أستغفر الله العظيم ... سبحان الله وبحمده



العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > المنتدى العام


مواضيع مميزة  


آخر عشرة مواضيع المواضيع النشطة


01-06-2008, 08:53 PM
ta2er_allil غير متصل
عضو فعال
رقم العضوية: 38103
تاريخ التسجيل: Mar 2006
المشاركات: 41
إعجاب: 0
تلقى 6 إعجاب على 5 مشاركة
تلقى دعوات الى: 0 موضوع
    #1  

عندما يسمع أي منا واحد من هذه الأسماء فإن الصورة الأولى التي تأتي إلى ذهنه هي صورة مجتمع م



hلبوسنة والسودان وكوسوفا والعراق والكونجو ورواندا وبوروندي والشيشان ولبنان. عندما يسمع أي منا واحد من هذه الأسماء فإن الصورة الأولى التي تأتي إلى ذهنه هي صورة مجتمع مدمَر يعيش أهله في حالة حرب مستمرة بين بعضهم البعض. في هذه المجتمعات تحول التنوع إلى نقمة وسبب لحالة مستمرة من حرب الجميع ضد الجميع، أو حرب الجميع ضد الوطن الذي يموت أبناؤه وتهدر موارده وتسقط هيبته فيصبح أمثولة بين الأمم.
ولأن مثل هذه الصراعات تستند إلى تاريخ طويل من انعدام الثقة والكراهية، فإنك ستجد كل طرف فيها وقد اقتطع من التاريخ وقائع وأسباب تبرر له ارتكاب أفظع الجرائم ضد الطرف الآخر. وستجد كل طرف من الأطراف المتورطة في هذه الصراعات وقد عاد بذاكرته إلى نقطة معينة في الزمن، فيعتبرها بداية التاريخ والصراع، لأنها النقطة التي وقع عليه عندها ما يراه ظلما لا يمكن السكوت عنه.
ومن طبيعتنا كبشر أن نحب ونكره، نصادق ونعادي. ولكننا عندما نفعل ذلك في حياتنا اليومية كأفراد، فإننا عادة ما تكون لدينا أسبابنا لذلك. فأنا قد أحب فلانا لأنه قدم لي معروفا جليلا أو لأنه خفيف الظل. كما أنني قد أكره علانا لأنه يثير المشكلات في وجهي. وبين الحب والكراهية توجد درجات عدة من المزج بينهما. فقد أحب هذا الشخص ولكن فقط كزميل مريح في العمل أو الدراسة، ولكني لا أحب أن أتخذه صديقا نقضي معا وقت الفراغ أيضا. وقد أحب هذا الشخص إلى حد معين، ولكنه يشعرني بالغيظ أو الملل إذا قضينا معاً وقتا أطول مما ينبغي. وقد أحب أن أقضي وقت التسلية والمرح مع فلان بسبب روح المرح التي يتحلى بها، ولكني لا أستطيع أن أتخذه صديقا أحكي له أسراري ومتاعبي لأنه ثرثار لا يحفظ سرا،…وهكذا.
غير أن الأمر يختلف عن ذلك في العلاقة بين الجماعات العرقية والثقافية. فإذا كنت في أمريكا مثلا، فإنه ليس من المستغرب أن تسمع زميلا أسود في العمل أو الجامعة يقول لك أنه يمقت البيض. وهو هنا لا يقصد أن يقول أنه بعد أن قابل كل الأفراد البيض في العالم، تبين له أنهم أشخاص ماكرين أشرار، ولكنه يقصد أنه هكذا يكره كل الجنس الأبيض، بما فيه خفيفي وثقيلي الظل، والمخلصين الأوفياء والآخرين الخبثاء.
وفي العادة فإنه لا يوجد تبرير لمشاعر الكراهية في مثل هذه الحالة، وعادة ما تظل المشاعر من هذا النوع قائمة ومتقدة، وغير قابلة للاهتزاز والشك، إلا بعد أن تتعرض لمشاعر وخبرات أقوى منها، والتي عادة ما تكون مشاعر وخبرات مغموسة في الدم والخراب. عند هذا يستفيق أصحاب الضمائر ليتبينوا مدى الضلال الذي أوقعوا أنفسهم فيه. والمشكلة هي أن مشاعر الكراهية والتعصب من هذا النوع تكون في أحيان كثيرة أقوى كثيرا من خبرات الدم والدمار، فتستمر لتغذي دورات جديدة من العنف والقتل. وفي هذه الحالة فإننا نكون إزاء أناس فقدوا القدرة على التسامح، وبالتالى على قبول الاختلاف والقدرة على التعايش مع الآخر المختلف عنهم، الذي باتوا يتصورونه ويصورونه بشكل مقيت كأنه الشيطان ذاته.

1 - صراعات لا جدوى منها :

والعالم مليئ بأشكال الاختلاف بين البشر أفرادا وجماعات، غير أن الاختلاف الذي نركز عليه في هذا الفصل هو الاختلاف في الصفات الموروثة، أي تلك التي يولد المرء بها، أو التى يتعلمها في مراحل حياته المبكرة، فلا تكون له القدرة على تغييرها إلا بشكل هامشي لا يكاد يذكر. فالفرد منا لا يستطيع أن يغير اللون الذي ولد عليه، ولا يستطيع تغيير ملامح وجهه وجسده. ومع أن البعض يمكنه أن يجري عملية جراحية لتصغير أنفه أو فكه، فإن هذه التغييرات تظل هامشية من ناحية، كما أن البشر عادة لا يلجئون إليها إلا بشكل استثنائي وبأعداد قليلة من ناحية أخرى .
وبالرغم من أننا نحرص على تعلم اللغات الأجنبية، بل إن مستوى معرفة بعضنا بلغة أجنبية قد يكون عاليا جدا، حتى يحسبه السامع من أهلها، فإن الأغلبية من البشر لا يستطيعون ذلك. فأغلب دارسي اللغات الأجنبية لا يعرفون منها سوى ما يكفيهم في أعمالهم وتعاملاتهم إذا كان تحصيل الرزق يحتاج ذلك. وفي كل الأحوال تظل للغة الفرد الأصلية مكانتها العالية، فالفرد منا يفكر باللغة التي نطق بها أول الكلمات عندما كان طفلا، وهي اللغة التي يكون بها أقدر على التعبير عن مشاعره ودخائل نفسه، لهذا فإن اللغة الأصلية لأي جماعة تستحق بحق الاسم الذي أطلقه عليها العلماء والدارسين، أي اللغة الأم، فهل هناك أكثر من الأم عطفا وحنانا على أبنائها؟
الأمر نفسه ينطبق على العقيدة الدينية. فالناس عادة لا يختارون دينهم، ولكنهم يرثونه من آبائهم، ويتعلمونه مع كلماتهم الأولى، وفي كل لحظة يشاهدون فيها آباءهم يمارسون شعائره في المنزل، وفي كل مرة يصطحبونهم فيها إلى دور العبادة. فقلة قليلة جدا من الناس هم الذين يعتبرون أنفسهم يهودا أو مسيحيين أو مسلمين أو هندوس أو بوذيين لأنهم، بعد أن درسوا كل هذه الديانات ومعها ديانات أخرى كثيرة في الهند والصين واليابان وأفريقيا، اهتدوا إلى أن دينهم هو الصواب. وفي أغلب المجتمعات يكون تغيير المرء للدين الذي وجد عليه آباءه أمرا في غاية الصعوبة، على الأقل لما يسببه ذلك له من قطيعة وعزلة عن أهله وعشيرته، الأمر الذي لا يستطيع أغلب الأفراد تحمله.
ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للانتماء القبلي. فالقبيلة بالنسبة لأبنائها هي الأهل، ومن منا يستطيع أن يغير أهله، فيجد لنفسه أعماما غير أخوة أبيه، وخالات غير أخوات أمه. ربما يمكن للمرء أن يسمح لصلاته بأهله بالتآكل والضعف، ولكنه لا يستطيع في كل الأحوال أن يهجر قبيلته لينضم إلى قبيلة أخرى.
فإذا كانت كل هذه الانتماءات هي من نوع الانتماءات الموروثة، والتي ليس للإنسان مسئولية عن اختيارها، فهل يجوز مكافأة الفرد أو عقابه على شئ لا يمكن اعتباره مسئولا عنه؟ بالطبع لا، أو هكذا يقول المنطق السليم. ومع هذا فإن تاريخ البشرية وحاضرها غنيان بمحاولات مكافأة الناس ومعاقبتهم على انتماءات ورثوها ولم يختاروها.
والصراعات بين الجماعات العرقية والثقافية هي في جوهرها محاولة من جانب إحدى الجماعات لمعاقبة جماعة أخرى على انتماءاتها الموروثة. ففي بعض البلاد التي توجد بها جماعات تتحدث لغات مختلفة، مثل تركيا التي يوجد فيها 15 مليونا من الأكراد المتحدثين باللغة الكردية، أو الجزائر التي يوجد فيها حوالي أربعة ملايين من البربر المتحدثين باللغة الأمازيغية، فإن محاولات إجبار هذه الأقليات على التحدث بلغة الأغلبية -اللغة التركية في حالة تركيا والعربية في حالة الجزائر- لا تؤدي إلا إلى إثارة الفرقة والصراع. فمن منا يحب لإبنه أن يكبر وقد عجز عن فهم لغة أبيه وأمه والتحدث بها. ومن منا يحب أن يجد الأغنيات التي طرب لها ممنوعة من البث الإذاعي والتليفزيوني لأنها منطوقة بغير لغة الأغلبية السائدة؟
ولأن إجبار الناس على التحدث بلغة الأغلبية هو أمر غير ممكن، خاصة إذا كانوا لا يعرفونها، فإن محاولات تغيير اللغة الأصلية للسكان تأخذ شكل محاصرة هذه اللغة الأصلية، وتضييق نطاق استخدامها بحيث لا تصبح مستخدمة سوى في البيت أو بين جماعات القرابة والأصدقاء. فعندما يكون التعامل مع الجهات الرسمية مقصورا على لغة الأغلبية، فإن المواطن من أبناء الأقلية اللغوية يجد صعوبة كبيرة في فهم القوانين والتعليمات، كما يجد صعوبة في قضاء مصالحه ومعاملاته مع الجهات الحكومية، بل إنه لا يستطيع أن يحصل لنفسه على وظيفة في هذه الجهات، أو في أي جهة تتعامل معها، بسبب عجزه عن التعامل باللغة السائدة ، فتسود البطالة بين أبناء الأقلية، ويتدهور وضعهم المعيشي، ويصبح التمييز اللغوي سببا في تمييز اقتصادي، فيسود الفقر بين أبناء الأقلية، وتزيد معه عوامل الاضطراب وعدم الاستقرار.
أما في المدرسة ووسائل الإعلام ودواوين الحكومة فإنه عندما يصبح استخدام اللغة الأم ممنوعا، فإن الأجيال الجديدة تنسى تدريجيا لغة أهلها، الأمر الذي يثير غضب وحنق كل أب وأم يجدا أبناءهما وقد عجزوا عن التفاهم معهما، وينشأ لديهما إحساس بأنهم وأبناءهم ضحايا للتمييز والاضطهاد، ويهبون للدفاع عن لغتهم وهويتهم، فيثور الاضطراب والقلاقل وعدم الاستقرار، ويدفع المجتمع والوطن كله بأغلبيته وأقليته ثمن سياسة التمييز والاضطهاد.
وما ينطبق على اختلاف اللغة ينطبق على اختلاف الدين إلى حد كبير. فبالرغم من أننا قد اعتبرنا اللغة والدين من الخصائص التي يرثها الإنسان، إلا أننا لا يجب أن نغفل أنها ليست صفة طبيعية -بيولوجية أو تشريحية- مثل لون البشرة أو ملامح الوجه، تمثل جزءا لا يتجزأ من جسد الإنسان، ولكنها صفة ثقافية تتسرب إلى عقل الفرد وروحه وتستقر فيهما في مراحل العمر المبكرة، فتصبح جزءاً لا يتجزأ من موروثه الثقافي، وهي مجموعة من العلاقات والتقاليد والممارسات والطقوس الاجتماعية، تحيط بالفرد منذ نعومة أظافره، فلا يتصور نفسه خارجها، فتصبح جزءا لا يتجزأ من موروثه الاجتماعي.
هذا الفارق بين الموروث الطبيعي من ناحية، والموروث الثقافي والاجتماعي من ناحية أخرى، يجعل البعض يظنون أن لغة الإنسان ودينه هما من الأمور التي يمكنه تغييرهما بإرادته، فكما تعلم لغة آبائه وهو صغير يمكنه أن يتعلم لغة الأغلبية وهو كبير، وكما تبنى دين آبائه وهو صغير يمكنه أن يتبنى دين الأغلبية وهو كبير. وطبقا لهذا الرأي، فإنه مادام الفرد يتعلم لغته ودينه وليس مولودا بهما، فإنه في الحقيقة مسئول عنهما، وأنه لا غضاضة بالتالي في التمييز بين الناس على أسـاس الدين واللغة نظراً لأن الفرد يمكنه أن يتخلص من هذا التمييز إذا اتخذ قراره بالتحول إلى لغة الأغلبية أو دينها.
إلا أن ما لا يدركه هؤلاء المتحمسون هو أن الأشياء التي يتعلمها الإنسان في مراحل التنشئة الأولى تصبح لصيقة بالفرد منا، بل إنها تصبح جزءا من كيان الفرد نفسه، حتى أنه يكاد لا يمكنه تغييرها على الإطلاق، خاصة وأن تغييرها يمكن أن يترتب عليه تمزيق علاقاته بأهله وجيرانه وأصدقائه الذين تربى معهم على التحدث بلغة معينة، والإيمان بدين معين. وفي الحقيقة فإن الفرد المنتمي إلى أقلية دينية تتعرض للتمييز يكون ضحية لنوعين من الضغوط، ضغوط المتعصبين من أبناء الأغلبية الذين يطالبونه بالتحول إلى دينهم من ناحية، وضغوط أهله وعشيرته الذين يهددونه بالقطيعة والعزلة الاجتماعية إذا هو ترك دينهم، فهل يصح في مثل هذه الحالة أن نقول أن الفـرد حرا في تغيير ديانته؟ وربما كان هذا هو أحد الأسباب وراء نزول الآية الكريمة أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن (النحل 125)، لأن الله تعالى الذي خلق الأفراد والجماعات يعلم مدى ما يعانيه الفرد عندما يجد نفسه محاصرا بين هذه الضغوط المتعارضة، والتي حرص الله على تخفيفها، برحمته التي وسعت كل شيء.

