.
[c]السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
العرب والديمقراطية الامريكية
ترتعد الانظمة العربية خوفا وهلعا بعد كشف الادارة الامريكية عن نواياها باطلاق مبادرة ارساء الديمقراطية، والانفتاح الاقتصادي في الشرق الاوسط الكبير، في حزيران (يونيو) المقبل، ومطالبة قمة الدول الصـــناعية الثمــاني بتبنيها في اجتماعها المقبل.
المعلم الامريكي، الذي استغل هذه الانظمة طوال السنوات الثلاثين الماضية، ووظفها في خدمة حماية المشروع الصهيوني، من خلال قمعها للمشاعر الوطنية لشعوبها، وتقويض المقاومة الفلسطينية من الداخل، بات يشعر ان العمر الافتراضي لهذه الانظمة قد انتهي، وانها باتت تشكل عبئا امنيا واخلاقيا علي كاهله، ولهذا يجب ان تذهب، ولكن ليس بهدوء، وانما بطرق مهينة، وبعد فضح سجلاتها في الارهاب الداخلي والفساد.
واللافت ان مبادرة الاصلاح الامريكية هذه تهبط علي رأس الانظمة العربية في وقت تتصاعد حالات السخط الشعبي ضدها، وتتآكل قاعدة تأييدها في الشارع، بحيث بات من الصعب عليها، اي الانظمة، الاستعانة بشعوبها لمواجهة ضغوط الحليف الامريكي المتصاعدة.
ففي مصر هناك حالات سخط شعبي نجحت في اجبار الرئيس مبارك علي التراجع عن توريث الحكم لابنه جمال، وفي السعودية تناسلت العرائض الشعبية المطالبة بالاصلاح، وجاءت آخرها موقعة من تسعمئة شخصية سياسية واكاديمية لا تطالب بالاصلاح فقط، وانما بجدول زمني واضح لتطبيقه، بعد ان ملّ هؤلاء من الوعود الجوفاء. وفي سورية يواجه الرئيس الشاب بشار الاسد ضغوطا متزايدة من اجل الغاء حالة الطوارئ وقوانينها العرفية، وتحديث النظام السياسي وتوسيع دائرة المشاركة في السلطة.
ومن المفارقة ان انظمة، مثل مصر والسعودية وسورية، تقول ان مبادرة الاصلاح الامريكية هذه تشكل تدخلا في شؤونها الداخلية، وهي لم تستشر مسبقا من قبل واشنطن حول جوهر هذه الاصلاحات وكيفية تطبيقها.
وهذا الكلام صحيح، فطرح مبادرة لاصلاح دول يفترض ان تكون ذات سيادة، وبدون مشاورتها، ولا حتي بتزويدها بنص رسمي للاصلاحات المرتقبة، يمثل سابقة نادرة في تاريخ العلاقات الدولية تستحق رداً اكثر صرامة من تصريحات خجولة من وزراء خارجية هذه الدول.
فاذا كانت هذه الدول ذات سيادة حقا، فقد كان من المتوقع منها ان تستدعي سفراء امريكا في عواصمها وتطلب تفسيرا رسميا لهذا الموقف الامريكي، وتحتج علي التدخل في شؤونها الداخلية بهذه الصلافة، ولكنها دول فاقدة السيادة، ولا تجرؤ علي ايذاء بعوضة امريكية، ناهيك عن استدعاء سفير او غفير سفارة امريكية.
ان عدم تشاور امريكا واوروبا مع الانظمة العربية قبل اطلاق مبادرات الاصلاح هذه، لا يمكن الا ان يكشف عن مدي احتقار الغرب لهذه الانظمة، والقائمين عليها، وعدم تسامحه مع ممارستها وفسادها، وهو الأدري بسجلاتها، وحسابات زعاماتها في مصارفه المتضخمة من سرقة قوت الفقراء والمحرومين.
الوضع العربي الراهن يذكرنا بالسنوات القليلة التي سبقت انهيار الامبراطورية العثمانية، وتهافت الذئاب الغربية علي اقتسام تركتها ونهش لحمها وهي حية، مع فارق واحد، وهو ان خلفاء الدولة العثمانية رفضوا، رغم كل الضغوط والاغراءات التفريط بفلسطين وبيعها لليهود، بينما فرط الزعماء العرب بفلسطين وباعوا العراق في وضح النهار.
ومن المفارقة ان وزير الخارجية المصري احمد ماهر قال للصحافيين امس ان مصر دولة لا تنتظر من احد ان يملي عليها الاصلاح السياسي والديمقراطي لمؤسساتها وهذا كلام جميل، ولكن لماذا ينتظر السيد ماهر وحكومته مثل هذا الاملاء من الخارج، ولماذا لم يقدم الرئيس مبارك علي هذه الاصلاحات مبكرا، وحكم اكثر من ربع قرن بقوانين الطوارئ؟
اما السيد عمرو موسي امين عام جامعة الدول العربية فسخر من المبادرة الامريكية وقال السماء تمطر مبادرات، وكأن الشرق الاوسط سيكون حقل تجارب .. نعم المنطقة اصبحت حقل تجارب، لان حكامها حولوا شعوبها الي فئران وارانب.
الشعوب العربية يجب ان لا تقف الي جانب هذه الانظمة، او تتعاطف معها، او تغفر لها او تثق فيها، لانها انظمة فاسدة باتت مستعصية علي الاصلاح، بل لا نبالغ انها لا تعترف بشيء اسمه شعوب عربية.
نعم. نحن نرفض الحكومات الجاهزة التي تحاول واشنطن فرضها علينا تحت ستار الديمقراطية والاصلاح، لاننا نري هذا النموذج المسخ في العراق (مجلس الحكم) وفي افغانستان (كرزاي وامثاله) ونري حجم الدمار الذي حدث في البلدين بسببهما، ولكن هذا لا يعني ان نتمسك بما هو قائم من فساد وتوريث وديكتاتورية ومحسوبية لاننا نكره امريكا وبدائلها.
البديل الديمقراطي الذي نتطلع اليه هو البديل الوطني، القائم علي الاختيار الشعبي الحر، من خلال صناديق اقتراع، وعملية انتخابية نزيهة. وهذا البديل تتفق علي محاربته الانظمة الفاسدة وامريكا معا.
مبادرة الاصلاح الامريكية جاءت نتيجة قناعة امريكية راسخة بقرب سقوط الانظمة الحالية بسبب فشلها في الحرب والسلام، وافقارها لشعوبها، ولهذا قررت اجهاض فرص احتمال صعود انظمة وطنية تعبر عن طموحاتها الشعوب في الاستقلال الحقيقي ومقاومة مشروع الهيمنة الامريكي ـ الاسرائيلي، ولهذا عجلت بالتقدم بهذه المبادرة والعمل علي فرضها بالسرعة الممكنة.
المطالب الشعبية بالاصلاح والديمقراطية يجب ان تستمر، وان لا تتوقف لحظة واحدة، اما دموع تماسيح الانظمة، ومحاولتها اقناع الاصلاحيين العرب بوقف مطالباتهم هذه تحت ذريعة مواجهة الضغوط الامريكية سويا، او اتهام هؤلاء بالتماهي معها، فيجب ان لا تنطلي علي احد، فقد طفح الكيل، كيلنا طبعا من هذه الانظمة وحيلها واكاذيبها ووعودها الفارغة.
بـقـلــم الأسـتـاذ الـقــديــر / عبد الباري عـطــوان
.
[/c]