أستغفر الله العظيم ... سبحان الله وبحمده



العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > المنتدى العام


مواضيع مميزة  


آخر عشرة مواضيع المواضيع النشطة


01-06-2008, 08:50 PM
ta2er_allil غير متصل
عضو فعال
رقم العضوية: 38103
تاريخ التسجيل: Mar 2006
المشاركات: 41
إعجاب: 0
تلقى 6 إعجاب على 5 مشاركة
تلقى دعوات الى: 0 موضوع
    #1  

كم سيكون العالم وحشيا وقاسيا إذا انغلقت كل دولة أو كل جماعة قومية أو دينية


لنا الآن أن نتخيل كم سيكون العالم وحشيا وقاسيا إذا انغلقت كل دولة أو كل جماعة قومية أو دينية أو كل قبيلة على نفسها وقررت أن تتعامل مع الآخرين باعتبارهم أعداء يجب محاربتهم لمجرد كونهم مختلفين؟ الأرجح أن العالم سيصبح في مثل هذه الحالة غابة كبيرة يحارب فيها الجميع ضد الجميع، فتتحارب الدول مع الدول، كما تتحارب في داخل كل دولة كل جماعة مع كل جماعة أخرى، بكل ما للحرب من آثار مدمرة على حياة البشر والمجتمعات وعلى تهديد إمكانات الازدهار والرخاء الاجتماعي والفردي.
ولحسن الحظ أن البشرية قد اكتشفت منذ فترة ليست قصيرة فائدة التعاون بين الجماعات المختلفة، وبالتالي فإنها عرفت فائدة التنوع والتعدد. ويمكن أن نجد أثرا لهذا الاتجاه في مجال العلاقات بين الدول، كما يمكن أن نجده في مجال العلاقات بين الجماعات المختلفة في داخل الدولة.

1 - أوروبا من التعصب الى التسامح :
لعل الاتحاد الأوروبى هو أشهر مثال لإمكانية تحويل العلاقات بين الدول من الصراع والعداء إلى التعاون المبني على احترام التعدد وقبول الآخر. فلعدة قرون اتسمت العلاقات بين الدول الأوروبية بالتنافس الحاد الذي وصل عدة مرات إلى مستوى الحرب. ودون حاجة للرجوع إلى تاريخ أوروبا القديم الذي شهد العشرات من الحروب التي راح ضحيتها الملايين من البشر، فإن تاريخ أوروبا في القرن العشرين شهد حربين أوروبيتين كبيرتين، سميتا بشكل غير دقيق بالحربين العالميتين الأولى والثانية. فقد بدأت الحرب في المرتين داخل أوروبا، وكانت أطرافها الرئيسية أطرافا أوروبية، واستمرتا هكذا لوقت طويل، ولم تتورط القوى غير الأوروبية - خاصة الولايات المتحدة- فيهما إلا في مرحلة متأخرة. صحيح أن ساحة القتال شملت بلادا ومناطق خارج القارة الأوروبية، إلا أن ذلك لا ينفي عن الحرب صفتها الأوروبية بحكم طبيعة أطرافها وأهدافهم، التي كانت تتركز في الصراع على النفوذ داخل أوروبا ذاتها.
لقد بلغت الحرب العالمية الأولى مستوى غير مسبوق من القسوة والعنف، حتى أنها أسفرت عن مقتل 8.5 مليون جندي، وجرح 15.5 مليون جندي آخر. أما بين المدنيين، فقد بلغ مجموع عدد القتلى والجرحى أكثر من 17 مليونا. وقد مات بعض من هؤلاء عن طريق الإصابة بالغازات السامة التي تم استخدامها في هذه الحرب لأول مرة.
أما الحرب العالمية الثانية فقد تفوقت على سابقتها من حيث عدد الضحايا. فقد سقط من بين الجنود في هذه الحرب 15 مليونا من القتلى و26.5 مليون من الجرحى. أما بين المدنيين، فقد بلغ عدد القتلى 25 مليونا، بينما تجاوز عدد الجرحى أربعين مليونا. وقد مات بعض من هؤلاء بسبب تعرضهم للقصف بالأسلحة النووية التي تم استخدامها في هذه الحرب لأول مرة، ففي السادس من أغسطس عام 1945 قامت الولايات المتحدة بإسقاط أول قنبلة نووية في التاريخ على مدينة هيروشيما اليابانية، فقتلت على الفور 92 ألفا من سكان المدينة البالغ عدد سكانها 230 ألفا، أي أن 40% من سكان هيروشيما فقدوا حياتهم بقنبلة واحدة، بينما تعرض للتشويه أكثر من 100 ألف آخرين من سكان المدينة، التي تحولت تماما إلى حطام، بسبب قوة الانفجار ودرجة الحرارة المرعبة التي أدت إلى انصهار كل الأجسام المعدنية بالمدينة، بما في ذلك الكباري.
