.
[c]السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فرنسا و الدور الصليبي المزدوج
موقفان يبدوان لأول وهلة متعارضان مارستهما السياسة الفرنسية في الفترة الأخيرة :
الموقف الأول من الاحتلال الأمريكي للعراق و الموقف الثاني من قضية الحجاب
ففي الموقف الأول : عارضت فرنسا قرار التحالف بغزو العراق و قال الرئيس الفرنسي بالحرف : فرنسا لن تقبل قراراً ينحو نحو شرعنة التدخل العسكري ومنح الأميركيين والبريطانيين سلطات إدارة العراق وهي أيضا ترفض إقامة محمية أميركية بريطانية في العراق وتصر على أن يبقى العراق للعراقيين وقبله في عام 1998 انسحبت فرنسا من الحظر الدولي المفروض على العراق .
وكرر وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيلبان معارضة فرنسا الشديدة لأي عمل عسكري أمريكي منفرد ضد العراق ورفضها الموافقة على جعل قلب الأنظمة هدفا؛ لأن هذا الأمر في حال حصوله قد يزعزع الاستقرار الدولي.
بل وصل التهديد الفرنسي ذروته عندما لوحت فرنسا باستخدام حق النقض فيتو و طالب البرلمان الفرنسي باستخدام الفيتو أيضا في مجلس الأمن ضد أي قرار يسمح بحرية التدخل الأمريكي في العراق .
وكانت قمة هذه المواقف قادمة على لسان الرئيس جاك شيراك في المقابلة الصحفية التقليدية التي نظمها في قصر الايلزيه يوم الرابع عشر من يوليو ذكرى العيد الوطني الفرنسي وبالطبع لم يفوّت الرئيس شيراك هذه الفرصة ليثير ما سماه استحالة استفراد قوة عظمى واحدة بتقرير مصير العالم مضيفاً بأن العالم لا يقبل إملاءات فوقية ومستعجلة لتوريط المنظمة الأممية والمجتمع الدولي في مغامرات غير محسوبة العواقب.
و أثار هذا الموقف الجانب الأمريكي حتى على المستوى الشعبي فقد كانت صحيفة تايمز اللندنية قد نشرت أن القيادة الأمريكية اكتشفت بعض العبارات البذيئة التي تسب 'الفرنسيين' مكتوبة على بعض الصواريخ الموجهة إلى بغداد.
أما الموقف الثاني الذي نحن بصدده هو منع الحجاب داخل المؤسسات الرسمية الفرنسية حيث صرح شيراك في خطاب له إنه يجب عدم السماح بارتداء أي زي ديني في المؤسسات الحكومية الفرنسية. ودعا البرلمان الفرنسي لسرعة تبني القانون الخاص بمنع العلامات الدينية المميزة في المدارس وأماكن العمل قبل حلول العام المقبل. وأوضح أن القيم الفرنسية تعتمد على العدالة واحترم الآخرين وأن بلاده شهدت على مر العصور تباينا بين مختلف الأجناس والأديان. وقال شيراك إن العولمة تفرض التعايش مع تنوع الثقافات ولكن الفرنسيين يرفضون الغلو والتطرف على حد تعبيره.
وأشار أيضا إلى ضرورة دمج المهاجرين -ومعظمهم من أصول عربية وإسلامية- في المجتمع الفرنسي بشكل كامل دون أي تمييز ضدهم.
وأعرب شيراك عن قلقه إزاء ما أسماه بالأصولية الإسلامية قبيل تقرير رسمي يوصي بسن قانون لمنع الحجاب بالمدارس الفرنسية وأكد شيراك -أثناء زيارته لتونس للمشاركة في قمة 5 + 5 [لدول غرب المتوسط]- أن الحكومة الفرنسية ذات النظام العلماني الصارم لا يمكنها أن تدع التلميذات يرتدين ما وصفه بأنه علامات متباهية للهداية الدينية وقال: إنه يرى شيئًا ما عدوانيًّا في ارتداء الحجاب و قال رئيس الوزراء الفرنسي جان بيير رافاران في مدارس الجمهورية كل مظاهر الحجاب يجب أن تكون مرفوضة .
هذا التعارض في الموقف الفرنسي قد يبدو للعيان أنه متضارب ففرنسا المعارضة لضرب مسلمي العراق تصر على خلع الحجاب و لحل هذه الإشكالية يجب الوقوف على حقيقة المواقف الفرنسية و ليس ظاهرها المعلن فالحقيقة أنه بالرغم من معارضة فرنسا للحرب فقد قامت بفتح أجواءها أمام سلاح الجو الأميركي والبريطاني وهو متوجه لتنفيذ مهامه في الحرب على العراق ومن هذا السلاح طائرات الشبح و بي 52 المقاتلة التي تعبر السماء الفرنسية يوميا في اتجاهها لإفراغ حمولتها المدمرة على رؤوس العراقيين. و منها أيضا تمنيات الرئيس الفرنسي نفسه في تصريح علني أن يتمكن الأميركيون والبريطانيون من إنهاء الحرب سريعًا؛ بحجة تمني وقوع أقل الأضرار في صفوف المدنيين. و منها توقيع فرنسا التي كان يمثلها الرئيس شيراك بنفسه في آخر قمة أوروبية يوم الجمعة 21 -3-2003 على البيان الختامي للرؤساء والزعماء الأوروبيين الذي تم التعهد من خلاله بأن يساهم الاتحاد الأوروبي في إعادة بناء و اعمار عراق ما بعد الحرب.
