أستغفر الله العظيم ... سبحان الله وبحمده



العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > المنتدى العام


مواضيع مميزة  


آخر عشرة مواضيع المواضيع النشطة


01-06-2008, 08:55 PM
ta2er_allil غير متصل
عضو فعال
رقم العضوية: 38103
تاريخ التسجيل: Mar 2006
المشاركات: 41
إعجاب: 0
تلقى 6 إعجاب على 5 مشاركة
تلقى دعوات الى: 0 موضوع
    #1  

جــذور غـيـاب التســامح


إن كان للمشاهد والوقائع التي تم عرضها في الفصل السابق أن تدل على شيء، فهو أن هناك بشراً مثلنا قد أخطأوا في حق آخرين وفي حق البشرية جمعاء عندما أدى تعصبهم إلى إسالة الدماء وتدمير الممتلكات وتهديد وحدة الأوطان، وأن هـناك بشراً آخرين مثلنا أيضا قد دفعوا ثمن هذا التعنت وضيق الأفق.
قد يكون من السهل علينا أن نصدر هذه الأحكام ونحن جالسون على مقاعدنا الوثيرة، متمتعين برفاهية الحكم على التاريخ بعد صناعته، وبعد أن قال كلمته فيمن كان على صواب ومن كان على خطأ.
غير أن المغامرة والمتعة الفكرية الحقيقية هي في محاولة تفهم وتمثل الحال الذي كان عليه هؤلاء البشر الذين نستسهل إصدار الأحكام عليهم اليوم، كيف كانوا يفكرون، وما هي الدوافع التي زجتهم للتصرف بطريقة يبدو خطؤها واضحا لنا بشكل لا يدع مجالا للشك.
ربما تكون الإجابة على كل هذه الأسئلة صعبة أو حتى مستحيلة إلا إذا أتاحت لنا الظروف أن نقع على ما قد يكونوا قد خلفوه من مذكرات يحكون فيها بأنفسهم ما جرى، ويشرحون دوافعهم للتصرف بالطريقة التي تصرفوا بها. أما إذا لم يتوافر ذلك فإنه لا يبقى لنا سوى أن نتخيل ما جرى، محاولين أن نعيد بناء الطريقة التي تصرفوا بها.
1 - خطأ احتكار الحقيقة :
الشيء الوحيد الذي أظنني متأكداً منه هو أن هؤلاء الناس لم يتصوروا للحظة أنهم يرتكبون أي جرم، أو أن التاريخ سيصدر عليهم هذا الحكم القاسي الذي أصدره عليهم بالفعل. فأمثال هؤلاء كانوا مواطنين صالحين، ومؤمنين أتقياء يرون في ضحاياهم شر على الوطن والعقيدة. وكانوا شديدي التأكـد من أن حكمهم هذا صحيح لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، فكانوا مستعدين لإيقاع الأذى بآخرين، والذهاب إلى حد إزهاق الأرواح في سبيل الدفاع عما اعتبروه صوابا.
ربما تتمثل المشكلة في حالة التأكد من احتكار الحقيقة، فبدون هذا التأكد لا يمكن أن يوجد تعصب. أو بعبارة أخرى، فإن المتعصب هو شخص بلغ تأكده من صحة وجهة نظره وامتلاكه للحقيقة المطلقة حدا جعله غير مستعد للدخول في أي نقاش جاد حولها، بل إنه يكون مستعدا للقتل في سبيلها. عند هذا المستوى من التأكد المطلق تختفي الحدود بين الرأي والحقيقة، فيتعامل الفرد مع رأيه باعتباره الحقيقة نفسها، ومن ثم فإن دفاعه عن رأيه وتعصبه يصبح بالنسبة له تعصب للحقيقة المطلقة، الأمر الذي يبرر له ارتكاب وفعل أي شيء في هذا السبيل.
