أستغفر الله العظيم ... سبحان الله وبحمده



العودة   منتديات داماس > المنتديات العامة > المنتدى الاسلامي


مواضيع مميزة  


آخر عشرة مواضيع المواضيع النشطة


01-03-2008, 05:54 AM
eXPerience badara غير متصل
الوسـام الذهبي
رقم العضوية: 73553
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 2,062
إعجاب: 371
تلقى 2,212 إعجاب على 265 مشاركة
تلقى دعوات الى: 3 موضوع
    #1  

تجديد فهم الوحي


تجديد الوحي
الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



أقدم لكم كتاب جديد

تجديد فهم الوحي


الكتاب بصيغة وورد

http://altajdeed.net/altajdeed.doc


الكتاب بصيغة ب د ف

http://altajdeed.net/altajdeed.pdf


صفحة الكتاب



مقدمة الكتاب

مقــــدمــــــــة
( منهــج وآليــات التجديــد )

القرآن الكريم يحمل عطاءات تعالج مجمل أوضاع وتطورات المستقبل ، والكثير من نصوص السنة القولية تحمل عطاءات خاصـة أو مرحلية ومؤقتـة ، بل وذات الأمر يصدق على بعض النصوص القرآنية . وبما أنه لم يتم بعد اكتشاف وتحديد وتنسيب العطاءات الخاصة والمرحلية فإن هنالك مئات الآيات القرآنية شبه المجمدة وشبه المعطلة .
هذه البداية قد تكون مشجعة للبعض وقد تكون محبطة أو منفرة لآخرين . ونحن لا نملك سوى توجيه دعوة مفتوحة إلى الباحثين عن الحق والشغوفين بالاستكشاف والفهم لمتابعة أفكار هذا الكتاب بهدوء وتدرج وبحس نقدي صارم .
سنتحدث في هذه المقدمة عن الوظيفة الدنيوية للوحي وعن استيعابه لمجمل تطورات الحياة وسنحاول تحديد أهم ضوابط وآليات التجديد . ومهما بدا حديثنا مغرقاً في تجريده وتحليقه فإننا نتمنى أن يؤخذ بمنتهى الجدية وألا يتم تجاوزه إلا بعد فهمه واستيعابه ، فهو يشكل الأرضية التي سيتم الانطلاق منها نحو تجديد فهم مجمل نصوص الوحي .
لعله لا يوجد فتنة يمكن أن تواجه المنتسبين إلى الدين المشتمل على رسالة دنيوية شاملة مثل فتنة تخلفهم ونهوض غيرهم ، خصوصاً حين يكون الناهض خارجاً عن الدين أو عن معظم معطياته الأساسية ورغم ذلك فإنه يستمر في تحقيق المزيد من النهـوض بوتيرة هادئه حيناً وعبر ما يشبه الطفـرات في أحيان كثيرة !!. ولعل هذا هو حال المسلمين في علاقتهم بالتجربة الغربية على امتداد القرنين الأخيرين . والواقع أنه ما كان لهذه الفتنة أن تتحقق وتتسع وتمتد على النحو الذي حدث لولا أن الوعي السائد يخلو من بعض الحقائق المعرفية الأساسية المفسرة لطبيعة النهوض وطبيعة الرسالة الدنيوية الشاملة التي يقدمها الوحي .
إن المتشبعين بواقع القرون الإسلامية المجيدة يعتقدون أو في أسوأ الأحوال يظنون أن تطبيق نصوص الوحي المتعلقة بالحياة الدنيوية من شأنه أن يقود نحو النهوض بصورة مؤكدة وعلى نحو مستمر وأن تلك النصوص تقدم الحل وما هو أكثر تحقيقاً للراحة والسعادة والاطمئنان في كل وقت . وفي تقديرنا فإن أولى الحقائق المعرفية الجديرة بالذكر في هذا المقام هي أنه لا صحة لهذه الاعتقادات أو الظنون إلا بصورة جزئية ونسبية .
إن نصوص الوحي المتعلقة بالحياة الدنيوية تقدم ما يدفع نحو النهوض وتحسين الأوضاع البشرية ، إلا أن ذلك لا يحدث بصورة مؤكدة إلا خلال الفترة التي تفصل بين نزول تلك النصوص وتغير ظروف وأحوال الزمان والمكان . أما بعد تغير تلك الظروف والأحوال فإن استمرار النهوض يتوقف على مدى النجاح في تجديد فهم نصوص الوحي بصورة تسمح بحسن التعاطي مع الظروف والأحوال المستجدة . وحين لا يحدث ذلك التجديد فإن شرارة الدفع النهضوي تنتقل من الحدث القدري المتصل مباشرة بعالم الغيب ( نزول الوحي ) إلى العوامـل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهـادة ( الظروف التاريخية الاستثنائية ، العوامل الطبيعية ) . والواقع أن ما يهمنا التأكيد عليه في هذا المقام هو الدور الرئيس والعميق الذي تلعبه العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة في تحقق كل من وضع النهوض ووضع التخلف . وهذه هي الحقيقة الكبرى الثانية الغائبة أو شبه الغائبة عن الأذهان .