و يجيء تصريح وزير الخارجية الفرنسي دي فوليبان الذي قال فيه إن فرنسا لن تسمح بهزيمة أمريكا في العراق ليبرز حقيقة النوايا الفرنسية و لكن لماذا إذن أظهرت فرنسا هذه المعارضة الشديدة لهذه الحرب ؟
في مقابلة أجرتها معها مؤخرا مجلة دير شبيغل الالمانية عن العلاقات الفرنسية ـ الأميركية والمشاركة الفرنسية في إعادة اعمار العراق واتحاد الأمن والدفاع الأوروبي و بعد عودتها من زيارة أمريكا هذا الشهر تحدثت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشيل أليوت ماري و قالت لقد استقبلت بحفاوة ولباقة بالغتين في كل من البيت الأبيض و البنتاغون بالإضافة إلى الكونغرس ومجلس الشيوخ ولقد أبدت الحكومة الأميركية عزمها بشكل واضح على فتح صفحة جديدة وإنهاء التوترات بين بلدينا لقد اعترفت الحكومة الأميركية على الأقل بأن تحذيراتنا كان لها ما يبررها وبأننا لم نقم عن سوء طوية بوضع العراقيل الدبلوماسية والقانونية في طريقهم و إنما قمنا بتحليل الوضع بحسب ما نعرفه وما نعتقده وعلى أساس معرفتنا بالمنطقة و بذلك تكون الوزيرة الفرنسية قد فسرت و بررت المعارضة الفرنسية للحرب على العراق و تضيف القضية ليست قضية منافسة و إنما قضية إضافة وتكملة فتعزيز الدفاع الأوروبي يقوي الحلف الذي يعتبر في نهاية المطاف الدعامة الأهم في أمننا وفي نهاية هذا العام سيقوم حلف الناتو بنقل قيادته للقوات الدولية في البوسنة إلى الاتحاد الأوروبي.
نلاحظ ان الموقف الفرنسي الرسمي في اعلى هرم الدولة هو الاعتبار بما يجري واعادة التأكيد على ضرورة تحالف دولي حقيقي لا تحالف ثنائي اميركي ـ بريطاني.
فالخلاف هو حول شكل النظام الدولي و معارضة أن يكون حول قطب واحد و ليس توازنالقوى كما تريد القوى الأقل شأنا كفرنسا و روسيا و الصين و ألمانيا و على هذا المعنى أكد الرئيس الفرنسي جاك شيراك في مقابلة مع صحيفة يو.اس.اي توداي نشرتها في 25 سبتمبر 2003 انه يتمنى نجاح الولايات المتحدة في العراق وقال الرئيس الفرنسي أتمنى نجاح الولايات المتحدة في العراق لان استقرار الوضع ضروري لان اعادة الاعمار لا مفر منها لان بسط الديموقراطية امر مطلوب. لذلك فان هذه الاهداف مشتركة.
موضحا انه حاول دائما افهام بوش ان فرنسا تقدم مقترحاتها ليس لازعاج الولايات المتحدة انما من اجل المساعدة على ايجاد حل في العراق.
وفي شأن الخلافات حول العراق اعتبر ان من الممكن حصول حادث صغير كما يحصل في جميع العائلا واكد انه يكن التقدير والصداقة العميقين للشعب الاميركي.
وخلص شيراك إلى القول اطالب فقط بالحق الذي يتمتع الصديق بالاعراب بحرية عن ارائه وإلا فانه لا يكون صديقا يكون عبدا وهذا امر مختلف
ونسب إلى المستشار الألماني غيرهارد شرودر قوله إن الخلاف هو حول حماية السيادة الأوروبية وحول النظام الأحادي القطب.
فالخلاف يتعلق ببوقف المحاولات الأمريكية للهيمنة المنفردة و الذي يغذيها جانب في النظام الأمريكي و هم المحافظون الجدد .
و هذا ما قامت به وزيرة الدفاع الفرنسية من شن هجوم لاذع ضد المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية الذين اتهمتهم بانهم سبب الخلافات عبر الأطلس. وقالت في مداخلة أمام مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن ان الخلافات بين فرنسا والولايات المتحدة جرى تأليبها من قبل بعض المحافظين الجدد الجذريين الذين اتهموا باريس بانها خصم استراتيجي لواشنطن وقالت ان هؤلاء انتقدوا واتهموا ووصلوا إلى حد تهديد فرنسا.
