السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسباب عديدة وروايات مختلفة
القصة الكاملة لهروب 'بريمر' من العراق
محمود بكري
... مثل 'فص ملح وداب' هكذا استيقظ العراقيون والعالم صبيحة الاثنين الماضي.. فلم يجدوا أثرا للحاكم المدني الأمريكي بول بريمر علي أرض العراق.. فقد ولي الحاكم الذي طالما أدلي بالتصريحات النارية عن سحق المقاومة.. هاربا.. بعد أن حاصره الموت في كل شبر من أرض الرافدين.. وخرج تحت جنح السرية المطلقة وحيدا.. فارا بجلده بعد أن مارس آخر 'طقوس الكذب' بتسليم السلطة شكلا في 'قبو سري' في أحد مواقع بغداد، بعد أن غاب عنه الجميع بدءا من بوش الذي كان يحلم بيوم يتمكن فيه من تنصيب عملائه علي عرش العراق، وانتهاء بشعب العراق الذي أكد آخر استطلاع أجرته سلطات الاحتلال الأمريكية أن 98 % من العراقيين يرفضون الاحتلال.
لاذ 'بريمر' بالفرار ليلحق بالفشل الذي حققه سلفه 'جارنر' الذي سقط في الأيام الأولي التي تلت احتلال بغداد.. ومع سقوطها سجلت القوات الأمريكية الغازية فشلا آخر بإقالة الجنرال ريكاردو سانشيز قائد القوات الأمريكية في العراق، والذي تزامن خروجه من بغداد مع خروج بريمر.. لتستبدلهما القوات المحتلة بالجنرال جورج كيسي كقائد جديد لقوات الاحتلال وجون نجروبونتي السفير الأمريكي والمندوب السامي الجديد في العراق.
لم يكن تقديم موعد تسليم السلطة في العراق ليومين كاملين، وبهذه السرية الشديدة سوي انعكاس لحالة الذعر التي تحياها القوات المحتلة.. تلك الحالة التي بدت واضحة علي الرئيس بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير اللذين بدا وجهاهما شاحبين والقلق يجتاحهما خلال حضورهما قمة اسطنبول.. ولم يتنفسا الصعداء إلا حين نظر كل منهما إلي ساعته وتأكدا أن 'العملية تمت' وأن رجلهما في العراق غادر مطار بغداد دون أن يعلم أحد بما تم، أو ما جري.
ولكن.. ما الذي جري؟.. ولماذا بدت القوات الأمريكية المدججة بأكثر من مائة وستين ألف جندي مدججين بأحدث ما أنتجته أسلحة الدمار الأمريكية علي مثل هذه الدرجة من الرعب في مواجهة مجموعات من المقاومين العراقيين لا يملكون سوي العبوات الناسفة والقنابل البدائية وأجسادهم الطاهرة التي يقذفونها في مواجهة قوات الاحتلال وعملائه..
إن المعلومات المتوافرة عن قصة هروب بريمر تشير إلي أن المخابرات الأمريكية استعدت مبكرا للاحتفال بما يسمي بنقل السلطة للعراقيين.. وبدأت منذ الخامس من يونيو الماضي في نقل غالبية قياداتها للعمل داخل العراق في محاولة لتحجيم عمليات المقاومة، بهدف تهيئة الأجواء للإعداد لاحتفال كبير بنقل السلطة للعراقيين، خاصة أنه كان من المقرر أن يشارك بوش شخصيا في هذا الاحتفال بنقل السلطة للعراقيين بعد الانتهاء من قمة اسطنبول.. حيث كان يعتزم السفر للعراق، وأن يعلن بنفسه نقل السلطة للعراقيين، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ العراق، ويوجه كلمة إلي الشعب الأمريكي من داخل العراق يعلن فيها انتصاره، لكونه استطاع أن يعيد للعراقيين 'حريتهم!!'.. ويعلن في ذات اليوم أيضا تسليم صدام والقيادات العراقية السابقة إلي الحكومة العراقية.
لقد أرادها مستشارو بوش مناسبة سوف تزيد كثيرا من شعبيته المتدهورة، وتعزز فرص فوزه في الانتخابات المقبلة.. وراحت الإدارة الأمريكية من جانبها تفرض طوقا من السرية التامة علي أية أنباء تتعلق بالزيارة المتوقعة لبوش إلي العراق، والتي كان سيصحبه فيها كل من ديك تشيني نائب الرئيس وكولن باول وزير الخارجية ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع وكونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي.
كان الاستعداد لهذه المهمة قاصرا علي المخابرات الأمريكية، والتي بدأت منذ السادس من يونيو في نقل أكثر من أربعة آلاف عنصر استخباراتي إلي العراق.. غير أن هذه العناصر جوبهت بالمقاومة الضارية للعراقيين، والتي أفشلت مخططها، الأمر الذي استدعي الاعتراف بالفشل، وإبلاغ الرئيس بوش وأركان قيادته تأجيل زيارتهم.. غير أنه لم يتم إلغاء هذا التخطيط، والذي ظل قائما حتي يوم 20 يونيو الماضي، وهو ذات التاريخ الذي تقرر فيه نزول مخابرات البنتاجون وقوات الكوماندوز إلي الأراضي العراقية.
