أستغفر الله العظيم ... سبحان الله وبحمده



العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > منتدى الشعر العربي والخواطر والنثر


مواضيع مميزة  


آخر عشرة مواضيع المواضيع النشطة


23-03-2011, 04:17 PM
عاشق الثقافة غير متصل
عضو جديد
رقم العضوية: 356858
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 4
إعجاب: 0
تلقى إعجاب 1 على مشاركة واحدة
تلقى دعوات الى: 0 موضوع
    #1  

عيش الغراب وسط البلد


تحمل الرياح القادمة من بعيد إلى المدينة عطايا غير مألوفة ، لا يحلظها سوى قلة من ذوي الإحساس المرهف ، كالمصابين بحساسية الدريس ، الذين ما إن يتطاير حولهم غبار طلع وافد من أرض غريبة حتى يأخذون في العطس .
تصادف ذات يوم أن نفحة من بذور ، لا يعرف أحد أية ريح حملتها ، هبطت على حافة حوض زراعي في مكان عام ، فكان أن بدأت في الظهور بعض نبتات من عيش الغراب ، لم يلتفت اليها أحد سوى الساعي "مار كوفالدو" ، الذي يأخذ " ترامه " كل صباح من هذا المكان بالتحديد .
لم تكن عين "ماركوفالدو" هذا صالحة بما يكفي للحياة في المدينة فالإعلانات وإشارات المرور و " الفاترينات " واللا فتات الضوئية والملصقات ، التي درست لإثارة الانتباه ، لم تتمكن مطلقا من جذب نظراته التي كانت تبدو كالجارية على رمال صحراء . ولكن أن تصفر ورقة شجر على أحد الفروع ، أو تنحشر ريشة طائر خلف قرميدة ، فهذا ما لم يكن يفوته : إذ لم يكن ثمة زنبور على ظهر حصان ، أو خرم سوس في لوح خشبي ، أو قشرة تين مسحوقة على
الرصيف ، إلا ويلحظها "ماركو فالدو" ، وتتحول عنده إلى مادة للتفكير تكشف له عن تغير الفصول ، ورغبات نفسه ، وبؤس وجوده .
وهكذا ذات صباح ، بينما كان في انتظار الترام الذي يقنه إلى عمله في شركة "سباف " حيث يضطلع بالأعمال الشاقة ، لاحظ شيئا غير اعتيادي بالقرب من المحطة ، على شريط الأرض المتحجرة العقيم الذي يتبع صف الأشجار على الطريق : في بعض المناطق ، على جذوع الأشجار ، بدا كأن بعض البثور قد راحت تتورم ، وتتفتح هنا وهناك ، سامحة لبعض الأجسام الدرنية تحت الأرضيةالمكورة بالظهور .
انحنى لربط الحذاء ونظر مليا بر كانت نباتات عيش غراب ، "عيش غراب " حقيقية آخذة في البزوغ في القلب ، من قلب المدينة ! ظن "ماركوفالدو" أن هذا العالم الرمادي الباشى المحيط به قد تحول فجأة الى معطاء كريم ذي كنوز خفية ، وأنه ما زال بالإمكان توقع أشياء أخرى من الحياة غير الأجر اليومي حسب لائحة
الأجور ، والعلاوة ، والأعباء العائلية ،وغلاء المعيشة .
كان في العمل مشتتا فوق العادة ، يفكر في أنه بينما يواصل هو تعتيق الصناديق والعلب هنا ، فقد راح عيش الغراب هناك في ظلام التربة ، صامتا بطيئا معروفا له وحده ، ينضج أجزاء اللحمية المسامية ، ويتمثل العصارة تحت الأرضية ، ويخترق سطح التربة الجاف ، وكان يقول لنفسه نافد الصبر في انتظار اللحظة التي سيفضي فيها باكتشافه الى زوجته وأبنائه الستة : "تكفي ليلة مطر واحدة كي يصبح جاهزا للجمع " .