ولنا أن نتصور حجم الضحايا والدمار إذا استمرت البشرية على تعصبها وضيق أفقها، وفشلت في تعلم أي شيء من خبراتها، وقررت خوض حرب عالمية ثالثة في ظل التزايد المخيف في الطاقة التدميرية للأسلحة المختلفة وتحسين دقة تصويبها وتطوير أنواع وأجيال جديدة من أسلحة الدمار الشامل. ولتجنب هذا المصير الكارثي المؤلم، لم يكن أمام أبناء وقادة القارة الأوروبية سوى التعامل بطريقة مختلفة تماما مع مشكلة العلاقات بين الدول الأوروبية، فكان إحلال التعـاون محل الصراع هو الحل، وكان تأسيس الاتحاد الأوروبي هو نتيجة هذه المسيرة.
بدأت مسيرة الاتحاد الأوروبي في عام 1951، في شكل المنظمة الأوروبية للفحم والصلب، التي ضمت فى عضويتها ست دول هي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبرج، وهي نفس الدول التي سبق لها أن خاضت ضد بعضها حربين عالميتين. وكانت مشاركة فرنسا وألمانيا في بناء هذا التجمع واحدة من أهم ما أبدعته أوروبا من أساليب حل الصراع، بعد أن سئمت الحروب وما تخلفه من دمار. فقد كان التنافس بين هذين البلدين، وسعي كل منهما للفوز بمكانة الدولة الأكبر في أوروبا سببا في أهم الحروب التي خاضتها دول القارة. فبدلا من أن يظل النمو الاقتصادي، خاصة في صناعـات الفحم والصلب وثيقة الصلة بالاستخدامات العسكرية، في أي من البلدان الأوروبية سببا في شعور الدول الأوروبية الأخرى بالتهديد لما قد يترتب عليه من إخلال بميزان القوى العسكري بين دول أوروبا، فإن النمو في أي من البلدان الأوروبية أصبح يمثل مصلحة مشتركة يستفيد منها الجميع، بحيث أصبح تحسن الأحوال الاقتصادية في إحدى البلدان الأوروبية يمثل قوة دفع لتحسن الأحوال الاقتصادية في البلاد الأوروبية الأخرى.
ومنذ ذلك اليوم لم تتوقف مسيرة تقدم التكامل الأوروبي، ففي عام 1958 تحولت منظمة الصلب والفحم إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية، التي استهدفت تحقيق التكامل الاقتصادي بين أعضاء الجماعة، كما تنوعت الأجهزة والمؤسسات التي تدير الكيان الناشئ، فتم إنشاء الجمعية الأوروبية كنواة للبرلمان الأوروبي، والمفوضية الأوروبية والمجلس الوزاري. ومنذ عام 1967 تم دمج جميع هذه المؤسسات في كيان واحد هو الجماعة الاقتصادية الأوروبية. ومنذ عام 1972 اتفقت الدول الأعضاء على عقد اجتماع دوري لوزراء خارجية الدول الأعضاء مرة كل ستة شهور، فتأسست آلية أوروبية لصنع القرارات والسياسات، وهي الآلية التي أثبتت فاعليتها في صياغة مستقبل القارة الأوروبية. ومنذ عام 1979 تم الأخذ بأسلوب الانتخاب المباشر من جانب مواطني الدول أعضاء الاتحاد لاختيار أعضاء البرلمان الأوروبى ، الأمر الذي أكد الطبيعة الديمقراطية للاتحاد الأوروبي.
ومنذ عام 1973 بدأت مسيرة توسيع الاتحاد الأوروبي، فانضم إليه في ذلك العام كل من بريطانيا وأيرلندا والدانمرك، واستمرت عضوية الاتحاد في الاتساع حتى وصلت الآن إلى خمسة عشر عضوا، بعد أن انضم إلى عضويته كل من أسبانيا والبرتغال واليونان والنمسا والسويد وفنلندا، وهو العدد المرشح للتزايد بعد قرار الاتحاد الأوروبي بقبول عدد كبير من دول الكتلة الشيوعية السابقة بالإضافة إلى تركيا وقبرص ومالطا كأعضاء مرشحين لعضوية الاتحاد الأوروبي.
وبكل المعايير فإن الاتحاد الأوروبي يعد الكيان الاقتصادي الأكبر في عالم اليوم، ففي عام 1997 بلغت نسبة مساهمة الاتحاد الأوروبي في الصادرات العالمية 38.15%، بالمقارنة بنسبة 12.46% للولايات المتحدة، و7.61% لليابان، و3.1% للصين. أما بالنسبة للواردات فقد بلغ نصيب الاتحاد الأوروبي منها ما نسبته 38.7%، بالمقارنة بنسبة 16.82% للولايات المتحدة، و5% لليابان، و2.5% للصين.

