:read:
بسبب إخفاق سياسات الإدماج والعجز الرسمي عن معالجة المشاكل المرتبطة بظهوره في المجتمع
الإسلام هو الدين الأول في السجون الفرنسية.. هذه هي النتيجة التي توصل إليها الباحث السياسي فرهارد خوزروخافار من مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس. وينشر هذه الأيام دراسة في شكل كتاب عنوانه الإسلام في السجون .
اعترف الباحث بأن النتيجة فاجأته شخصيا، فقد أثبت أن نسبة المسلمين في السجون المحيطة بالمدن الكبري تتراوح بين 50 و80 بالمئة.
ومن المفارقات التي يكشف عنها في تحقيقه، قلة الواعظين المسلمين في السجون الفرنسية إذ لا يتعدون 60 واعظا مقابل 500 كاثوليك. وقال ان الإسلام في السجون ليس ظاهرة انتقالية ولا خصوصية فرنسية ، بل سيصبح عاملا ثابتا ومهيكلا للمجتمعات الأوروبية.
ويري خوزروخافار أن السجن هو أوضح مؤشر علي إخفاق سياسات الإدماج التي اتبعتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة من جهة، وعجز هذه الحكومات عن معالجة المشاكل المرتبطة بظهور الإسلام في المجتمع الفرنسي من جهة أخري.
وتخشي إدارات السجون الآن انتشار الإسلام إذ تنظر للأمر بشيء من الريبة التي لا مبرر لها، برأي الباحث، الذي يربط بين التطبيق الضيق لمبدأ العلمانية، وهذا الخوف الذي ترتفع حدته بارتفاع عدد المسلمين الجدد في السجون.
وفسر خوزروخافار ظاهرة اعتناق الإسلام بسعي مساجين كثيرين إلي الابتعاد عن الدين المسيحي والماضي الاستعماري وسيطرة الرجل الأبيض . غير أنه لا يعتبر ما يحدث في السجون ممارسة دينية عميقة وحقيقية، بحيث هناك المُفْرِطون والمُفَرِّطون، تماما كما هو الحال خارج السجون .
وإذ تختلف الممارسة الدينية من سجين لآخر، فإن القاسم المشترك هو الشعور بأخوة جامعة، وقانون خلقي، ورصيد روحي لم يمنحه لهم المجتمع .
هذا القانون الخلقي هو الذي يسمح لبعض الشباب من الخروج من دائرة العنف والانحراف. وبالمقابل كشف التحقيق عن وجود فئة من المنحرفين المستعدين للرجوع إلي أعمالهم المخالفة للقانون فور خروجهم من السجن، وهم يعلنون بكل فخر انتماءهم الجديد للإسلام. قال أحدهم: صرت مسلما وهذا يساعدني داخليا، ولكن المجتمع الذي أعيش فيه لا يعطيني اختيارا واسعا وليس هناك طريق أمامي سوي الانحراف . ويعلق الباحث قائلا: الذهاب والإياب بين السجن والخارج يصبح أسلوب حياة بالنسبة للبعض . وكشف الباحث عن 10 آلاف سجين إضافي في السجون الفرنسية في العامين الأخيرين مما يرفع العدد الإجمالي إلي 60 ألفا.
وتعامل إدارات السجون الفرنسية الإسلام بطريقة لا يستسيغها الباحث إذ لاحظ أنها لا تعترف به، وهي بذلك تترك المساجين يتصرفون من تلقاء أنفسهم ويتبعون زعماء إسلاميين لا يتحكم فيهم أحد .
وحذر من هذه المعاملة لأنها تسهل الخطاب الداعي إلي الكراهية ضد الغرب ، حسب ما جاء في تحقيقه. بل سلط خوزروخافار الضوء علي القوانين الداخلية للسجون فوجدها صارمة إلي أبعد الحدود وليس فيها حد أدني من المرونة، بحيث تصبح الصلاة الجماعية مثلا ممنوعة، وهو ما يجعل من الإسلام دين ضحايا ، حسب ما لاحظه خوزروخافار.
قارن الباحث بين النموذجين الفرنسي والبريطاني فقال ان عدد المسلمين الشيعة في السجون البريطانية مثلا لا يتعدي العشرين ويزورهم واعظان بشكل منتظم.
وقدم الباحث أدلة علي غياب إرادة حقيقية لدي إدارات السجون الفرنسية للتكفل الحقيقي بالجانب الديني، وربما يعود هذا النقص إلي رؤية فرنسية خاصة لموضوع العلمانية.
انتقد الباحث النموذج العلماني الفرنسي انتقادا شديدا، فهو بالنسبة له قمعي بالدرجة الأولي، وليس أدل علي ذلك من قانون منع الحجاب في المدارس والإدارات العمومية الذي صدر مؤخرا. هذا القانون هو قانون منع لا قانون إدماج في تحليله، وهو يأتي في سياق يشعر فيه الشباب المسلمون بالإخفاق وانعدام أدني حظ في النجاح.