فالبشر عادة لا يختلفون حول الحقائق والمعلومات، وهم لا يضيعون وقتهم في النقاش حولها ، ولكن الناس يختلفون حول آرائهم، ويتناقشون ساعات طويلة في محاولة من جانب كل منهم لإقناع الآخر بأن تفسيره للحقائق والمعلومات هو الأقرب للدقة. فالناس بعد انتهاء مباراة في كرة القدم لا يتجادلون حول ما إذا كان فريقهم المفضل قد خسر المباراة أم لا، فهذه معلومة ليست موضعا للخلاف، ولكنهم يختلفون حول أسباب النصر أو الهزيمة، وما إذا كانت قرارات الحكم صائبة أم غير صائبة، وما إذا كان المدرب قد اتخذ قرارات تبديل اللاعبين في الوقت المناسب، وكل هذه آراء وليست حقائق. أما بالنسبة للمتعصب فإنه يعتقد أن رأيه حول مثل هذه الأمور هو الحقيقة نفسها، وبالتالي فإنه لن يتورع عن الاعتداء على الحكم إذا رأى أنه هو السبب في هزيمة فريقه، أو في سب المدرب واللاعبين إذا رأى أن أداءهم المتواضع هو المسئول عن الهزيمة، وهكذا. وما يسري على مباراة في كرة القدم يسري على غيرها من أمور السياسة والاقتصاد والعلاقات بين الدول والأدب والفن.
فحاجة الإنسان إلى المعرفة هي حاجة ذات شقين، شقها الأول هو المعلومات والحقائق، أما شقها الثاني فيتكون من الآراء التي تتولى تفسير المعلومات التي نتلقاها. وفي الحقيقة فإن الشق الثاني هو ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات، فكل مخلوقات الله تتلقى المعلومات عن البيئة عن طريق حواسها، فترى فريسة يمكنها أن تهجم عليها لتلتهمها، أو ترى حيوانا أكبر منها حجماً وشراسة فتحاول الابتعاد عنه وتجنبه، غير أن الحيوانات لا تختلف على تفسير مغزى ما تراه من أشياء وما تتلقاه من معلومات، لأن الحيوانات لا رأي لها، الأمر الذي يميز بني البشر.
فالمعلومات -مهما كانت درجة وضوحها ودقتها- لا تفسر نفسها بنفسها، فهي تمر أولا بالعقل حيث يجري تفسيرها واستخلاص ما يراه مناسبا منها باعتباره محتواها الحقيقي ومغزاها. فإذا افترضنا أن المعلومة الأصلية لم تكن مغلوطة تعمد ناقلها تحريفها بالزيادة أو النقصان أو بتلوينها برأيه الخاص، فإنه لا توجد هناك ضمانة بأن يكون التفسير الذي يصل إليه الفرد للمعلومات مطابقا لمعناها الحقيقي. فالفرد والجماعة تفسر المعلومات التي تصلها عبر عملية معقدة من الاستدعاء والاستبعاد واستخلاص المعنى. وخلال هذه العملية فإنه يكون من قبيل الأمر المألوف أن يجري تفسير المعلومات بشكل لا يتلاءم بالمرة مع الحقيقة، الأمر الذي يمكن إرجاعه إلى عدد من الأخطاء التي عادة ما يقع فيها العقل أثناء عملية تفسير المعلومات.
فالفرد منا لا يتلقى معلومة واحدة، وإنما عدداً كبيراً من المعلومات. وهو لا يقوم بتفسير معلومة واحدة، وإنما يقوم بتفسير عدة معلومات في نفس الوقت، خاصة في محاولته اكتشاف العلاقة بين المعلومات العديدة. والخطأ الذي عادة ما يقع فيه العقل البشري هو قيامه بشكل غير قصدي باستبعاد بعض المعلومات أو اعتبارها غير ضرورية. مع أنه قد يتبين فيما بعد أن هذه المعلومات المستبعدة بالذات كانت أكثر أهمية من المعلومات الأخرى التي جرى التركيز عليها.