2 - التنوع كمصدر ثراء للحياة :
وتقوم الفكرة وراء اختيار التعاون كطريق لتحسين ظروف البشرية على الاعتقاد بأن كل فرد وكل جماعة بشرية لديها ما تساهم به في مسيرة التقدم الإنساني العريضة، وأن الإثراء الناتج عن تبادل الثقافات والمعارف والأفكار والتقاليد يمكن أن يؤدي إلى تعظيم الفائدة العائدة على الجميع، كما أن من شأنه أن يجعل الحياة الإنسانية أكثر خصبا وإمتاعا وتشويقا. وليس من الصعب علينا أن نتخيل كم ستكون الحياة فقيرة ومملة ومحدودة لو أن البشر جميعا كانوا متشابهين: لهم نفس اللون والملامح، كما لهم نفس الثقافة، فيتحدثون نفس اللغة، ولهم نفس العادات والتقاليد.
وحتى بدون أن ندري ودون أن نفكر كثيرا في مزايا التنوع البشري، فإن كل منا يشعر بقيمة وفائدة التنوع، ويسعى لزيادة تمتعه بالحياة عن طريق التعرف على هذا التنوع، وربما تعلم كل منا أيضاً بعضا من ثقافات أقوام أخرى، والاستفادة منها في حياته اليومية. ويمثل هذا الإيمان الإنساني القوي بمزايا التنوع أحد الأسباب الرئيسية المحركة للسياحة العالمية. فالسياح الذين يتكبدون عناء السفر بين البلاد القريبة والبعيدة، ويتحملون في سبيل ذلك الجهد والمال، فإنهم عادة ما يكونوا مدفوعين بالرغبة للتعرف على حياة وتاريخ وثقافة شعوب أخرى. فمجرد رؤية أشكال مختلفة للحياة والمجتمع يمثل مصدرا للمتعة، وبالتأكيد فإنه يمثل مصدرا ثمينا للخبرة الإنسانية. وأظن أن كلا منا يدرك هذه القيمة. فخبرات البعض منا الذين كان لهم حظ السفر لخارج البلاد هي بالتأكيد أوسع من خبرات أقرانهم الذين لم تتح لهم هذه الفرصة. ومن منا لم يلحظ الشغف الذي يبديه الناس للاستماع إلى حكايات العائدين من السفر، والتقدير الواضح الذي يبديه الناس للخبرات التي أصبحت لدى أمثال هؤلاء نتيجة للسفر والانتقال والتعرف على حياة شعوب أخرى. فالتعرف على ثقافات الآخرين هو مصدر للمتعة، كما أنه مصدر للمعرفة والخبرة، بل واكتساب المكانة، بسبب التمييز الذي يجريه الناس بين الذين يعرفون والذين لا يعرفون.
ولا تقتصر منافع التعامل مع التنوع عن طريق التعاون على العلاقات بين الدول، وإنما تمتد لتشمل أيضا العلاقات بين الجماعات الثقافية المختلفة سواء داخل الدولة الواحدة، أو عبر حدود الدول المختلفة. وفي الحقيقة فإنه لا يوجد ثقافة أو جماعة تستطيع أن تستغني عن مثل هذا التعاون، بدعوى أنها مكتفية بذاتها، وليس لديها حاجة للاستفادة من تجارب وخبرات الآخرين. على العكس فإنه يمكن القول أن الشعوب والثقافات يمكنها أن تكتسب مكانة متميزة في العالم بقدر ما يمكنها التفاعل الخلاق والاقتباس من الثقافات الأخرى في العالم. فالظروف التي تعيشها أي جماعة أو أمة معينة تجعلها مؤهلة لإبداع خاص في مجال من المجالات لا تستطيعه أمم وجماعات أخرى، فيكون في اتصال الأمم وتعارفها منفعة للجميع، يسهم كل منها فيها حسب ما تتيحه له ظروفه. على العكس من ذلك، فإن الثقافة التي تختار الانغلاق على نفسها إنما تفوت على نفسها فرصة التطور والنماء، فيكون حالها في هذا مشابهـا لحال القبيلة أو العائلة التي تفرض على أبنائها وبناتها الزواج من بعضهم البعض، بحيث يكون مصير هؤلاء الذين يتجرأون على الزواج من خارج الجماعة الطرد والعزل. ويقول لنا علماء الوراثة والأطباء أن مثل هذه الجماعات والقبائل تعاني من تدهور مستمر في صفاتها الوراثية، لأن زواج الأقارب يؤدي إلى زيادة فرصة ظهور الصفات السلبية، بحيث أنه بينما تسير البشرية سيرا مستمرا نحو التقدم والرقي، فإن مثل هذه الجماعات والقبائل تتقدم باستمرار في اتجاه عكسي، ومثل هذا يكون حال الجماعات التي تنغلق على نفسها رافضة التعامل مع الآخرين.
وربما كانت هذه هي الحكمة من الآية الكريمة يا إيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا (الحجرات 13). بل أن التنوع والتعدد الذي أراده الله سُنَة وطبيعة للحياة البشرية لم يقتصر على الثقافات وطرائق الحياة، وإنما امتد ليشمل الدين والإيمان بالله. يقول تعالى ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (يونس 99). أكثر من هذا فإن الله اعتبر التنوع بين البشر من آيات قدرته، فيقول عز وجل ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم (الروم 22). وكأن من يتغافل عن هذا التنوع الرائع يتغافل عن آية من آيات الله، أو كأن من يحب لهذا التنوع أن يختفي إنما يريد أن يقضي على واحدة من آيات الله.
فالله اختار للناس التنوع لأن في هذا خيرا لهم، وربما كانت الحكمة وراء هذا هي تأكيد أهمية التلاقح بين الثقافات والتعاون بين الناس، وكأن من يقاومون هذا التنوع والتعدد الإنساني محاولين فرض ثقافة واحدة على كل البشرية، إنما لم يدركوا حكمة الله في خلقه، أما هؤلاء الذين يتمنون أن يجدوا أوطانهم وقد تخلصت من الأقليات الثقافية والعرقية التي تعيش فيها، فإنهم، ودون قصد ، يعملون على حرمانها من عوامل الإغناء والإثراء التي تزيد فرصتها في التقدم، في الوقت الذي يتقدم فيه العالم بسرعة غير مسبوقة بفضل التعاون والإثراء المتبادل الخلاق بين الجماعات والشعوب المختلفة.