2 - نماذج للتعـصب القومى والدينى :
لقد عرف تاريخ البشرية صراعات كثيرة ترتبت على كل أشكال التنوع البشري الحقيقية والمصطنعة. فالمأساة التي يعيشها الشعب الكردي، خاصة في العراق وتركيا، هي أحد مظاهر التمييز بسبب الاختلاف في اللغة والقومية. ففي عام 1922 تأسست مملكة العراق وضمت مقاطعتي الموصل والسليمانية ذات الأغلبية الكردية، واللتين كانتا تسعيان منذ فترة للحصول على الاستقلال. وبعد فترة من المقاومة الكردية، خفض أكراد العراق مطالبهم إلى الحصول على نوع من الحكم الذاتي في إطار العراق الموحد ، غير أن الشكوك والعداء القومي منعت إقامة علاقات صحية بين الشعبين العربي والكردي في العراق، الأمر الذي انعكس في الحرب الأهلية المستمرة هناك طوال أغلب الفترة الممتدة منذ تكون العراق.
وقد شهدت هذه الفترة العديد من الاتفاقيات التي لم يجر تنفيذها، والعديد من الفظائع والآلام، غير أن أقسى هـذه المراحل هي المرحلة بين انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية وحرب تحرير الكويت. ففي هذه المرحلة حاول نظام الرئيس صدام حسين استغلال النصر الذي حققه على إيران، والتأييد الدولي الذي تمتع به بسبب نجاحه في التصدي لإيران التي كانت تهدد المنطقة كلها، فقام جيشه بتنفيذ ما يشبه حرب الإبادة ضد الشعب الكردي، وهي الحرب التي لم يتورع خلالها عن استخدام الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا، كما حدث في مدينة حلابجة، التي تم قصفها بغاز الخردل المميت، مما أدى إلى وفاة أكثر من ستة آلاف من أهلها، كما تم تدمير ما يقترب عدده من ثلاثة آلاف قرية كردية وتهجير سكانها، كما امتنعت الدولة عن دفع رواتب موظفيها من الأكراد الذين بلغ عددهم 150 ألفا في إطار حملة منظمة لاضطهاد الشعب الكردي في العراق.
وقد انعكست هذه المعاملة التمييزية القاسية في الثورة التي شنها أكراد العراق في مارس 1991 في أعقاب هزيمة نظام الرئيس صدام حسين في حرب تحرير الكويت، وبرغم الوحشية التي قابل بها النظام العراقي هذه الثورة، إلا أنها نجحت في النهاية في إنهاء سيطرة الدولة العراقية على المناطق الكردية. ولولا المعارضة الدولية لاستقلال كردستان العراقية، لكان ما يشبه الاستقلال الذي يتمتع به أكراد العراق الآن قد تحول منذ زمن إلى استقلال رسمي وفعلي، بعد أن أدى ضيق الأفق والتعصب القومي الذي ميز النظام العراقي إلى التهديد بتقسيم العراق. أما المفارقة المضحكة المبكية فتتمثل في أن سياسات صدام حسين التي هددت وحدة العراق كانت هي نفسها التي ظن الرئيس العراقي وهو يصممها وينفذها أنه بذلك إنما يحمي استقلال ووحدة الأراضي العراقية.

وفي رواندا نجد مثالا آخر للمآسي والمعاناة المترتبة على التمييز العرقي والقومي. ففي رواندا التي يبلغ عدد سكانها أكثر قليلا من ثمانية ملايين نسمة، تعيش جماعتان ثقافيتان هما الهوتو الذين يمثلون الأغلبية الكبيرة من السكان، بما نسبته 80% من سكان البلاد، بينما يمثل السكان من التوتسي 19% من السكان. وبهذا الصدد، فإن الوضع في رواندا يشبه إلى حد كبير جدا الوضع في جارتها بوروندي ذات الستة ملايين نسمة، منهم 85% من الهوتو، و14% من التوتسي.
في رواندا، قامت الأغلبية من الهوتو بانتفاضة كبرى في عام 1959، وقاموا بطرد مئات الآلاف من التوتسي إلى خارج البلاد، فتوزعوا كلاجئين في البلاد المجاورة خاصة الكونجو وأوغندا. وفي عام 1990 عاد اللاجئون من التوتسي إلى رواندا، ولكن بعد أن نظموا أنفسهم في جيش قوي قام بغزو البلاد، مما أدى إلى دخول البلاد في حرب أهلية استمرت بين عامي 1990 و1993، عندما تم التوقيع في الرابع من أغسطس من ذلك العام على اتفاقية سلام لإنهاء الحرب الأهلية وإنشاء حكومة وحدة وطنية تقوم على عودة المطرودين من التوتسي والتمثيل المتكافئ للأحزاب السياسية والجماعات المختلفة، وإقامة نظام قضائي مستقل . غير أن ميراث العداء لم يسمح بنجاح هذه الخطة. فبينما سادت بين التوتسي العائدين مشاعر الزهو والانتصار إلى الدرجة التي ألقت الرعب في صفوف الأغلبية من الهوتو، فإن المتطرفين من الهوتو قاوموا تحقيق المصالحة ورفضوا أن يجري التعامل مع التوتسي كمواطنين لهم حقوق متساوية.
اعتبر المتطرفون الهوتو عملية المصالحة وتحقيق السلام التي قادها رئيس رواندا نوعا من التسليم للأعداء من التوتسي، واعتبروا الرئيس هاباريمانا الذي قاد البلاد نحو المصالحة والسلام خائنا يستحق القتل. وفي السادس من أبريل عام 1994، وقبل أيام من تنصيب حكومة الوحدة الوطنية الجديدة، قام المتطرفون من الهوتو بإسقاط الطائرة التي كان يستقلها رئيسا بوروندي ورواندا ففقدا حياتهما. ثم بدأ المتطرفون الهوتو في شن مذابح جماعية واسعة النطاق ضد المواطنين من التوتسي.
استمرت المذابح لمدة ثلاثة أشهر كانت بمثابة الكابوس الثقيل. ففي مذبحة لم تشهد لها البشرية مثيل من قبل، تم قتل أكثر من نصف مليون من التوتسي. لكن المتمردين التوتسي العائدين من المنفى أعادوا تنظيم أنفسهم بسرعة، ونجحوا في نهاية الأشهر الثلاثة في الانتصار على المتطرفين الهوتو. فكانت المفارقة الكبرى، فالمذابح التي بدأها الهوتو لمنع التوتسي من الحصول على حقوق متساوية في بلادهم انتهت بتمكين التوتسي من السيطرة الكاملة على البلاد. وبالطبع فإن لنا أن نتوقع ما حدث منذ ذلك الحين، فمشاعر الكراهية والحقد المتراكمة لم تتح لحكومة التوتسي العائدة نسيان الماضي وإعـادة المساواة والسلام إلى البلاد التي دخلت في مرحلة جديدة من التمييز العنصري والكراهية، كان ضحاياها هذه المرة من الهوتو، وإن كانت الأمور لم تصل أبدا إلى المستوى الذي وصلت إليه في الأيام السوداء من عام 1994.

وتقدم باكستان نموذجا من الصراعات تختلط فيه عناصر القومية والدين. فمنذ القرن الثامن عشر كانت البلاد المعروفة اليوم بباكستان جزءا من الهند التي كانت من ممتلكات الإمبراطورية البريطانية. ومنذ القرن التاسع عشر بدأ سكان الهند في التفكير في مستقبل بلادهم ومستقبلها بعد رحيل البريطانيين. وفي ظل وجود جماعات هندوسية متطرفة تصورت هند المستقبل المستقلة كدولة هندوسية، يُجبَر فيها المسلمون على التحدث باللغة الهندية بدلا من الأوردو، وعلى عدم ممارسة شعائرهم الدينية بالقرب من المعابد الهندوسية أو في المناطق التي يسيطر عليها الهندوس، وعلى تحريم ذبح المسلمين للأبقار. في ظل وجود مثل هذه الجماعات الهندوسية المتطرفة ثارت مخاوف المسلمين، وخلص قادة المسلمين الهنود إلى استحالة التعايش بين المسلمين والهندوس في دولة واحدة، وبالتالي حتمية انفصال المناطق الإسلامية لتكون دولة مستقلة. لم تفلح محاولات أغلبية النخبة الهندية المنظمة في حزب المؤتمر المعارض لآراء الجماعات الهندوسية المتطرفة في تهدئة مخاوف مسلمي الهند، خاصة أن قيادة حزب المؤتمر ترددت في تقديم الدليل العملي على حسن نواياها تجاه المسلمين، خوفا من أن يؤدي الاعتراف بأن مشكلة الانقسام الديني/القومي في البلاد تستدعي حلا سياسيا إلى تعميق المشكلة وليس حلها. وعندما حل موعد رحيل البريطانيين عن الهند عام 1947 تم تقسيم شبه القارة الهندية إلى دولتين هما الهند ذات الأغلبية الهندوسية، وباكستان ذات الأغلبية المسلمة، التي حملت إسم جمهورية باكستان الإسلامية، والتي تأسست كدولة للمسلمين في شبه القارة الهندية.
وبالطبع فإن هذا الانقسام لم يكن بالأمر السهل. فقد صاحبه الكثير من جرائم التخريب والقتل من جانب المسلمين في باكستان ضد مواطني باكستان من الهندوس، ومن جانب الهندوس في الهند ضد مواطني الهند من المسلمين. ففي نظر الهنود كان الباكستانيون رمزا للخيانة وتفتيت الوطن، أما بالنسبة للباكستانيين، فإن الهنود مثلوا الجار الوثني ذا القوة والأغلبية العددية الذي يمثل تهديدا حقيقيا. سعى المتطرفون من الجانبين إلى تكوين أمة نقية ليس فيها بقايا من الشرور التي يمثلها أبناء الشعب الآخر، فتم الضغط على ملايين الهنود في باكستان، وعلى المسلمين في الهند لإجبارهم على الرحيل إلى الجانب الآخر من الحدود، فبلغ عدد المهاجرين على جانبي الحدود أكثر من عشرة ملايين مواطن أجبروا على تـرك ديارهم وممتلكاتهم، في تطبيق مبكر لسياسة التطهير العرقـي التي جرى تنفيذها بعد ذلك في البوسنة.
تكونت دولة باكستان الناشئة من المناطق ذات الأغلبية الإسلامية في شبه القارة الهندية. وقد حدث أن كان المسلمون متمركزين في القسم الشمالي الغربي والقسم الشمالي الشرقي من شبه القارة الهندية، فتكونت دولة باكستان من قسمين لا يوجد بينهما أي اتصال بري، ويفصل بينهما 1600 كيلومتر من الأراضي التابعة للهند. وبينما مثل سكان القسم الشرقي من باكستان، أو ما عُرف بباكستان الشرقية، 56% من سكان البلاد، فإن أبناء باكستان الغربية سيطروا على الحكم، كما احتكروا القسم الأكبر من مخصصات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن الطامة الكبرى تمثلت في محاولة النخبة المسيطرة في باكستان الغربية فرض الأوردو كلغة قومية على سكان القسم الشرقي من باكستان، الذين كان عددهم أكبر من سكان القسم الغربي، والذين يتحدث أغلبهم اللغة البنجالية، الأمر الذي أدى في عام 1952 إلى اندلاع أول صدام بين الجماعات الثقافية المختلفة في باكستان. ومنذ ذلك الحين بدأت دعاوى انفصال شرق باكستان عن غربها في الظهور. غير أن هذه الدعوات لم تكتسب تأييدا قويا حتى مطلع السبعينيات من القرن العشرين. ففي عام 1970 تعرضت باكستان الشرقية لموجة عاتية من الأعاصير والفيضانات أسفرت عن مقتل 266 ألفا من السكان. واتهم الباكستانيون الشرقيون الحكومة المركزية التي كان مقرها في باكستان الغربية بالتخاذل في مساعدة المواطنين، وبدأت أعمال العنف في الاندلاع.
وفي نفس العام 1970 انتخبت باكستان بقسميها جمعية وطنية جديدة كان الغرض منها وضع دستور جديد للبلاد. وكان الباكستانيون الشرقيون قد نظموا حملات تهدف إلى تضمين الدستور المقترح نصا على حقهم في المعاملة المتساوية مـع أهل القسم الغربي من باكستان، وأن تمنح باكستان الشرقية درجة أعلى من الاستقلال الذاتي. غير أن الرئيس الباكستاني أيوب خان قام في عام 1971 بإلغاء الاجتماع المنتظر للجمعية الوطنية، وهو القرار الذي أسفر عن وقوع اضطرابات في باكستان الشرقية تطورت إلى مستوى حرب أهلية شاملة، دخلها الجيش الباكستاني في محاولة لإعادة الهدوء للقسم الشرقي من البلاد، غير أن الأمور تطورت بسرعة، وتم إعلان استقلال باكستان الشرقية، تحت اسم جمهورية بنجلاديش، في 26 مارس 1971.
وعندما حاولت الحكومة قمع الحركة الانفصالية في باكستان الشرقية عن طريق استخدام القوة المسلحة العارية وبقسوة، تدخلت الهند إلى جانب المطالبين باستقلال بنجلاديش، وانتهت الحرب بعد أسبوعين من القتال العنيف وأعمال العنف بهزيمة باكستان وتثبيت أقدام جمهورية بنجلاديش الوليدة، بعد أن مات أكثر من مليون مواطن ضحية للحرب وأعمال العنف.
وهكذا، فإنه كما أدى تردد قيادة حزب المؤتمر الهندي في التعامل الإيجابي مع مشكلة الانقسامات الدينية والقومية إلى تقسيم شبه القارة الهندية، فإن الإجراءات التي اتخذها الرئيس الباكستاني أيوب خان لقمع التنوع والاختلافات داخل باكستان من خلال قيامه بتعطيل أعمال الجمعية الوطنية المنتخبة، ثم شن الحرب على باكستان الشرقية، كانت هي بالضبط نفس الإجراءات التي أدت إلى تقسيم باكستان ذاتها.