2 - حلقة التبعصب المفرغـة :
وربما يكون السؤال التالي هو على أي أساس يقوم العقل البشري باستبعاد بعض المعلومات وقبول بعضها الآخر؟ وتكمن الإجابة فيما نلاحظه في حياتنا اليومية من ميل الأفراد لتفسير المعلومات وتكوين الآراء على أساس من آرائهم السابقة. فإذا كان لدى واحد منا رأي مفاده أن جاره هو شخص عدواني لا يكن له الا كل شر، فإذا حدث وتلقى معلومة تفيد بأن جاره هذا قد أتى تصرفا ينم عن حسن النية، فإن صاحبنا عادة ما يذهب إلى عدم الاهتمام بهذه المعلومة، بل إنه قد يذهب إلى القول بأن هذا التصرف ليس إلا حيلة وجزءا من مؤامرة كبرى لا يقصد منها سوى الاستمرار في إيقاع الأذى. أي أن العقل البشري يتعامل مع المعلومات بغرض تأكيد آرائه المسبقة، فإذا كان لدى الفرد آراء متعصبة معادية لجماعة عرقية أو قومية أو طائفة ما، فإنه سيميل لتفسير أي معلومات جديدة تصل إليه لتأكيد هذا الرأي وليس تعديله، وهكذا فإن العقل البشري عندما يسيطر عليه التعصب يدخل في حلقة مفرغة تؤدي باستمرار إلى تثبيت الأفكار الراسخة مسبقا، وهذا هو بالضبط تعريف الشخصية المتعصبة كما يراها علماء النفس. وبينما يمكن لأي منا أن يقع في نفس الخطأ، فإن المتعصب يقع فيه طوال الوقت، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضية التي تستحوذ على اهتمامه وتعصبه.
والشخص المتعصب لا يرى نفسه على هذه الصورة، على العكس فإنه يميل لرؤية نفسه في صورة إيجابية، باعتباره إنسان عادل وموضوعي ونزيه وغير متحيز. أكثر من هذا فإنه يميل لرؤية نفسه في موقع الضحية، الذي يعاني من تعصب الآخرين ضده. أما إذا ضبطته متلبسا بممارسة التعصب، فإن هذا لا يسبب له حرجا أو إزعاجا، لأنه يعتقد بشدة بأنه ليس متعصباً، وبأن أفكاره ومواقفه تجاه الآخرين ليست سوى رد فعل ونتيجة لمواقفهم المتعصبة والمتحيزة ضده، وأن مواقفه بالتالي هي مجرد قراءة موضوعية للواقع الذي يتميز بتحيز الآخر ضده ورفضه له. أما هو نفسه فإنه إنسان طيب القلب ذو أخلاق كريمة، يعامل الآخرين بالعدل والحق، وأنه إذا كان يبدو منه ما يمكن اعتباره تعصبا وتحيزا ضد الآخر، فإن هذا ليس سوى مظهر خارجي ثانوي، وأن هذا المظهر يمكن له أن يتغير إذا تغير سلوك وموقف الآخرين منه، فموقفه إزائهم هو أولاً وأخيراً مجرد رد فعل لما يفعلونه تجاهه.
وسوف يدهشك أن تسمع نفس هذا التحليل -أو التبرير- من طرفين ينتميان إلى جماعتين متناحرتين، فقد تسمعه من هندوسي ومسلم في الهند، أو من أحد أبناء قبائل الهوتو وآخر من قبائل التوتسي في رواندا، أو من يهودي وكاثوليكي في بولندا، أو من أبيض وأسود في أمريكا، أو من أرجنتيني وبرازيلي في أمريكا الجنوبية، غير أن مثل هذا التشابه في الحجج المستخدمة على جانبي الصراع لا يجب أن يكون مدهشا على أي حال، فمثل هذا المنطق نسمعه في كل مرة نحاول فيها التوفيق بين زوجين أو جارين أو صديقين متخاصمين، وهو منطق يقوم على نفي المسئولية عن الذات، وتحميلها تماما للطرف الآخر. وبالتالي فإن كل طرف في مثل هذا الصراع يرفض القيام بأي مبادرة لإنهاء هذه الحالة من العداوة والبغضاء، فكل منهم يظن أنه بالفعل قد قام بكل ما يمكنه القيام به، وأن أي كسر لحلقة التعصب والكراهية لابد أن تأتي من ناحية الطرف الآخر، الأمر الذي لا يؤدي سوى إلى استمرار حلقة التعصب الجهنمية.