ولا يوجد دليل على فائدة التلاقح الثقافي وقدرته على الإسهام في تقدم الشعوب والإنسانية جمعاء خيرا من الخبرة العربية الإسلامية. فقد قام العرب بحمل لواء الإسلام ونشره بين شعوب العالم القديم في الأقاليم المحيطة بموطن الإسلام الأول في شبه الجزيرة العربية. وقد أتاح الدين الحنيف للعرب قوة إيمان وحماسة لم يعهدوها من قبل، حتى أنهم تغلبوا على إمبراطوريات وحضارات عريقة كانت تفوقهم في مستوى التقدم والرقي. وكان للعرب بإيمانهم بدينهم والانتصارات التي حققوها أن ينحوا نحو احتقار الحضارات التي تمكنوا من الانتصار عليها، كما كان لهم أن يظنوا أن آخر الرسالات السماوية تغنيهم عن التعلم من حضارات الشعوب الأخرى. غير أن أيا من هذا لم يحدث، وانفتح العرب على ثقافات الشعوب الأخرى، ولم يستكبروا أن يتعلموا منها ويأخذوا عنها كل ما تستطيع أن تقدمه لهم.
والتاريخ العربي الإسلامي غني بوقائع وخبرات التفاعل الثقافي بين العرب والشعوب الأخرى. وقد بدأ هذا الاتجاه مبكرا منذ أخذ الخليفة عمر بن الخطاب عن الروم أسلوب تنظيم الدولة، عندما نقل عنهم نظام الدواوين الذي لم يكن معروفا لدى العرب. أما العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، كما تجسد في زمن الدولة العباسية، فقد كان هو نفسه العصر الذهبي للتفاعل الثقافي بين العرب وغيرهم من الشعوب، وقبل أن ينقضي وقت طويل على تأسيس بغداد كعاصمة للخلافة العباسية أصبح متاحا لقارئ العربيـة لأول مرة أهم كتب أرسطو وشروح أفلاطون والكتب الطبية لجالينوس ، بالإضافة إلى مجموعة هائلة من الكتب العلمية والفلسفية المترجمة عن الفارسية والهندية، وسريعا ما هضم طلاب العلم من العرب ما وصلهم عن طريق الترجمة، فأصبحوا قادرين على الانتقال إلى مرحلة التأليف والإبداع.
وهناك الكثير من الأمثلة على هذا. ففي سنة 154 هجرية، الموافقة 771 ميلادية، قدم إلى بغداد رحالة هندي ومعه كتاب - أو رسالة بلغة أهل ذلك الزمان- في الفلك. وعلم الخليفة المنصور بأمر تلك الرسالة، فأمر بترجمتها إلى العربية، وكلف محمد بن على إبراهيم الفزاري، وكان له اهتمام بعلم الفلك، بتلك المهمة. فعندما انتهى الفزاري من مهمته كانت قد تكشفت له حقائق كثيرة عن علم الفلك لم يكن على دراية بها من قبل، فهضمها وأضاف إليها. وانفتحت شهيته لمزيد من الرغبة في التعرف على إسهامات الشعوب الأخرى في علم الفلك، فجمع كل ما وصل إليه من علم الفلك عن الهنود والإغريق في كتاب - أو كما يسمونه مصنف- واحد، حتى أصبح الفرازي أهم فلكيي عصره.
وكانت بلاد فارس مشهورة بتقدمها في علوم الطب، وكانت مستشفى - بيمارستان- جنديسابور أشهر معاهد الطب في فارس، وكان على رأسها طبيب شهير هو جورجيس بن بختيشوع، الذي كان من أتباع طائفة دينية صغيرة هي الطائفة النسطورية. في هذا الوقت اعتلت صحة الخليفة المنصور وعجز أطباء بغداد عن علاجه، فلما علم المنصور بأمر جورجيس النسطوري أرسل في استدعائه، فداواه، فاتخذه طبيبا خاصا له، وعاشت عائلته في بغداد، وقدمت ستة أجيال من أشهر أطبائها، وظلت عائلة بختيشوع تسهم في تطوير علوم الطب عند العرب لثلاثة قرون كاملة، فنقلوا لأطباء العرب خبرة شعب فارس في الطب والدواء.
وقد لعبت الترجمة عن اللغات الفارسية واليونانية والهندية دورا كبيرا في تحقيق هذه النهضة. فأنشأ الخليفة المأمون في بغداد مؤسسة كبرى أسماها بيت الحكمة، كان عليها تنظيم وتشجيع الترجمة عن الكتب الأجنبية، خاصة اليونانية، وحفظها وإتاحتها للقراء لتسهيل نقل المعرفة والتشجيع علي التعلم والانفتاح الثقافي والفكري على حضارات الشعوب الأخرى، في تطبيق خلاق للحديث الشريف اطلبوا العلم ولو في الصين. وكان نتيجة ذلك أن نشطت حركة النقل والترجمة، وتركز الاهتمام على كتب جالينوس في الطب، وإقليدس في الرياضيات، وبطليموس وأفلاطون وأرسطو في الفلسفة. وكان المترجمون يأتون إلى بغداد ومعهم المخطوطات التي يتولون ترجمتها، كما فعل قسطا بن لوقا وابن البطريق وسـلام الأبرش. واستعان الخليفة بالإضافة إلى ذلك بالعديد من المترجمين من غير العرب، لما وجده فيهم من خبرات ومعارف لم تكن متاحة بعد للعرب، فبرزت أسماء مثل يوحنا بن ماسويه، وهو سرياني، وحنين بن إسحاق، الذي كان من النساطرة المقيمين في إمارة الحيرة العربية، وكان طبيبا بارعا حتى أن المأمون اتخذه طبيبا خاصا، كما سلمه أمانة إدارة بيت الحكمة، وطلب إليه أن يقوم بالترجمة بنفسه، فكان من بين ما نقله للعربية مؤلفات لجالينوس وأبقراط وديسقوريدس وكتاب السياسة لأفلاطون والطبيعة لأرسطو.