3 - مأساة تراجع التسامح فى يوغوسلافيا :

وتقدم يوغوسلافيا نموذجا آخر للصراعات والكوارث التي يمكن أن تنتج عن الفشل في تثبيت دعائم التسامح والتعايش بين الجماعات العرقية والقومية والدينية المختلفة. تكونت يوغوسلافيا منذ نهاية الحرب العالمية الأولى كدولة متعددة القوميات. وقد تعرضت يوغوسلافيا للتفكك في أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث جرى اقتطاع أقسام كبيرة منها تم ضمها إلى ألمانيا وإيطاليا وبلغاريا، غير أن يوغوسلافيا استعادت استقلالها ووحدتها بعد هزيمة ألمانيا وحلفائها في الحرب.
تكونت يوغوسلافيا الجديدة كدولة اتحادية تضم عدداً من الجمهوريات بلغ عددها ست. كما ضمت ثماني قوميات، تركز أبناء خمس منها في جمهوريات حملت أسماءها، وهي صربيا ومونتينجرو - المعروفة في الكتابات العربية باسم الجبل الأسود- وكرواتيا وسلوفينيا ومقدونيا. أما الجمهورية السادسة فهي جمهورية البوسنة والهرسك، التي ضمت ثلاث جماعات دينية/قومية، أكبرها هم المسلمون بنسبة 44%، ثم الصرب بنسبة 31%، وأخيرا الكروات بنسبة 17%. كما ضمت يوغوسلافيا قوميتين إضافيتين هما الألبان، الذين مثلوا 90% من السكان في إقليم كوسوفا، وقومية صغيرة تركزت في إقليم فيوفودينا. وقد تمتع الإقليمان الأخيران بالاستقلال الذاتي ضمن جمهورية صربيا.
كما كان يبدو على السطح، فإن الأمور في يوغوسلافيا كانت تسير سيرا حسنا طوال الفترة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1980 عندما توفي جوزيب بروز تيتو، مؤسس يوغوسلافيا الجديدة ورئيسها طوال هذه الفترة. ولد تيتو في كرواتيا من أم سلوفينية وأب كرواتي. ومع أنه لم يكن ينتمي إلى القومية الصربية صاحبة الأغلبية في يوغوسلافيا، إلا أن دوره في تحرير البلاد من الاحتلال النازي منحه من الشرعية والشعبية ما مكنه من حكم البلاد دون تحد ، غير أن أي شخص آخر لم يكن يمكنه أن يقود يوغوسلافيا متعددة القوميات، لذلك نص الدستور اليوغوسلافي على أنه بعد وفاة تيتو فإن رئاسة البلاد ستوضع في يد مجلس رئاسي يتكون من ثمانية أفراد هم ممثلو جمهوريات يوغوسلافيا الست، بالإضافة إلى ممثلين لإقليمي كوسوفا وفيوفودينا المتمتعين بالحكم الذاتي. كما نص الدستور على أن يتبادل ممثلو الجمهوريات الست رئاسة المجلس الرئاسي في دورات مدة كل منها عام واحد.
كان شرط استمرار الجمهورية اليوغوسلافية بنجاح هو استمرار قيم التسامح والقبول بين الجماعات القومية المختلفة، غير أن الفترة التي أعقبت وفاة تيتو شهدت تصاعدا في مشاعر التعصب القومى لدى الصرب. فقد بدأ ينتشر بين الصرب اعتقاد بأنهم قد حرموا من حقهم الطبيعي في قيادة يوغوسلافيا باعتبارهم الجماعة القومية الأكبر فيها، وبأنهم يتحملون الكثير من التكلفة المالية لتمويل الاتحاد وأنشطته التي يستفيد منها أبناء القوميات الأخرى. وكان يمكن التغلب على هذه المشاعر السلبية ببعض الإصلاحات، وخاصة إذا توحدت النخبة السياسية الصربية وراء الموقف الصحيح الذي يدعو لتدعيم الاتحاد بتدعيم الاندماج والتعايش بين أبنائه من القوميات المختلفة.
غير أن بعض أعضاء النخبة السياسية في صربيا اكتشف أنه يمكنه ركوب موجة التعصب القومي لتحقيق مكاسب سياسية تساعده على ارتواء ظمئه للسلطة. كان هذا هو سلوبودان ميلوسيفتش، الذي أصبح منذ عام 1984 رئيسا لفرع الحزب الحاكم في العاصمة بلجراد. راح ميلوسيفتش يغذي مشاعر التعصب والعداء القومي بين الصرب. وفي عام 1987 نجح ميلوسيفيتش في اكتساب شعبية هائلة عندما زار كوسوفا ذات الأغلبية الألبانية، والتي يعتبرها القوميون الصرب كعبتهم القومية لأنها شهدت ميلاد أول دولة صربية في القرن الثالث عشر الميلادي. خطب ميلوسيفيتش أمام حشد من الصرب، ووعدهم بتخليصهم من الظلم القومي الذي يتعرضون له من جانب الأغلبية الألبانية في كوسوفا، فأجج مشاعر التعصب القومي الصربي، وخلق لنفسه شعبية لم يتمتع بها أي زعيم صربي آخر منذ سنوات طويلة.
كانت موجة العداء والتعصب القومي الصربي التي أطلقها سلوبودان ميلوسيفيتش كافية لحمله في عام 1987 إلى مقعد رئاسة الحزب الحاكم في صربيا. ومن هذا الموقع، وفي مارس من العام التالي، قام ميلوسيفيتش بإلغاء وضعية الاستقلال الذاتي التي تمتع بها إقليما كوسوفا وفيوفودينا، برغم عدم دستورية هذه الخطوة. وقد كان لهذا القرار غير الدستوري آثار درامية. فبينما تم القضاء على الوضعية الخاصة لكوسوفا وفيوفودينا، فإنهما احتفظتا بممثليهما في المجلس الرئاسي، ولكن هذان الممثلان - بعد فرض السيطرة الصربية - كانا قد أصبحا مجرد صنائع لميلوسيفيتش، فضمنت صربيا تأييد الإقليمين، بالإضافة إلى تأييد جمهورية الجبل الأسود المتحالفة معها، وأصبح للمتعصبين من القوميين الصرب سيطرة مضمونة على نصف مقاعد المجلس الرئاسي الثمانية، فقضت هذه التطورات على الأساس السياسي ليوغوسلافيا كجمهورية اتحادية قائمة على تحقيق التوازن بين مكوناتها.
أتقن القوميون الصرب المتعصبون فنون التهييج والتحريض الجماهيري التي استخدموها لتعبئة وحشد تأييد المواطنين الصرب لهم، واستخدموا في هذا السبيل كل أساليب إثارة التعصب القومي الممكنة. لعبت الصحافة الصربية دورا مشهودا في هذا المجال، وذلك بمبالغتها في التركيز على المذابح والمآسي التي تعرض لها الشعب الصربي عبر تاريخه، بما في ذلك ما جرى منها على يد جماعات انتمت إلى قوميات تشارك الصرب الاتحاد اليوغوسلافي. وروجت هذه الصحافة لنظرية تقول بأن الشعب الصربي كان طوال تاريخه ضحية لمؤامرة من جانب الكاثوليكية والإسلام وألمانيا، بل وحتى من جانب مؤسسات الشيوعية الدولية. فالكاثوليكية والإسلام هي ديانات عالمية تناصب صربيا العداء بسبب مذهبها الأرثوذكسي الذي تتوحد فيه الكنيسة مع القومية. والشيوعية هي عقيدة أممية دولية معادية للقومية، ولهذا فإنها تسعى لكسر الروح القومية العالية لدى الصرب. أما ألمانيا فإنها كانت طول الوقت منحازة لكرواتيا وسلوفينيا على حساب صربيا. وهكذا رسمت الصحافة الصربية صورة مغلوطة لمؤامرة عالمية تستهدف صربيا وشعبها، الذي عليه أن يهب لمقاومة المؤامرة والمتآمرين.
لم تكن الكتابة الصحفية المليئة بالوقائع والتفسيرات والنظريات المغلوطة والمبالغات هي أسلوب المتعصبين الصرب الوحيد في تهييج الرأي العام، فقد كانت هناك أساليب أخرى ربما كانت أكثر إثارة للعواطف ومشاعر الخوف والكراهية. ومن ذلك ما حدث عام 1989 الذي صـادف الذكرى الستمائة لمعركة كوسوفا التي هُزم فيها الجيش الصربي أمام الأتراك. قام المتعصبون الصرب بتنظيم احتفالات حاشدة بهذه الذكري، وبلغت الاحتفالات ذروتها في مظاهرة شارك فيها مليون صربي، جرى تنظيمها في كوسوفا التي لا يوجد فيها سوى أقلية صربية صغيرة. وكانت هذه الاحتفالات مناسبة للتحريض ضد الألبان من سكان كوسوفا وضد القوميات اليوغوسلافية الأخرى. كما جرى تنظيم مظاهرات للاحتفال بذكرى الضحايا الصرب الذين سقطوا أثناء الحرب العالمية الثانية على يد جماعة من الكروات كانت متعاونة مع الاحتلال النازي، فتم إخراج جثث الضحايا الصرب من المقابر الجماعية التي كانوا مدفونين فيها، ليعاد دفنهم مرة أخرى في احتفالات مهيبة. بل إن جثث بعض الشخصيات المرموقة من بين الضحايا جرى الطواف والاحتفال بها في أنحاء مختلفة من البلاد قبل إعادة دفنها. كل هذا في أجواء لم تستهدف سوى تعبئة الشعور القومي الصربي ضد القوميات اليوغوسلافية الأخرى.
وبينما أدت هذه التطورات إلى توسيع نطاق موجة التعصب القومي الصربي إلى الحد الذي كان كافيا لحمل سلوبودان ميلوسيفيتش إلى مقعد رئاسة جمهورية صربيا في عام 1990، فإنها عمقت مخاوف أبناء القوميات اليوغوسلافية الأخرى تجاه نوايا الصرب لفرض الهيمنة على كافة أقسام الاتحاد اليوغوسلافي.
وفي الحقيقة، فإن فرض الهيمنة الصربية على أبناء القوميات اليوغوسلافية الأخرى لم يكن هو خيار ميلوسيفيتش الوحيد. فقد كان ميلوسيفتش يسعى فعلا لتحقيق هذا الهدف، ولكن كانت لديه أيضا خطة بديلة إذا فشل في تحقيق هدفه الأول. أما خطته البديلة فقد تلخصت في هدم الاتحاد اليوغوسلافي واستبداله بصربيا الكبرى، ذلك الحلم الذي طالما راود القوميين الصرب منذ القرن التاسع عشر. وطبقا لمشروع صربيا الكبرى فإنه لا حاجة لصربيا أن تتعايش في دولة واحدة مع قوميات أخرى، حتى ولو كانت للقومية الصربية فيها اليد العليا بحكم تفوقها العددي. وإنما بدلا من ذلك لابد من إقامة دولة صربيا الكبرى التي يعيش فيها الصرب وحدهم، ولكن بعد أن يُضم إليها أقسام واسعة تتبع الجمهوريات والأقاليم الأخرى. وقد كان إلغاء وضع الاستقلال الذاتي لكوسوفا وفيوفودينا الواقعتين ضمن جمهورية صربيا مقدمة لتحقيق ذلك الحلم.