إن مرحلة انتهاء نزول الوحي تعد مرحلة مفصلية وفارقة على صعيد السنن الإلهية الحاكمة لوضع الإنسان والكون والحياة ، فتلك السنن وإن كان جوهرها لا يقبل التبديل إلا أن صورتها قبل انتهاء نزول الوحي اختلفت كماً ونوعاً عن صورتها بعد نزوله ، فقبل انتهـاء نزول الوحي وختم النبوات كانت الإمكانات والقدرات البشرية محدودة ومتواضعة ، ولذلك فقد كان يتم التعويض عن محدوديتها وتواضعها بتكثيف وتعميق الأحداث القدرية ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب ( إرسال الرسل والأنبياء ، إنزال الكتب ، إعطاء مساحة واسعة للمعجزات والكرامات ) ، أما بعد انتهاء نزول الوحي وختم النبوات فقد أصبحت الذخيرة المعرفية الغيبية المقدر وصولها للبشر ( الوحي ) بين أيديهم ، ومن ثم فقد انتقل التكثيف والتعميق إلى السنن القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة .
إن الفارق الجوهري بين الأحداث القدرية ذات العلاقة المباشرة بعالم الغيب وبين العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة هو أن الأولى لا يمكن تكوين علم تام ومكتمل حولها كما أنها مؤقتة ومتقطعة ومتقلصة وغير قابلة للتحكم أو التسخير ، بينما الثانية يمكن تكوين علم بشري تام ومكتمل حولها كما أنها مستقرة ومنضبطة وذات دور متعاظم ، وهي تقبل التدخل البشري والاستخدام أو التسخير بصور متفاوتة . ذلك أن مضامينها التفصيلية تتمثل في القوانين والسنن المنضبطة والمستقرة المبثوثة في الكون والحياة .
منذ انقطاع الوحي أصبحت تطورات الحياة موكولة بصورة متسعة ومتعاظمة للجهد البشري عبر إعادة فهم الوحي النهائي وعبر اكتشاف واستخدام أو تسخير المضامين التي تجسد العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة ( معطيات العلوم العلمية والإنسانية ) . هذه هي أهم قضية معرفية كان يمكن الانطلاق منها باتجاه تجديد فهم قضية القضاء والقدر والكثير من قضايا الثقافة الإسلامية .
وإذا صح ذلك فإن سؤالاً أساسياً وجوهرياً وملحاً يثور أو ينبغي أن يثور حول الوظيفة الدنيوية التي تؤديها نصوص الوحي وتعززها وتخدمها وتدفع باتجاهها باستمرار ؟. ذلك أنه إذا كانت نصوص الوحي لا تقـود نحو النهوض بصورة مؤكدة إلا مرحلياً ، وإذا كانت العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة تلعب الدور الرئيس في تحقيق كل من وضعَي النهوض والتخلف اللذين يحددان مساحة الاختيار وفرص التجديد أو التقليد ويصبغان الطرح الثقافي بصبغتهما ، فإنه يتعين تحديد طبيعة الوظيفة الدنيوية التي تؤديها نصوص الوحي وتدفع باتجاهها باستمرار ، وذلك بصورة لا لبس فيها .
وبجملة موجزة تعد من الجمل ذات الطابع التفسيري الوجودي نقول : إن الوظيفة الدنيوية التي تؤديها نصوص الوحي وتعززها وتخدمها وتدفع باتجاهها باستمرار هي الاختبار والامتحان على أوسع نطاق وفي ظل كل وضع ، وهي ذات الوظيفة التي ربط القرآن الكريم خلق السماوات والأرض وخلق الموت والحيـاة بل وخلق كل ما على الأرض بها ، وذلك في نصوص شديدة الصراحة والوضوح ، كما أنها ذات الوظيفة التي تستند إلى نتائجها أهم وأوسع أسس قضايا المعاد والحساب ومواقع البشر الأخروية . هذه هي الوظيفة الدنيوية الواسـعة والمستمرة التي ينبغي رؤية القضايا التفصيلية من خلالها ، ومن بينها قضايا النهوض والتخلف .
