استغفر الله العظيم
 
 

العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > المنتدى الاسلامي
 

Advertisement

 
27-04-2009, 03:48 PM
المرستان1 غير متصل
عضو
رقم العضوية: 264209
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 46
دُعي الى: 0 موضوع
    #1  
المنتدى الاسلامي

المجددون


المجددون
هناك مسألة الحت علي حين الكتابة الا وهي هل الاتفاق حاصل في كون المجدد فردا واحدا ام ربما يكونواعدة؟؟؟ وهل تم الاتفاق علي تعيين مجدد كل قرن ام بات امرا مختلفا فيه ؟؟؟ اعلم ان العلماء قد اختلفوا في الامرين فقلة قالت انه مجدد واحد وكثرة قالت بالتعدد ولم يحدث اجماع علي اي مجدد حتي في القرن الاول لكن ان تفحصنا الامر نجده سهلا فاعتبار اقوال من لا يعتبروا بعيد عن الاعتبار فان قالت الشيعة مثلا ان القمي مجدد فلا شك انه لابد من تجاهل اقوالهم وكذا المعتزلة والصوفية وغيرهم ممن لا يعتبر بقولهم وعندها تتركز انظارنا علي المجددين الفعليين والعلم عند الله اولا وآخرا تبقي مسالة اخري هل من الممكن الا يعرف الناس به ؟؟؟ والاجابة بالنفي والا لما كان مجددا ولنشرع بعد في ذكر من يغلب على ظننا انهم المقصودون في الحديث والله الموفق </B>



المجددون
ثم اما بعد فاني استكمل معكم ما قد بداته
ذكر الحافظ السيوطي المجددين في أرجوزة سماها تحفة المهتدين بأخبار المجددين وهي:
الحمد الله العظيم المنه ... المانح الفضل لأهل السنة
ثم الصلاة والسلام نلتمس ... على نبي دينه لا يندوس
لقد أتى في خبر مشتهر ... رواه كل حافظ معتبر
بأنه في رأس كل مائة ... يبعث ربنا لهذي الأمة
منا عليها عالما يجدد ... دين الهدى لأنه مجدد
فكان عند المائة الأولى عمر ... خليفة العدل بإجماع وقر
والشافعي كان عند الثانية ... لماله من العلوم السارية
وابن سريج ثالث الأئمة ... والأشعري عدة من أمة
والباقلاني رابع أو سهل أو ... الاسفرايني خلف قد حكوا
والخامس الحبر هو الغزالي ... وعده ما فيه من جدال
والسادس الفخر الإمام الرازي ... والرافعي مثله يوازي
والسابع الراقي إلى المراقي ... ابن دقيق العيد باتفاق
والثامن الحبر هو البلقيني ... أو حافظ الأنام زين الدين
وعد سبط الميلق الصوفيه ... لو وجدت مائته وفيه
والشرط في ذلك أن تمضي المائه ... وهو على حياته بين الفئه
يشار بالعلم إلى مقامه ... وينصر السنة في كلامه
وأن يكون جامعاً لكل فن ... وأن يعم علمه أهل الزمن
وأن يكون في حديث قد روى ... من آل بيت المصطفى وهو قوى
وكونه فرداً هو المشهور ... قد نطق الحديث والجمهور
وهذه تاسعة المئين قد ... أتت ولا يخلف ما الهادي وعد
وقد رجوت أنني المجدد ... فيها ففضل الله ليس يحجد
وآخر المئين فيها يأتي ... عيسى نبي الله ذو الآيات
يجدد الدين لهذي الأمة ... وفي الصلاة بعضنا قد أمه
مقرراً لشرعنا ويحكم ... بحكمنا وفي السماء يعلم
وبعده لم يبق من مجدد ... ويرفع القرآن مثل ما يدي
وتكثر الأشرار والأضاعة ... من رفعه إلى قيام الساعة
وأحمد الله على ما علما ... وما جلا من الخفا وأنعما
مصليا على نبي الرحمه ... والآل مع أصحابه المكرمه
انتهت الأرجوزة قال الحافظ عماد الدين بن كثير قد أدعى كل قوم في أمامهم أنه المراد بهذا الحديث والظاهر أنه يعم حملة العلم من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء ونحاة ولغويين انتهى
ونحن لا نسلم له -اي السيوطي -في اغلب ما قال
والله أعلم </B>