كان لهذا الحلم أن يثير المخاوف، وبالتالي المشاعر القومية لدى أبناء القوميات الأخرى، خاصة بسبب وجود أقليات كبيرة من الصرب في أغلب الجمهوريات والأقاليم اليوغوسلافية الأخرى. فقد مثل الصرب - طبقا لإحصاء عام 1981- 13.2% من سكان كوسوفا، 54.1% من سكان فيوفودينا، 11.5% من سكان كرواتيا، 32.20% من سكان البوسنة والهرسك، الأمر الذي أثار قلق أبناء القوميات الأخرى من الأطماع المرتبطة بحلم تحقيق صربيا الكبرى.
كانت سلوفينيا الهدف الأول للتوسعية والتعصب الصربي الذي قاده ميلوسيفيتش. ففي ديسمبر 1989 حاول الزعيم الصربي المتعصب الإطاحة بحكومة سلوفينيا عن طريق دفع حشد من الصرب للتظاهر في شوارع العاصمة ليوبليانا. ولكن بسبب العدد المحدود للصرب في سلوفينيا فإن هذه الخطة لم تنجح، فكان أن قام ميولوسيفتش بفرض المقاطعة الاقتصادية على سلوفينيا في محاولة منه لتركيع الحكومة القائمة فيها.
دارت عجلة التعصب القومي بسرعة. وفي الانتخابات التي جرت في مارس-أبريل 1990، وصل إلى الحكم في كرواتيا متعصب قومي شبيه إلى حد كبير بسلوبودان ميلوسيفيتش هو فرانجو توجمان. فاز توجمان وحزبه في الانتخابات على برنامج يقوم على التعصب القومي. فقد أسس توجمان وحزبه دعايتهما الانتخابية على العداء للصرب، فأخذ ينتقد ما اعتبره سيطرة صربية على كثير من الوظائف المهمة في كرواتيا، وبالفعل فإنه بمجرد فوزه قام توجمان بطرد الكثير من الموظفين الصرب من وظائفهم. كما أدخل تعديلا على دستور كرواتيا أصبح بمقتضاه الصرب مواطنين من الدرجة الثانية. لقد روج توجمان وأنصاره لكراهية الصرب بشكل مخيف ومثير للرعب، ولعل ذلك يتضح عندما نقرأ الكلمة التي ألقاها فلاديمير سيكس، أحد القادة البارزين في حزب توجمان، أثناء الحملة الانتخابية في منطقة يسكنها خليط من الصرب والكروات. قال سيكس إذا فزنا فإنه لن يكون هناك أي صربي، أما إذا فازوا فإنه لن يكون هناك أي كرواتي. كانت مثل هذه الدعاية العدائية المتعصبة هي السلعة الرائجة في يوغوسلافيا في تلك الأيام. وباتت الأحاديث والدعاية المتطرفة الصادرة عن كل طرف سببا في تأجيج المخاوف لدى الأطراف الأخرى. وبات كل واحد يتخذ مما يقوله ويفعله الآخر حجة لتكريس تعصبه. وتخيل كل طرف أن تعصبه هو مجرد دفاع مشروع عن النفس ورد فعل لعداء الآخرين. فضاعت الحقيقة، وكسب المحرضون والجائعون للسلطة، وسقطت أمم متحضرة ذات تاريخ عريق، مثل الأمم التي كونت يوغوسلافيا، في أسر وحش التعصب والكراهية.
مع صعود التعصب القومي على كل الجبهات أصبح مستقبل الاتحاد اليوغوسلافي موضع شك، وظهرت بقوة دعوات للاستقلال عن الاتحاد في كل من سلوفينيا وكرواتيا. ولم يكن سلوك سلوبودان ميلوسيفيتش وحكومته من النوع الذي يمكنه تهدئة مثل هذه النزعات. على العكس، فإنه تصـرف بكل الطرق الممكنة لتأجيجها وصب الزيت على نارها. وكما أشرنا قبل ذلك، فقد قامت صربيا بفرض الحصار الاقتصادي على سلوفينيا، الأمر الذي أفقد الاتحاد معناه. أما في كرواتيا، فقد بدأت الأقلية الصربية في ربيع عام 1990 في التمرد بدعم من الحكومة في صربيا، فقام المتمردون بإقامة حواجز الطرق، ونزع أسلحة رجال البوليس الكروات. وفي 31 مارس 1991 سقطت أول ضحية كرواتية على يد المتمردين الصرب، وفي الثاني من مايو وقعت أول مذبحة، حيث جرى قتل مجموعة من رجال البوليس الكروات على يد المتمردين.
أما على مستوى الحكومة الاتحادية، فلم يتورع ميلوسيفيتش وأنصاره عن التضييق على القوميات الأخرى. فالمخصصات المالية التي حددتها الحكومة الفيدرالية للتحويل لصالح كرواتيا جرى الاستيلاء عليها لصالح صربيا. وفي الخامس عشر من مايو، وعندما حل موعد تخلي الرئيس الصربي للاتحاد اليوغوسلافي عن منصبه وتسليمه لممثل كرواتيا الذي حل دوره لتولي هذا المنصب وفقا لنظام التبادل المعمول به، رفض الصرب تسلم ممثل كرواتيا لمهام المنصب، الذي ظل شاغرا، بحيث أصبح الاتحاد اليوغوسلافي بلا رئيس، الأمر الذي كان إعلانا باستحالة استمرار يوغوسلافيا كدولة موحدة، فقامت سلوفينيا وكرواتيا في الخامس والعشرين من يونيو 1991 بإعلان استقلالهما. وعند هذه اللحظة تدخل الجيش الاتحادي الخاضع للسيطرة الصربية، ليس بغرض منع استقلال كرواتيا وسلوفينيا، ولكن لكي يقتطع منهما الأقسام التي يدعي القوميون الصرب تبعيتها لهم، فكان أن بدأت حرب تفكك يوغوسلافيا.
أما بالنسبة لجمهورية البوسنة والهرسك، فقد فرض عليها وضعها كجمهورية متعددة القوميات أن تتصرف بطريقة مختلفة. فالبوسنة هي نموذج مصغر من يوغوسلافيا الوطن الأكبر، بحيث أن انهيار النموذج متعدد القوميات في يوغوسلافيا كان له أن يؤدي بالضرورة إلى انهيار النموذج المماثل في البوسنة. لذلك حاول سكان البوسنة، خاصة من المسلمين والكروات، منع انهيار الاتحاد اليوغوسلافي. وكان القرار الذي اتخذوه هو البقاء ضمن الاتحاد بشرط بقاء كرواتيا وسلوفينيا داخله، لأنهم تخوفوا من أن يؤدي خروج هاتين الجمهوريتين إلى تمكين صربيا من فرض سيطرتها على الاتحاد والاستفراد بالجمهوريات الأخرى القليلة الباقية، ومن بينها البوسنة.
شهد النصف الأول من عام 1991 جهودا مكثفة من جانب رئيسي البوسنة ومقدونيا علي عزت بيجوفتش وكيرو جليجوروف للتوصل إلى حل ديمقراطي للصراع بين صربيا من ناحية وكرواتيا وسلوفينيا من ناحية أخرى، غير أن فشل هذه الجهود أدى إلى إعلان استقلال البوسنة في مارس 1992، وتبعتها في ذلك جمهورية مقدونيا. وكرد فعل لهذا القرار سيطرت الجماعات المسلحة من صرب البوسنة على الأقاليم التي تدعي تبعيتها للصرب داخل البوسنة. وفي نفس الشهر بدأ الجيش اليوغوسلافي تدخله في البوسنة، فبدأت حرب طويلة مليئة بوقائع الرعب والفزع في إطار حملة التطهير العرقي، والتي شملت جرائم قتل جماعي وحرق ممتلكات واغتصاب نساء. شن الصرب هذه الحرب ضد مسلمي وكروات البوسنة، في إطار سعيهم لإجلائهم عن المناطق الصربية المزعومة لتحويلها إلى مناطق خالصة للصرب. واستمرت هذه الحرب الشرسة وغير الإنسانية لأكثر من ثلاثة أعوام، فلم تنته إلا في 14 ديسمبر عام 1995، بعد أن فرض المجتمع الدولي حصاراً اقتصادياً محكماً على يوغوسلافيا، وبعد أن تدخل حلف الأطلنطي بقواته لوقف الحرب وتسهيل التوصل لاتفاق سلام.
أما في نهاية التسعينيات فقد انتقلت بؤرة الصراع إلى إقليم كوسوفا ذي الأغلبية الألبانية. ومرة أخرى شن الصرب حملة للتطهير العرقي لطرد الألبان من الإقليم، ومرة أخرى أيضا لم تنته الحرب إلا بعد أن تدخل حلف الأطلنطي لإجبار الصرب على وقف الحرب.
كان استمرار يوغوسلافيا مرهونا باستمرار قدرة الجماعات القومية المختلفة على التعايش في سلام وتعاون، غير أن تطورات سلبية حالت دون ذلك. فقد بدأت النزعات القومية في التزايد بين أبناء الأقاليم المختلفة، ولكن هذه النزعات كانت على أشدها في صربيا أكبر جمهوريات الاتحاد اليوغوسلافي، والتي لا يمكن للاتحاد، بدون تفهم وتحمس أبنائها للاتحاد والفلسفة التي قام عليها، أن يستمر.
وهكذا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام نفس ظاهرة التطرف القومي والعرقي التي يطلقها بعض المهووسين مستغلين هذه الظروف أو تلك، فيطلقون حملات التحريض والكراهية والترويع، ويقودون شعوبهم نحو معارك باهظة الثمن. أما بقية الظاهرة، فهي أن حملات المهووسين المتعصبين - في كل مرة تقريبا- تعود عليهم وعلى شعبهم بالخسارة الكبيرة. فالقوميون الصرب الذين شنوا حملة لتأكيد السيطرة الصربية على يوغوسلافيا، انتهوا بتدمير يوغوسلافيا ذاتها، بعد أن انفصل عنها أغلب أعضائها من غير الصرب. ومع أنهم رضوا بصربيا الكبرى بديلا عن يوغوسلافيا الكاملة، إلا أنهم عجزوا عن تحقيق هذا الهدف أيضا بعد أن ضاعت منهم الأقاليم الصربية في كرواتيا والبوسنة، وبعد أن أصبحت كوسوفا، التي طالما اعتبروها قدس الأقداس الصربي، خاضعة للإدارة الدولية بقيادة من اعتبرهم المتطرفون الصرب أعدى أعدائهم من الدول الأعضاء في حلف الأطلنطي.

