا فيه دليل بين على إلزامهم، ولا سيما في الأحوال الحرجة كما لو انتقض الوُضُوءُ في الزحْمة الشديدة في أيام الموسم، فيلْزمه على هذا القوْل إعادةُ الوُضُوء، والطواف منْ جديد.
وأجابوا عن أدلة الجمهور:
أن فعْل النبي صلى الله عليه وسلم المجرد لا يدلُ على الوُجُوب، بل يدلُ على أنه الأفضل، ولا نزاع في أن الطواف على طهارة أفضل؛ وإنما النزاع في كوْن الطهارة شرْطا لصحة الطواف.
وأما حديث عائشة: «افْعلي ما يفعل الحاجُ...» إلى آخره، وقوله صلى الله عليه وسلم في صفية: «أحابستنا هي؟». فالحائض إنما مُنعتْ من الطواف بالبيت، لأن الحيض سبب لمنْعها من المُكْث في المسجد، والطواف مُكْث.
وأيضا: فالحيض حدث أكبر، فلا يُسْتدلُ بهذا على أن المحدث حدثا أصغر لا يجوزُ لهُ الطواف بالبيت، وأنتم توافقون على أن المحدث حدثا أصغر يجوز له المُكْثُ في المسجد، ولا يجوز للحائض أن تمْكُث، فمناطُ حُكْم المنْع عندنا هو المُكْثُ في المسجد.
وأما حديث: «الطواف بالبيت صلاة»[(604)] فيُجاب عنه:
1 ـ أنه موقوف على ابن عباس، ولا يصحُ رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم.
2 ـ أنه مُنْتقض، لأننا إذا أخذنا بلفْظه، فإنه على القواعد الأصولية يقتضي أن جميع أحكام الصلاة تثْبُتُ للطواف إلا الكلام، لأن من القواعد الأصولية: أن الاستثناء معيار العُمُوم، أي: إذا جاء شيء عام ثم استثني منه، فكلُ الأفراد يتضمنه العموم، إلا ما اسْتُثْني، وإذا نظرنا إلى الطواف وجدناه يُخالفُ الصلاة في غالب الأحكام غير الكلام، فهو يجوز فيه الأكلُ، والشُربُ، ولا يجب فيه تكبير ولا تسليم، ولا قراءة، ولا يبطل بالفعل ونحوه، وكلامه صلى الله عليه وسلم يكون مُحْكما لا يمكن أن ينْتقض، فلما انْتقض بهذه الأمور ووجدنا هذه الاستثناءات علمنا أن هذا لا يصحُ من قول الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا أحد الأوجه التي يُسْتدلُ بها على ضعْف الحديث مرفوعا، وهو أن يكون متخلخلا، لا يمكن أن يصْدُر من النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما بالنسبة للآية؛ فلا يصحُ الاستدلال بها، إذ يلزم منه أن المعْتكف لا يصحُ اعتكافُه إلا بطهارة، ولم يشْترطْ أحد ذلك، إلا إنْ كان جُنُبا فيجب عليه أن يتطهر ثم يعْتكف؛ لأن الجنابة تُنافي المُكْث في المسجد.
ولا شك أن الأفضل أن يطُوف بطهارة بالإجماع، ولا أظنُ أن أحدا قال: إن الطواف بطهارة وبغير طهارة سواء، لأنه من الذكر، ولفعْله صلى الله عليه وسلم.
مسألة: إذا اضطُرت الحائض إلى الطواف[(605)].
على القول بأن الطهارة من الحيض شرْط فإنها لا تطوف؛ لأنها لو طافت لم يصح طوافها؛ لأنه شرط للصحة.
وإن قلنا: لا تطوف لتحْريم المقام عليها في المسجد الحرام، فإنها إذا اضْطُرت جاز لها المُكثُ، وإذا جاز المُكث جاز الطواف.
ولهذا اخْتلف العلماءُ في امرأةٍ حاضت ولم تطُفْ للإفاضة، وكانت في قافلةٍ ولن ينتظروها[(606)]، فهذه القوافل التي لا يمكن أن تنتظر ولا يمكنُ للمرأة أن ترْجع إذا سافرت؛ كما لو كانت في أقصى الهند أو أمريكا، فحينئذٍ إما أن يُقال: تكون مُحْصرة فتتحلل بدمٍ، ولا يتمُ حجُها؛ لأنها لمْ تطُفْ. وهذا فيه صُعُوبة لأنها حينئذٍ لم تُؤد الفريضة.
أو يقال: تذهب إلى بلدها وهي لم تتحلل التحلُل الثاني، فلا يحلُ لها أن تتزوج ولا يحلُ لمزوجةٍ أن يقْربها زوجُها، وإنْ مات عنها أو طلقها لا يحلُ لها أن تتزوج، لأنها ما زالت في إحرام، وهذا فيه مشقة عظيمة.
أو يقال: تبْقى في مكة وهذا غير ممكن.
أو يُقال: تطوف للضرورة، وهذا اختيارُ شيخ الإسلام رحمه الله[(607)]، وهو الصواب، لكنْ يجبُ عليها أن تتحفظ حتى لا ينْزل الدمُ إلى المسجد فيلوثه.






إن قرأت ما يعجبك و يفيدك منا فاذكر الله و كبره و اذكرنا بدعائك بظهر الغيب،
و إن قرأت ما لا يفيدك و لا يعجبك فسبح الله و استغفره عنا


المواضيع المشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الوضوء عمر العمري المنتدى الاسلامي 2 11-12-2011 09:07 AM
نواقض الإيمان دمعه العراق المنتدى الاسلامي 1 21-09-2008 04:59 PM
نواقض نهه عنها الاسلام سيف الامة المنتدى الاسلامي 1 14-07-2007 03:35 AM
أنا وأنت نخطئ فى الوضوء والصلاة تعالى نتعلم كيفية الوضوء والصلاة (فلاشات) صوت وصورة Electronic المنتدى الاسلامي 11 07-07-2007 05:48 AM
نواقض الإسلام .. هامة جدا لكل مسلم rose المنتدى الاسلامي 8 21-08-2003 06:38 AM
 


نواقض الوضوء

English

Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.