المجددون
لقد وجدت في مجلة البيان بحثا عن التجديد في الاسلام انقل لكم منه هذه المقالة :::___- التحرير -
المجددون
الحمد لله نحمده ، ونستـعـينه ، ونسـتـغـفـره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
إن العالم الذي نعيش فيه تصطرع فيه العقائد والأفكار ، وتتصادم المـبـادئ والآراء ، وقـد اقتضت سنة الله في هذا الـكـون أن يـكـون الـصـراع بـين الخـير والـشـر صراعاً مستمراً ما استمرت الحياة ، وإن الإسلام الذي هو خير كله ، ولذلك اختاره الله ديناً للبشرية ، لن يترك من قبل قوى الشر ، ولا تزال شياطين الإنس والجن تواجهه بشتى الأسلحة منذ أن بُعث محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- إلى يوم الناس هذا.
وإن أخطر الأخطار التي تهدد هذا الدين ما كان داخلياً نابعاً من صفوف متبعيه ، فالذي يتتبع حركة هذا الدين في التاريخ يجد مصداق ذلك ، فكل أنواع الإخفاق والانهزام التي مني بها أصحابه كانت أسبابها الرئيسية ترجــع إلى تـراخٍ في التمسك بهذه العقيدة ، أو عدم وضوح التصورات والأهداف يعتري الناس ، أو غفلة عن مبدئية هذا الدين في خضم تصارع القوى والأفكار حوله. وكل العلامات المضيئة في مسيرته التاريخية ترجع إلى انتباه المسلمين إلى ما يملكون من رصيد مــادي ومـعنوي حيث يعتزون بدينهم, ويشعرون بفداحة الأخطاء التي تهددهم من خلال استهداف الأعداء دينَهــم فـيـجتمعون على هدف موحد، ويسيرون إليه بخطاً واثقة يستهدفون كتاب ربهم وسنة نبيهم -صـلـى اللـه علـيه وسلم-، ويستلهمون معاني القوى والاعتزاز وكراهية الظلم بشتى أشكاله من ذلك الرصـيــد العظيم وقد اقـتـضـت حـكـمـة الله أن يكون العلماء هم الرواد الذين يحملون النور في الظـلـمـــات الحالكة، وأن يكون علمهم هو الهادي للمسلمين حين تطبق عليهم الخطوب وتـفـدحـهـــم المصائب ، فيبثون بهذا العلم الثقة في النفوس المهزومة ويبعثون الأمل الضاحك في القـلوب المقهورة ، ويشخصون الداء ويصفون الدواء بحكمة الطبيب النطاسي.
ومـنذ أواسط القرن التاسع عشر المسيحي بدأ المسلمون بالتنبه لواقـعـهم الـذي آلـوا إلـيـه: تراجع في القوى، وتشـتـت وتـفـرق، ومـلـوك وولاة أنـهـكـوا شـعـوبـهـم بظلمهم وعسفهم واستبدادهم، وأماتوا فيهم عوامل الوثوب والمقاومة، حتى غدوا جهلاء فقراء إلى جـانــب أمم الغرب التي استعدت عليهم، وبدأت تهددهم، وأخيراً قضت على آخر كيان سياســي كان يتكلم باسم هذا الدين وهو الدولة العثمانية ، وتمكنت من أن تسيطر على بـلـدانـهــم وثرواتهم ، وتجعلهم وبلدانهم غذاءً لمصانعها وبطونها ، وسوقاً لمنتجاتها ، وقبل كل ذلك وضعت الخطط والبرامج من أجل تغيير عقائد هذه الشعوب ، وقطع صلتها بـتـشـريـعـهــا وقـيـمها وأخـلاقـها، وإحلال عقائد ومناهج الغرب الكافر محلها، فـتقـترب الـعـقــول من العقول، وتردم الهوة السحيقة التي تفصل بين قيم وقيم، وعادات وعادات، فيـسـلـس لها قياد هذه الشعوب ، ويسهل لها تحقيق مطامعها في بسط الهيمنة ورفع الحضارة الـغـربـيـة المسيحية الوثنية ، وتدمير المعاني الإسلامية الربانية.
ومـنـذ ذلـك الحين إلى الآن قامت دعوات ونهض أفراد ، يرفعون رايات الإصلاح ويبينون مكامن الأخطر كل حسب رأيه وقدراته ومنازعه الثقافية.
وكان دعــاة الإصلاح - وما زالوا - كل له رأيه في الإسلام ، فكان أن جعلته طائفة أساساً لعملها ، وطـائفـة تجاهلته ، وطائفة اختارت منه أشياء ورفضت واستبعدت أشياء يدفعها إلى ذلك التـحـكــم المحض تارة ، أو الانهزام أمام الأفكار الوافدة تارة أخرى ، أو الغرور مرات كثيرة.
على أن الأمر الذي آثار - ويثير - البلبلة في الأفكار ، وخاصة أفكار الشباب هو أن أغلب رواد الإصلاح كانوا يـرفـعـون راية الدين ، ويدعون أنهم على الجادة التي ترك محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسـلــم- أصـحـابه عليها ، مع أن أغلب أولئك الرواة قد شابت مسالكهم الشوائب ، وخالطت منهاجهم أمور غريبة كانت نتيجة تصور غير صافٍ للمنهج الإسلامي الأصيل.
وهذه الدراسة التي نقدم لها تتناول هذه الـقـضـيــة الخـطـيرة ، قضية التجديد والإصلاح ، وتصب في صميم تحديد المنهج الذي يجب أن ينتهجه المسلمون ، حتى يخرجوا مما هم فيه من الضعف العقائدي ، ويرتفعوا عن وهدة الذل والهوان التي صاروا إليها.
وقد طرح هذا الموضوع الحساس على بساط البحث قديماً وحـديـثــاً ، وتناولته طائفتان من الكتاب:
1- طائفة يمكن أن نطلق عليها اسم (هواة الكتابة )، حيث وجدوا هذا الموضوع مستطرفاً ، فتناوله إشبـاعــاً لهواية الكتابة عندهم لا انطلاقاً من شعور مُلِحَ ، وإحساس تفاعلي بينهم وبين الواقع.
2- وطائفة من العلماء الأعلام تعرضت له تعرضاً خفيفاً حسب ما يقتضيه ما هم بصدده من بيان المراد بالجملة لا بالتفصيل ، وشرح لمضمون حديث (المجدِّد) حينما يعرض في دواوين السنة.
تابع بعض المعاني المستخرجة من حديث التجديد:
إن هذا الحديث العظيم إحدى البشائر التي وعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيها أمته ، وإنه ليمنح المسلم المصدق بما جاء به الرسول - عليه الصلاة والسلام - طاقة من الأمل الأكيد بنصر الله لعباده المؤمنين ، ويمنحه - فوق هذا - دفعة قوية للعمل والبذل والتضحية رجاء أن يكتب الله له حظاً من أجر المجدِّدين.
وسنقـف في هذه الفترة مع بعض المعاني التي نستلهمها من الحديث. </B>