4 - آثار فادحة لغياب التسامح :
هل مازالت هناك حاجة لمزيد من الأمثلة للبرهنة على فداحة الجناية التي يرتكبها المتعصبون الذين يفتقدون التسامح على أهلهم ووطنهم؟.. ربما… فلننظر إذاً إلى لبنان.
انقسم المجتمع السياسي اللبناني منذ فترة مبكرة بين قسم يرى لبنان جزءا من العالم العربي الأكبر يشاركه الآلام والطموحات، وبين قسم آخر يرى في الهوية اللبنانية شيئا خاصا متميزا ويدعو للانعزال عن العالم العربي. ليس في هذا الخلاف في حد ذاته مشكلة، بل إنه يمكن أن يكون علامة صحية على ازدهار المجتمع الثقافي والسياسي وحيويته. وقد قام لبنان على أساس توازن دقيق بين هذين الاتجاهين، خاصة وأن هذين الاتجاهين قد تطابقا إلى حد كبير مع الانقسامات الطائفية في لبنان، حيث كان الموارنة يميلون للتركيز على هوية لبنان الخاصة وعلى تميزه وعزلته عن العالم العربي، بينما كان اللبنانيون السنة والروم الأرثوذكس يميلون للتركيز على الانتماء العربي للبنان. أي أن النظام اللبناني قام على توازن بين الطوائف والتيارات السياسية المختلفة.
منذ مطلع السبعينيات زاد الوجود الفلسطيني في لبنان، بعد أن جرى طرد منظمات المقاومة الفلسطينية من الأردن. وقامت المقاومة الفلسطينية بتحويل لبنان إلى قاعدة للكفاح المسلح ضد إسرائيل، الأمر الذي وضع لبنان بشكل غير مسبوق في قلب التفاعلات السياسية العربية، بما أقلق أنصار عزلة لبنان عن العالم العربي. وقد زاد من هذا القلق أن الموارنة في لبنان قد تخوفوا من أن تؤدي زيادة وجود ونفوذ الفلسطينيين - وأغلبهم من المسلمين السنة- إلى تغيير التوازن الطائفي في لبنان لغير صالح الموارنة والمسيحيين.
أدت هذه الأوضاع إلى نمو الاتجاهات الانعزالية والطائفية المتشددة بين الموارنة، وتركزت هذه الاتجاهات بين أعضاء حزب الكتائب، الذي بادر بتكوين جماعات مسلحة بغرض موازنة ومقاومة الوجود الفلسطيني، وبدعوى حماية سيادة لبنان ضد سيطرة الغرباء الفلسطينيين. تحولت المخاوف المارونية إلى عنصرية وتعصب، ورأى البعض من هؤلاء المتعصبين الطائفيين أن العمل لطرد الفلسطينيين من لبنان بات ضروريا، فكانت بداية الحرب الأهلية اللبنانية. ففي 13 أبريل عام 1975 تعرض أوتوبيس يقل مجموعة من المدنيين الفلسطينيين لإطلاق النار، أثناء مروره بحي عين الرمانة ذي الأغلبية المارونية، الأمر الذي أسفر عن مقتل 26 فلسطينيا.
سارعت الأحزاب اللبنانية ذات الاتجاهات العروبية للتضامن مع المقاومة الفلسطينية، فيما سُمي التحالف الوطني - الفلسطيني، ودارت بين الفريقين معارك تصاعدت خطورتها تدريجيا، وكاد الجانب الوطنى - الفلسطيني يحقق النصر على الكتائب وحلفائها. لولا تدخل الجيش السوري في صيف عام 1976 لحماية الموارنة.
لم يؤد التدخل السوري لإنهاء الحرب الأهلية، على العكس، فإن سوريا حرصت على الإبقاء على حالة من التوازن تمنع انتصار أي طرف على الآخر، وأخذت تبدل حلفاءها في لبنان تبعا لمصالحها وتبعا للظروف المتغيرة ولمقتضيات الحفاظ على التوازن بين الجماعات المختلفة. وفي أجواء الحرب الأهلية المستعرة شعرت كل طائفة لبنانية بالخطر وبحاجتها لامتلاك تنظيم مسلح يحميها، فظهرت جماعات طائفية مسلحة لم تكن موجودة قبل الحرب، فسادت البلاد فوضى عارمة. بل إن الجيش اللبناني نفسه تعرض للتفكك. فانشقت بعض ألوية الجيش، واختارت لنفسها هذا الجانب من الصراع أو ذاك، تبعا لطبيعة الانتماءات الطائفية الغالبة على كل لواء. فبينما انحاز اللواء الثاني للكتائب والمارونيين، انحاز اللواء السادس للشيعة، بينما انحازت قوات الجيش المعسكرة في بلدة حمانا الدرزية للدروز، وهكذا.
أكثر من هذا، فإن قسما من الجيش اللبناني بقيادة اللواء سعد حداد قرر الانحياز لإسرائيل باعتبارها الخصم الأكبر للفلسطينيين، فقام بتأسيس جيش لبنان الجنوبي. وقد وجد هذا القسم من الجيش اللبناني في الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978، ثم في الاجتياح الإسرائيلي للبنان وصولا للعاصمة بيروت عام 1982 فرصة مواتية. وعندما أسست إسرائيل منطقة أمنية في جنوب لبنان بعد انسحابها من المناطق الأخرى في البلاد، تولى جيش لبنان الجنوبي السيطرة في الجنوب بدعم وحماية من إسرائيل.
استمرت الحرب الأهلية اللبنانية طوال خمسة عشر عاما، ارتكبت خلالها الكثير من المذابح، لعل أشهرها مذابح تل الزعتر وصبرا وشاتيلا والكرنتينا والمسلخ، حيث راح الكثيرون ضحية للتعصب والكراهية والطائفية المقيتة. وجرى اغتيال زعماء لبنانيين من كافة الاتجاهات والطوائف ضحية لأعمال الانتقام ومحاولات فرض السيطرة. ففقد لبنان زعماء من أمثال كمال جنبلاط وطوني فرنجية وداني شمعون وبشير الجميل ورينيه معوض.
لم تنته الحرب الأهلية اللبنانية إلا في شهر أكتوبر من عام 1990، بعدما اطمأنت سوريا إلى أنها قد فرضت سيطرتها على جميع الفئات، فاستخدمت ترسانتها العسكرية القوية لإنهاء المقاومة التي قادها قائد الجيش ميشيل عون، الذي كان يقود المعركة الأخيرة للموارنة اللبنانيين. وبهزيمته، انتهت مرحلة الحرب الأهلية في التاريخ اللبناني، ولكن بعد أن خلفت وراءها مرارات لم يشف منها لبنان حتى الآن: 133 ألف قتيل، و 207 آلالف جريح، و 17 ألف مفقود، 14 ألف مخطوف، 13 ألف معاق، ومليون مهاجر إلى خارج البلاد، و70 ألفا من الأسر النازحة عن بيوتها. كل هذا من اللبنانيين وحدهم، أي بخلاف الفلسطينيين الذين دفعوا ثمنا باهظا هم أيضا.
والغريب أن نتائج الحرب الأهلية اللبنانية كانت بالضبط عكس ما سعي إليه المتعصبون الطائفيون من الموارنة وحلفائهم. فبينما سعى هؤلاء للتخلص من الغرباء الفلسطينيين، فإنهم استقدموا بدلا منهم غرباء آخرين إسرائيليين وسوريين. وبينما سعى المتعصبون الموارنة إلى حماية الوضع المتميز الذي تمتع به الموارنة، فإنهم انتهوا إلى وضع أصبح فيه الشيعة اللبنانيين القوة الرئيسية في البلاد، وتراجعت مكانة الموارنة إلى مستوى غير مسبوق. فهل من دليل أكثر من ذلك على ما يمكن للتعصب أن يجنيه على أصحابه وعلى الأوطان التي ينتمون إليها؟

