.
[c]السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تفجيرات مدريد ... من الفاعل؟!!
مفكرة الإسلام :
حيرة دائمة ؛ تضعنا فيها تلكم التفجيرات المتناثرة هنا وهناك , فأكثر من جهة تتوجه إليها أصابع الاتهام , ويظل الناس أسرى الحيرة , وتبقى عقولهم مشدودة لما تطيره الوكالات من أنباء بعضها صحيح , ومعظمها تعوزه الدقة ويفتقر إلى الحقيقة.
وتتبدد الحقيقة في معظم الأحيان في خضم خطاب موتور ونعيق بوم الأجهزة الاستخبارية , فـ'الضحية' ذاته أول الباحثين عن استثمار الحدث لصالحه , بغض النظر عن واجب احترام مصداقيته .. فاستدرار العطف وقلب الطاولة في وجه الفاعل أو حتى 'الفاعل رغم أنفه' هي شارة الحذق لدى 'الضحية الهمام' الذي سرعان ما يصبح 'أسدا جريحا' يتربص بالفاعل وغير الفاعل , وعندها يختفي 'الضحية' وتتبدل الأدوار ؛ لتصير الحقيقة هي الضحية.
ما حدث بالأمس فاجعة بكل المقاييس لبلد ألف الهدوء في عقوده الأخيرة , وإن كان مرَدَ على التعذيب بصوره البشعة إبان محاكم التفتيش والقتل وسفك الدماء والعبث بأرواح المسلمين من لدن تأريخ قرطبة العامرة وغرناطة الزاهرة والحمراء التليدة وطليطلة الضائعة إلى اليوم الذي تبختر فيه 1300 من أحفاد الأولين فوق ثرى بغداد في شهر يوليو الماضي . حادثة موغلة في دمويتها أدت إلى مقتل نحو مائتين وجرح ألف وخمسمائة في بلد السياحة الأول في العالم دقت مطارقها فوق رأس رئيس الوزراء الإسباني خوسيه أثنار قبل أيام من الانتخابات الإسبانية , تلقي ببذور الشك في حقول الريبة : من يكون الفاعل ؟ من المستفيد ؟ أي رسالة يراد إيصالها على جثث المئات ؟
هناك عدة احتمالات تشير إلى مسؤولية هذا الطرف أو ذاك , نجملها فيما يلي :
أولا منظمة إيتا الانفصالية :
هناك أكثر من سبب يحمل على الاعتقاد بأن إيتا التي تطالب باستقلال إقليم الباسك [شمالي إسبانيا وجنوبي غرب فرنسا] منذ العام 1968م هي أحد أبرز المتهمين بالوقوف خلف هذه التفجيرات التي ضربت مدريد بالأمس :
1ـ تاريخها الدموي الذي يمتد من عام 68 وحتى اليوم , قتلت خلاله أكثر من 800 إسباني وأصابت وأعاقت عشرات الألوف , وعدم تعاطي الحكومة الإسبانية على نحو مشابه للذي نالته الشين فين وذراعها العسكري/ الجيش الجمهوري الأيرلندي من بريطانيا , وشعور المنظمة بحالة من الانسداد السياسي بعد أن أحبطت حكومة أثنار مساعيها في العام 1999م بإيجاد حل للمعضلة الباسكية إثر اعتقال ناطقها الرسمي في زمن الهدنة.
2ـ رغم فداحة الفاتورة البشرية في تفجيرات مدريد مقارنة بـ 800 قتيل أوقعتهم المنظمة خلال نحوا من 36 عاما , إلا أن هذه المنظمة فور إنهائها هدنة مع الحكومة الإسبانية في العام 1999م ووقف مباحثات السلام فيما بينهما قد أقدمت على تنفيذ محاولة شديدة أوارها لولا أن الشرطة الإسبانية قد أحبطتها في آخر لحظة حين وضعت المنظمة شاحنتين مفخختين بألف كيلو جراماً من المتفجرات بالقرب من أحد أهم المراكز السكنية والتجارية حساسية في العاصمة مدريد في ليلة 'عيد الميلاد' , وعملية كهذه تدحض نوعا ما قولا يدعي بأن إيتا أقل من أن تفعل ما جرى بالأمس استنادا إلى تاريخها الذي لم يكن دمويا على هذا النحو , وإن كان ذلك بلا شك يقلل من احتمالية تورط إيتا.