المجددون
1- فأول ما يستوقف المتأمل قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- : »يبعث لهذه الأمــة« إن هذا المـبـعـوث لم يعد همه نفسه فحسب ، بل تجاوز ذلك ليعيش »لهذه الأمة« وسـواء كــان المقصود أمـــة الدعوة - على ما رآه قوم - أو أمة الإجابة - على ما رآه آخرون - ؛ فـإن هذا المجدد تعدى نطاقه المحدد إلى الأفق الأوسع ليؤثر في مجريات الأمور والأحداث من حوله وليقود خطــوات الأمة المسلمة في معركة الحياة ، ومن ثم يحدث التوازن في مـسـيرة الحياة البشرية كلها ، ويأخذ الإسلام دوره في الوجود.
وهو بهذا مجدّد للأمــــة الإســـلامية بإيقاظها ، وإعادة ثقتها بدينها ، وردها إلى المنهج الصحيح.
وهـــو مجرد للبشرية كلها ، البشرية المتلهفة إلى العدالة والإيمان.. المحتاجة إلى العقيدة أكثر من حاجتها إلى الطعام والشراب والهواء.
إن هذا المجدد ليس ممن يقنعون باليسير ، ويرضون بالدون ، فيكتفي أحدهم بحفظ نفسه ومن تحت يده - إن استطاع - ثم يترك أمر الناس للناس!.
بل قد تعظمت همته واشتدت عزيمته فصار لا يطيق صبراً على الفساد والانحراف ، وأقلق قلبه تـسـلـــــط الظالمين والمفسدين وتوجيههم للحياة وفق ما يريدون ، فآلى على نـفـسـه أن يزاحمهم ما استـطــاع ، ويشق الطريق للأخيار حتى يأخذوا دورهم في الحياة من جديد.
إن الذين تتحرك في نفــوسـهــم الآمال والتطلعات كثيرون ، ولكنهم يتناقدون ويتساقـطـون واحداً بعد الآخر كما تقدمت بـهم الطريق وازدادت التحديات وكثرت المتاعب.
ومن أجل ذلك تميز فرد أو أفراد بأنهم المجددون ؛ لأنهم صابروا العقبات وغالبوها حتى غلبوها ؛ لأن همتهم كانت أعظم مـن تلـك العقـبــــات: كانت تجديد الدين لهذه الأمة ، وإعطاء المسلمين دورهم القيادي بين الأمم ، مع تحقيق معنى انتمائهم للإسلام.
لذلك فهم يمارسون دورهم العالمي من خلال دورهم الإسلامي ، ويمارسون دورهم الإسلامي من خلال فئتهم الخاصة التي هي النواة الأولى للإصلاح المرتقب.
2- أما »البعث« المذكور أنه يكون على رأس المائة ، فإن البعث هو الإثارة والإرسال ، فيكون المعنى: (إن الله يقيض لهذه الأمة على رأس المائة مجدداً ، أي: أنّ هذا المجدد يتصدى في رأس المائة لنفع الأنام ، وينتصب لنشر الأحكام)
فليست ولادته ولا وفاته على رأس المائة ، بل تجديده. ولذلك استغرب الإمام المناوي فهم بعض العلماء أن المبعوث يكون موته على رأس القرن وقال: (وموته على رأس القرن أخذ لا بعث)
قال ابن الأثير: (وإنما المراد بالذكر من: انقضت المـائـــة وهـو حــــي، عالم مشهور مشار إليه)
وقال الكرماني والطيبي مثل ذلك
وقال السيوطي في منظومته التي سماها: (تحفة المهتدين بأخبار المجدِّدين)
والـشــرط في ذلك أن تمضي المائــة وهــــــو عـلــى حياته بين الفئة
يـشـار بالـعـلــــم إلـى مـقــامــــــه وينـصــر السـنـة في كلامه
وكذلك لا نعلم دليلاً في اشتراط كون وفاة المجدد في بداية القرن التالي أو بعده بقليل ، كما يلحظ في منهج كثير ممن تصدوا لتعيين المجددين ؛ حيث يـستـبـعـــدون بـعـض الأئـمــة محتجين بأن وفاته تأخرت إلى العشرين مثلاً أو الثلاثين بعد المائة مثلاً
وسواء كان بعث المجدد في نهاية القرن السابق ، أو في بداية القرن اللاحق فليس ثمة ما يدل على ضرورة اشتراط وفاته في تلك الفترة.
وهذا كله على اعتبار أن المجدد فرد واحد ، وسيأتي الحديث عن هذه المسألة مفصلاً بعد قليل - بإذن الله -.
3- أما المقصود بـ (الرأس) في قوله - صلى الله عليه وسلم - : »على رأس كل مائة سنة«، قد قال بعضهم: يعني في أولها ، وقال آخرون: بل في آخرها
وأصل مادة »رأس« في اللغة تدل على التجمع والارتفاع
وتستعمل هذه المادة في الوجهين في أول الشيء وفي آخره ؛ فتقول: أعد علي كلامـــك من رأسٍ ، وأنت على رئاس أمرك ، بمعنى: أوله
ومثله: رأس المال ، أي: أصله وأوله
وتقول: القافية رأس البيت ، بمعنى: آخره
وجاء في الشرع الوجهان: فمن الأول: رأس الأمر الإسلام ، بمعنى: أوله ورأسه.
ومن الثاني: قد كانت إحداكن ترمي البعرة عند رأس الحول ، يعني: في آخره.
ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم - : »أرأيتم ليلتكم هذه؟ على رأس مائة سنة مـنـهـا لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحدِ«
وحين نعود إلى تحديد الأئمة للمجددين نجده محتملاً لـلـوجـهين ، فهذا عــمـر بن عبـد العزيز الذي أطبقت عليه الأمة تولى سنة 99 هـ ، وتوفي - رحمه الله - سـنـــة 101 هـ.
ثم من بعده الشافعي، توفي - رحمه الله - سنة 204 هـ ، ولعل القضية تقريبية لا تحتمل الـحـسـم الـقـاطــع بحيث لو وجد من تنطبق عليه صفات المجدد ثم مات قبل تمام المائة بخمسة أيام يكون مجدداً!..
ولـعــل مــا يلـتـحـق بهذا معرفة مبدأ المائة: من أين يكون؟ أمن مولده - صلى الله عليه
وسلم - ؟ أم من بعثته؟ أم من هجرته؟ أم من وقت نطقه بذلك الحديث؟ أم من وفاته؟.
ولا نحب أن نـدخـل في جدل حول هذه الأمور - وإن كان الترجيح بينها ممكناً - ولكننا نقول:
إن بداية أي قرن تتصل بنهاية القرن الذي قبله ، ومما لا يتلاءم مع طريقة الشرع اعتبار الفصل بينهما بصورة قاطـعة ؛ ذلك أن الشرع حتى في الأمور العبادية كالصلاة والصيـــام والحج وغيرها علق ذلك على أمور ظاهرة مدركة لجمهور الناس.. فكيف بما ليس كذلــك ولا يدخل فيه تعبد؟.
الظاهر - والله أعلم - أن عدم تحديد المقصود بالرأس ، وعدم تحديد المبتدأ.. كـــل ذلك أمرٌ مقصود فيه أن المجدد يظهر كلما دعت الحاجة إليه لبعد الناس عن عهد النبوة ، أو لبعدهم عن عصر المجدد السابق.
وهذا ينسجم مع الأحداث التاريخية كلها ؛ فإنها تسير بقدر الله تعالى على دفــــع مـــا تقتضيه الأسباب - غالباً - غير مقيدة أو محددة بفترات معينة.
ومما يبين ذلك ويجليه أن الأحداث والمصائب النازلة بالمسلمين في دينهم ودنياهم ، والتي يفـتـقــر المسلمون خلالها إلى ذلك المجدد هي غير مسلسلة ولا موقوفة بأزمنة خاصة.
وفي تلك الـنـكـبــات تتجلى رحمة الله بأمة محمد - عليه الصلاة والسلام - حيث ينقذها بفضله من الهلكة بمن يبعثه يحمل النور في ظلمة الديجور.
كما أن هذا المجدد ينبغي أن يُتَصوَّر أن له من التأثير الممتد زماناً ومكاناً ما يجعله حياً في الأجيال التالية بعلمه وعمله ، وإن كانت حياته الدنيوية المحدودة قد انتهت.
وإن من شأن هذا الـتـصــــور الذي عرضناه ، وهذا الرأي الذي اخترناه أن ترد الأمور إلى نصابها فبحسب من أحـيـــا للأمة ما اندرس من أمر دينها إحياءً ظاهراً ملموساً للعيان من المجددين دون أن يعكر على ذلك كون وفاته تقدمت أو تأخرت عن رأس القرن. </B>





المجددون
4- أما قوله - صلى الله عليه وسلم - : »من يجدِّد لها دينها«.
فيثور حوله سؤال ذو أهمية كبيرة:
هل الـمـقـصـود بذلك فـرد أو رجل كما صرحت به الروايات التي رويت عن الإمام أحمد وسفيان؟ أم إن المقصود ما هو أوسع من ذلك؟.
فأما لفظ »مَنْ« فمما لا يخفى أنه يطلق على المفرد وعلى الجماعة - من حيث اللفظ - ، ومن حيث المراد بها في الـحـديــث قال بعضهم: المقصود بها فردٌ ، وحملوا »مَنْ« في هذه الرواية على لفظ (رجل) ، أو (عالم »في الروايات الأخرى التي سلف لك بيان شأنها
واختار هذا الرأي عدد من العلماء ، ونسبه السيوطي إلى الجمهور فقال:
وكونه فرداً هو المشهور قد نطق الحديث ، والجمهور ونسبه غيره إلى (العلماء)
واختار آخرون العموم، منهم: الحافظ ابن حجر، وابن الأثير، والـذهـبـي، والـمـنــاوي، والعظيم آبادي ، وغيرهم ، وسيأتي بسط كلامهم.
وقبل الدخول في محــاولة الـتــرجـيـح نرى التقديم بحديثين فيهما بشريان أخريان لهـذه الأمة:
أولهما: قوله - صلى الله عليه وسلم -: »لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله« وهذا الحديث عظيم مشهور، بل يصلح أن يدعى فيه التواتر، فقد ورد من طرق كثيرة جداً عن عدد من الصحابة منهم:
عمران بن حصين، وثوبان، وقرة بن إيـــاس، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله، ومعاوية بن أبي سفيان، وعقبة بن عامر، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأبــو عـتـبـة الـخـولانــي، وعمر بن الخطاب، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن أرقم، ومرة البهزي ، وسلمة بن نفيل (*) السكوني ، وشرحبيل بن السَّمْط الكندي (*).
قال الترمذي: (وفي الباب عن عـبد الله حوالة ، وابن عـمـر ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمرو)
فهؤلاء إحدى وعشرون نفساً من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، رواه عنهم عدد لا يحصون كثرة من التابعين ، مع أننا لم نسلك مسلك الاستقصاء.
وفيه إشارة إلى ما يصيب الأمة من الانحراف والضعف والــوهـن والاختلاف حتى لا يبقى إلا هذه الطائفة القائمة بالحق المقاتلة دونه ، القاهرة لعدوها ، الصـابــرة ، فلا يضرّها من خذلها ، ولا من ناوأها ، إلا ما يصيبها من اللأواء حتى يكون آخرهم مع عيسى ابن مريم يقاتلون الدجال.
وقد قال الإمام البخاري في ترجمته على الحـديــث: (بـاب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، وهم أهل العلم) </B>