لقد كانت الحواضر العربية الإسلامية، خاصة بغداد، مقصدا لأهل العلم من كافة الثقافات والديانات، كما وجد المؤلفون والمترجمون من غير العرب ومن غير المسلمين في الدولة العربية الإسلامية البيئة الصالحة لازدهار أعمالهم، فأفادوا العرب والمسلمين كما أفادوا البشرية، وبرزت أسماء كثيرة في كافة مجالات العلم والمعرفة، ومن بينها ثابت بن قرة الذي لمع في مجال الترجمة إلى العربية. وكان ثابت من بين أبناء طائفة الصابئة الذين عاشوا في منطقة حران، والذين اشتهر عنهم الاهتمام بعلوم الرياضة والفلك. وقد وجد بن قرة رعاية خاصة من الخليفة المعتضد. أما بعد ثابت فإن ابنه سنان، ومن بعده أحفاده إبراهيم وثابت وأبو الفرج قد تابعوا القيام بالترجمة إلى العربية.
أما القرن العاشر الميلادي فقد شهد قيام جماعة المترجمين من أبناء الطائفة اليعقوبية بدور كبير، فكان منهم يحيى بن عدي وأبو علي بن زعة. أما من اليهود فقد برز اسم موسى بن ميمون الذي عاش في قرطبة زمن الحكم العربي الإسلامي. كما برز اسم كوهين العطار، الذي عُرف باسمي داود العطار، والذي عاش في القرن السابع الهجري-الثالث عشر الميلادي. ومن أهم مؤلفاته كتاب منهاج الدكان في الطب. وكذلك داود الأنطاكي، صاحب تذكرة أولي الألباب المعروفة بتذكرة داود، التي تُعتبر أهم مراجع الصيدلة والدواء في العصر الذي عاش فيه، أي القرن العاشر الهجري-السادس عشر الميلادي. أما أشهر مترجمي ومؤلفي القرن الثاني عشر الميلادي، فهـو ياقوت الحموي، المولود لأبوين يونانيين في آسيا الصغرى، أي فيما يعرف الآن بتركيا. وكان الحموي أحد من كتبوا الموسوعات في التاريخ العربي الإسلامي، ومن أهم أعماله معجم البلدان الذي هو موسوعة هائلة في الجغرافيا وعلم السلالات البشرية.
فإذا تركنا التاريخ العربي الإسلامي ونظرنا إلى العالم من حولنا لوجدنا فوائد التنوع والتفاعل الحضاري والثقافي حاضرة في أركان المعمورة. فإذا نظرنا إلى اللغة الإنجليزية التي هي أوسع اللغات انتشارا، لوجدناها تحتوي على مفردات مقتبسة من حوالي 240 لغة أخرى، الأمر الذي أتاح للإنجليزية قدراً واسعاً من المرونة والثراء الذي يتيح لها القدرة على التعبير السلس عن الحقائق والأفكار بطريقة لم يكن من الممكن أن تتوافر لها لولا انفتاحها على الثقافات واللغات الأخرى الموجودة في العالم.
أما في داخل الدولة الواحدة، فإنه يمكن للتنوع، إذا أُحسن توظيفه والتعامل معه، أن يكون سببا في قوة المجتمع والدولة وإغنائهما. ولنأخذ المجتمع الأمريكي كمثال، فالولايات المتحدة هي مجتمع تكوَّن نتيجة الهجرة من كافة بقاع العالم إلى الأرض الجديدة. وقد نجح هؤلاء، وإن لم يكن هذا أمرا سهلا، في تحقيق درجة مناسبة من التعايش بين الجماعات الثقافية والعرقية المختلفة، بالشكل الذي أتاح لكل منها المشاركة في بناء الولايات المتحدة التي أصبحت القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم. وهو الإنجاز الذي يفخر به الأمريكيون ذوي الأصول الإنجليزية الذين لعبوا الدور الأساسي في صياغة الإطار القانوني والدستوري الذي ينظم المجتمع. كما يفخر به الأمريكيون ذوو الأصول الألمانية الذين قدموا إسهاما كبيرا لتقدم العلوم في الولايات المتحدة. أما في الرياضة والفنون فإن إسهام الأمريكيين السود هو إنجاز رائع بكل المقاييس.
كان أمام الأمريكيين الأوائل، الذين جاءوا من بريطانيا، الدولة التي سيطرت على الجزء الأكبر من أمريكا الشمالية، عدة اختيارات. فقد كان لهم أن يقصروا قبول المهاجرين إلى العالم الجديد على المهاجرين من الجزر البريطانية، بحيث تتحول القارة الجديدة إلى مجرد ملحق لبريطانيا، كما كان لهم أن يقصروا الهجرة لها على اتباع المذهب البروتستانتي، الذي يدين به أغلب البريطانيين، حتى لو اختلفوا في الانتماء اللغوي والثقافي. كما كان يمكن لهم أن يقصروا الهجرة إلى أمريكا على شعوب شمال أوروبا التي يوجد تشابه كبير بينها من حيث الدين والثقافة والعادات، حتى وإن اختلفت لغاتهم. أو كان لهم أن يقصروا الهجرة للأرض الجديدة على الشعوب البيضاء وحدها. أو بدلا عن كل ذلك فإنه كان لهم أن يتيحوا الهجرة لأي من كان، بشرط أن يكون إعطاؤه الحقوق الكاملة للمواطن مرهونا بإتقانه اللغة الإنجليزية أو تبنيه المذهب البروتستانتي.
غير أن أياً من هذا لم يحدث، واختار الجيل المؤسس للولايات المتحدة الأمريكية أن يفتح أبواب أمريكا للمهاجرين من بقاع العالم المختلفة، فكانت الدرجة العالية من التنوع، التي أصبحت علامة مميزة للمجتمع الأمريكي، مصدرا للقوة والإغناء، الأمر الذي يمكن ملاحظته في تحول هذا البلد صغير السن إلى أكبر قوة في عالم اليوم.