فرنسا في النهاية خائفة على المشروع الغربي الصليبي في العالم و ما معارضتها للحرب في العراق إلا خوفا على هذا المشروع و لا عجب أنه حتى داخل الولايات المتحدة من ينتقد بشدة موقف المحافظين الجدد الذي يعدونه يدفع بأمريكا للهاوية و للتذكرة فقط هذه هي فرنسا :
فرنسا هي التي بنت المفاعل النووي الإسرائيلي عام 1957 الذي ينتج القنابل الذرية الآن والتي تشكل ردعا عسكريا لا مثيل له لدي العرب والمسلمين. وقد بنته مكافأة لإسرائيل علي مشاركتها فرنسا وبريطانيا في العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956. إسرائيل غزت سيناء وقتلت أبناء العرب والمسلمين وفرنسا زودتها بأخطر تجهيزات عسكرية متطورة عالميا في ذلك الوقت.
فرنسا هي التي زودت إسرائيل بالسلاح بعد عام 1948 وكان علي رأس المعدات طائرات المستير والميراج التي لم يكن لدي العرب ما يماثلها أو يتحداها في الجو. وقد خاضت إسرائيل حرب عام 1967 ضد العرب بسلاح أغلبه من الصناعة الفرنسية. ولم تتوقف فرنسا عن تزويد إسرائيل بالسلاح إلا بعد انتصار إسرائيل عام 1967 لتحل محلها الولايات المتحدة.
فرنسا هي التي تآمرت مع بريطانيا علي أرض الشام والرافدين و عقدت مع بريطانيا اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 والتي تم بموجبها تفتيت الأرض والسكان وضغطت أيضا في عصبة الأمم عام 1922 من أجل إقرار الحدود التي جزأت سورية إلي الأردن وسورية الصغرى [القائمة حاليا] ولبنان وفلسطين ووافقت علي نص في صك الانتداب مفاده بأن علي بريطانيا احترام تعهداتها الدولية في انتدابها علي فلسطين أي تنفيذ الوعد الذي قطعه بلفور باسم حكومة بريطانيا وفوق ذلك قامت فرنسا بتدمير المملكة السورية التي تم إعلانها عام 1919 ودمرت الجيش العربي السوري عام 1920 وقتلت قائده يوسف العظمة وواصلت فرنسا أعمالها الإجرامية عندما قررت إعطاء لواء الإسكندرون لتركيا عام 1939 من أجل أن تدخل الأخيرة الحرب العالمية ضد ألمانيا.
فرنسا احتلت الجزائر عام 1832 واستغلت الناس وعملت علي فرنسة الجزائر رغما عن إرادة الناس. قتلت المناضلين وزجتهم بالسجون ونشرت الأحزان في كل بيت جزائري مليون جزائي سقطوا علي يد القوات الفرنسية وآلاف البيوت هدمت وبطون النساء بقرت وعيون الرجال فقئت. يمتد هذا الأثر الفرنسي القبيح إلي تونس والمغرب ولو بمستوي أقل بكثير من المستوي في الجزائر.
و أخيرا و ليس آخرا منع الحجاب الذي هو امتداد للمواقف الفرنسية من المسلمين و قد يتخيل البعض أن منع الحجاب قد جاء إعتباطا أوة صدفة بل هو عن تخطيط مسبق ضد الإسلام فقد نشرت صحيفة هآرتس العبرية أن جهاز الاستخبارات الفرنسي كان قد أعد تقريراً حول انتشار الإسلام في الدولة العلمانية الأولى في العالم وأن هذا التقرير وُضع موضع السرية إلا أن الصحيفة وفقاً لمزاعمها تمكنت من الحصول على معلومات حول هذا التقرير.
يقول التقرير إن أكثر ما لفت الانتباه في انتشار أعداد المسلمين والمسلمات بصفة خاصة في فرنسا في السنوات الأخيرة تمثل في التصريحات التي أدلت بها المسلمات الأوربيات اللائي دخلن الإسلام حيث أكدن على أنهن لم يحصلن على حقوقهن الإنسانية إلا بعد أن اعتنقن الدين الإسلامي.
وأبدت السيدات دهشتهن من التشويه الذي طالما كن يسمعنه عن تعاليم الإسلام خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة وتقول إحداهن:اليوم بعد أن قرأت وتعلمت وأعلنت إسلامي تيقن لي أنه يجب على كل شخص ألا يستمع فقط عليه أن يقرأ ويتعلم ليحكم بنفسه.
ووفقاً للتقرير فإن الأعوام الأربعة الأخيرة شهدت اعتناق ما يربو على 55 ألف شخص للدين الإسلامي في فرنسا وحدها حتى أصبحت أكثر البلدان الأوربية التي ينتشر فيها الإسلام . كما كشف التقرير عن أن عدد معتنقي الإسلام من الفرنسيين يصل إلى 5 آلاف معتنق كل عام وهو ما وصفته الصحيفة العبرية بأنه قد يغير ملامح الدولة العلمانية إلى دولة إسلامية.
وقال التقرير إن المسلمين باتوا يشكلون قوة في فرنسا ويعملون على المداومة على شعائرهم الدينية بانتظام للدرجة التي تمتلئ فيها المساجد بهم يومياً خاصة يوم الجمعة.
هذه هي إذن فرنسا و هذه هي دوافعها
.
[/c]