5 - عنصريــة اللـــون :
تعتبر الكراهية المرتبطة باختلاف لون البشرة وملامح الوجه من أقدم أسباب الصراع وأكثرها سخفا وتهافتا. ومن أمثلة ذلك ما جرى لإخوتنا من البشر ذوي البشرة السوداء. فمنذ القدم تكونت لدى شعوب مختلفة مشاعر احتقار للسود باعتبارهم ينتمون لجنس أدنى وأقل أهلية وذكاء. وظهرت نظريات تعتبر البشرة السوداء نوع من العقاب الإلهي لهؤلاء من البشر الذين عصوا أمر الله، وأنه من المقبول بالتالي أن يتم التمييز ضد السود أو حتى استعبادهم، لأنهم في مرتبة أدنى من ذوي البشرة الفاتحة، وكنوع من تنفيذ العقاب الإلهي الموقع عليهم. وقد سادت هذه المشاعر لفترة طويلة من التاريخ بسبب نقص المعرفة عن المعنى العلمي لسواد البشرة، وبسبب الجهل بغياب أي فروق تشريحية أو وراثية ذات مغزى بين السود وغيرهم.
ففي جنوب أفريقيا، ومنذ مطلع القرن السابع عشر، ارتبط غزو الشعوب البيضاء من هولندا وانجلترا وألمانيا بممارسة الاستعباد والتمييز ضد السكان الأصليين من السود الأفارقة. وبالرغم من أن العبودية في جنوب أفريقيا قد ألغيت منذ عام 1811، بسبب تبعية جنوب أفريقيا للإمبراطورية البريطانية التي أصدرت حكومتها في ذلك العام قانونا يلغي العبودية، إلا أن الممارسات التمييزية ضد السود لم تتوقف، حيث تم إقصاؤهم عن المشاركة في الحكم، وحيث استأثر البيض بثروات البلاد.
وقد تحولت سياسة التمييز ضد السود إلى سياسة رسمية للحكومة في جنوب أفريقيا منذ عام 1948. ففي ذلك العام وصل الحزب الوطني ذو الميول العنصرية للحكم، فقام بتطبيق فلسفته التي قالت بأن الطريقة الوحيدة للتعايش بين الجماعات المنتمية إلى أصول عرقية مختلفة هو الفصل بينها. فتم تقسيم سكان البلاد إلى أربع جماعات عرقية هي السود -الذين يمثلون 75% من سكان البلاد- والبيض والآسيويون والمخلطون الناتجون عن الزيجات المختلطة، وصدرت القوانين التي تحرم اختلاط الأعراق المختلفة في الأحياء السكنية والمدارس وأماكن العمل ووسائل المواصلات والمرافق العامة، ومُنع السود من الدخول إلى الأحياء والمقاطعات المخصصة للبيض، وفُرض على السود العيش في الأقاليم الفقيرة، كما حُرموا من الاستفادة من الموارد الاقتصادية الغنية في البلاد، وتم إقصاؤهم نهائيا عن المشاركة في الحكومة التي احتكرها البيض.
وفي كل الأحوال، فإن الانشغال بتوزيع الناس بين جماعات عرقية ودينية وثقافية ولغوية، وخاصة الاستناد إلى ذلك التقسيم في التمييز بين الأفراد، فيما يتعلق بالحقوق التي لهم أن يتمتعوا بها والواجبات التي عليهم القيام بها، ينطوي على درجة كبيرة من العشوائية والتحكمية. بل إن النظم والمجتمعات التي تأخذ بمثل هذا الأسلوب، وخاصة عندما تبالغ فيه، فإنها تجد نفسها بعد حين مضطرة لارتكاب تصرفات حمقاء تبعث على الاستغراب والضحك في آن معا. وقد كان ذلك واضحا بشكل خاص في جمهورية جنوب أفريقيا في حقبة التمييز العنصري. فقد كان لون البشرة هو المعيار الأساسي للتمييز بين الأفراد، ولم يكن نادرا في ظل هذا النظام أن نجد أخين وقد صنف كل منهما ضمن جماعة عرقية مختلفة بحكم اختلاف لون بشرتهما. ولأن النظام العنصري في جنوب أفريقيا كان يمنع اختلاط الأفراد المنحدرين من أصول عرقية مختلفة من الاختلاط، فإنه كان من الصعب على مثل هذين الأخوين أن يظهرا سويا في الأماكن العامة وإلا تعرضا للملاحقة القانونية.
ومن المفارقات الغريبة المضحكة الأخرى التي وجد النظام العنصري في جنوب أفريقيا نفسه مضطرا لها، الطريقة التي تعامل بها مع رجال الأعمال والسياح اليابانيين. فمنذ الستينيات عادت اليابان للظهور كقوة اقتصادية مؤثرة، وظهر رجال الأعمال والسياح اليابانيون في عواصم ومطارات العالم، وبسبب الأهمية الاقتصادية المتزايدة لليابان، كان من الصعب على أي دولة أن تتجاهلهم أو ترفضهم. وفي جنوب أفريقيا، فإن الملامح الآسيوية لليابانيين لم تكن تؤهلهم سوى لمعاملة تخلو من الاحترام مثلهم في ذلك مثل الآسيوين من أهل البلاد، ولم يكن هذا الوضع ليشجع اليابانيين على السفر إلى جنوب أفريقيا للاستثمار والتجارة. وفي محاولة من الحكومة العنصرية هناك للالتفاف حول هذا الوضع، فإنها اضطرت لتصنيف اليابانيين باعتبارهم من الأوروبيين، حتى يمكنهم التمتع بالحقوق المميزة للأوروبيين من أهل جنوب أفريقيا.
وبالطبع فإن الأغلبية السوداء في جنوب أفريقيا لم تستسلم لهذا الوضع المهين، وقاومت منذ اللحظة الأولى النظام العنصري الحاكم، وساندها في ذلك رأي عام دولي قوي معادٍ للعنصرية. وقد أجبرت هذه المقاومة الحكومة العنصرية على إدخال بعض الإصلاحات الشكلية منذ السبعينيات، إلا أن أسس النظام العنصري قد استمرت حتى تم إسقاطها نهائيا في عام 1991. وفي عام 1994 تم انتخاب نيلسون مانديلا، زعيم المؤتمر الوطني الأفريقي أكبر أحزاب جنوب أفريقيا المعادية للعنصرية، كأول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، بعد فوز حزبه بالأغلبية في أول انتخابات يُتاح فيها للسود حق التصويت، وذلك بعد أن قضى مانديلا في السجن -بسبب معارضته للتفرقة العنصرية- 28 عاما تحول خلالها إلى رمز للكفاح ضد العنصرية.
6 - انتزاع المساواة يحقق التسامح :
لقد أخذت حركة استعباد السود دفعة قوية منذ بداية القرن السادس عشر بسبب اكتشاف العالم الجديد في الأمريكتين، والحاجة الشديدة للأيدي العاملة لزرع المساحات الشاسعة من الأراضي الموجودة هناك. ففي ذلك الوقت بدأت حركة نشطة لجلب العبيد من أفريقيا إلى المستعمرات الأسبانية والبرتغالية في أمريكا الوسطى والجنوبية. أما في أمريكا الشمالية فلم تنشط عملية جلب العبيد من أفريقيا إلا في سبعينيات القرن السابع عشر، بعد اكتشاف زراعة الدخان التي تحقق ثروات ضخمة، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى أيدي عاملة وفيرة، وبعد أن أصبحت عملية استعباد السكان الأصليين عاجزة عن سد احتياجات مزارع الدخان والقطن المتنامية. فقد كان شراء العبيد الأفارقة أوفر بكثير من دفع الأجور للعمال من الأوروبيين المهاجرين. فبينما كانت تكلفة شراء العبد عند منتصف القرن السابع عشر حوالي 27 دولارا، فإن الأجر اليومي للعامل الأبيض كان حوالي 70 سنتا، أي أن ثمن شراء العبد لم يكن ليزيد عن الأجر الذي يتلقاه العامل الأبيض في أربعين يوما.
طوال القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت العبودية مصدرا أساسيا لتوفير قوة العمل اللازمة في شمال أمريكا. ولكن مع بداية القرن التاسع عشر بدأت حركة تحرير العبيد في تحقيق انتصارات. ففي عام 1811 صدر في بريطانيا قانون يمنع العبودية ويحرر العبيد. وقد تم تطبيق هذا القانون في المستعمرات البريطانية، بما في ذلك كندا في أمريكا الشمالية، أما في الولايات المتحدة التي كانت قد استقلت عن بريطانيا قبل ذلك بأقل من أربعين عاما، فإن العبودية استمرت. وبينما أصدرت بعض ولايات الشمال الأمريكي قوانين لإلغاء العبودية بعد صدور القوانين البريطانية بقليل، فإن ولايات الجنوب الأمريكي، التي كانت شديدة الاعتماد على الأيدي العاملة للرقيق في مزارع الدخان والقطن الشاسعة، قاومت ذلك الاتجاه، ولم يتم إلغاء العبودية فيها إلا بعد هزيمتها في الحرب الأهلية التي جرت بين ولايات الشمال والجنوب في الفترة 1861-1865.
في الأول من يناير عام 1863، في خضم الحرب الأهلية المستعرة، أصدر الرئيس الأمريكي إبراهام لينكولن إعلان تحرير العبيد. غير أن الإلغاء الرسمي للعبودية لم ينه التمييز ضد السود الأمريكيين، خاصة في ولايات الجنوب الأمريكي التي كانت في الجانب المعادي لتحرير العبيد أثناء الحرب الأهلية الأمريكية. ففي بعض الولايات، مثل نيوأورليانز ولويزيانا والآباما وكارولينا الجنوبية ومسيسيبي، ظل السود حتى بعد تحررهم من العبودية ضحية للتمييز. فلم يكن مسموحا لهم بالاختلاط بالبيض في المطاعم والمدارس، وكانوا مُلزمين بالجلوس في المقاعد الخلفية في المواصلات العامة، كما كان من شبه المستحيل بالنسبة لهم أن يحصلوا على وظائف في الإدارات التابعة لحكومات تلك الولايات.
بل وصلت العنصرية ببعض البيض إلى حد ارتكاب أعمال عنف وفظائع، ففي ولاية نيوأورليانز في عام 1866 قام المتعصبون البيض بأعمال شغب ضد الأحياء التي يقطنها مواطنون سود فأسفرت عن مقتل 35 من السود وجرح أكثر من مائة منهم. أما في عام 1908 فقد قام المتعصبون البيض في مدينة سبرنجفيلد -مسقط رأس إبراهام لينكولن صاحب إعلان تحرير العبيد- بالاعتداء على الأحياء التي يسكنها السود في المدينة، وقاموا بإعدام إثنين من العجائز السود. أما في عام 1917، فقد نشبت في مدينة سانت لويس اضطرابات بين العمال البيض والسود العاملين في الصناعات العسكرية، أسفرت عن مقتل أربعين من السود وثمانية من البيض. وفي عام 1919 في شيكاغو، وقعت صدامات عرقية بين البيض والسود استمرت لمدة ثلاثة عشر يوما، وأسفرت عن مقتل 23 من السود، و15 من البيض، بالإضافة إلى طرد أكثر من ألف أسرة سوداء من منازلهم وتركهم بلا مأوى في العراء.
لقد بلغت العنصرية ضد السود ذروتها في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، حيث ظهرت جماعات عدة من البيض المؤمنين بتفوق الجنس الأبيض، وكانت جماعة كوكلوكس كلان هي أكبر هذه الجماعات، حيث بلغت عضويتها في العشرينيات من القرن العشرين أربعة ملايين عضـو، وكانت هذه الجماعة أكثر الجماعات المعادية للسود عنفا وتعصبا، وثبت تورط أعضائها في أغلب حوادث العنف العنصري التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية في تلك الفترة.
ولم يكن البيض وهم يمارسون كل هذا الاضطهاد ضد السود يستطيعون أن يقولوا للسود ما الذي عليهم بالضبط أن يفعلوه لكي يتخلصوا من هذه المحنة. وفي الحقيقة فإنه لم يكن مطلوبا من السود أن يفعلوا أي شئ للخروج من هذه الوضعية الدونية. فكل ما كان مطلوبا منهم هو قبول وضعهم المتدني، وعدم معارضته أو رفع الصوت بالشكوى.
غير أن السود لم يستسلموا لهذا الوضع، وكان عليهم أن يختاروا بين واحد من طريقين، الأول هو مواجهة العنف بالعنف، والكراهية بالكراهية، والتعصب بالتعصب. أما الطريق الثاني فكان يقوم على اتباع أساليب الكفاح السلمي، والعمل على إقناع المجتمع كله -بما فيه البيض- بعدالة قضيتهم، والعمل على نشر المساواة والتآخي بدلا من الكراهية والتعصب والعنف المتبادل.
لقد اسودت الدنيا في وجه العديد من الأفارقة الأمريكيين، وكان التعصب والتمييز الذي يصادفونه أكبر من طاقتهم على الاحتمال، فتغلبت عليهم مشاعر الرغبة في الانتقام، فكونوا جماعات بادلت العنف الأبيض بعنف أسود، والكراهية البيضاء بكراهية سوداء، والتعصب للبيض بتعصب للسود، فظهرت جماعات مثل الفهود السود والقوة السوداء، وهي الجماعات التي اتبعت نفس الأساليب العنصرية التي اتبعتها جماعة كوكلوكس كلان، ولكن هذه المرة ضد البيض.
غير أن القسم الأكبر من الأفارقة الأمريكيين اختاروا الطريق الآخر، فانخرطوا في حركة الحقوق المدنية التي قادها الدكتور مارتن لوثر كينج منذ منتصف الخمسينيات. لم يكن سبيل الكفاح السلمي الذي اختارته حركة الحقوق المدنية أقل تكلفة أو أقل مشقة من الأساليب العنيفة التي اختارتها الجماعات المتطرفة. فقد عانى مارتن لوثر كينج وأنصاره من التصدي العنيف من جانب قوات الشرطة لمسيراتهم واعتصاماتهم السلمية، ومن الأوامر المتكررة بالحبس بتهم تكدير وتهديد الأمن العام، بل والتعرض لعنف الجماعات العنصرية البيضاء. ففي عام 1955 قامت هذه الجماعات بنسف منزل مارتن لوثر كينج بسبب قيادته لأعمال الاحتجاج التي استهدفت إنهاء الفصل العنصري في وسائل المواصلات العامة في مدينة مونتجمري بولاية الآباما. ولكن صلابة الدكتور كينج أسفرت -بعد كفاح استمر أكثر من عام- عن المساواة بين البيض والسود في استخدام المواصلات العامة، وهو الانتصار الذي كان بمثابة ميلاد جديد لحركة الحقوق المدنية، فاكتسبت الحركة أنصارا جدد في كل ولايات ومدن الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد نجح الكفاح السلمي لحركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينج في كسب تأييد ليس السود فقط، وإنما أيضا القسم الأكبر من البيض الأمريكيين أنفسهم. وتمثلت ذروة استعراض الحركة لقوتها وسعة التأييد الذي تتمتع به في 28 أغسطس عام 1963 عندما نجحت في تنظيم تجمع حاشد في العاصمة الأمريكية واشنطن، بلغ عدد المشاركين فيه 200 ألف من كافة الفئات العرقية وليس السود فقط.
أمام هذا الجمع الحاشد ألقى مارتن لوثر كينح خطابا رائعا أصبح بعد ذلك جزءا أساسياً من الفكر والتاريخ السياسي لأمريكا، وهو الخطاب المعروف باسم أحلم، الذي نقتطف منه فيما يلي بعض الفقرات.
لدي حلما عميق الجذور نابتا في تربة الحلم الأمريكي ذاته.
أحلم بيوم تسمو فيه هذه الأمة إلى آفاق تحقيق جوهر ما تؤمن به من أن الله قد خلق الناس جميعا متساوين.
أحلم بيوم تصبح فيه حتى ولاية مسيسيبي التي تئن تحت القمع، واحة للحرية والعدالة.
أحلم بيوم يعيش فيه أطفالي الأربعة في أمة لا يُقيَم الناس فيها على أساس لونهم وإنما على أساس ذواتهم.
لدي اليوم حلما
أحلم بأنه يوما ما في ولاية الآباما، بكل ما فيها من عنصريين آثمين، وبحاكمها الذي تقطر من فمه معاني البغضاء والإنكار، سيشِبك أطفالنا السود الصغار، أولادا وبنات، أيديهم مع أقرانهم الصغار من البيض كأخوة وأخوات حقيقيين.
لدي اليوم حلما
أحلم بيوم تغمر فيه المياه كل واد، وتعلو فيه هامة كل هضبة، ويصبح كل جبل أقل علوا، وتُمهد كل الطرق المُحطَمة، فتنكشف عظمة الله للناس جميعا.
هذا هو حلمنا، وهذه هي الرؤية التي سأحملها معي إلى الجنوب، والتي بها سوف نكون قادرين على انتزاع صخور الأمل من جبل اليأس.
إنها الرؤية التي ستتيح لنا تحويل الشقاق الرهيب الذي يلف أمتنا إلى معزوفة إخاء جميلة.
وهي الرؤية التي سنكون بها قادرين على العمل معا، والصلاة معا، والكفاح معا، والذهاب إلى السجن معا، والصعود إلى الحرية معا، موقنين من أننا سنصبح أحرارا في يوما ما.
إنه اليوم الذي سيغني فيه الناس جميعا أغنية جديدة:
يا وطني يا أرض الحرية الحلوة
بك أتغنى
يا أرضاً مات عليها أجدادي
يا مفخرة الأتقياء
من جنبات كل جبل
دع أجراس الحرية تدق

لقد نجحت حركة الحقوق المدنية في تحويل قضية المساواة بين الجماعات العرقية المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى قضية إجماع وطني، الأمر الذي تم ترجمته في قانون الحقوق المدنية الذي أصدره الكونجرس الأمريكي في عام 1964، والذي تم بمقتضاه اعتبار المساواة بين كل الأمريكيين سياسة فيدرالية ليس من حق أي ولاية أن تخالفها، على عكس الممارسة التي كانت شائعة قبل ذلك، والتي كان بمقتضاها من حق الولايات المختلفة أن تنظم العلاقات بين الجماعات العرقية التي تعيش فيها بالطريقة التي تراها. وهكذا تكون حركة الحقوق المدنية قد برهنت على أن النضال السلمي لا العنف، المؤاخاة لا الكراهية، والتسامح لا التعصب، هي السبيل الأمثل لتحقيق المساواة والحرية والعدالة.
وفي الرابع من أبريل عام 1968 قام متعصب عنصـري من البيض باغتيال مارتن لوثر كينج في مدينة ممفيس بولاية تينيسي. ومع أن الرجل الذي لعب الدور الرئيسي في القضاء على التمييز العنصري في الولايات المتحدة لم يعش طويلا ليشهد ثمار جهده، فإن ملايين الملونين من السود وغيرهم في أمريكا قد قطفوا ثمار كفاحه. وقد اعترفت أمريكا كلها بفضل الدكتور كينج في تخليصها من العبء البغيض للعنصرية عندما اتخذ الكونجرس قرارا باعتبار يوم الاثنين الثالث من شـهر يناير من كل عام عيدا وعطلة قومية باسم يوم مارتن لوثر كينج، لتتذكر فيه الأمة الأمريكية أن عليها أن تتمسك بالتسامح وبما وصلت إليه من مساواة وعدالة بعد أن قطعت شوطا كبيرا على طريق التخلص من عنصرية اللون .