المجددون
تابع
وفي هذا الجزء من البحث يتابع الكاتب دراسته لحديث المجدد، وللتجديد بشكل عام .
وقال الإمام الترمذي: (سمعت محمد بن إسماعيل يقول : سمعت علي ابن المـديني يقول: هم أهل الحديث)(1) وروى الحاكم عن الإمـام أحـمـد أنه قال : (إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم؟)(2).
قال الحافظ في الفتح (بسندٍ صحيح) (3).
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث : (ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بيـن أنــواع المؤمنين ؛ منهم شجعان مقاتلون ، ومنهم فقهاء ، ومنهم محدثون ، ومنهم زهّاد ، وآمرون بـالمـعــــروف وناهون عن المنكر ، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين ، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض) (4) ونقل ابن حجر كلام النووي ثم زاد في آخره: (ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد ، وأن يكونوا في بعضٍ منه دون بعض ، ويجـــوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولاً فأولاً ، إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد فإذا انقرضوا جاء أمر الله) (5) .
وثانيهما : قوله صلى الله عليه وسلم:" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة،وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، قيل : من هي يا رسول الله؟ قال : من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي: (6) وهذا الحديث وإن كان فيه بيان تفرق الأمة الواحدة إلى شيع شتـى ، إلا أن فـيـــه بيان حفظ الله لدينه بإقامة فرقة ناجية تلتزم بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في اعتقــادهـا وسلوكها وهذه الفرقة الناجية هي الطائفة المنصورة ، والله أعلم ، ولا نظن حديث المجدّد بمعزل عن مفهوم هذين الحديثين . فحين تستحكم الأهواء ، وتعبث بهذه الأمة الآراء ، فـتـفـتـــرقُ إلى هذه الفرق الكثيرة ، تكون الفرقة الناجية المنصورة هي القائمة بأمر الله في خضم هذه النزاعات والاضطرابات ، الملتزمة بمنهج الرسول -صلى الله عليه وسلم- في جميع أمورهــا . ولا شك أن كل طائفة متحزبةٍ على شيءٍ من الدين سوف تدَّعي -كما يدَّعي غيرها-أنها هي المقصودة في الأحاديث النبوية.
وكلُّ يـدعـي وصـلاً بليلى وليلى لا تُقِرُّ لهم بوصل!
وليس من حقّ أحدٍ أن يتحكم فـيـدخـــل مــن شاء ضمن هذه الطائفة ، وينفي من شاء وفق رغبته وهواه ، بل يكون ذلك وفق ميزانٍ عـــدلٍ مـقـســـط ، وهو عرض حال المدَّعي على الصفات النظرية والعملية التي وصف السلف الصالح بها هذه الفئة ، وهي :
1- موافقة اعتقاداتها لما كان عليه -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ، في أبواب العقيدة كلها :
من أسماء الله وصفاته ، والإيمان ، والقدر ، إلى غير ذلك مــن أصــول الاعـتـقـاد. وأسعد الـنــاس بـذلك هــــم الـذيــن يـؤمنون بالنصوص إيماناً صادقاً دون أن يسلطوا عليها سهام التحريف والتأويل والإنكار والتـضـعـيـف . ومــن أين يستطيع أحد أن يثبت أن الصحابة اعتقدوا بالأصول والنتائج التي اعتقدها المخالفون ممن أشربوا حب الكلام ، وجعلوا العقل الفلسفي حاكماً على النصوص ، ففسروا النصّ وفـــق ما يقتضيه ذلك العقل - في نظرهم - وإن أدى ذلك إلى أن يفهم من النص نقيض معناه .
وليس بنا الآن حاجةٌ إلى نقل نصوص الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة المهديين لأنها أكثر من أن يتسع لها المقام ، ولكن نحيل إلى بـعـض مواطنها لمن يريد(7).
2- اعتمادها في التفقه والاستنباط على الوحي المنزل ، أو عـلـــى مـا أحال عليه الوحي المنزل من الأدلة كالإجماع الثابت ، أو القياس الصحيح أو المصلحة الـــراجـحــة التي لا تـعـــارض نـصــاً من النصوص . وأين من ذلك الذين نبذوا مفهومات النصوص ، وتشبثوا بأقوال الأئمة وقـدمـــوها على الوحي المنزل حتى قال قائلهم : (كل نص خالف ما قاله الأصحاب فهو إما منسوخ أو مؤول) . وليس يعنى هذا نبذ أقوال أهل العلم المعتبرين ونشر الفوضى بين المسلمين ، وفتح المجال للطلبة الصغار الذين لا يحسنون التلاوة ، فضلاً عن أن يعرفوا الناسخ والمنـســـوخ والخـاص والعام ، والمطلق والمقيد ليتولوا أمر الفُتيا فيَضِلّون ويُضلّون . كلا ، فالتقليد في بعض الحــالات يصبح (ضرورة) ، وهكذا نريد أن يعامل على أنه جائز ضرورة ، فمتى استغنى عنه الإنسان في أي مسألة تركه إلى الدليل .
3- ومن الخصائص المهمة لأهل الـسـنـــة -أهل الحديث كما يعبر البخاري وابن المديني وأحمد -رحمهم الله- : الحرص على العمل بالشرع والتزام الأوامر والنواهي .
ولقد تسرب إلى أذهان كثير من الناس أن كـلـمــــــة (أهل السنة) تعني المذهب الاعتقادي فحسب ، وذلك خطأ بيّن ، إن المعرفة الصحيحة باللـــــه التي يحرص عليها أهل السنة ليست هي المعرفة الذهنية الباردة ، بل هي المعرفة القلبية الحية التي ينتج عنها الخوف والرجاء والمراقبة والامتثال .
ولذا كان الأئمة السابقون حين يذكرون أهل السنة يعتبرون من خصائصهم المحافظة على المفروضات والسنن والمستحبات والأمر بالمعروف والنهي عـــن المـنـكـر وصلة الرحم وحب المساكين والإحسان إلى الجيران .
قال الإمام المحدث الشيخ أبو عثمان الصابوني المتوفي سنة 449 هـ فـي رسـالــــة (عقيدة السـلـــف وأصحاب الحديث) : (. . ويرون المسارعة إلى أداء الصلوات وإقامتها في أوائل الأوقات أفضل من تأخيرها إلى آخر الأوقات ويوجبون قراءة الفاتحة خلف الإمام ويأمرون بإتمام الـركوع والسجود حتماً واجباً ، ويعدون إتمام الركوع والسجود بالطمأنينة فيهما ، والارتفاع من الركوع والانتصاب منه والطمأنينة فيه وكذلك الارتفاع من السجود والجلوس بين السجدتين مطمئنين فيه من أركان الصلاة التي لا تصح إلا بها ويتواصون بقيام الليل للصلاة بـعـد المنام وبصلة الأرحام ، وإفشاء السلام ، وإطعام الطعام والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام والاهتمام بأمور المسلمين ، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمصرف ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والبدار إلى فعل الخيرات أجمع ويتحابون في الدين ويـتـبـاغضون فيه . . . الخ) (8) وإلى هذا وذاك فأهل الحديث والسنة يحرصون على جمع الصـــف ووحدة الكلمة داخل هذا الإطار ، فهم ليسوا حزباً محدوداً ينفي من عداه بالهوى والتـحـكم ، ولكنهم رايةٌ عقدية أثرية من انطبقت عليه صفاتها وخصائصها فهو من هذه الفئة أقرّ له الآخرون بذلك أم لم يقرّوا.
استحالة أن يكون المجدّد من غير أهل السنة :
فهذه الفئة أو الطائفة الموعودة يستحيل أن يكون المجدّد من غيرها استحالةً تامة . إذ هي القائمة بأمر الله ، المتـبـعـة لشرعه ، السائرة على هدي نبيه حذو القذة بالقذة ، ومن ثم فهي المجدّدة لهذا الدين حـيـن كاد يَخلَقُ بغبرة الأهواء وظلمتها وهي الواقفة عند حدود الله حين تجارت الأهواء بأصحـابهـــا فلم يبق لهم من الدين إلا الانتساب ، فكيف يكون التجديد عمل غيرها ؟.
وقد يكون لهذه الطائفة رؤوس يمتازون بالموقف الصلب الثابت ، والعلم الواسع ، والعمل الدؤوب في بلدٍ واحدٍ ، أو في بلدان مـتـعـــدِّدة ، فرداً أو أفراداً وهؤلاء من التجديد أوفى نصيب ، ولكن يصحُّ أن يقال: إن لغيرهم مــن المـجــــاهــدين في هذا السبيل من التجديد بحسبهم . وهذا ما تلتقي عنده آراء عددٍ من الأئمة المحقـقـيـــن ، وهو ما ينسجم مع ما قررناه في حديثي الافتراق والطائفة المنصورة -السابقين- .
وسيأتي في سياق العرض التاريخي لحركة التجديد في الإســـلام ما يكشف عن هذا ، وأنه إن جاز أن يكون المجدّد في القرن الأول فرداً ؛ فإن احتمال ذلـك أقـــل فيما بعد لأسباب منها : كثرة الشر والفساد ، واتساع مجالات الانحراف وطرقه وأسبابــــه ، واتساع رقعة الأمة وانتشارها ، وتناقص الخيرية في هذه الأمة حتى لم يعد يوجد الأفــراد المستجمعون لصفات المجدّد بحذافيرها ، بل هي مفرقة في عددٍ من فضلاء الأمة ونجبائها .
يتبع </B>