3ـ هناك دلالات ميدانية تشير إلى تورط إيتا في الهجمات , فقد ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية نقلا عن مصادر لدى النيابة العامة في منطقة بجنوب غرب فرنسا اليوم الخميس أن رسالة منسوبة إلى حركة 'إيتا' الانفصالية الباسكية أرسلت في نهاية شهر فبراير الماضي من جنوب غرب فرنسا 'حذرت وكالات السفر' التي تتعامل مع 'الدولة الأسبانية الفاشية' على حد تعبير الرسالة. وأشارت مصادر أمنية إلى أن المتفجرات التي استخدمت في شن هذه الهجمات التفجيرية هي من نفس نوع المتفجرات التي تستخدمها عادة جماعة 'إيتا' , كما وأن معظم المعطيات الأمنية تشير إلى ذلك ابتداء.
ثانيا تنظيم القاعدة :
لم يكن تنظيم القاعدة أول الأمر مشارا إليه ببنان الاتهام , إلا أنه سرعان ما تبوأ مكانه الاعتيادي بالضلوع في كل شاردة وواردة , ومنها تلك العمليات الإسبانية , إذ توجهت إليه الأنظار رغم وجود منظمة إرهابية محلية في إسبانيا وسبق لها تنفيذ العديد من العمليات لأسباب أخرى , هي :
1ـ حجم العمليات الكبير الذي يتناسب مع عمليات القاعدة , وتزامنها في حدود أقل من 10 دقائق [كان مسؤول بوزارة الداخلية الأسبانية قد أوضح أن ما مجموعه 10 قنابل قد انفجرت في مدة لا تزيد عن 10 دقائق على طول مسافة 9 أميال من خط 'سانت يوجينا' وحتى قرب محطة 'أتوتشا'.]
2ـ صدور تهديدات سابقة سواء من أسامة بن لادن أو د. أيمن الظواهري من خلال قناة 'الجزيرة' أو من تدعوه مجلة 'المجلة' اللندنية بمحمد الأبلج باستهداف الدول الأوربية المظاهرة للولايات المتحدة في حربها ضد العراق.
3ـ البيان المنسوب لتنظيم القاعدة والذي تبنى الهجمات والموقع باسم 'كتائب أبو حفص المصري/القاعدة ونشرته صحيفة القدس العربي اللندنية , وجاء فيه : 'أن 'سرية الموت نجحت في التسلل إلى العمق الصليبي الأوروبي وضرب أحد أركان التحالف الصليبي [أسبانيا] بضربة موجعة'.
وأضاف البيان: أن العملية التي سماها عملية قطارات الموت 'جزء من تصفية حسابات قديمة مع أسبانيا الصليبية حليفة أميركا في حربها ضد الإسلام'.
وتوجه البيان إلى القادة الأسبان قائلا: 'عندما ضربنا القوات الإيطالية في الناصرية بعثنا تحذيرا لكم ولعملاء أميركا بالانسحاب من الحلف ضد الإسلام ولم تفهموا الرسالة'.' , كما وأن وزير الداخلية الأسبانية قد ذكر أنه قد تم العثور على شاحنة قرب مدريد مشتبه بها، وعند تفتيشها تم العثور بها على سبع متفجرات وشريط باللغة العربية يحوى آيات من القرآن الكريم.
إلا أنه ومن جهة أخرى , فإن صحة هذا البيان تظل محل نظر , نظرا لأن تنظيم القاعدة دأب على عدم تبني عملياته إلا بعد فترة طويلة أو عدم تبنيها مطلقا , وبافتراض بأن هناك من قدموا دعما لوجستيا للمنفذين , فإن إعلانا بهذه السرعة الفائقة يعد انتحارا لمن بقى من تلك الشبكة المفترضة على قيد الحياة , لا سيما وأن الشرطة الإسبانية كذبت الأنباء القائلة بأن 'انتحاريين' كانوا وراء هذه الهجمات.