البوسنة والسودان وكوسوفا والعراق والكونجو ورواندا وبوروندي والشيشان ولبنان. عندما يسمع أي منا واحد من هذه الأسماء فإن الصورة الأولى التي تأتي إلى ذهنه هي صورة مجتمع مدمَر يعيش أهله في حالة حرب مستمرة بين بعضهم البعض. في هذه المجتمعات تحول التنوع إلى نقمة وسبب لحالة مستمرة من حرب الجميع ضد الجميع، أو حرب الجميع ضد الوطن الذي يموت أبناؤه وتهدر موارده وتسقط هيبته فيصبح أمثولة بين الأمم.
ولأن مثل هذه الصراعات تستند إلى تاريخ طويل من انعدام الثقة والكراهية، فإنك ستجد كل طرف فيها وقد اقتطع من التاريخ وقائع وأسباب تبرر له ارتكاب أفظع الجرائم ضد الطرف الآخر. وستجد كل طرف من الأطراف المتورطة في هذه الصراعات وقد عاد بذاكرته إلى نقطة معينة في الزمن، فيعتبرها بداية التاريخ والصراع، لأنها النقطة التي وقع عليه عندها ما يراه ظلما لا يمكن السكوت عنه.
ومن طبيعتنا كبشر أن نحب ونكره، نصادق ونعادي. ولكننا عندما نفعل ذلك في حياتنا اليومية كأفراد، فإننا عادة ما تكون لدينا أسبابنا لذلك. فأنا قد أحب فلانا لأنه قدم لي معروفا جليلا أو لأنه خفيف الظل. كما أنني قد أكره علانا لأنه يثير المشكلات في وجهي. وبين الحب والكراهية توجد درجات عدة من المزج بينهما. فقد أحب هذا الشخص ولكن فقط كزميل مريح في العمل أو الدراسة، ولكني لا أحب أن أتخذه صديقا نقضي معا وقت الفراغ أيضا. وقد أحب هذا الشخص إلى حد معين، ولكنه يشعرني بالغيظ أو الملل إذا قضينا معاً وقتا أطول مما ينبغي. وقد أحب أن أقضي وقت التسلية والمرح مع فلان بسبب روح المرح التي يتحلى بها، ولكني لا أستطيع أن أتخذه صديقا أحكي له أسراري ومتاعبي لأنه ثرثار لا يحفظ سرا،…وهكذا.
غير أن الأمر يختلف عن ذلك في العلاقة بين الجماعات العرقية والثقافية. فإذا كنت في أمريكا مثلا، فإنه ليس من المستغرب أن تسمع زميلا أسود في العمل أو الجامعة يقول لك أنه يمقت البيض. وهو هنا لا يقصد أن يقول أنه بعد أن قابل كل الأفراد البيض في العالم، تبين له أنهم أشخاص ماكرين أشرار، ولكنه يقصد أنه هكذا يكره كل الجنس الأبيض، بما فيه خفيفي وثقيلي الظل، والمخلصين الأوفياء والآخرين الخبثاء.
وفي العادة فإنه لا يوجد تبرير لمشاعر الكراهية في مثل هذه الحالة، وعادة ما تظل المشاعر من هذا النوع قائمة ومتقدة، وغير قابلة للاهتزاز والشك، إلا بعد أن تتعرض لمشاعر وخبرات أقوى منها، والتي عادة ما تكون مشاعر وخبرات مغموسة في الدم والخراب. عند هذا يستفيق أصحاب الضمائر ليتبينوا مدى الضلال الذي أوقعوا أنفسهم فيه. والمشكلة هي أن مشاعر الكراهية والتعصب من هذا النوع تكون في أحيان كثيرة أقوى كثيرا من خبرات الدم والدمار، فتستمر لتغذي دورات جديدة من العنف والقتل. وفي هذه الحالة فإننا نكون إزاء أناس فقدوا القدرة على التسامح، وبالتالى على قبول الاختلاف والقدرة على التعايش مع الآخر المختلف عنهم، الذي باتوا يتصورونه ويصورونه بشكل مقيت كأنه الشيطان ذاته.

1 - صراعات لا جدوى منها :
والعالم مليئ بأشكال الاختلاف بين البشر أفرادا وجماعات، غير أن الاختلاف الذي نركز عليه في هذا الفصل هو الاختلاف في الصفات الموروثة، أي تلك التي يولد المرء بها، أو التى يتعلمها في مراحل حياته المبكرة، فلا تكون له القدرة على تغييرها إلا بشكل هامشي لا يكاد يذكر. فالفرد منا لا يستطيع أن يغير اللون الذي ولد عليه، ولا يستطيع تغيير ملامح وجهه وجسده. ومع أن البعض يمكنه أن يجري عملية جراحية لتصغير أنفه أو فكه، فإن هذه التغييرات تظل هامشية من ناحية، كما أن البشر عادة لا يلجئون إليها إلا بشكل استثنائي وبأعداد قليلة من ناحية أخرى .
وبالرغم من أننا نحرص على تعلم اللغات الأجنبية، بل إن مستوى معرفة بعضنا بلغة أجنبية قد يكون عاليا جدا، حتى يحسبه السامع من أهلها، فإن الأغلبية من البشر لا يستطيعون ذلك. فأغلب دارسي اللغات الأجنبية لا يعرفون منها سوى ما يكفيهم في أعمالهم وتعاملاتهم إذا كان تحصيل الرزق يحتاج ذلك. وفي كل الأحوال تظل للغة الفرد الأصلية مكانتها العالية، فالفرد منا يفكر باللغة التي نطق بها أول الكلمات عندما كان طفلا، وهي اللغة التي يكون بها أقدر على التعبير عن مشاعره ودخائل نفسه، لهذا فإن اللغة الأصلية لأي جماعة تستحق بحق الاسم الذي أطلقه عليها العلماء والدارسين، أي اللغة الأم، فهل هناك أكثر من الأم عطفا وحنانا على أبنائها؟
الأمر نفسه ينطبق على العقيدة الدينية. فالناس عادة لا يختارون دينهم، ولكنهم يرثونه من آبائهم، ويتعلمونه مع كلماتهم الأولى، وفي كل لحظة يشاهدون فيها آباءهم يمارسون شعائره في المنزل، وفي كل مرة يصطحبونهم فيها إلى دور العبادة. فقلة قليلة جدا من الناس هم الذين يعتبرون أنفسهم يهودا أو مسيحيين أو مسلمين أو هندوس أو بوذيين لأنهم، بعد أن درسوا كل هذه الديانات ومعها ديانات أخرى كثيرة في الهند والصين واليابان وأفريقيا، اهتدوا إلى أن دينهم هو الصواب. وفي أغلب المجتمعات يكون تغيير المرء للدين الذي وجد عليه آباءه أمرا في غاية الصعوبة، على الأقل لما يسببه ذلك له من قطيعة وعزلة عن أهله وعشيرته، الأمر الذي لا يستطيع أغلب الأفراد تحمله.
ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للانتماء القبلي. فالقبيلة بالنسبة لأبنائها هي الأهل، ومن منا يستطيع أن يغير أهله، فيجد لنفسه أعماما غير أخوة أبيه، وخالات غير أخوات أمه. ربما يمكن للمرء أن يسمح لصلاته بأهله بالتآكل والضعف، ولكنه لا يستطيع في كل الأحوال أن يهجر قبيلته لينضم إلى قبيلة أخرى.
فإذا كانت كل هذه الانتماءات هي من نوع الانتماءات الموروثة، والتي ليس للإنسان مسئولية عن اختيارها، فهل يجوز مكافأة الفرد أو عقابه على شئ لا يمكن اعتباره مسئولا عنه؟ بالطبع لا، أو هكذا يقول المنطق السليم. ومع هذا فإن تاريخ البشرية وحاضرها غنيان بمحاولات مكافأة الناس ومعاقبتهم على انتماءات ورثوها ولم يختاروها.
والصراعات بين الجماعات العرقية والثقافية هي في جوهرها محاولة من جانب إحدى الجماعات لمعاقبة جماعة أخرى على انتماءاتها الموروثة. ففي بعض البلاد التي توجد بها جماعات تتحدث لغات مختلفة، مثل تركيا التي يوجد فيها 15 مليونا من الأكراد المتحدثين باللغة الكردية، أو الجزائر التي يوجد فيها حوالي أربعة ملايين من البربر المتحدثين باللغة الأمازيغية، فإن محاولات إجبار هذه الأقليات على التحدث بلغة الأغلبية -اللغة التركية في حالة تركيا والعربية في حالة الجزائر- لا تؤدي إلا إلى إثارة الفرقة والصراع. فمن منا يحب لإبنه أن يكبر وقد عجز عن فهم لغة أبيه وأمه والتحدث بها. ومن منا يحب أن يجد الأغنيات التي طرب لها ممنوعة من البث الإذاعي والتليفزيوني لأنها منطوقة بغير لغة الأغلبية السائدة؟
ولأن إجبار الناس على التحدث بلغة الأغلبية هو أمر غير ممكن، خاصة إذا كانوا لا يعرفونها، فإن محاولات تغيير اللغة الأصلية للسكان تأخذ شكل محاصرة هذه اللغة الأصلية، وتضييق نطاق استخدامها بحيث لا تصبح مستخدمة سوى في البيت أو بين جماعات القرابة والأصدقاء. فعندما يكون التعامل مع الجهات الرسمية مقصورا على لغة الأغلبية، فإن المواطن من أبناء الأقلية اللغوية يجد صعوبة كبيرة في فهم القوانين والتعليمات، كما يجد صعوبة في قضاء مصالحه ومعاملاته مع الجهات الحكومية، بل إنه لا يستطيع أن يحصل لنفسه على وظيفة في هذه الجهات، أو في أي جهة تتعامل معها، بسبب عجزه عن التعامل باللغة السائدة ، فتسود البطالة بين أبناء الأقلية، ويتدهور وضعهم المعيشي، ويصبح التمييز اللغوي سببا في تمييز اقتصادي، فيسود الفقر بين أبناء الأقلية، وتزيد معه عوامل الاضطراب وعدم الاستقرار.
أما في المدرسة ووسائل الإعلام ودواوين الحكومة فإنه عندما يصبح استخدام اللغة الأم ممنوعا، فإن الأجيال الجديدة تنسى تدريجيا لغة أهلها، الأمر الذي يثير غضب وحنق كل أب وأم يجدا أبناءهما وقد عجزوا عن التفاهم معهما، وينشأ لديهما إحساس بأنهم وأبناءهم ضحايا للتمييز والاضطهاد، ويهبون للدفاع عن لغتهم وهويتهم، فيثور الاضطراب والقلاقل وعدم الاستقرار، ويدفع المجتمع والوطن كله بأغلبيته وأقليته ثمن سياسة التمييز والاضطهاد.
وما ينطبق على اختلاف اللغة ينطبق على اختلاف الدين إلى حد كبير. فبالرغم من أننا قد اعتبرنا اللغة والدين من الخصائص التي يرثها الإنسان، إلا أننا لا يجب أن نغفل أنها ليست صفة طبيعية -بيولوجية أو تشريحية- مثل لون البشرة أو ملامح الوجه، تمثل جزءا لا يتجزأ من جسد الإنسان، ولكنها صفة ثقافية تتسرب إلى عقل الفرد وروحه وتستقر فيهما في مراحل العمر المبكرة، فتصبح جزءاً لا يتجزأ من موروثه الثقافي، وهي مجموعة من العلاقات والتقاليد والممارسات والطقوس الاجتماعية، تحيط بالفرد منذ نعومة أظافره، فلا يتصور نفسه خارجها، فتصبح جزءا لا يتجزأ من موروثه الاجتماعي.
هذا الفارق بين الموروث الطبيعي من ناحية، والموروث الثقافي والاجتماعي من ناحية أخرى، يجعل البعض يظنون أن لغة الإنسان ودينه هما من الأمور التي يمكنه تغييرهما بإرادته، فكما تعلم لغة آبائه وهو صغير يمكنه أن يتعلم لغة الأغلبية وهو كبير، وكما تبنى دين آبائه وهو صغير يمكنه أن يتبنى دين الأغلبية وهو كبير. وطبقا لهذا الرأي، فإنه مادام الفرد يتعلم لغته ودينه وليس مولودا بهما، فإنه في الحقيقة مسئول عنهما، وأنه لا غضاضة بالتالي في التمييز بين الناس على أسـاس الدين واللغة نظراً لأن الفرد يمكنه أن يتخلص من هذا التمييز إذا اتخذ قراره بالتحول إلى لغة الأغلبية أو دينها.
إلا أن ما لا يدركه هؤلاء المتحمسون هو أن الأشياء التي يتعلمها الإنسان في مراحل التنشئة الأولى تصبح لصيقة بالفرد منا، بل إنها تصبح جزءا من كيان الفرد نفسه، حتى أنه يكاد لا يمكنه تغييرها على الإطلاق، خاصة وأن تغييرها يمكن أن يترتب عليه تمزيق علاقاته بأهله وجيرانه وأصدقائه الذين تربى معهم على التحدث بلغة معينة، والإيمان بدين معين. وفي الحقيقة فإن الفرد المنتمي إلى أقلية دينية تتعرض للتمييز يكون ضحية لنوعين من الضغوط، ضغوط المتعصبين من أبناء الأغلبية الذين يطالبونه بالتحول إلى دينهم من ناحية، وضغوط أهله وعشيرته الذين يهددونه بالقطيعة والعزلة الاجتماعية إذا هو ترك دينهم، فهل يصح في مثل هذه الحالة أن نقول أن الفـرد حرا في تغيير ديانته؟ وربما كان هذا هو أحد الأسباب وراء نزول الآية الكريمة أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن (النحل 125)، لأن الله تعالى الذي خلق الأفراد والجماعات يعلم مدى ما يعانيه الفرد عندما يجد نفسه محاصرا بين هذه الضغوط المتعارضة، والتي حرص الله على تخفيفها، برحمته التي وسعت كل شيء.