وإذا كان لنا أن نرتب على هذه المعطيات ما يسمح بالوصول بها إلى أقصى حدودها فإننا نقول : بانتهاء نزول الوحي وختم الرسالات تحولت الأحداث والعوامل القدرية من كثافة الاتصال المباشر بعالم الغيب إلى كثافة الاتصال الكلي بعالم الشهادة ، فإنزال الكتب انتهى وحل محله تضمين الوحي النهائي عطاءات استباقية مكتنـزة وكامنة ، وإرسـال الرسل انتهى وحلت محله إمكانات التجديد وفرص ظهور المجددين الذين يتمكنون من اكتشاف تلك العطاءات الاستباقية ، والمعجزات والكرامات تضاءلت وتكثف واتسع دور السنن القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة والتي ترشد إليها العلوم العلمية والإنسانية .
لقد شكل انتهاء نزول الوحي مرحلة فاصلة باتجاه إدخال الكثير من العوامل القدرية الحاكمة لوضع الإنسان والكون والحياة إلى حيز القضايا القابلة للاكتشاف والمعرفة والاستخدام أو التسخير . وبالتالي فكما أنه كان يتم التعويض عن محدودية وتواضع المعرفة والإمكانات البشرية بتكثيف وتعميق الأحداث القدرية ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب ( إرسال الرسل والأنبياء ، إنزال الكتب ، تعدد وتتابع المعجزات والكرامات ) فإنه تم التعويض عن اكتمال نزول الوحي وختم الرسالات وتضاؤل دور المعجزات والكرامات بتوفير العلم الإلهي الاستباقي القابل للاكتشاف وبتكثيف وتعميق دور العوامل القدرية القابلة للإحاطة بها والتعرف عليها واستخدامها أو تسخيرها . ومن هنا فإن ختم الرسالات يعد نقطة تحول كبرى باتجاه تكثيف وتعميق وتطوير دور المعرفة البشرية والجهد البشري .
وعودة إلى قضية النهوض ، حيث يمكننا القول بأنه منذ تغير ظروف وأحوال الزمان والمكان بعد اكتمال نزول الوحي وختم الرسالات أصبح استمرار النهوض مرتبطاً بآليتين إحداهما تدور حول تجديد الفهم الديني والأخرى تدور حـول اكتشاف واستخدام أو تسخير السنن القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة ( أي تحصيل واستثمار معطيات العلوم العلمية والإنسانية ) . وسواء نجحت الجهود البشرية في التجديد واكتشاف واستخدام أو تسخير السنن أو فشلت في ذلك فإن الوظيفة الدنيوية للوحي ( الاختبار والامتحان ) تظل متحققة ومستمرة الحدوث ، بل إن تحققها في ظل وضع التخلف قد يتم بصورة أعمـق وأوسع وأوضح وأفضل للمؤمنين من تحققها في ظل وضع النهوض . ذلك أن التخلف يحيط جهـود التفكير والسلوك البشري بكم هائل من العوائق والتعقيدات والمصاعب التي قد يكون لـها - بصرف النظر عن أي شيء آخر - دور عكسي في تحديد المواقـع الأخروية ، وذلك تحقيقاً للعدالة والمساواة بين البشر .
لقد ظل نوح عليه السلام يدعو قومه عمراً مديداً دون أن يؤمن معه إلا قليل ، ومع ذلك لم تؤثر هذه النتيجة في قيمته ومكانته ، بل ربما كانت هذه المكابدة أهم مبررات استحقاقه لمنزلته كأحد أولي العزم من الرسل . إبراهيم عليه السلام لم ينجح بين قومه . موسى عليه السلام لم ينجح في مواجهة فرعون وملئه . هود عليه السلام لم ينجح في مواجهة قومه . صالح عليه السلام لم ينجح في مواجهة قومه . عيسى عليه السلام لم ينجح في مواجهة قومه ( اليهود ) . بعض الأنبياء قُتِلوا . وفي مقابل ذلك فإن بعض الملحدين والكثير من الجبابرة حققوا نجاحات دنيوية كبيرة ، حتى ولو إلى حين . وبالتالي فإن القيمة الدينية للأفراد والأعمال لا ترتبط بمستوى الإنجاز الدنيوي إلا إذا تحققت الظروف الاستثنائية والعوامل الطبيعية التي تسمح بتحقيق ذلك الإنجاز .
وإذا كان لنا أن نتحدث قليلاً عن الأبعاد العامة لقضية الاختبار والامتحان فإننا نقول : إن الحياة الدنيا - شاء المرء أم أبى - ليست سوى رحلة اختبار وامتحان لتحديد مواقعنا ضمن حياة الخلود . ولولا ذلك لكانت حركة الكون ومسيرة الحياة عبثاً ولغواً وباطلاً ، والله تعالى يقول ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُـونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) (