وكان طريق الولايات المتحدة إلى هذا النجاح هو بناء نظام لديه قدرة عالية على استيعاب المهاجرين من خلفيات مختلفة، وكان الأسلوب المناسب لتحقيق هذا النجاح هو تجنب إكراه أي جماعة عرقية أو ثقافية على التخلي عن هويتها أو لغتها أو دينها، وترك أبناء الجماعات المختلفة يقررون لأنفسهم المستوى المناسب من الاندماج في المجتمع الأمريكي. وكان ذلك يتم عادة وفقا لمدى شعورهم بالحاجة إلى ذلك. فبقدر ما كان تعلم اللغة الإنجليزية ضروريا للحصول على وظيفة، أو للتخاطب مع الأمريكيين من المتحدثين بالإنجليزية، أو للاستماع والاستمتاع بوسائل الإعلام والترفيه، بقدر ما كان المهاجرون الجدد يتعلمون الإنجليزية ويكتسبون بعض العادات التي سبقهم إليهم المهاجرون الأسبق عهدا، وبقدر ما كان الاندماج في المجتمع الأمريكي يتحقق دون إكراه، فإنه سمح للجماعات الثقافية المختلفة بالحفاظ على الجزء من هويتها الذي لا يعوق اندماجها في المجتمع الأوسع، والذي يتيح لها في الوقت نفسه الاحتفاظ بتميزها.
وقد تحقق الاندماج التدريجي للجماعات العرقية والثقافية المختلفة عبر عدد من الأساليب. ومن أهم تلك الأساليب المساواة الكاملة التي يضمنها الدستور والقانون. فالدستور والقانون في الولايات المتحدة لا يميز بين المواطنين على أساس الدين أو العرق أو اللغة أو اللون أو الأصل، أو أي أساس آخر. ومع هذا فإنه يجب أن نتذكر أنه بالرغم من أن الدستور الأمريكي الذي تم وضعه منذ أكثر من قرنين من الزمان ينص على المساواة بين المواطنين، إلا أن الممارسة الواقعية في الولايات المتحدة تضمنت قدرا مخيفا من التمييز والعنصرية ضد الأمريكيين من أصول غير أوروبية. وقد استلزم الأمر سنوات طوال من الكفاح الشاق، حتى أصبحت الولايات المتحدة أقرب كثيرا من تحقيق نموذج المجتمع المتسامح الذي يضمن المساواة الكاملة بين أبنائه. وليس أدل على ذلك من أن الولايات المتحدة كانت مضطرة لخـوض حرب أهلية استمرت عدة أعوام لإلغاء العبودية التي عانى منها الأمريكيين من أصول أفريقية.
وقد تقدم المجتمع الأمريكي من تحقيق نموذج المجتمع المتعدد الأعراق القائم على المساواة بقدر اقترابه من نموذج التعددية الثقافية. فبقدر ما أصبح المجتمع الأمريكي أقدر على الاعتراف بالتعدد العرقي والثقافي وقبوله على أساس من المساواة، بقدر ما كان هذا المجتمع قادرا على تحقيق قدر أعلى من التعايش البناء والخلاق بين الجماعات العرقية والثقافية المختلفة. فالاعتراف بوجود الجماعات المختلفة، والاستعداد لقبول كل ما يترتب على الاعتراف من حقوق في المساواة والاحترام، يمثل ركيزة أساسية للتعامل مع التنوع العرقي والثقافي بطريقة تضمن تحوله إلى رصيد وليس إلى نقطة ضعف ومصدر للتوتر.
ويعد الزواج المختلط من الأساليب التي ساعدت المجتمع الأمريكي على تطوير درجة تماسكه الاجتماعي وقدرته التكاملية. ومع أن اتباع هذا الأسلوب قد يكون متعذرا في بعض المجتمعات، إلا أن التعرف على الخبرة الأمريكية في هذا المجال يظل ذا فائدة كبيرة. ففي عام 1960، لم يكن سوى 6% من اليهود الأمريكيين متزوجين من غير أتباع الديانة اليهودية. وقد وصلت هذه النسبة إلى 25% في عام 1985، أما بنهاية التسعينيات فإن نسبة اليهود المتزوجين من غير اليهود قد وصلت إلى 52% من يهود الولايات المتحدة البالغ عددهم ستة ملايين. ومن المعروف أن اليهود هم من أكثر الأقليات اندماجا في المجتمع الأمريكي، وهم بالتأكيد أقل الأقليات شكوى من تعرضهم للاضطهاد والتمييز، على العكس فإن البعض يتهمهم بالسيطرة على المجتمع الأمريكي، أو على الأقل فإنهم يتمتعون بمستوى من النفوذ يزيد بشكل ملحوظ عن نسبة وجودهم في المجتمع. وبغض النظر عن مدى دقة هذا القول أو ذاك، فإنه ليس من الصعب ملاحظة التوازي بين تحسن وضعية اليهود في المجتمع الأمريكي من ناحية، وازدياد اندماجهم فيه على كافة المستويات من ناحية ثانية.
وقد حدث تطور مشابه مع الأمريكيين السود. فبينما لم تزد نسبة السود الأمريكيين المتزوجين من زوجة أو زوج غير أسود عن 2.6% في عام 1970، فإن هذه النسبة قد وصلت إلى 12.1% بحلول عام 1993. أما بين الأمريكيين من أصل آسيوي، فإن نسبة الذكور المتزوجين من شريك ينتمي لجماعة عرقية/ثقافية أخرى قد بلغت 12%، أما بين الإناث الآسيويات فإن نسبة الزواج المختلط بينهن قد بلغت 25%.
لقد أدى انتشار الزواج المختلط إلى تغيير كبير في التركيب السكانى للولايات المتحدة، حتى أن الصورة التقليدية للولايات المتحدة كمجتمع يتكون من أعراق محددة متعددة لم تعد دقيقة. فقد ظهرت فئة واسعة من الأمريكيين الذين لا يمكن وصفهم باعتبارهم بيض أو سود أو من أصول أسبانية أو آسيوية. إنها فئة مختلطي أو متعددي الأعراق، وهي فئة يتضاعف عددها مرة كل حوالي عشر سنوات، حتى أن كثيرين في المجتمع الأمريكي أصبحوا يطالبون باعتبار فئة مختلطي أو متعددي الأعراق فئة قائمة بذاتها إلى جانب الجماعات العرقية الأكثر وضوحا وتحديدا.