كان التقدير العسكري لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد وقيادات البنتاجون أن يتم إنهاء هذه المهمة خلال أسبوع علي الأكثر لتأمين المنطقة.. غير أنه بدا واضحا أن هناك مشكلة تخطيطية تواجه الأمريكان في العراق، خاصة أن الأمر يتعلق بزيارة بوش غير المعلن عنها.
في ذات الوقت كان البيت الأبيض قد قرر بأنه إذا لم يتم الانتهاء من مهام قوات المخابرات الأمريكية ومخابرات البنتاجون التي دفعت بنحو ألف عنصر من رجالها من مهمتهم في الخامس والعشرين من يونيو، فإن زيارة بوش والاحتفال الكبير الذي تعده مراسم الخارجية الأمريكية سوف يكون معرضا للإلغاء.
لقد كان من المقرر أن يشارك في الاحتفال إلي جانب بوش كل من توني بلير رئيس الوزراء البريطاني وعدد من قادة الدول الأوربية والعربية من بينهم ملوك الأردن والمغرب والبحرين ورئيس الوزراء الكويتي.
وبحسب المعلومات فقد بدا بوش مضطربا خلال الفترة التحضيرية، وكان دائم السؤال عن مدي نجاح هذا الاحتفال باعتباره أكثر الأحداث أهمية.. والذي من خلاله يمكن أن يستعيد جزءا كبيرا من شعبيته التي تدهورت من جراء الأوضاع في العراق.
في الثاني والعشرين من يونيو الماضي كانت هناك معلومات مهمة أمام جهاز الأمن القومي الأمريكي عن عملية كبري ستحدث داخل العراق، وأن هذه العملية ستمتد إلي العديد من المدن العراقية، وأن أحد أهداف هذه العملية هو اغتيال الحاكم الأمريكي للعراق 'بول بريمر' و'11' قيادة عسكرية أمريكية قبل الثلاثين من يونيو.. أما العملية الكبري فستكون في الثلاثين من يونيو، وسيتم خلالها اغتيال عدد من قيادات الحكومة العراقية الجديدة، وأنه في حال إقامة احتفال بتسليم السلطة فإن هذه العملية سوف تستهدف الاحتفال مباشرة، إضافة إلي ضرب مواقع الإنتاج الرئيسية للنفط في بغداد والمدن الأخري.
كانت تفاصيل الخطة مغرقة في التفاصيل، إلا أنه كان واضحا أن هناك أحداثا كبري سيشهدها العراق.. ولم يتبق علي الموعد الذي اقترحه البيت الأبيض سوي ثلاثة أيام حتي يتم اتخاذ قرار في شأن ترتيبات حفل زيارة بوش وقادة الدول الأوربية والعربية، خاصة أنه كان مقررا وضع خطة أمنية لتأمين الوزارات والمصارف، لأن المصرف المركزي العراقي كان أحد الأهداف المباشرة التي تحدثت عنها التقارير الأمريكية.
في الثالث والعشرين من يونيو عقد بول بريمر اجتماعا مهما مع القيادات العسكرية الأمريكية، وقال لهم: 'أريد أن أنجح قبل أن أترك هذا البلد.. أرجوكم ساعدوني في اتخاذ القرار الصعب.. هل يمكن للرئيس والآخرين أن يكونوا هنا في الثلاثين من يونيو؟'
جاء رد القيادات العسكرية الأمريكية كالصاعقة علي رأس بريمر.. فقد أبلغه الجميع أن هذه المخاطرة غير محسوبة، لأن هناك مشاكل أمنية لا يمكن تجاهلها.. بل وأعلن أحد القادة العسكريين أن هناك أكثر من (30) ألف عنصر منظم يقودون العمليات، ومن الصعب القضاء عليهم في غضون عشرة أيام، خاصة أن هذه العناصر تعمل بشكل مستقل داخل العراق، وهي تعمل في إطار نحو (18) تنظيما مقاوما.. وأن هذه التنظيمات تشكل خطرا مباشرا علي حياة الرئيس بوش.
ونصح أحد القيادات العسكرية بول بريمر بأن من الأفضل له ألا يحقق انتصارا في إقامة هذا الحفل الكبير علي أن يحقق فشلا ذريعا إذا ما حدث شيء يوم الاحتفال.. وانبري قائد عسكري آخر ليقول: إن حدوث أي عمل في هذا اليوم يعني توجيه رسالة إلي الشعب الأمريكي بفشل قواته في الحفاظ علي الأمن في العراق.
