أستغفر الله العظيم ... سبحان الله وبحمده



العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > المنتدى العام


مواضيع مميزة  


آخر عشرة مواضيع المواضيع النشطة


21-03-2004, 06:03 AM
قدسيه غير متصل
عضو محترف
رقم العضوية: 155
تاريخ التسجيل: May 2003
المشاركات: 636
إعجاب: 0
تلقى 0 إعجاب على 0 مشاركة
تلقى دعوات الى: 0 موضوع
    #1  

ضعف الاهتمام بالحقيقة يديم الجهل والجور والتخلف


الاهتمام بالحقيقة يديم الجهل والجور


المقال للاستاذ القدير : إبراهيم البليهي



إن الباحث الذي يحرص على معرفة الأسباب الحقيقية للأشياء والأوضاع ويحاول أن يلتمس تفسيراً للظواهر الاجتماعية والتاريخية والثقافية لا بد أن يظهر له أن المجتمعات التي تعيش في ظل ثقافات تهتم بالحقيقة هي التي تقدمت فيها العلوم

الموقف من الحقيقة هو الفيصل الحاسم بين الثقافات المتخلّفة والأخرى المزدهرة فالوهم والخطأ والجهل والأنانية والجوركلها عناصر أولية وأصيلة في الطبيعة البشرية لذلك فإنها تستمر في توجيه حياة الأفراد والمجتمعات حتى يتحقق الاهتمام الشديد بالحقيقة اهتماماً يتربى عليه الجميع شغفاً بها واستمتاعاً بمتابعتها والتزاماً بمقتضياتها، فمهما كثرت المدارس والجامعات ومهما بلغ الإنفاق على العلم والتعليم ومهما تعددت وتنوعت مؤسسات التنمية وحفظ الحقوق فإن النتائج تبقى مرتبطة أولاً وآخراً بموقف المجتمع من الحقيقة فلا يمكن أن يتقدم العلم في أي مجتمع ولا أن تنتشر المعرفة ولا أن يتوفر العدل ولا أن يتحقق الازدهار إلا بمقدار الاهتمام بالحقيقة المحضة سالمة من تلبيسات الأهواء والتواءاتها التي لا تقف عند حد...
إن غرس الاهتمام بالحقيقة يتطلب تربية الأجيال على التعلّق الشديد بها والبحث الصادق عنها والسعي الحثيث إليها واستخدام كل الوسائل الممكنة لبلوغها والإحساس القوي بكثرة الصوارف عنها والإصرار الملح على الالتزام بها والتخلي عن الأوهام التي تدعي وضوحها والانتباه لخداع البداهات السائدة التي تحجبها وإدراك أصالة الوهم والخطأ والجهل والأنانية والجور والتحيُّز والهوى وتنشئة الأجيال، على أن تجاوز هذه الأوضاع الأولية يتطلب جهوداً استثنائية خارقة تنقل الأفراد والمجتمع من حالة العطالة الأصلية إلى حالة الفاعلية الطارئة وهي حالة لا تكون إلا مستحدثة وأيضاً لا تكون ناجعة إلا إذا كانت ذات طاقة قوية ومتجددة...
إن الباحث الذي يحرص على معرفة الأسباب الحقيقية للأشياء والأوضاع ويحاول أن يلتمس تفسيراً للظواهر الاجتماعية والتاريخية والثقافية لا بد أن يظهر له أن المجتمعات التي تعيش في ظل ثقافات تهتم بالحقيقة هي التي تقدمت فيها العلوم وتوفر فيها الرخاء وتحققت فيها نسبة عالية من العدل فالموقف من الحقيقة هو محور أساسي في الحياة البشرية..
وما يجب أن نعرفه هو أن الحقائق ليست بالوضوح الذي نظنه ونتوهمه إن عمليات التحقق هي كما يقول رينيه مونييه: "صناعة شاقة وطويلة" ولكن معظم الناس يستسلمون لأوهام الوضع ويعيشون على بداهات زائفة صنعتها ظروف غير سويَّة فالوثوق الساذج هو أحد أعداء الحقيقة وليس من طبيعة الإنسان أن يتحقق إلا اذا تعددت في ذهنه الاحتمالات وانتصب له الشك يحثه على البحث ويضطره إلي التحقق ولكن من النادر أن يحصل ذلك إلا في بيئة ثقافية تعددية تتمحص فيها الآراء وتتصارع الأفكار وتنجلي الحقيقة حيث لا يتاح لاتجاه واحد فقط أن يحتكر حق التواصل المفتوح مع الناس فيحصر الفهم والتعاطف على اتجاهه وحده وإنما يكون حق التعبير متاحاً للجميع فيستنير الناس بالتعرف على كل الاتجاهات...