[1]). ويقول تعالى ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ . لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ . بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) (

[2]). ويقول تعالى ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ . أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) (

[3]) .

ووفق النصوص القرآنية الصريحة فإن قضية الاختبار والامتحان ترتبط بخلق السماوات والأرض وخلق الموت والحياة . يقول تعالى ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) (

[4]) ويقول تعالى ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَلِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) (

[5]). أما أدوات الاختبار والامتحان فهي - أيضاً وفق النصوص القرآنية الصريحـة - تشمل صورة عالم الغيب ، والخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات ، والبأساء والضراء والزلزلة ، والشر والخير ، والأذى ، وصراع المؤمنين والكافرين ، واختلاف مواقع الناس وإمكاناتهم وقدراتهـم ، والمال والأولاد ، بل وكل ما على الأرض .
ولنتأمل الآيات الكريمة التالية :
  • ( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَالْمَلْعُونَةَفِيالْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ) (

    [6]).

    ( وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ........ ) (

    [7]).

    ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) (

    [8]).

    ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّـةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) (

    [9]).

    ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) (

    [10]).

    ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) (

    [11]).

    ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (

    [12]).

    ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (

    [13]).

    ( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ) (

    [14]).

    ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ) (

    [15]).

    ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) (

    [16]).

    ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (

    [17]).

    ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (

    [18]).

    ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) (

    [19]).
  • ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (

    [20]).
ولعل أهم ما يستدعي التوقف في هذا السياق هو تصريح القرآن الكريم بأن الوحـي يعد من بين أدوات الاختبار والامتحـان ، ليس فقط بالنسبة لغير المؤمنين به ، بل أيضاً بالنسبة للمؤمنين به ، حيث يقـول تعالى ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) (

[21]).