المجددون
تابع يقول الإمام الحافظ ابن حجر - رحمه الله - بعد سياق الخلاف في المـجــــدّد: أفـرد أم جمـــــاعــــة ؟ - : (ولكنّ الذي يتعين فيمن تأخر المحملُ على أكثر من الواحد؛ لأن في الحديث إشارة إلى أن المجدّد المذكور يكون تجديده عاماً في جميع أهل ذلك العصر ، وهذا ممكنٌ في حـــقّ عمر بن عبد العزيز جداً ، ثم في حق الشافعي . أما من جاء بعد ذلك ، فلا يعدم من يشاركه في ذلك) (9) .
وقال : (لا يلــزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحدٌ فقط ؛ بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة ، وهو متجهٌ ؛ فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوعٍ من أنواع الخير ، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد ، إلا أن يدَّعي ذلك في عمر بن عبد العزيز فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير ، وتقدمه فيها ؛ ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه .
وأما من جاء بعده ؛ فالشافعي - وإن كان متصفاً بالصفات الجميلة - إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد ، والحـكـــم بالعدل . فلعل هذا كل من كان متصفاً بشيءٍ من ذلك عند رأس المائة هو المراد ؛ سواء تعدَّد أم لا)(10) .
وإن لحظت في كلام ابن حـجـــــر في هذا شيئاً من الاختلاف عن كلامه ذاك فهو هنا أكثر قناعة بضرورة تعدد المجدّدين فـــي القـــرن الواحد ، حيث يعبر عن تسمية عمر بن عبد العزيز مجدّداً فرداً بقوله : (.. إلاّ أن يدَّعى ذلك في عمر..) ، وأما بالنسبة للشافعي فينفي ذلك عنه لعدم استجماعه للصفات كلها ، في حين أنه قال قبلُ : (وهذا ممكن في حقّ عمر بن عبد العزيز جداً ، ثم في حق الشافعي) ، فالأولى بالأخذ كلامه الأخير المنقول من الفتح ؛ لأن الفتح من أهم كتبه وأوثقها عنده وآثرها لديه ، ولتأخر الفراغ منه إلى سنة 842 هـ ، وهذا الكلام المنقول هو في آخر أبواب الكـتـاب ، على حين فرغ من تأليف كتابه الآخر (توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس) سنة 835هـ(11) ويـلـحـــظ أنه ألفَّه للثناء على الإمام الشافعي - رحمه الله - والإشادة به ، فاختلف موقعا الكلام .
وقـــال الإمــــام الـذهـبــي : (من - هنا - للجمع ، لا للمفرد ، فنقول مثلاً : على رأس الثلاثمائة : ابن سُريجٍ في الفقه (12) والأشعري في الأصول ، والنسائي في الحديث . . . الخ) (13) .
وقال ابن الأثير : (لا يلــــزم منه أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلاً واحداً وإنما قد يكون واحداً ، وقد يكون أكثر منه ؛ فإن لفظة (مَنْ) تقع على الواحد والجمع . وكذلك لا يلزم منه أن يكون أراد بالمبعـــوث : الفقهاءَ خاصة - كما ذهب إليه بعض العلماء - فإن انتفاع الأمة بالفقهاء ، وإن كان نفعاً عاماً في أمور الدين ، فإنّ انتفاعهم بغيرهم أيضاً كثير مثل: أولي الأمر ، وأصحاب الحديث ، والقراء والوعاظ ، وأصحاب الطبقات من الزهاد؛ فـإن كـل قـومٍ ينفعون بفن لا يـنـفــــع بــــه الآخر ؛ إذ الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء ، ويُتمكن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أولي الأمر . وكذلك أصحاب الحـديث ينفـعـون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع ، والقرّاء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايــات ، والزهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا . فكل واحد ينفــع بغير ما ينفع به الآخر . . فإذا تحمل تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى ، وأبعد من التهمة ، وأثبه بالحكمة . . فالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعـــةٍ من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة ، يجددون للناس دينهم ..) (14) .
وقال الحافظ ابن كثير : (وقد ذكر كل طائفة من العلماء : بل الصحيح أن الحديث يشمل كل فرد من آحاد العلماء من هذه الأعصار ممن يقوم بفرض الكفاية في أداء العلم عمن أدرك من السلف إلى من يدركه من الخلف كما جاء في الحديث من طرق مرسلةٍ وغير مرسلة : يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين ، وهذا موجود ولله الحمد والمنة إلى زماننا هذا..)(15) .
ثم أشار إلى الحديث المخرج سابقاً : لا تزال طائفة من أمتي ظـاهــــرين على الحق . قال السهارنفوري نقلاً عن الشيخ محمد يحيى : (من يجدد لها دينها ، أي : نـوعـــاً منهم وأشـخـاصاً ، فلا يلزم أن يكون واحداً بالشخص ، وإن ذهب العلماء في معنى الحديث إلى الذي نفينا . ووجه ما ذهبنا إليه أنه لا ينطبق على كثير ممن لم تشرّف بالتجديد أن يكون جدّد كل نوع من أنواع الدين ، فكم من محدّث ليس له من تجديد الفقه نصيب ، وكم من باعثٍ عــلى أعمال حسنةٍ هو في نشر أقسام العلوم غريب . مع أنه لم يسمع أن أحداً من هؤلاء عمّ حديثُه وفقهه جملة الأقطار وتشرفت بتجديده - بحسب الظاهر - جملة القرى والأمصار . وأما ما قلنا فالأمر سهل . مع أن كلمة (مَنْ) ليست نصّاً في الشخص الواحد . . ولا يبعد أن يكون لكل مملكةٍ ، وبلدةٍ من معظم الممالك مجدّد على رأس مائة ..) (16) .
وهكذا تلتقي أقوال هؤلاء الأئمة مع ما ذكرناه عن الإمام النووي من قبل في شأن الطائفة المنصورة . وهذا من شأنه أن يجعل كل مؤمن صادق الإيمان حريصاً على أن يقوم بدوره في عملية التجديد ، فالقضية لم تعد شخصاً يُنتظر كما يُنتظر المهدي أو عيسى بن مريم عليه السلام ، بل عدت واجباً منوطاً في عنق كل داعية مسلم .
معنى التجديد :
والتجديد يعني جعل الشيء جديداً ، فتجديد الدين يعني إعادة نضارته ورونقه وبهائه وإحياء ما اندرس من سننه ومعالمه ، ونشره بين الناس . وهذا اللفظ (التجديد) يؤكد أن التجديد الموعود لابد أن يكون على حين فترة من العلماء ، واضمحلال لشأن أهل الحق وحملة السنة ، فيبعث الله هؤلاء المجدّدين ليعيدوا للناس الثقة بدينهم ، ويعلموهم ما جهلوا من شأنه . وهكذا يبدو جلياً أن التجديد لا يعني بحال من الأحوال إضافة شيء جديدٍ إلى الدين ، كما أنه لا يعني بحالٍ من الأحوال اقتطاع شيء منه ونبذه . فهذا وذاك ليسا في الحقيقة تجديداً ، وإنما هو مسخٌ وتجريد . </B>