لقد تحاربت الشعوب والجماعات كثيرا، فتحاربت قبائل الرعاة مع الفلاحين، وتحاربت قبائل الفلاحين مع بعضهم، وخيضت حروب من أجل نشر الأفكار والعقائد، وخيضت حروب أخرى من أجل الدفاع عن النفس خوفا من تهديد الآخر.
في سياق هذا كله حدث الكثير من التجاوزات والمآسي والجرائم، فمات أبرياء من أطفال وشيوخ، واغتصبت نساء، وهدمت بيوت، وخربت مزارع. وكان الخاسر في كل مرة يكظم غيظه ويستجمع قوته حتى يصبح قادرا على الانتفاض من أجل الثأر ورد الأذى لقاهريه. فعندما يتبدل الحال، وتصبح للمظلوم اليد العليا، فإنه يرد الصاع صاعين، ويعيد تكرار مشاهد القسوة التي كان هو نفسه ضحية لها في الماضـي، فيفعل بالضبط ما اعتاد انتقاد الآخر عليه، ويرتكب نفس الجرائم التي طالما اعتاد استنكارها.
من أجل الثأر تبدأ دورة جديدة من الصراع، فيسقط أبرياء جدد، وتنهدم بيوت أخرى، وتغتصب نساء أخريات. وفي كل مرة يسقط فيها ضحايا جدد، وفي كل مرة تتجدد فيها الآلام، فإن جدار عدم الثقة والكراهية يصير أكثر سمكا وارتفاعا.
فإذا أراد العقلاء وقف نزيف الدم والخراب وإنهاء الصراع عبر تقصي أسباب الصراع والكراهية، فإن الطريق في أغلب المرات يكون مسدودا، فكل جماعة لديها من الأسباب ما يكفي لتبرير المزيد من الصراع، ولكل جماعة أن تجد في تاريخ الصراع الطويل ما يكفيها من ذخيرة المبررات لتدعيم مواقفها ومطالبها، فتاريخ الصراع طويل، والأحداث فيه كثيرة، ولكل طرف أن ينتقي منه ما يكفيه حجة ومبررا.
ففي أغلب الصراعات بين الشعوب والجماعات يكـون النظر للماضي طريقا للمزيد من الصراع والكراهية. ولا مخرج من دورة العنف الجهنمية هذه سوى أن يقف العقلاء من كل طرف ليتدبروا ماذا يجري وما جرى، وليقرروا البدء من جديد. وبالتأكيد فإن هناك حقوقاً مطلوب ردها إلى أهلها، ومطالب متبادلة في حاجة لتسوية، وإجراءات وترتيبات لمنع تكرار مآسي الماضي مرة أخرى في المستقبل. كل هذا لابد من التفكير فيه، وكل هذه مشكلات لابد من حلها، ولكن دون أن تكون الكراهية والرغبة في الثأر هي الحافز، وإلا تكررت فصول الماضي الأليمة مرة أخرى.
فالثأر هو من بين المشاعر البشرية غير النبيلة، لأنه عنف لا هدف له سوى إيقاع الأذى بالآخر، ودون أن يكون في ذلك بالضرورة تحقيق لمكسب أو بناء لمستقبل، أو تأمين لحياة أجيال جديدة. وكم رأينا في جنوب مصر من شباب في زهرة العمر يدفع مستقبله وربما حياته كلها ثمنا للأخذ بالثأر، فتضيع حياة جديدة دون أن يرد الثأر للقتيل روحه ولا لليتيم أبيه.
وبالرغم من أن مشاعر الكراهية والتعصب العرقي والطائفي والقومي تكون عادة بدون مبرر مقنع لأي مراقب من الخارج، فإنه من الممكن ملاحظة ودراسة العملية التي تتكون وفقا لها هذه المشاعر. فعادة ما تكون نقطة البداية هي تنافس أفراد ينتمون لجماعات مختلفة على الموارد، وقد تكون الموارد موضوع النزاع مادية مثل الصراع على الأرض والثروات الاقتصادية، أو معنوية مثل حالات الصراع على النفوذ السياسي والمكانة الاجتماعية. فأبناء إحدى الجماعات قد يكونون أكثر ثراء بشكل مثير للاستفزاز أو الإحساس بعدم العدالة لدى الآخرين، كما قد يحتكرون مناصب الحكم والسلطة بما يثير لدى الآخرين شعورا بالقهر والخضوع. كما قد يبدأ الصراع عندما يسعى أبناء بعض الجماعات للفوز بالاعتراف والاحترام الرمزي، وهو ما يحدث عندما يشعرون أن رموزهم ومقدساتهم لا تلقى الاحترام الكافي، أو أنهم لا يتلقون معاملة محترمة متساوية مع ما تلقاه الجماعات الأخرى.