وكما هو واضح فإن هـذه الآية تعلل إنزالالكتب السماويةبأنه للابتـلاء ( الاختبار والامتحان ) . وفي تقديرنا فإن معظم المسلمين لا يتنبهون بالقدر الكافي لأهمية هذا التعليل . ذلك أنهم لا يكادون يعرفون من الصور التي يتجسد من خلالها الاختبار والامتحان الذي تحمله نصوص الوحي سوى الصور المباشرة ، وهي الاختبار والامتحان من خلال الأوامر ومن خلال النواهي وكذلك من خلال الأخبار الغيبية . والواقع أن هذه الصور لا تعنينا ضمن تناولنا لموضوعات هـذا الكتاب ، ذلك أنها لا تقدم جديداً بالنسبة لتلك الموضوعات ، كما أنها واضحة ومفهومة ومستقرة .
إن ما يعنينا هو التعريف بصورتين غير مباشرتين يتجسد من خلالهما الاختبار والامتحان الذي تؤديه نصوص الوحي . أولاهما تتمثل في الاختبار والامتحان من خلال تقديم ما يسمح باستخدام بعض النصوص في طرح الشبهات وصور الفهم والتطبيق المناقضة لبعض متطلبات حسن علاقة الإنسان بالله وعلاقته بنفسه وبما سـواه . والواقع أن بعض العوامـل القدرية ذات الصلة الكلية بعـالم الشهادة ( الظروف التاريخية الاستثنائية ، العوامل الطبيعية ) تمهد في فترات معينة لمثل ذلك الاستخدام . ومن ثم فإن إمكانات سوء فهم وسوء استخدام نصوص الوحي والنفور منها والتضحية بها تكون متاحة ، وذلك إلى جانب الإمكانات الواسعة المتاحة لحسن فهمها وحسن استخدامها ، وبذلك يتحقـق جانب من الوظيفة التي تؤديها نصوص الوحي ، حيث يتم تمحيص ما في العقول والقلوب واكتشاف مدى استعداد المؤمنين بتلك النصوص لتقـديم تضحياتهم في سبيل الانتصار
هذا من جانب ، ومن جانبلرسالتها ومقاصدها وأحكامها والصبر على مشاق ذلك . والواقـع أنه لو لم يكن في نصوص الوحي ما يسمح بإساءة استخـدامها والتضحية بها والنفور منها لتحولت إلى غنيمة يتسابق نحوها كل الناس ولضـاع بالتالي معنى ومضمون الاختبار والامتحان الذي تقدمه وتدفع باتجاهه .
وإذا صح وجود هذه الصورة من صور الاختبار والامتحان وأنها تمثل إحدى أهم صور الوظيفة الدنيوية التي تؤديها نصوص الوحي ، فإن ذلك يعني أو على الأصح ينبغي أن يعني أن وجود شتى صنـوف الإجابات والاختيارات يعد أمراً مشروعاً ومطلوباً ، باعتبار أنه لا معنى للاختبار والامتحان مالم تكن كل الإجابات والاختيارات متاحة وممكنـة وقابلة للحدوث والتحقق . كما أن وجود هذه الصورة من صور الاختبار والامتحان يعني عدم صحة الاعتقـاد بأن معظم الناس سيجسدون تكاليف الدين على نحو مثالي في كل الأوقات ، بل لا بد من وجود فجوة مستمرة بين الواقع والمثال . ومن ثم فإن من الضروري التهيؤ للتعامل مع احتمالات حدوث ابتعاد واسع عن الدين ومخالفة لتعاليمه من قبل الكثير من الناس .
وفي كل الأحوال فإن هنالك ركيزة دنيوية أساسية وحاسمة تقف خلف عمق الاختبار والامتحان واتساعه وتعدد وتباين صوره ، وهي اختلاف المواقـع وتباين الإمكانات البشرية بصورة هائلة . وإذا كان ذلك يفسر جانباً أساسياً من جوانب معظم قضايانا الدنيوية ، وعلى رأسها قضايا النهوض والتخلف ، فإنه يشير إلى إحدى أهم المعطيات الدنيوية التي يصعب فهمها أو تبريرها دون استحضار صورة ممتدة للحياة تشمل الحياة الأخرى التي هي بمثابة صعود بالحياة الدنيوية إلى مرحلة كمالها ، بما في ذلك إتمام الجوانب الدنيوية التي تبـدو منقطعة والتعويض عن الموازين الدنيوية التي تبدو مختلة وغير عادلـة .