المجددون
تابع ليس من التجديد :
1- فالـطـريـق الذي سلكه الفيلسوف الهندي (محمد إقبال) والنتائج التي توصل إليها في محاضراتهتجديد الفكر الديني في الإسلام) ليست إلا تفسيراً كلياً للدين بمجموع مكوناته : الألوهية - النبوة - البعث - الجزاء . .. الخ . .هذا التفسير أو التصور الذي يلتقي في معـظـمـه مع مذهب الفلاسفة الاتحاديين الذين يـرون الخـلـق مـظـهراً يـتجلى فيه الخالق لـيــس تـجـديـداً للـعـقـيـدة (أو كما سمّاها: الفكر الإسلامي) ولكنه تجريد له من حقيقـته الإلهية، وإضفاء للفكرة الصوفية الفلسفية عليه .
والاتجاه العقلاني - عامة - الذي يحاول تفسير النصوص الشرعية وفق مقتضيات الفلسفة البشرية ، ويلوي عنق النص لياً ليتفق معها ليس تجديداً للدين ، لأن تجديد الدين يعنى تثبيت معالمه وعـقـائـده وأحكامه ليظهر تميزها واختلافها عما سواها من الأديان المحرفة المنسوخة أو من الآراء والفـلـسـفـــــات القـاصرة ، وليس يعني إذابة تميزه وخلخلة بنائه لينسجم مع هذه أو تلك .
2 - والمنهج الإسلامي الذي اختطه بعض الــدعــــاة استجابة للضغوط الواقعية والمتغيرات الاجتماعية والدولية - كما زعموا - واقتنعوا بموجـبـــه بـضــرورة استبعاد بعض القضايا الشرعية والعقدية المسلَّمة لدى الأمة وعلمائها منذ عصر الصحابة حتى اليوم .
ثم رأوا أنه لا يستقيم منهجهم إلا إذا هدموا الأسس التي بنيت عليها تلك القضايا ليتسنى لهم أن يتحركوا بحرية فرفعوا عقيرتهم بالمطالبة بتجديد هذه الأسـس وتـلـك الأصــول ؛ فـــلابدّ - في نظرهم - من إعادة النظر في (أصول الفقه) و (أصول الحديث) و (علم الجرح والتعديـل) ، بـــل مـــن إعـــادة النـظـر في العقائد الإسلامية . وإخضاعها للنظرة العقلية المعاصرة!.
إنها المدرسة العقلية تطلُّ من جديد ، وإن كانت لا تلتزم بذات الأصول التي تواضع عليها العقلانيون الأوائل . وليس ثمة اعتراض مــنا على ضرورة صياغة أصول الفقه مثلاً صياغة تلائم العصر ، أو تنقيح مسائله وقواعده على ضوء الأدلة من القرآن والسنة ، ولا اعتراض لنا على ضرورة كتابة أصول الحديث كـتـابـــــة جديدة من حيث التوسُّع في موضوعاته ، ودراستها ، وترجيح بعضها على بعض بالأدلــــة الصحيحة ، مع مراعاة الأسلوب الجيد والإخراج الملائم .
ولا اعتراض لنا على ضرورة دراسة جوانب العقـيـــدة -كما هي عند السلف- وإخراجها للناس أو تغيير طريقة عرض بعض القضايا المتعلقة بـهـا ، وربط الدراسة العلمية بالأوضاع المستجدة كقضية الحكم أو الولاء - مثلاً.
ولا اعتراض لنا على ضرورة الدراسة الشرعية المتعمـقــة للقضايا البشرية الجديدة التي لم يتكلم فيها السلف -رحمهم الله- ؛ لأنها لم توجد في زمــانـهـــم فـلــم تـــدع الحاجة إلى الحديث عنها . كل هذا مما نطالب به ونعتبره من صميم عملنا في خدمة هـذا الدين . لكن أن يتحول الأمر إلى (تغيير) لشيء نعتقد أنه (جزء) من الدين فهذا ما لا نرتـضـيـــه ، بل نعتبره تعدياً لحدود الله ، وخللاً خطيراً في (الاستسلام) الذي هو روح الإسلام .
وقديماً قال بعض السلف : (إن قدم الإسلام لا تثبت إلى على قنطرة التسليم) (17) .
فالتجديد المقصود المنشود ليس تغييراً في حقائق الدين الثابتة القطعية لتلائم أوضاع الناس وأهوائهم ، ولكنه تغيير للمفهومات المترسبة في أذهان الناس عن الدين ، ورسم للصـــورة الصحيحة الواضحة ، ثم هو بعد ذلك تعديل لأوضاع الناس وسلوكهم حسبما يقتضيه هذا الدين .