ويعني اختراقا لـ'الجبهة الإسبانية' أن القاعدة ليست قوية فحسب , بل قوية جدا ؛ كونها تنجح في تسديد ضربات متزامنة بهذه القوة في قلب أوروبا التي 'غربلت' الشبكات الافتراضية للقاعدة وامتدت الاعتقالات فيها لحد اعتقال أشهر مراسلي الجزيرة 'تيسير علوني' على أراضيها , وتحديدا على الأراضي الإسبانية , وهذا كله لا تؤيده معطيات استخباراتية كثيرة لعل أهمها :
ـ ما ذكرته وكالة فرانس برس نقلا عن مسؤول أمريكي رفيع قوله 'إن البيان المنسوب إلى تنظيم القاعدة الذي نشرته صحيفة القدس العربي الخميس ويتبنى اعتداءات مدريد لا يشبه الطريقة الاعتيادية لهذا التنظيم الإرهابي'.
وقال هذا المسؤول الذي فضل عدم الكشف عن هويته 'لا يمكننا أن نؤكد في الوقت الراهن صحة هذا التبني' مضيفا 'لكن يبدو هذا الأمر غريبا لطريقة تبنيهم'.
ـ وإصرار المتحدث باسم الحكومة الإسبانية ادوادو زابلانا مساء الخميس على فرضية مسؤولية منظمة ايتا في سلسلة الاعتداءات الدامية التي وقعت في مدريد أمس , ففي تصريح لشبكة التلفزيون العامة 'تي في اي'، قال زابلانا 'كل شيء يؤدي إلى العصابة الإرهابية الإجرامية ايتا'. وتنديده بـ'وجود سيناريو للخلط المتعمد من قبل البعض'. واصفا المعلومات التي تتحدث عن إمكانية أن يكون الأمر متعلق بعملية انتحارية أو من الممكن أن يكون شخص مسلم بين القتلى بأنها 'شائعات' مضيفا 'علينا أن لا نجنح وكل شيء يسير في نفس الاتجاه: ايتا'.
ـ وكون تنظيم القاعدة ليس معروفا عنه قيامه بعمليات ذات أبعاد ليست سياسية واستراتيجية , فمن غير المعقول وفقا لأدبيات التنظيم أن يستهدف عملياتيا جهات شعبية أضحت تقف في موقف معاكس لموقف الحكومة الإسبانية المساند للموقف الأمريكي , إذ أمست كل معطيات مراصد المزاج الشعبي الإسباني تؤكد على معارضة الشعب الإسباني لموقف حكومته المتحالف مع قوى الاحتلال الأمريكية/البريطانية للحد الذي حدا به للمطالبة بمحاكمة رئيس الوزراء الإسباني خوسيه أثنار على خلفية توريط الجيش الإسباني في معارك لا أخلاقية لا يناله منها ورائها ناقة ولا جمل , بل تضطره إلى دفع فاتورة حساب لسلعة لم يشترها , ولهذا فإن إقدام التنظيم المذكور على تبني عمليات من شأنها أن تعيد اللحمة بين الحكومة الإسبانية والشعب الإسباني يعد أمر غير موفق بالمرة من الناحية السياسية , وهذا بدوره ما لم يلحظه المراقبون على أداء ذلك التنظيم الذي عرف عنه الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية من وراء عملياته العسكرية ؛ لحد جعل زعيمه في بعض الأحيان يوحي بتبنيه لبعض العمليات التي لم ينفذها مقاتلوه لكنه كان يرى من وجه نظره أن مدح منفذيها من شأنه تحقيق بعض المكاسب السياسية , كعملية الخبر التي تبين فيما بعد تورط جهات شيعية لا تمت للقاعدة بصلة في تنفيذها.
ثالثا المخابرات الأمريكية أو الصهيونية :
كلاهما موضع ريبة من المراقبين كونهما يعنيهما بقاء التأييد الشعبي لتساند إسبانيا مع دول الاحتلال الأخرى في العراق وغير العراق , وضمان استمرار التأييد الحكومي والشعبي الإسباني لطموحات الولايات المتحدة الإمبراطورية , خاصة ما يندرج تحت مخطط الولايات المتحدة لتفعيل 'أوروبا الجديدة' ضد القديمة , وحيث الانتخابات الإسبانية على الأبواب ومن المصلحة العليا للولايات المتحدة والكيان الصهيوني أن يبقى التأييد الإسباني لطموحهما متواصلا , ولا يجلب التأييد في دولة ديمقراطية إلا تأييد شعبي , وهذا بدوره لا يكون إلا عبر حملة ترهيب كبيرة , ربما أريد لها أن تمتد لأوربا كلها!!
.
[/c]