أعلن خلال العشاء الهزيل : "انتبهوا لما أقول ، أؤكد لكم أننا سناكل عيش الغراب خلال الأسبوع القادم ، عيش غراب محمر في منتهى العظمة". وللأطفال الأصغر سنا الذين لا يعرفون ما هو عيش الغراب ، راح يشرح بإسهاب جمال أنواعه المختلفة ، ورقة مذاقه ، وكيفية وجوب طهيه ، وهكذا سحب أيضا الى المناقشة زوجته "وميتيللا " ، التي بدت حتى تلك اللحظة شاردة غير مقتنعة .
سأل الأطفال : "أين هو عيش الغراب هذا ? قل لنا أين يوجد ?" .
عند هذا السؤال فرمل خاطر مستريب حماس "مار كوفالدو" "هكذا أصف أنا الآن المكان لهم ، فيذهبون هم للبحث عنه بصحبة إحدى العصابات الشيطانية المعتادة ،
فيطيرالخبر في كل أنحاء الحي ، فينتهي عيش الغراب في أوعية الآخرين " ! وهكذا يدفع اليه الآن ذلك الاكتشاف - الذي كان قد أفعم قلبه بالعشق الكوني - بهذيان الملكية الخاصة ، ويحيطه بخوف غيور شكاك .
- "مكان عيش الغراب لا يعرفه أحد غيري . والويل لكم لو أفلتت منكم
كلمة واحدة" هكذا قال لأولاده .
في الصباح التالي ، كان "ماركوفالدو" يقترب من محطة الترام يملؤه القلق ، انحنى على الحوض الزراعي ، ورأى بارتياح عيش الغراب وقد نما بعض الشيء ، فقط بعض الشيء ، فقد كان مختبئا ما زال تحت الأرض ، تماما .. على وجه التقريب . وهكذا كان منحنيا ، عندما شعر بكائن ما خلف ظهره . انتفض منتصبا محاولا اظهار نفسه في هيئة اللامبالي ، كان هناك كناس قد راح يراقبه ، مستندا الى مقشته .
كان ذلك الكناس ، الذي يقع عيش الغراب في منطقة نفوذه ، فتى نحيلا طويلا بنظارة طبية ، وكان يدعى "أماديدجي " ، وكان ثقيل الظل على قلب "مار كوفالدو" منذ فترة ، ربما بسبب تلك النظارة التي تنقب دائبة في أسفلت الشارع ، بحثا عن أي أثر طبيعي لمحوه بضربات المقشة .
ثم كان يوم السبت ، وكان "مار كوفالدو" يمضي راحة نصف اليوم حائما فيما حول الحوض الزراعي ، متخذا هيئة الشارد ، يراقب - على البعد - بانتباه الكناس وعيش الغراب ، ويحسب كما يحتاج من الوقت حتى ينمو.
أمطرت في الليل : وكالفلاحين بعد أشهر الجفاف اذ يستيقظون ويقفزون سعداء بصوت القطرات الأولى ، هكذا كان "مار كوفالدو" الوحيد في المدينة كلها الذي نهض جالسا في فراشه ، ونادى العائلة ? "المطر ، المطر" ، وراح يتشمم رائحة الغبار المبلول والزناخة الطازجة الآتية من الخارج .
في فجر الأحد ، هرع من فوره الى الحوض الزراعي بصحبة الأولاد ، وسله كان قد اقترضها . كان عيش الغراب هناك ، بقبعاته العالية ، مستويا على سوقه على الأرض الغارقة بالماء ما تزال - "يا اااه!" وألقوا بأنفسهم لجمعه .
قال "ميكيلينو" : - "بابا ! أنظر كم جمع ذلك السيد هناك ?! ، رفع الأب رأسه فرأى "أماديدجي " واقفا الى جوارهم ، ومعه هو أيضا سلة معلقة بذراعه مليئة بعيش الغراب .