وحين نأخذ كل ذلك بعين الاعتبار فإننا قد نخلص إلى نتيجة مؤداها أن تباين الإمكانات واختلاف المواقـع الدنيوية قد يكون لـه - بصرف النظر عن أي شيء آخر - دور عكسي في تحديد المواقع الأخروية ، وذلك تحقيقاً للعدالة والمسـاواة بين البشر ، خصوصاً في ظل ما أشرنا إليه من أنه لا صحة لذلك الربط الآلي والتلقائي بين مصداقية الوحي وتحقيق وضـع النهوض ، وذلك بحكم ما أدى إليه ختم الرسالات من تكثيف وتعميق الدور الذي تلعبه العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة ، وذلك على صعيد قضيتَي النهـوض والتخلف ، بالإضافة إلى كون الوظيفة الدنيـوية التي تؤديها نصوص الوحي ( الاختبار والامتحان ) تقبل التحقق في ظل وضع التخلف بصورة أعمق وأوسع وأوضح من قابليتها للتحقق في ظل وضع النهوض ، وذلك نظراً لما يرتبط بوضع التخلف من عوائق وتعقيدات وصعوبات تُحسب في موازين من واجهتهم .
هذا عن أولى صور الاختبار والامتحان غير المباشرة . أما الصورة الثانية فتنبع من عالمية ونهائية الوحي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم .
إن أهم مدلولات عالمية الوحي ونهائيته من المنظور المعرفي هي استيعابه لمجمل تطورات الحياة منذ اكتمال نزولـه إلى قيام الساعة ، وهنا تكمن ثاني صور الاختبار والامتحان غير المباشرة .
إن قدرة النصوص القرآنية التي نزلت في الماضي على معالجة أوضـاع وقضايا الحاضر والمستقبل تنبع من وجود ذلك الاستيعاب لمجمل تطورات الحياة ، وهو ما يجعلها بحاجة إلى اجتهاد مستمر يكشف ذلك الاستيعاب كلما تقدم الزمن . واستيعاب النصوص القرآنية لمجمل تطورات الحياة يعني أن تلك النصوص تحمل عطاءات للتابعين لم يكن يعرفها الصحابة ولم يكونوا مكلفين بمعرفتها ، وتحمل عطاءات لأهل القرن الثاني لم يكن يعرفها أهل القرن الأول ولم يكونوا مكلفين بمعرفتها ، وتحمل عطاءات لأهل القرن الثالث لم يكن يعرفها أهل القرن الثاني ولم يكونوا مكلفين بمعرفتها ، وتحمل عطاءات لأهل القرن الخامس عشر الهجري لم يكن يعرفها أهل القرن الرابع عشر ولم يكونوا مكلفين بمعرفتها ، وستحمل عطاءات لأهل القرن القادم لا يعرفها أهل هذا القرن وليسوا مكلفين بمعرفتها ، وهكذا . آخر فإن وصول سنة إرسال الرسل والأنبياء وإنزال الكتب إلى نهايتها ونشوء سنة وضع العلم الإلهي المقدر وصوله إلى البشر في صورة عطاءات استباقية كامنة ضمن الوحي النهائي . هـذه النقلة تعد - كما سبق أن نوهنا - بمثابة مؤشر على اختلاف الدور الذي تؤديه الأحداث والعوامل القدرية الحاكمة لوضع الإنسان والكون والحياة ، فإرسال الرسل والأنبياء وإنزال الكتب كان يرافقه تعدد واتساع دور المعجزات والكرامات ، وهو أمر يناسب الحاجة إلى تأييد رسالات الرسل والأنبياء والتعويض عن ضعف ومحدودية الإمكانات والقدرات البشرية . وبالمقابل فإن إناطة اكتشاف عطاءات الوحي الاستباقية بالجهد البشري والمعرفة البشرية من غير رسل أو أنبياء أو كتب جديدة أصبح يرافقه تضاؤل دور المعجزات والكرامات وتعدد واتساع دور العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة ، وهو أمر يناسب اكتمال نزول الوحي وختم الرسالات وتعاظم واتساع الإمكانات والقدرات البشرية .