3 - تأثير ثورة الاتصالات على التعصب :
وعلى عكس ما قد يكون شائعا، فإن خطورة الصراعات العرقية والطائفية والقومية تزيد في المجتمع الحديث، وذلك بسبب التقدم الحادث في وسائل الاتصالات والمواصلات. فمع تقدم المجتمع وانتشار المعرفة والتعليم ووسائل الاتصال الحديثة، يصبح أبناء الجماعات الأقل تميزا أكثر إدراكا لواقع التمييز الذي يعانون منه. فمن خلال انتشار المعرفة والتعليم ووسائل الاتصال تتوافر لهم معلومات ومعارف يستنتجون منها أن ما يعانون منه من اضطهاد ليس ظاهرة فردية، وإنما هو ظاهرة جماعية يتعرض لها كل من يشاركهم العرق أو اللغة أو الدين. كما يتعلمون أكثر عن الجماعات التي تضطهدهم، فتتكون لديهم تدريجيا مشاعر التضامن الجماعي، وأيضا مشاعر العداء للآخر. كما أن توافر المعرفة يتيح لهم رؤية الحال في مجتمعات أخرى لا يتعرض فيها أقرانهم لمثل ما يتعرضون له، فيتعلمون أن الوضعية المفروضة عليهم ليست قدراً محتوماً، وأن هناك إمكانية لتغييرها.
وفي مرحلة تالية تتكثف أحاسيس الشعور بالاضطهاد لدى الجماعة. ويبدأ مثقفوها بالبحث في الماضي البعيد عن أصل المعاناة ونقطة بدايتها. وعادة ما ينجح هؤلاء المثقفون في إيجاد وقائع في التاريخ القديم يعتقدون أنها تشرح وتفسر لهم ما يتعرضون له. فيُختصر تاريخ الجماعة كله في هذه الوقائع، ويجري نسج الخيالات والأساطير حولها، فتكتسب هالة من القداسة لا يمكن معها مناقشتها مناقشة موضوعية جادة. فيصبح تدارس هذه الأساطير وتداولها سببا في إثارة الكراهية للآخر والحماس للانتقام منه في نفس الوقت.
وفي مرحلة ثالثة، يفقد الفرد من أبناء الجماعة فرديته، ويتوحد تماما مع جماعته، فيحب ما تحب ويكره ما تكره، ويفقد القدرة على إعمال عقله بموضوعية فيما يقال له، وتصبح خبرة الجماعة هي خبرته الذاتية، فيتحدث عن واقعة جرت قبل أن يولد بقرون طويلة مستخدما ضمير المتكلم، فتسمعه يقول وهو يتحدث عن الجماعة الأخرى التي أصبحت موضعاً لكراهيته وحقده، لقد هاجمونا في موقعة كذا، وعندما قاومناهم، قتلونا وعذبونا، فتظن وأنت تسمعه أنه كان هناك، وأنه حارب في تلك الموقعة، وأنه كان من بين من قاسوا التقتيل والعذاب. عند هذه اللحظة ينقسم العالم لديه إلى نحن و هم، فيصبح عاجزا عن التفكير والتعبير من دون أن يستخدم هذه الثنائية، ومع أن هذا الثنائية البسيطة تختصر كل العالم إلى فئتين اثنين، مما يجعلها شديدة السذاجة والبساطة، فإن هذه البساطة نفسها هي التي تتيح للأساطير حول الأنا والآخر و هم ونحن الانتشار والشيوع بين جموع البسطاء.