إن أي حركة تستهدف تغيير معالم الدين تكون في حقيقتها هدماً له وقضاء عليه ، وإن بدا أنها تدعو إليه ، أو تحقق له بعض المكاسب الآنية .
ونـلـحـــظ فـي كـلمتي (الأمة) و(دينها) أن الأصل فيهما العموم والشمول ، فهذه الحركة التجديدية التي تـقــــوم عـبر التاريخ الإسلامي في كل وقت يضعف فيه الخير وينكمش ، تستهدف إصلاح الأمة بكاملها في جميع أقطارها على كافة مستوياتها ، فهي ليست حركة إقليمية محدودة تقف عند بلد معين لا تتعداه أهدافها وطموحاتها ، وليست مقصورة على فئة معينة من الفئات التي تكوّن المجتمع ؛ بل تخاطب الشاب والشيخ والعامل والموظف والقريب والبعيد والرجل والمرأة تخاطب كل فئة على قدر ما تحتمله عقولها ، وبالأسلوب الذي يناسبها ، فالإسلام لم ينزل ليكون ديناً لفئة خاصة من العقلاء الأذكياء مثلاً! كلا ، بل الإسلام إنقاذ للبشرية - كلها - من ظلمات الكفر بأنواعه في الدنيا ، ومن ظلمات النار والسعير يوم القيامة. وقد آن الأوان أن يعقل المسلمون والدعاة إلى الله خاصة - هذا المعنى فلا يحجبون الخير عن سائر فئات الناس ممن يتطلعون إلى الهداية ويتقبلونها ، ولو كانت استجابتهم تقف عن حد معين .
إن مجرد هداية فرد إلى الله تـعـــالى ، ووصله بحبل الله المتين ، وإنقاذه من الكفر والشرك يعد هدفاً بذاته ومكسباً عظيماً للداعي والمدعو ، حتى لو وقف الأمر عند هذا القدر . فكيف إذا أصبح هذا المدعو يحمل الدين الصحيح لمن حوله بحماس أو بغير حماس؟! وقد آن الأوان أن يتحرك الدعاة الصادقــــون إلـى مـيدان عملهم الأصيل : (الأمة) الأمة التي عبثت بها أيدي المفسدين من : اليهود والنصارى والـشـيـــوعيـيــن والمخرفين من الصوفية والرافضة والمعتزلة وغيرهم. هذا على صعيد (الأمة) الممتد الفسيح . </B>