2 - نماذج للتعـصب القومى والدينى :
لقد عرف تاريخ البشرية صراعات كثيرة ترتبت على كل أشكال التنوع البشري الحقيقية والمصطنعة. فالمأساة التي يعيشها الشعب الكردي، خاصة في العراق وتركيا، هي أحد مظاهر التمييز بسبب الاختلاف في اللغة والقومية. ففي عام 1922 تأسست مملكة العراق وضمت مقاطعتي الموصل والسليمانية ذات الأغلبية الكردية، واللتين كانتا تسعيان منذ فترة للحصول على الاستقلال. وبعد فترة من المقاومة الكردية، خفض أكراد العراق مطالبهم إلى الحصول على نوع من الحكم الذاتي في إطار العراق الموحد ، غير أن الشكوك والعداء القومي منعت إقامة علاقات صحية بين الشعبين العربي والكردي في العراق، الأمر الذي انعكس في الحرب الأهلية المستمرة هناك طوال أغلب الفترة الممتدة منذ تكون العراق.
وقد شهدت هذه الفترة العديد من الاتفاقيات التي لم يجر تنفيذها، والعديد من الفظائع والآلام، غير أن أقسى هـذه المراحل هي المرحلة بين انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية وحرب تحرير الكويت. ففي هذه المرحلة حاول نظام الرئيس صدام حسين استغلال النصر الذي حققه على إيران، والتأييد الدولي الذي تمتع به بسبب نجاحه في التصدي لإيران التي كانت تهدد المنطقة كلها، فقام جيشه بتنفيذ ما يشبه حرب الإبادة ضد الشعب الكردي، وهي الحرب التي لم يتورع خلالها عن استخدام الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا، كما حدث في مدينة حلابجة، التي تم قصفها بغاز الخردل المميت، مما أدى إلى وفاة أكثر من ستة آلاف من أهلها، كما تم تدمير ما يقترب عدده من ثلاثة آلاف قرية كردية وتهجير سكانها، كما امتنعت الدولة عن دفع رواتب موظفيها من الأكراد الذين بلغ عددهم 150 ألفا في إطار حملة منظمة لاضطهاد الشعب الكردي في العراق.
وقد انعكست هذه المعاملة التمييزية القاسية في الثورة التي شنها أكراد العراق في مارس 1991 في أعقاب هزيمة نظام الرئيس صدام حسين في حرب تحرير الكويت، وبرغم الوحشية التي قابل بها النظام العراقي هذه الثورة، إلا أنها نجحت في النهاية في إنهاء سيطرة الدولة العراقية على المناطق الكردية. ولولا المعارضة الدولية لاستقلال كردستان العراقية، لكان ما يشبه الاستقلال الذي يتمتع به أكراد العراق الآن قد تحول منذ زمن إلى استقلال رسمي وفعلي، بعد أن أدى ضيق الأفق والتعصب القومي الذي ميز النظام العراقي إلى التهديد بتقسيم العراق. أما المفارقة المضحكة المبكية فتتمثل في أن سياسات صدام حسين التي هددت وحدة العراق كانت هي نفسها التي ظن الرئيس العراقي وهو يصممها وينفذها أنه بذلك إنما يحمي استقلال ووحدة الأراضي العراقية.

وفي رواندا نجد مثالا آخر للمآسي والمعاناة المترتبة على التمييز العرقي والقومي. ففي رواندا التي يبلغ عدد سكانها أكثر قليلا من ثمانية ملايين نسمة، تعيش جماعتان ثقافيتان هما الهوتو الذين يمثلون الأغلبية الكبيرة من السكان، بما نسبته 80% من سكان البلاد، بينما يمثل السكان من التوتسي 19% من السكان. وبهذا الصدد، فإن الوضع في رواندا يشبه إلى حد كبير جدا الوضع في جارتها بوروندي ذات الستة ملايين نسمة، منهم 85% من الهوتو، و14% من التوتسي.
في رواندا، قامت الأغلبية من الهوتو بانتفاضة كبرى في عام 1959، وقاموا بطرد مئات الآلاف من التوتسي إلى خارج البلاد، فتوزعوا كلاجئين في البلاد المجاورة خاصة الكونجو وأوغندا. وفي عام 1990 عاد اللاجئون من التوتسي إلى رواندا، ولكن بعد أن نظموا أنفسهم في جيش قوي قام بغزو البلاد، مما أدى إلى دخول البلاد في حرب أهلية استمرت بين عامي 1990 و1993، عندما تم التوقيع في الرابع من أغسطس من ذلك العام على اتفاقية سلام لإنهاء الحرب الأهلية وإنشاء حكومة وحدة وطنية تقوم على عودة المطرودين من التوتسي والتمثيل المتكافئ للأحزاب السياسية والجماعات المختلفة، وإقامة نظام قضائي مستقل . غير أن ميراث العداء لم يسمح بنجاح هذه الخطة. فبينما سادت بين التوتسي العائدين مشاعر الزهو والانتصار إلى الدرجة التي ألقت الرعب في صفوف الأغلبية من الهوتو، فإن المتطرفين من الهوتو قاوموا تحقيق المصالحة ورفضوا أن يجري التعامل مع التوتسي كمواطنين لهم حقوق متساوية.
اعتبر المتطرفون الهوتو عملية المصالحة وتحقيق السلام التي قادها رئيس رواندا نوعا من التسليم للأعداء من التوتسي، واعتبروا الرئيس هاباريمانا الذي قاد البلاد نحو المصالحة والسلام خائنا يستحق القتل. وفي السادس من أبريل عام 1994، وقبل أيام من تنصيب حكومة الوحدة الوطنية الجديدة، قام المتطرفون من الهوتو بإسقاط الطائرة التي كان يستقلها رئيسا بوروندي ورواندا ففقدا حياتهما. ثم بدأ المتطرفون الهوتو في شن مذابح جماعية واسعة النطاق ضد المواطنين من التوتسي.
استمرت المذابح لمدة ثلاثة أشهر كانت بمثابة الكابوس الثقيل. ففي مذبحة لم تشهد لها البشرية مثيل من قبل، تم قتل أكثر من نصف مليون من التوتسي. لكن المتمردين التوتسي العائدين من المنفى أعادوا تنظيم أنفسهم بسرعة، ونجحوا في نهاية الأشهر الثلاثة في الانتصار على المتطرفين الهوتو. فكانت المفارقة الكبرى، فالمذابح التي بدأها الهوتو لمنع التوتسي من الحصول على حقوق متساوية في بلادهم انتهت بتمكين التوتسي من السيطرة الكاملة على البلاد. وبالطبع فإن لنا أن نتوقع ما حدث منذ ذلك الحين، فمشاعر الكراهية والحقد المتراكمة لم تتح لحكومة التوتسي العائدة نسيان الماضي وإعـادة المساواة والسلام إلى البلاد التي دخلت في مرحلة جديدة من التمييز العنصري والكراهية، كان ضحاياها هذه المرة من الهوتو، وإن كانت الأمور لم تصل أبدا إلى المستوى الذي وصلت إليه في الأيام السوداء من عام 1994.

وتقدم باكستان نموذجا من الصراعات تختلط فيه عناصر القومية والدين. فمنذ القرن الثامن عشر كانت البلاد المعروفة اليوم بباكستان جزءا من الهند التي كانت من ممتلكات الإمبراطورية البريطانية. ومنذ القرن التاسع عشر بدأ سكان الهند في التفكير في مستقبل بلادهم ومستقبلها بعد رحيل البريطانيين. وفي ظل وجود جماعات هندوسية متطرفة تصورت هند المستقبل المستقلة كدولة هندوسية، يُجبَر فيها المسلمون على التحدث باللغة الهندية بدلا من الأوردو، وعلى عدم ممارسة شعائرهم الدينية بالقرب من المعابد الهندوسية أو في المناطق التي يسيطر عليها الهندوس، وعلى تحريم ذبح المسلمين للأبقار. في ظل وجود مثل هذه الجماعات الهندوسية المتطرفة ثارت مخاوف المسلمين، وخلص قادة المسلمين الهنود إلى استحالة التعايش بين المسلمين والهندوس في دولة واحدة، وبالتالي حتمية انفصال المناطق الإسلامية لتكون دولة مستقلة. لم تفلح محاولات أغلبية النخبة الهندية المنظمة في حزب المؤتمر المعارض لآراء الجماعات الهندوسية المتطرفة في تهدئة مخاوف مسلمي الهند، خاصة أن قيادة حزب المؤتمر ترددت في تقديم الدليل العملي على حسن نواياها تجاه المسلمين، خوفا من أن يؤدي الاعتراف بأن مشكلة الانقسام الديني/القومي في البلاد تستدعي حلا سياسيا إلى تعميق المشكلة وليس حلها. وعندما حل موعد رحيل البريطانيين عن الهند عام 1947 تم تقسيم شبه القارة الهندية إلى دولتين هما الهند ذات الأغلبية الهندوسية، وباكستان ذات الأغلبية المسلمة، التي حملت إسم جمهورية باكستان الإسلامية، والتي تأسست كدولة للمسلمين في شبه القارة الهندية.
وبالطبع فإن هذا الانقسام لم يكن بالأمر السهل. فقد صاحبه الكثير من جرائم التخريب والقتل من جانب المسلمين في باكستان ضد مواطني باكستان من الهندوس، ومن جانب الهندوس في الهند ضد مواطني الهند من المسلمين. ففي نظر الهنود كان الباكستانيون رمزا للخيانة وتفتيت الوطن، أما بالنسبة للباكستانيين، فإن الهنود مثلوا الجار الوثني ذا القوة والأغلبية العددية الذي يمثل تهديدا حقيقيا. سعى المتطرفون من الجانبين إلى تكوين أمة نقية ليس فيها بقايا من الشرور التي يمثلها أبناء الشعب الآخر، فتم الضغط على ملايين الهنود في باكستان، وعلى المسلمين في الهند لإجبارهم على الرحيل إلى الجانب الآخر من الحدود، فبلغ عدد المهاجرين على جانبي الحدود أكثر من عشرة ملايين مواطن أجبروا على تـرك ديارهم وممتلكاتهم، في تطبيق مبكر لسياسة التطهير العرقـي التي جرى تنفيذها بعد ذلك في البوسنة.
تكونت دولة باكستان الناشئة من المناطق ذات الأغلبية الإسلامية في شبه القارة الهندية. وقد حدث أن كان المسلمون متمركزين في القسم الشمالي الغربي والقسم الشمالي الشرقي من شبه القارة الهندية، فتكونت دولة باكستان من قسمين لا يوجد بينهما أي اتصال بري، ويفصل بينهما 1600 كيلومتر من الأراضي التابعة للهند. وبينما مثل سكان القسم الشرقي من باكستان، أو ما عُرف بباكستان الشرقية، 56% من سكان البلاد، فإن أبناء باكستان الغربية سيطروا على الحكم، كما احتكروا القسم الأكبر من مخصصات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن الطامة الكبرى تمثلت في محاولة النخبة المسيطرة في باكستان الغربية فرض الأور





المواضيع المشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مشكلة عندما أقوم بتسطيب اللعبة تأتي هذه الرسالة ابوهشام المصري العاب كمبيوتر PC Games 12 23-05-2015 08:19 AM
ما هو الملف المسؤول عن الصورة التي تأتي مع كلمة الرجاء الانتظار أبو عبير 2005 المرحلة الثانية : العمليات التجميليه على النسخة 4 09-03-2011 12:57 AM
شرح تغيير الصورة التى تظهر أثناء البحث عن اللمفات ( صورة الكلب ) MISHO STAR المرحلة الثانية : العمليات التجميليه على النسخة 17 04-07-2009 08:34 PM
وندوز فيستا عملت صورة بواسطة نورتن جوست عندما اريد استعادة الصورة لا استطيع odry صيانة الكمبيوتر وحلول الحاسب الألي - هاردوير 4 22-03-2008 08:41 PM
عندما احاول تطبيق ثيم على الويندز اكس بي تأتيني الصورة الأولى في المرفقات المستشار المنتدى العام لتصميم الأسطوانة 5 24-01-2006 01:05 PM
 


عندما يسمع أي منا واحد من هذه الأسماء فإن الصورة الأولى التي تأتي إلى ذهنه هي صورة مجتمع م

English

Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.