وفي المرحلة الرابعة يتحول الموقف المعادي للآخر إلى عقيدة راسخة لا تقبل النقاش، أي أنها تتحول إلى رؤية كاملة للتاريخ والعالم، فيعاد تفسير التاريخ كله من منظور صراع الجماعة مع الآخر، كما يجري تقسيم العالم إلى أعداء وأصدقاء بناء على الموقف من الصراع مع الآخر، وهي رؤية تبسيطية ترى العالم مقسما بين أبيض وأسود، وتكون عاجزة عن رؤية التنوعات الكثيرة والمعقدة الموجودة في العالم المليىء بما لا حصر له من درجات اللون الرمادي.
عند هذه المرحلة أيضا يبدأ مثقفو الجماعة في اكتشـاف مزايا الجماعة، فيأخذون في إطلاق صفات الشجاعة والعبقرية والتميز والكرم عليها، فيجتزئون من التاريخ والقصص الشعبي وعادات الجماعة وتقاليدها ما يؤكد هذا من الوقائع والأحداث. في نفس الوقت فإنهم يأخذون في إطلاق خبيث الصفات على الآخر، فهو خسيس ونذل ومتآمر وبخيل ومتوحش، حتى تظنهم وأنت تسمعهم يتحدثون عنه إنما يتحدثون عن كائنات غريبة لا تنتمي لجنس البشر.
ولظاهرة إطلاق الصفات على الآخر دور خطير في تصعيد واستمرار الصراعات. فإطلاق الصفات السلبية على الآخر يجعل لصراعنا معه قيمة أخلاقية، بحيث أننا عندما نتصارع معه فإننا نكون في صراع مع قيم الطمع والحقد والهيمنة التي يمثلها، الأمر الذي يعطي لموقفنا قيمة أخلاقية ومعنوية عالية، ويبرر تشددنا في مواجهته ورفضنا التفاهم معه.
فما يحدث عادة هو أن الناس ينسون تدريجـيا السبب الأصلي للصراع، أي الصراع على المصالح والموارد والمكانة، ويتعاملون مع الصفات السلبية التي أطلقوها على الآخر، باعتبارها السبب الرئيسي، وربما الوحيد للصراع. فما أن تبدأ مسيرة إطلاق الصفات السلبية على الآخر، فإنها لا تتوقف. فبعد أن كان الجيل الأول من الصفات السلبية التي تم إطلاقها على الآخر قريبة بهذا القدر أو ذاك من السبب الأصلي للصراع على المصالح والموارد، فإن الجيل التالي من الصفات السلبية يأخذ في البعد تدريجيا عن السبب الأصلي للصراع، فيضاف البخل إلى الطمع، وتضاف الكراهية إلى الحقد، وتضاف الوحشية والقسوة إلى حب السيطرة.
وفي مرحلة ثالثة يضاف إلى الأوصاف السابقة جيل إضافي من الصفات، ينصرف هذه المرة، ليس إلى مجموعة الصفات المتعلقة بموقف الآخر منا أو من أي جماعة مختلفة عنه، ولكن إلى خصائصه هو نفسه، بغض النظر عن عـلاقته بنا أو بغيرنا. ففي هذه المرحلة تطلق على الآخر أوصاف سلبية من نوع أن رائحته كريهة، وأنه يتسم بالقذارة وعدم الاعتناء بالنظافة الشخصية، وأنه منحل أخلاقيا، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات الجنسية، وأنه شهواني يبالغ في الاهتمام بالمتع الحسية، وأن أفراده يتسمون بالغباء وقصر النظر، أو أنهم كسالى لا يحبون العمل.