المجددون
مجالات التجديد :
وحين نلحظ بجوار ذلك الكلمة الأخرى : (من يجدد لها دينها) نجدها تفتح أمام الدعاة آفاقا جديدة في طبيعة التجديد ونوعه.
إن هذا التجديد (للأمة) لا ينحصر في مجال واحد فحسب ، بل يمتد امتداداً آخر ليشمل تجديد الدين كله: فيشمل :
أولاً : التجديد في مجال العقيدة :
وهيهات أن يكون التجديد يعنى إضافة شيء آخر إلى العقيدة الربانية ، كلا بل التجديد هــو تخليص العقيدة من هذه الإضافات البشرية لتصبح نقية صافية ليس فيها أثر لصنع البشر وآرائهم وفلسفاتهم. ولتفهم بالبساطة والوضوح التي فهمها سلف هذه الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
فأول خطوة في مجال التجديد العقدي هو تنقية العقيدة الإسلامية من آثار علم الكلام ومن جميع ما علق بها.
ومــــن التجديد في مجال العقيدة ربط آثارها الواقعية بها ، فلا يكفى أن يؤمن المرء بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله على مقتضى ما يدين به أهل السنة إيماناً عقلانياً جافاً ، بل لابد من العمل على إحياء الآثار القلبية النابعة من صدق الإيمان .
لابد أن تطرق المعاني الباطنة التي هي جزء لا يتجزأ من العقيدة والإيمان : عمل القلب ، وعمل القلب هو الحب والبغض والخوف والرجاء والرغبة والرهبة والإنابة والخشوع . ولقد غفل الناس عن هذه المعاني - حتى العلماء - إلا من رحم الله - فطال الأمد ، وقست القلوب ، وصار الحديث عن صحة القلب ومرضه وعلاجه ، وعن المعاني الإيمانية القلبية وقـفـــاً على الصوفية الذين أسرفوا وغلوا حتى عبدوا ذواتهم ومشايخهم ، فضلوا وأضلوا كثيراً عن سواء السبيل . ولقد كان أئمة السلف نماذج حية في صدق اللجأ إلى الله ، وعمق الصلة به ، ويقظة الضمير وحساسيته من جراء ذلك ، وأوفى الناس حظاً من ذلك صحابة رســول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم التابعون لهم بإحسان ، ثم العلماء العاملون على مدار القرون . ومن يتأمل سيرهم وأحوالهم يجد ذلك الشيء العجيب الغريب.
إن مـــن واجب الحركة التجديدية أن تولي هذه القضية عناية كبيرة ، فهي الأثر العملي المباشر للتصــديـق بالعقيدة . ولذا نجد أن الله تعالى بعد ما أثنى على المؤمنين بتصديقهم بيوم الدين ، اتبع ذلك بذكر إشفاقهم من عذاب الله ، فقال سبحانه : ((والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * والَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ))
[ المعارج ].
وإن معالجة الانحـــــراف الظاهر على كافة المستويات لا تستقيم إلا إذا صاحبها معالجة الانحراف الباطني؛ فما من فساد ظاهر إلا وله رصيده من الفساد الباطني ولا يحصل تغير الظاهر إلا بتغير الباطن .
وإن توجيه الناس لالتزام الأوامر واجتناب المناهي لا يستقيم إلا إذا صاحبه تربية للضمير وإحياء للمشاعر القلـبـيـــة الصـادقــة التي تقف كالحارس اليقظ الساهر الذي يمنع تسلل الضعف أو التقصير . فهذا على ما وصـفـنـــاه من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ولكن طرح مثل هذه الموضوعات لا يحسـنـه كل أحد ، ولا يفلح فيه ويثمر إلا من كان يتكلم عن وجدٍ وانفعال ، أما عملية (التكلف) فلا تجدي شيئاً.
إن على الداعية الصادق أن يتعاهد قلبه ، ويحرك أشواقه ليكون لكلامه التأثير المطلوب. ومن التجديد المطلوب في مجال العقيدة : عرض الانحرافات الجوهرية التي تعيش اليوم بين المسلمين مما له تعلق بجوانب الاعتقاد ، مع بيان خطرها وتأثيرها ، والتحذير منها.
فالحديث عن موالاة الكافرين وحكمها وتأثيرها علـــى النفوس ، والخطر الزاحف بسببها سواء على مستوى الفرد أو الجماعة أو المجتمع ، والتـركـيــز على ضرورة استقلال الأمة المسلمة وتميزها ، واستعلائها بإيمانها وشريعتها على الأوضاع والعقائد والنظم الجاهلية .
هذا الحديث وربطه بقضية العقيدة أصبح مطلباً مُلِحاً مع لحوق كثير من المنسوبين إلى هذا الدين بمعسكرات الكفر ، ومع ربط كثير من الأمم المسلمة مصيرها بالكافرين ، ومع الولاء السافر المكشوف الذي يعطيه الحاكمون لأعداء الله ، ومع الانفتاح الرهيب للمسلمين على المجتمعات والشعوب الوثنية والنصرانية و غيرها .
والحديث عن قضية الحكم بغير ما أنزل الله ، وحكمه ، وضرورة رد الأمور كلها إلى شرع الـلـه لأن هذا هو مقتضى الإسلام والتسليم ، وشرط الإيمان الذي لا يكون إلا به . وتربية الأفــراد والمجتمعات على الولاء لشريعة الإسلام ، والحذر من تنقصها أو اعتقاد أفضلية غيرهــا ، أو مساواته لها ، أو جواز الحكم بغيرها ، بحيث يصبح الإيمان المطلق بشريعة الله قناعة راسخة لدى كل مسلم ، حتى لو فرضت عليه النظم البشرية الجاهلية .
كـــل ذلـك أصبح طرقه والتركيز عليه ضرورة مع سيطرة القانون الوضعي على المسلمين من جهة ، ومع انتشار الأفكار المشككة في الإسلام وصلاحيته للبقاء والحكم من جهة ثانية .
ومثل هذا وذاك التركيز على توحيد العبادة خاصة في البلاد التي جهل الناس فيها معنى الألوهية وصرفوا العبادة للشيوخ والأولياء وقدسوا الأضرحة أكثر من تقديس المساجد! ، وبالجـمـلــــة فــالتأكيد على أمر من أمور العقيدة لا يعني أن هذا الأمر أخطر من غيره من القضايا التي لم يـعــــنَ بـهـــا بنـفـــس القدر ؛ لأن الدعوة إلى الله تهتم بمعالجة جوانب الانحراف ، وحيثما اتسعت دائرة الانحراف في مجال كانت الحكمة في التركيز عليه - مع عدم إهمال ماعداه .
ويشمل التجديد (ثانياً) : التجديد في مجال النظر والاستدلال ، وإحياء الحركة العلمية التي تهدف إلى دراسة القضايا الشرعية كلها دراسة مبنية على الدليل الشرعي الصحيح بعيداً عن عصبية المذاهب . فلسنا نعتقد أن الحق محصور في مذهب بعينه لا يخرج عنه بحال ، ولذا فالبحث عن الحق هو ضالة المسلم المنشودة ، أنى وجده سَعِد به وقبله غير ناظر إلى هذه الحواجز المذهبية . ولضمان سير منهج التفقه والاستنباط سيراً سليماً بعيداً عن الانحراف أو الفوضى التشريعية فــلا بـــد من صياغة المنهج السليم للتفقه من خلال استقراء طريقة السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين .
ويشمل التجديد (ثالثاً) : التجديد في السلوك الـفـــردي والاجتماعي بالعمل على صياغة حياة المسلمين بتفصيلاتها صياغة إسلامية شرعية ، والإفادة من المعاني الوجدانية التلبية التي يفترض أنها بدأت تستيقظ في النفوس ، بربط الأحكام التفصيلية بها .
إن الانحراف السلوكي في حياة المسلمين المؤمنين حقاً بهذا الدين يرجع إلى أحد سببين:
1- إما الجهل بحكم الله ورسوله في هذه المسألة .
2- وإما ضعف الإيمان وضعف الإرادة بحيث تـغـلــب الإنسـان شهوته ، أو تغلبه ظروفه فيقع في المحظور . فمعالجة الجهل هي بالتعليم والتفهيم وربط الناس بالنصوص الشرعية ، ومعالجة الضعف الداخلي هي بمخاطبة القلوب والتأثير عليها .
ومما نلحظه في واقع المقصدين للوعظ والتعليم اليوم أن كثيراً منـهــم يعني بذكر الله واليوم الآخر والجنة والنار وعذاب القبر والموت وسكراته . وبغض النظر عن فشل الأسلوب الذي يستخدمه أكثر هؤلاء ، وعدم قدرتهم على التسلل اللطيف إلى قلوب السامعين ؛ فإن الخطأ الذي نشير إليه هو أنهم لا يربطون المعاني التي أثاروها بقضايا سلـــوكية واقعية يجب أن تعالج .
وفئة أخرى . من أهل الفقه تُعني ببيان الحلال والحرام وسائر الأحـكـــام ، وبغض النظر عما يلاحظ عليها في منهجها ونتائجها ووسائلها ؛ فإن الأمر الذي نلحـظـه الآن هو عدم ربط هذه الأحكام بأصولها الإيمانية التي تدعو إلى العمل بها وامتثالها .
وأنت حـين تتأمل طريقة القرآن والسنة تجد أنه في الفترة المدنية حيث تـتـابـــع نـــزول الأحكام التـفـصـيـلـيـــة المنظمة لحياة المسلمين ، أصبح الحديث عن الحكم مرتبطاً بإثارة العقيدة ، وأصبح الكلام في العقيدة مستمراً في التحريض على امتثال الحكم ، ولذلك تذيل الآيات ببيان صفة من صفات الله كالعلم والحكمة والعفو والمغفرة والانتقام وشدة العقاب.. أو تتبع آيات الأحكام بآيات أخر تُرغِّب في عفو الله ورضوانه والجنة ، وتحذر من سخطه والنار .
وإذا أحسن الداعية سلوك هذا الطريق فسيجد فيه خيراً كثيراً ، وسيلمس آثاره الواضحة عن قريب .
ويشمل التجديد (رابعاً) : فضح المناهج والاتجاهات والأوضاع والمبادئ والسبل المخالفة للإسلام ليحيى من حي عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة . ولقد كان من مهمة الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه كشف طريق الضلال لئلا يلتبس بطريق الحق . فكان النبي يقول : ((فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُونِ * ولا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ * الَذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ولا يُصْلِحُونَ))[الشعراء:150 - 152] . واستبانة سبيل المجرمين هي من مقاصد القرآن : ((وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَــاتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ))[الأنعام : 55] . فمن مهمات الدعوة الإسلامية على مدى الـــزمن أن تزيل أي التباس أو غموض قد يصيب الناس ، فيلبسون المنافق ثوب المؤمن الصـادق ، أو يلبسون المبتدع الضال ثوب المتبع المهتدي .
يتبع </B>









rss  rss 2.0  html   xml  sitemap 

Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.