لكن العيش في ظل عالم أو مجتمع يتسم بالتعدد والتنوع يحتاج إلى وجود قدر وافر من التسامح بين الفئات الاجتماعية المختلفة، أي من القدرة على قبول الآخر برغم اختلافه، بالإضافة إلى التحلي بقدر كبير من العدالة والموضوعية عندما يتعلق الأمر بفرد أو جماعة يختلفون عنا في اللون أو الثقافة أو الدين. ولكن التسامح والقبول في حد ذاتهما قد لا يكونا كافيين لتحقيق الغرض المطلوب. فالواحد منا قد يتسامح مع من أخطأ في حقه، باعتبار ذلك نوعاً من السمو الأخلاقي والتعالي عن الانشغال بصغائر الأمور، بالضبط كما نتسامح مع الحماقات التي يرتكبها الأبناء في مرحلتي الطفولة والمراهقة، باعتبارها نتيجة لنقص الخبرة والنضج. فالتسامح من هذا النوع ينطوي على معنى استصغار الآخر، وهو أساس غير كاف لقيام علاقات تقوم على التكافؤ والمساواة بين الشعوب والجماعات.
فالآخر العرقي أو الثقافي ليس شخصا ناقص الأهلية أو النضج لكي نتسامح معه كما نتسامح مع الخطائين من البشر أو مع الأطفال والمراهقين. ولا يخفى أن مثل هذا النوع من التسامح يقوم على ادعاء ضمني بالتفوق على الآخر، فهو بالتالي نوع من التسامح لا يخلو من عنصرية كامنة يمكن لها أن تنفجر وتطفو إلى السطح في أي لحظة إذا توافرت الظـروف المناسبة.
أما التسامح وقبول الآخر الذي يمكنه أن يكون أساسا متينا للتعايش في سلام والتعاون بين الشعوب والجماعات، فإنه التسامح القائم على أساس من الاحترام، احترام خصوصية الآخر وثقافته وحضارته، وهو يقوم على الإيمان بأن التنوع إنما هو أمر طبيعي، وبأن القضاء على التنوع أو إزالته هو مطلب مناقض لطبيعة الكون والبشر، وأن كل شعب أو جماعة بشرية قد طورت ثقافتها في ظل ظروف معينة ساهمت في تشكيل هذه الحضارة وتلك الثقافة، وأنها بالتالي تستحق الاحترام باعتبارها، بالضبط مثل حضارتنا وثقافتنا، تعكس الأسلوب الذي اختارته جماعة بشرية معينة للتكيف مع ظروف البيئة المحيطة بها، وأنها نتيجة منطقية لظروف موضوعية كانت غالبا خارج سيطرة البشر.
إذن فالمهم في التسامح وقبول الآخر على أساس من الاحترام هو الإيمان العميق بمبدأ المساواة بين كل الشعوب والجماعات والثقافات، بحيث لا يصبح من حق أي شعب أو أبناء أي ثقافة ادعاء الأفضلية والتفوق على أي شعب أو ثقافة أخرى. ولعل شعوب دول العالم الثالث النامية تكون أكثر من غيرها من شعوب الدول المتقدمة إيمانا بهذا المبدأ، باعتبار أن شعوب الدول النامية هي أكثر استفادة من تطبيق مبدأ المساواة بين الشعوب والثقافات والالتزام به. فقد اعتادت شعوب الدول المتقدمة، منذ أن استطاعت تحقيق التقدم الصناعي والتكنولوجي والاجتماعي والسياسي والعسكري، ادعاء الأفضلية والسبق على شعوب المناطق النامية، وأخذت من تقدمها في المجالات المختلفة دليلا على هذه الأفضلية. وكان قيام الدول الأوروبية باستعمار القارة الأمريكية، التي تم اكتشافها من جانب الرحالة الأوروبيين عام 1492، ثم استعمار قارتي آسيا وأفريقيا في القرون التالية لذلك، كان الاستعمار وما ارتكب خلاله من فظائع ومذابح واستعباد هو نتيجة مباشرة لتطبيق مبدأ أفضلية ثقافات وشعوب على ثقافات وشعوب أخرى، أي أفضلية الثقافات الأوروبية على ما عداها من الثقافات. في هذا السياق ظهرت نظرية عبء الرجل الأبيض، وهي النظرية التي تبرر الاستعمار ومظالمه باعتباره الطريقة الوحيدة لتمكين الأوروبييـن البيض من نقل تفوقهم الثقافي والحضاري إلى شعوب أخرى لا تستطيع بنفسها الخروج من حالة الهمجية والتوحش التي تعيش فيها.
ومع أن الاستعمار قد انتهى منذ زمن طويل، إلا أن نظرية التفوق الحضاري والثقافي للغرب لم تنته معه، فقد نجحت شعوب المستعمرات بكفاحها في أن ترغم الاستعمار على الرحيل، ولكن كفاحها هذا لم يكن كافيا لإنهاء نظرية التفوق الحضاري الغربي. فاستمرت هذه النظرية في الحياة لبعض الوقت بعد ذلك. وقد عانينا نحن في مصر من سيادة هذه النظرية العنصرية، عندما أتى الاستعمار الأوروبي إلى بلادنا في القرن الماضي.
ولأن الفجوة بين الشعوب المتقدمة والنامية مازالت قائمة بالنسبة لأغلب بلاد العالم الثالث، فإن بعض القوى في المجتمعات الغربية مازالت تستند إلى هذه الفجوة لتبرير ادعائها بالتفوق الحضاري والثقافي الغربي. غير أن عقيدة التفوق الغربي العنصرية، لحسن الحظ، لم تعد تتمتع سوى بتأييد محدود في أوساط شعوب الدول المتقدمة، وأن المثقفين والمتعلمين في هذه البلاد أصبحوا يؤمنون بالمساواة والتكافؤ بين الشعوب والثقافات. ومن المنطقي أنه من صالحنا العمل على تدعيم هذا الاتجاه، واعتباره حليفاً لنا في معركتنا لإنهاء التخلف.