قال الكناس : "آه . أنتم أيضا تجمعونه ? فهو صالح للأكل إذن ? لقد جمعت بعضا منه ، لكني لم أكن مطمئنا .. التي نبتت هناك في الطريق أكبر بكثير من هذه .. حسن ، الآن وقد عرفت فلأطمئن أقاربي الذين وقفوا هناك يتجادلون : أمن الأفضل جمعه أم تركه " .. ، وابتعد بخطوات واسعة .
فقد "مار كوفالدو" النطق : عيش غراب أكبر بكثير من هذا لم يلحظه هو ، محصول لم يحلم به يذهبون به هكذا أمام عينيه . بقي للحظة متحجرا من الغضب ،من الغيظ ، ثم كما يحدث عادة - تحول انهيار كل أحلامه الشخصية إلى اندفاعة كرم . في تلك الساعة ، كان هناك أناس كثيرون في انتظار الترام ، بمظلاتهم المعلقة بأذرعتهم ، حيث كان رطبا ما زال وغير مستقر . صاح "مار كوفالدو" في الجمع المتحلق حول المحطة : "أنتم هناك ! هل تريدون تناول عيش الغراب المحمر هذا المساء ? ها هوعيش الغراب قد نما هنا في الطريق ! تعالوا معي هناك ما يكفي الجميع " !
ومضى في أعقاب "أماديدجي " يعقبه ذيل صغيرمن بعض الأ شخاص . وجدوا من عيش الغراب ما يكفي الجميع ، ولنقص في السلال فقد فتحوا المظلات واستخدموها . قال أحدهم : " كم يكون جميلا أن نعد وليمة غذاء جماعية" لكن كل واحد منهم أخذ ما جمعه من عيش الغراب وتوجه إلى بيته .
لكنهم سرعان ما التقوا ، بل في نفس الليلة وفي نفس العنبر بالمستشفى ذاته ، بعد غسيل المعدة الذي أنقذهم جميعا من التسمم : لم يكن خطيرا في الحقيقة ، ذلك أن كمية ما أكله كل منهم من عيش الغراب كانت للحق متواضعة جدا .
كان " مار كوفالد و" و ا"أماديدجي " يرقدان على سريرين متجاورين ، يتبادلان النظر شزرا .
(ترجمة : المحمود ا براهيم )
هامش :
إيطالو كالفينو ( Italo Calvino) ، 198 - 19235
كاتب إيطالي بدأ واقعيا (درب أعشالش العناكب LL
Sentiero dei nidi ragno
1947 ، ثم كتب روايات تهكمية مضحكة ثلاثية
(الفيسكونت ا لمشطورة llvisconte dimezzato
1953 ، والبارون المتعلقLL barone rampante
11957 تم الفارس عديم الوجود -LLCavaliere in
1959 esistente ، وقائع يوم المراقب الانتحابيLa
1963giornata di uno scrutatore ، المدن غير
المرئيةLe citta invisibili، لو أن مسافرا
ذات ليلة شتوية -Se una notte d inveno un 1979Viaggiatore تعتبر مجموعة قصص مار كوفالدو1963 Marcovaldo من أشهر أعماله.وقد نشرت بعد موته مجموعة مقالات عن تأملاته حول القيم الآدبية بعنوار دروس أمريكية Lezioni americane 1988 .

من الوراق.....





المواضيع المشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نقر الغراب barwe المنتدى الاسلامي 2 19-01-2015 02:03 PM
عش الغراب ملك الأعشاب الزهراني محمد الطب البشري - العلاج بالأدوية و الأعشاب الطبية 1 01-06-2012 11:41 PM
انتاج عيش الغراب all season بيع وشراء منتجات ومقتنيات وبضائع 0 22-09-2011 07:33 AM
لماذا ذكر الغراب في القرآن قمرالشام المنتدى العام 5 26-03-2010 12:07 PM
تسويق فطر عيش الغراب oysterco شركات التسويق 0 26-09-2009 06:27 PM
 


عيش الغراب وسط البلد

English

Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.