كانت الإدارة الأمريكية تنتظر تقريرا من بريمر عن الحالة النهائية للأوضاع الأمنية في العراق، ومدي الترتيب لزيارة بوش في الثلاثين من يونيو.. وعلي عجل أعد بريمر لاجتماع مهم مع قيادات العمل الاستخباري للوقوف علي الحالة النهائية، حيث قدم 'شوارت ما ينجرز' المدير السري للفريق الاستخباري في العراق تقريرا أكد فيه أن هناك مخاطر كبيرة علي زيارة الرئيس بوش للعراق، ونصح بإجراء حفل تسليم السلطة في إطار سري، وعدم الإعلان عنه إلا بعد الانتهاء منه تماما، وطلب التقرير تقليص عدد المشاركين في الاحتفال.
في ضوء هذا التقرير تأكد بريمر أنه سوف يعجز عن توفير المتطلبات الأمنية لزيارة بوش.. وفي صباح الرابع والعشرين من يونيو كان يعقد عدة اجتماعات مع عدد كبير من المسئولين العراقيين لمناقشة الخطط الأمنية في الثلاثين من يونيو، محاولا الوصول لحل وسط يضمن اقتسام المسئولية بين القوات الأمريكية والعراقية بشأن تأمين الأوضاع الأمنية في ذلك اليوم، إلا أن العديد من المسئولين العراقيين أبلغوا الحاكم الأمريكي أنهم لا يستطيعون حتي تأمين أنفسهم، وأنهم يغيرون خط سيرهم يوميا، بالإضافة إلي تنقلهم للإقامة في أكثر من مسكن.
هكذا جاء تقرير بريمر إلي الرئيس بوش في مساء الرابع والعشرين من يونيو مبديا اعتذاره عن فشله في ترتيب الأوضاع الأمنية والسياسية الملائمة لاستقباله، وألقي بالمسئولية علي قيادات العمل العسكري، وقيادات الاستخبارات.
وعلي الفور عقد أركان القيادة الأمريكية اجتماعا عاجلا علي اثر هذا التقرير، حيث انقسموا إلي ثلاث فرق:
الفرقة الأولي تريد تأجيل موعد نقل السلطة للعراقيين إلي موعد غير محدد، وحتي تستقر الأوضاع الأمنية في العراق، ورأوا أنه وبالرغم من أن الجيش العراقي أصبح تعداده (40) ألفا يشكلون ثلاث فرق عسكرية و(70) ألفا من قوات الشرطة و(50) ألفا من أفراد الحرس الوطني و(30) ألفا من حرس الحدود، إلا أن هذه الأعداد مازالت غير كافية، وأنه من الأفضل أن يبدأ بريمر بالتعاون مع القيادات الأمنية والعسكرية العراقية في زيادة هذه الأعداد إلي الضعف للسيطرة علي مقاليد الأوضاع الأمنية، وأن هذه المهمة قد تنتهي في غضون ستة أشهر.
الفرقة الثانية رأت أن يقوم بريمر بإعداد خطط أمنية جديدة بالتعاون مع المؤسسات العسكرية والأمنية.
الفرقة الثالثة رأت أن يتم نقل السلطة في ذات الموعد المتفق عليه، وأن يترك بريمر العراق، علي أن تبدأ قوات حلف الناتو الإشراف علي الأوضاع الأمنية حتي تثبت القوات والعناصر العراقية قدرتها علي الحفاظ علي الأوضاع الأمنية.
أما مستشارو البيت الأبيض فقد كان لهم رأي آخر، فقد أشاروا في تقرير أعدوه أن عناصر المقاومة خططت، ولديها القدرة علي تنفيذ العديد من العمليات المهمة في الثلاثين من يونيو، وأنه بغض النظر عن إجراء احتفال من عدمه، إلا أن تسليم السلطة سيتم بالتزامن مع هذه العمليات، وأنه من الأفضل حتما أن يتم نقل السلطة قبل هذا اليوم وبأقصي سرعة ممكنة.
وقد رجح بوش هذا الرأي، وتم إبلاغ بريمر بذلك، والذي بدوره عقد اجتماعا عاجلا مع رئيس الحكومة العراقية المعين 'إياد علاوي' وكان الاتفاق أن يتم نقل السلطة يوم 28 يونيو لإنقاذ العراق من كارثة محققة، وأبلغه بأنه لن تكون هناك أية مراسم احتفالية، وأنه لا الرئيس بوش، ولا أي من القادة الآخرين سيحضرون.
وسط أجواء الرعب التي أحاطت بالساعات الأخيرة من وجود بريمر في العراق كان علي الحاكم الأمريكي أن يفرض طوقا من السرية حول اللحظات المحدودة التي تم خلالها تسليم السلطة 'الشكلية' إلي أتباعهم من العراقيين، ثم توجه في دقائق إلي إحدي طائرات الهليوكبتر والتي نقلته بعيدا عن أجواء العراق، محملا بالخيبة والفشل اللذين منيت بهما فترة حكمه لبلد قرر أبناؤه مجابهة المحتل، وتفكيك رموزه، ودحر عملائه فوق أرض تنشد الحرية القادمة فوق جسر التضحيات المضرجة بالدماء الطاهرة