4 - رسم الصورة السلبية للآخر :
ينتج عن هذا رسم صورة سلبية شديدة القتامة والسوداوية للآخر، وهو ما يسميه علماء الاجتماع والسياسة بالصور النمطية، بحيث تبدو كراهيتنا وعداوتنا له مبررة. وبعد أن كان للصراع أسبابه المتعلقة بالتنافس على الموارد، فإن طبيعة الصراع تتغير لتدور حول الصورة التي رسمها كل طرف للآخر. وتكتسب هذه الصور النمطية حياة خاصة بها، بحيث أنه حتى إذا زال السبب الأصلي للصراع واختفى، فإن الصور التي تكونت خلاله تستمر في الوجود، وتستمر في تعكير صفو العلاقات بين الطرفين، بل إنها قد تؤدي إلى منع التوصل إلى حل للصراع الأصلي بسبب الشكوك والمخاوف العميقة المتبادلة.
وبمجرد أن تصبح صفات الآخر وخصائصه الذاتية هي السبب في الصراع معه، دون علاقة واضحة بتباين واختلاف المصالح، فإن الطريقة الوحيدة المقبولة لحل الصراع هي أن يقوم الآخر بالتخلي عن صفاته، والتحول إلى كائن، فرد أو جماعة، طيب القلب ورقيق مثلنا.
ولكن لأن الصفات التي خلعناها على الآخر هي في الغالب من صنعنا نحن، فإن الآخر لا يعرف كيف يغير من نفسه، بل إنه عادة لا يعرف السبيل إلى ذلك. أكثر من هذا فإنه بدوره يفكر في أسباب الصراع وطرق حله بنفس الطريقة التي نفكر بها فى حله، فيطلق علينا صفات سلبية مماثلة للصفات التي أطلقناها عليه، وهو بدوره لا يرى حلا للصراع سوى بأن نقوم بتغيير أنفسنا. ولكن لأننا بدورنا لا نرى في أنفسنا الصفات التي يراها الآخر فينا، فإننا لا نعرف كيف نغير أنفسنا، ناهيك عن رفضنا لذلك لأننا نحب الحال التي وجدنا أنفسنا عليها. ولأن الصور النمطية لها حياتها القائمة بذاتها، ولأن تغيير الذات والصفات الجماعية هو أمر غير وارد حدوثه إلا بشكل استثنائي، فإن الصراعات والحروب تستمر.
عند هذه المرحلة تصبح الجماعة كالقطيع الذي يسير كله في اتجاه واحد، دون أن يكلف أي من أعضائها مشقة طرح التساؤلات. ويصبح الإيمان المطلق بالأفكار السائدة هو المادة اللاصقة التي تحافظ على وحدة الجماعة وتماسكها. أما إذا تجرأ أحد وطرح أسئلة قد يشتم منها الشك في القناعات السائدة، فإن الجماعة تنظر إليه بشك، وترى في تساؤلاته محاولة لإضعاف وحدتها. بل إنها قد ترى فيه خائنا، فتفرض عليه عقوبات قد تصل إلى حد القتل، ولكنها في أغلب الأحيان تقف عند حد فرض العزلة، فيصبح المتسائل معزولا بين أهله، لا يتعامل معه أحد، وإذا تعامل أحد معه فإنه ينظر إليه بريبة وربما احتقار، وهو موقف شديد القسوة، وعالي التكلفة، الأمر الذي يضع الأفراد في اختيار صعب بين النفاق والانصياع لإرادة الجماعة من ناحية، أو التعبير الحر عن الرأي وتحمل تكلفة ذلك من ناحية ثانية. وعادة ما يختار الناس الانصياع لإرادة الجماعة ومعتقداتها، فيحتفظون بتساؤلاتهم لأنفسـهم، ويضطرون لإعلان ما لا يبطنون، ويُظهرون حماسة كاذبة للآراء السائدة، حتى عندما يرونها تقود الجماعة كلها إلى الهوة السحيقة والكارثة.
وعند هذه المرحلة أيضا تصبح الأوضاع جاهزة للانفجار. فعند أول حادثة تهيج المشاعر المستثارة أصلا، ويهب الناس بالآلاف للانقضاض على الآخر الذي تكرست القناعة بأنه ليس إلا وحشا، فيكون الدمار والقتل والتخريب.
وفي حالات الصراع العرقي والطائفي والقومي من هذا النوع، فإننا نجد مثل هذه المواقف والاتجاهات على جانبي الصراع. فكل جماعة ترى في نفسها في موقع المضطهد والمظلوم والمستهدف، وأن وجودها ذاته يتعرض لخطر داهم ما لم تتصد بلا هوادة للتهديد الذي يمثله الآخر. وفي أغلب الحالات فإن تسوية مثل هذه الصراعات وتحقيق التصالح بين أطرافها يكون مستحيلا بسبب سيادة نفس الطريقة في النظر إلى الذات والآخر على جانبي الصراع، والمحزن أن الأمر يظل هكذا حتى تقع الكارثة، ويسقط الضحايا ويحل الدمار، الذي قد يكون كافيا لإيقاظ العقول، وتشجيع المتشككين الذين عجزوا في المراحل السابقة عن البوح بشكوكهم.