إن معرفة الحقيقة يجب أن تقوم على مقومات موضوعية باستنطاق الأشياء وتحليل الوقائع واستقراء العلاقات وتمحيص الدلالات فالحقيقة لا تستمد وجودها إلا من ذاتها وهي أهمُّ من أن نكتفي بما يقوله الآخرون عنها أياً كان هؤلاء الآخرون إن الحقيقة لا تُعرف بالناس وإنما الناس يُعرفون بها....
إن من يقرأ التاريخ بقصد التبصُّر ومعرفة الحقائق بعد أن يتخفَّف من ضغوط أحمال الأحكام المسبقة يكتشف أن الكثير من معضلات الحاضر قد نجمت عن تزييف الوقائع في الماضي أو تغييبها أو تفسيرها تفسيراً مغرضاً. فالحقيقة من النادر أن تبقى ناصعة وإنما تتكاثف عليها الأهواء فتغمرها بالأباطيل وتحيطها بالتأويلات وتضع أمامها الحواجز فلا تصل إلى الناس كما هي وإنما تأتي مقلوبة أو محرَّفة أو مؤوَّلة أو مزوَّرة أو مبتورة ثم تتوارث الأجيال اللاحقة هذه النتائج الممسوخة وتحتجب الحقائق في ظلمات أفعال الأهواء والتحيزات...
إن الناس في الغالب مأخوذون بالأحكام المسبقة التي تبرمجوا بها بالتنشئة ويبقون مشدودين بها مهما كانت ظالمة وخاطئة وبعيدة عن التحقُّق فمن المعروف أن الناس تشكل عقولهم وعواطفهم بما نشأوا عليه وهم في الغالب لا يراجعون هذا التشكل ولا يتشككون به وهذه من أكبر المعضلات البشرية التي تخنق الحقائق لأن الميول والعواطف والأهواء تكون قد تشكلت قبل بلوغ الوعي فيبقى الإنسان مأسوراً بهذه الأهواء وهو يتوهم أنه يتصرف بمحض عقله ولا يدري أن هواه قد صاغه غيره وأن هذه الصياغة السابقة لوعيه هي التي تحدد أهواءه وترسم مسار حياته فيكون تغيير هذه الأهواء وتعديل هذا المسار أصعب من زحزحة الجبال...
إن الأهواء المتشكلة تسيطر على العقل ولا بد من تغيير الأهواء ليستجيب العقل لذلك فإنه إذا اتجه هوى الإنسان إلى مسار أو سيطرت الرغبة على موقف أو إذا انطوت خريطته الذهنية على أفكار أو تصورات خاطئة مستقرة ذات منشأ عاطفي (مع أو ضد): فإن كل الحجج والبراهين لا تفيد في إقناعه أو صرفه عن اتجاهه مهما كانت الحقائق شديدة القوة والوضوح ومهما كانت تصوراته ظاهرة البطلان لغيره لذلك لا يكون إقناع الناس بالحق عن طريق البراهين وحدها وإنما يكون بتحويل هوى النفوس إلى الحق: ".. لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به.." ومن هنا شرع الله للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتألف كبراء العشائر وغيرهم ممن يقتدي بهم الآخرون لتحويل مجرى أهوائهم حيث كان يتألفهم بالأموال الوفيرة والأعطيات الضخمة وأيضاً بالمراعاة المعنوية كما فعل حين نادى مناديه يوم الفتح: "... من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.." وكان من النتائج السريعة والحاسمة أن أولئك المناوئين القُساة قد انضموا إلى صفوف المسلمين وأن المنابذة قد آلت إلى مناصرة فصاروا يؤازرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا يحاربونه وأصبحوا يهوون انتصاره بعد أن كانوا يتمنون هزيمته وباتوا يحاربون في صفوف الحق بعد أن كانوا يبذلون الأرواح والأموال لمحاربته.
ويروي التاريخ أن واحداً من أولئك الزعماء العشائريين كان يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلتُ عليه وهو أبغض الناس إليَّ فما زال يعطيني حتى أصبح أحبَّ الناس إليَّ وأكرمهم عندي.. وهذا برهانٌ ساطع على أن هواه قد تحوَّل أولاً ثم اقتنع بعقله ثانياً...