أما عن الأسلوب الأمثل لتحقيق ذلك فهو أن يشيع بيننا اعتقاد أصيل بالتكافؤ والمساواة بين الشعوب والثقافات المختلفة، وأن ينعكس هذا الاعتقاد في سلوكنا تجاه أصحاب الثقافات المختلفة، سواء تلك التي تشاركنا الحياة على أرض الوطن، أو تجاه أصحاب الثقافات المختلفة الذين يعيشون في أوطان أخرى. أما إذا لم نستطع القيام بذلك، وإذا ساد بيننا اعتقاد بتفوقنا الحضاري والثقافي على الآخر، فإننا نكون قد وفرنا ذريعة للاتجاهات العنصرية في البلاد المتقدمة للتشدد في موقفها المعادي لنا، ولكسب مزيد من الأنصار لها. فإذا حدث هذا، خاصة في ظل الفجوة العلمية والتكنولوجية والاقتصادية التي تفصلنا عن الدول المتقدمة، فإننا سنكون أكبر الخاسرين من العداء بيننا وبين الغرب والدول المتقدمة.
ويبرر البعض التعصب والقهر الذى يمارس ضد الأقليات الثقافية والعرقية والدينية بأن التسامح مع التنوع والاختلاف يمكن أن يقود إلى تفكك المجتمع والدولة وضعفهما ، وأن قمع التنوع وعدم السماح بالتعبير عنه هو الأسلوب الوحيد لضمان تماسك المجتمع والدولة .
وفي مقابل قهر الجماعات التي تخالفنا في الثقافة كطريقة لتحقيق الوحدة، فإن الوحدة يمكن تحقيقها من خلال الحفاظ على التنوع واحترامه، وهو الأسلوب الذي يمكن تلخيصه في الوحدة من خلال التنوع. وقد زادت أهمية هذه الطريقة في تحقيق الوحدة في عصر ما يُسمى بالعولمة، والتي يقُصد بها زيادة التفاعلات بين الشعوب والجماعات المختلفة من خلال التقدم التكنولوجي في وسائل المواصلات والاتصالات، ومن خلال اندماج اقتصادات البلدان المختلفة في سوق عالمية واحدة تختفي فيها الحواجز الجمركية وغيرها من الحواجز بسرعة من خلال اتفاقات التجارة الحرة مثل اتفاقية الجات.
تؤدي العولمة إلى زيادة وتكثيف التفاعلات بين الجماعات والشعوب المختلفة، وبالتالي إلى زيادة التأثيرات المتبادلة بين الثقافات المختلفة إلى مستوى غير مسبوق في تاريخ البشرية. وتقود هذه التطورات إلى شعور الجماعات الثقافية المختلفة بشكل متزايد بتعرض هويتها الثقافية للتهديد، بتأثير من الظواهر والتيارات الثقافية القادمة من العالم الأوسع، وخاصة من البلاد المتقدمة التي تساهم بالنصيب الأكبر في إنتاج المواد الإعلامية والترفيهية التي تبثها وسائل الاتصال العالمية. وكرد فعل على هذا التهديد يشهد العالم في الحقبة التي نمر بها الآن اتجاهاً بين الجماعات الثقافية المختلفة للتأكيد على ذاتها وهويتها الثقافية، وهو التأكيد الذي يأخذ شكل المزيد من التدين أو التمسك بالتقاليد الأصلية، وهي ظواهر محمودة. ولكن في بلاد عدة وصلت موجات التدين والتمسك بالهوية إلى مستوى التعصب وكراهية الآخر الثقافي، سواء كان أجنبيا يعيش في بلد آخر، أو جماعة ثقافية تعيش داخل الوطن، ووصلت كراهية الآخر في بعض الحالات إلى حد القتل وحروب الإبادة، وهو ما شهدنا أمثلة له في البوسنة وكوسوفا ورواندا.
أما التحدي الذي يواجه البشرية الآن فيتمثل في كيفية تمكين الجماعات الثقافية المختلفة من التمسك بهويتها وخصوصيتها دون أن يؤدي ذلك بها إلى الانزلاق للتعصب وكراهية الآخر. ويبدو أن الطريقة الوحيدة المعروفة لنا حتى الآن لتحقيق ذلك هي التمسك بمبدأ التسامح وما يتضمنه من قبول الآخر المختلف عنا باعتباره من سنن الحياة. ومن الضرورى وضع القوانين والتشريعات التي تضمن تحقيق ذلك، بما يسمح بتوفير درجة عالية من المساواة والأمان لكل الجماعات الثقافية في عالم اليوم، بحيث تكون قادرة على التمسك بخصوصيتها الثقافية دون خوف من أن يؤدي تمسك الجماعات الأخرى بثقافتها أيضا إلى إشعال الفتن وتهديد الأمن. فالتسامح كما بينت الخبرة التاريخية هو طريق البشر نحو تعايش سلمي وتفاعل

خلاق ومفيد







http://acpss.ahram.org.eg/ahram/2001/1/1/YOUN36.HTM




2





المواضيع المشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
جولة مصورة حول العالم وردة البستان صور - طرائف - الغاز - مسابقات - تسالي - مرح - نكت - فوازير 0 01-03-2013 05:14 PM
كلم اي دولة في العالم ب 12 قرش ومن موبايلك كاريزما للدعايه بيع وشراء منتجات ومقتنيات وبضائع 0 10-01-2012 04:05 PM
الموناليزا تأخذ جولة حول العالم moseba صور - طرائف - الغاز - مسابقات - تسالي - مرح - نكت - فوازير 8 17-11-2009 08:21 AM
لأرسال رسائل Sms مجانية إلى أي دولة في العالم mrwan_84 أرشيف المواضيع المخالفة والمحذوفات 3 02-06-2009 10:58 AM
أفقر رئيس دولة في العالم يقين الحسين المنتدى العام 78 09-06-2007 04:35 AM
 


كم سيكون العالم وحشيا وقاسيا إذا انغلقت كل دولة أو كل جماعة قومية أو دينية

English

Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.