خـــــاتــــمــــة

كما يحدث بين الأفراد، فإنه يحدث بين الجماعات. فكل جماعة ترى كل الحق والمشروعية في مطالبها، وترى أن ما تطالب به لا يمثل سوى العدل، أما الطرف الآخر فإنه لديه الكثير من الموارد التي تسمح له بالتخلي عن بعضها، أو أنه لا حق له فيما يحوز بالفعل لأنه استولى عليها من لدنَّا في المقام الأول.
المهم في كل هذا أن الأفراد والجماعات يعجزون عن تخيل أنفسهم ولو للحظة واحدة في موقع الطرف الآخر، محاولين تصور كيف كان لهم أن يتصرفوا إذا وجدوا أنفسهم في محله، أو محاولين تفهم دوافعه واحتياجاته ومبرراته، وهو الشيء الذي ربما إذا فعلوه لتبينوا الأمور بشكل مختلف، ولاستطاعوا التعرف على بعض مظاهر الوجاهة في حجج الآخر ومطالبه، كما يستطيعون تبين بعض مكونات المبالغة والتزيد في مطالبهم.
القاعدة الذهبية للتعامل مع مشكلة الصراعات الطائفية والعرقية والقومية هي مساعدة الناس وتدريبهم على التسامح الذى يبدأ باتباع مبدأ عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك. فإذا كان التركي يحب للأقلية التركية في اليونان أن تتمتع بحق التحدث بلغتها القومية، فإن عليه أن يفعل نفس الشيء تجاه الأقلية الكردية في تركيا. وإذا كان المسلم يحب للأقلية المسلمة في الهند أن تمارس دينها ومعتقداتها بحرية تامة وبكل احترام، فإن على المسلمين في بلادهم أن يتيحوا نفس القدر من الحرية والاحترام لغير المسلمين الذي يعيشون بينهم. وهكذا..
هذه القاعدة الذهبية على بساطتها تمثل الخطوة الأولى على طريق تخفيف حدة الصراعات بين الجماعات الأولية. وبالطبع فإن تعود الناس على التسامح لن يكون بالأمر السهل، وإنما عملية طويلة معقدة، ولكن المهم أن نبدأ رحلة الألف ميل بدءا من هذه اللحظة.





 


جــذور غـيـاب التســامح

English

Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.