إن الذين تحددت مواقفهم مسبقاً سواء في القضايا الدينية أو الاجتماعية أو الفردية أو العرقية أو العشائرية أو الاقليمية أو المذهبية أو الحزبية أو غيرها من التحيزات التي تنشأ عليها النفوس: لا تُجدي معهم حقائق العلم ولا تنفع فيهم براهين المنطق ولا تقنعهم وقائع الحس وقد جلا القرآن الكريم هذه الحقيقة النفسية أعظم تجلية في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {.. ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلموا فيه يعرجون. لقالوا إنما سُكّرتء أبصارنا بل نحن قوم مسحورون..} وقوله تعالى: {.. ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إنء هذا إلا سحرٌ مبين..} وليس بعد هذا البيان القرآني العظيم أية حاجة لمزيد من الإيضاح لهذه القضية المحورية وهي تدل دلالة قاطعة على أن كل الحجج وجميع البراهين وكافة الأدلة لا تؤثر في الذين تحددت مواقفهم بالأهواء الجارفة المسبقة وهي ليست مقصورة على مسألة الإيمان وإنما هي بيانٌ ربَّاني عن واحد من أهم ثوابت النفس البشرية نحو الأشخاص والأفكار والأوضاع والقيم والأحداث والأعمال والأشياء...
لقد صار معروفاً بأن هذا القانون النفسي من أرسخ أركان الطبيعة البشرية فاستمالة القلوب لا بد أن تسبق إقناع العقول والله تعالى يقول لرسوله: {.. ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك..} فالرسول صلى الله عليه وسلم يحمل الحق الساطع الموحى به من خالق الكون لكن سطوع الحق وعظمة المصدر وصدق المبلّغ لم تكن رغم تضافرها كافية لإقناع الناس.. ولأن خالق البشر هو مُرسل الوحي فإنه تعالى قد منح رسوله قدرات عظيمة في التأثير وفي استمالة الناس ليس فقط بالحقائق والبراهين والأمانة التي شهد له بها أعداؤه وإنما استجاب الناس لدعوته بها وبحُسن الخُلُق وعظمة النفس وقدرة البيان وكفاءة التبليغ وباللين والرفق ومعاملة الناس بالحُسنى {.. وإنك لعلى خُلق عظيم..} ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام عن رسالته: ".. إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق.." فالإنسان ليس عقلاً خالصاً وإنما هو في الغالب حزمة من الأهواء والعواطف والميول والرغائب إن العقل تابعٌ للأهواء ومأسور بها ومن النادر أن يكون العكس وإذا أردنا أن نُقنع العقل فعلينا أولاً أن نستميل الوجدان فالرغبات لا تقاوم بالمنطق وإنما تُستمال برغبات أكبر لذلك فإن تجربة الدفاع عن الحقيقة هي من أقسى وأشق التجارب الإنسانية...
إن بين الحقيقة والهوى عداء مستحكم فللرغبات الفردية والجماعية تيارٌ شديد جارف ولكن كل صاحب رغبة لا يستبين ما في رغباته من جموح ولا يحسُّ بما في أهوائه من تعنُّت إن الناس يستفظعون طوفان الأهواء حين تندلع من الآخرين عليهم فتجتاح حقوقهم أو تعطف بمكانتهم أو تُلبسهم ثوباً لا يتفق مع حقيقة واقعهم غير أنهم لا يشعرون بفظاعة أهوائهم وهي تقتلع الحقيقة وتجرف حقوق الآخرين...
إن العقل هو مناط التكليف عند الإنسان وهذا المناط يقتضي ضبط الرغبات والتحكم بالأهواء غير أن الرغبات ذات فوران تلقائي فهي تندلع اندلاع النار في الهشيم وتتدفق كما يتدفق الغاز الذي يحدوه ضغط شديد إن الناس يتعلمون شيئاً عن اتقاء أهواء الآخرين لكنهم لا يتعلمون أي شيء عن طوفان أهوائهم.





المواضيع المشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ارجو دخول الخبراء فى التعديل مشكلة تكملة التنصيب بالدقيقة 39 محمود العفريت المنتدى العام لتصميم الأسطوانة 8 27-05-2014 01:09 AM
شوفوا العالم التعبانة والتخلف والغباء المتناهي nas2day أرشيف المواضيع المخالفة والمحذوفات 5 25-08-2012 04:34 PM
مسالة قانونية اقيم فى عمارة بالدور السادس والاخير والدور كما هو فى العقد نظام فيلتين pure_mind مُسْتَشارُكَ القّانُونيْ 2 18-01-2011 02:58 AM
والمعرفة بالحقيقة واجب لا بد منه hedaya المنتدى العام 12 23-05-2009 07:24 AM
وأخيرا ...اسطوانة على فين يا شباب من نور الإسلام والحور العين_رائعة nor el-din الاسطوانات والصوتيات والمرئيات والبرامج الاسلامية 2 26-10-2008 03:03 AM
 


ضعف الاهتمام بالحقيقة يديم الجهل والجور والتخلف

English

Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.