وحين نحاول تلمس هذه الأبعاد ضمن خطاب الوحي فإن بإمكاننا التمييز بين الخطاب المعني بالمرحلة السابقة لتغير ظروف وأحوال مجتمع الرسالة والخطاب المعني بالمرحلة التالية لذلك التغير . فالأحاديث النبوية في مجملها تحمل خطاباً خاصاً أو مرحلياً يعمل على إنزال الخطاب المجرد عن حدود الزمان والمكان ( القرآن الكريم ) إلى زمان محدد ومكان محدد هو زمان ومكان مجتمع الرسالة ، بالإضافة إلى الارتفاع بوعي الصحابة وسلوكهم إلى المستوى الذي تتطلبه الرسالة ومعالجة الجوانب التفصيلية في أحوال زمانهم ومكانهم .
هذا على صعيد الأحاديث النبوية ، أما على مستوى الآيات القرآنية فإن معانيها المباشرة تراعي إلى أقصى الحدود طبيعة وإمكانات واحتياجات المرحلة السابقة لتغير ظروف وأحوال مجتمع الرسالة ، أما المرحلة التالية لتغير تلك الظروف والأحوال فإن الخطاب القرآني يحمل بشأنها إشارات وإيماءات إيحائية غير مباشرة .
إن الخطاب القرآني يركز بصورة مكثفة ومن كل جانب ووفق أقصى الحدود الممكنة وبشتى ألوان التأكيد والترسيخ على قضايا الإيمان وحسن العبادة والمهام التأسيسية الكبرى والضوابط والقيم السلوكية والحياتية التي ليس لها خصوصية زمانية أو مكانية واضحة . فكيف لنا أن نتلمس الأبعاد المرتبطة بعالمية الوحي ونهائيته في هذا الخطاب ؟.
إن المعاني المباشرة للآيات القرآنية تركز على الأحداث القدرية التي شهدت تحققاً واسعاً ومتعدداً قبل اكتمال نزول الوحي وختم الرسالات ، أي الأحداث ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب ( إرسال الرسل والأنبياء ، إنزال الكتب ، إعطاء مساحة واسعة للمعجزات والكرامات ) .
أما المعاني الإيحائية غير المباشرة لتلك الآيات فتركز على العوامل القدرية التي شهدت فاعلية واسعة ومتعاظمة بعد اكتمال نزول الوحي وختم الرسالات ، أي العوامل ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة . وهذه المعاني لا وسيلة للوصول إليها إلا عن طريق الاجتهاد ، ولا طريق إلى اكتشافها أسهل من طريق ربطها بميادين العوامل القدرية التي تعنى بها ( ميادين العلوم العلمية والإنسانية ) ، وحينها ستتبدى وتظهر العطاءات الاستباقية الكامنة المرتبطة بأوضاع القرن الثاني والثالث والرابع والخامس ..... وهكذا .
لقد تغيرت ظروف ومعطيات مجتمع عصر الرسالة وتصاعدت الاهتمامات العقلية وتعاظمت المستجدات وبدأت العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة تلح على الأذهان كما أخذ ازدياد وعمق المعرفة البشرية يوحي بصورة أكثر معقولية لعالم الغيب . عندها كان يمكن اكتشاف بعض العطاءات الاستباقية الكامنة . ولو حدث ذلك على النحو المطلوب لشاعت ثقافة جديدة ووعي جديد ولحدثت الكثير من الإبداعات والنقلات المعرفية داخل دائرة الإيمان وحسن العبادة وباتجاه الصورة التي ينبغي أن تتحقق ولظلَّ خطاب الوحي دافعاً لمسيرة العلم ومرشداً لها . ورغم ذلك فإنه سواء تحققت إبداعات ونقلات معرفية أو حدثت تراجعات وانتكاسات معرفية فإن ما يجمع بين الحالتين هو استمرار ظهور الرؤى والأفكار والاجتهادات دون توقف ، سواء حدث ذلك بطريقة إيجابية من خلال استمرار تجديد فهم النصوص والوعي العميق بتطورات الواقع وقوانين عالم الشهادة ، أو حدث بطريقة سلبية من خلال الوقوف عند الرؤى والأفكار والاجتهادات السابقة التي يتعرض موقعها ومدلولها وتتعرض صحتها ومشروعيتها للتغير والتبدل بفعل تطورات الواقع . وفي كل الأحوال فإن هذه الجهود بمختلف صورها ليست - من المنظور الذي نتناوله - سوى مظاهر متنوعة ومتتالية تعبر عن أحد ألوان الاختبار والامتحان الذي يخوضه كل مكلف .
وبالنظر إلى ما أشرنا إليه حول المضامين المباشرة لخطاب الوحي وعلاقة جانب منها بمرحلة التأسيس وبمجتمع الرسالة وعنايتها بالأحـداث القدرية التي كانت شائعة وضرورية قبل اكتمال نزول الوحي وختم النبوة ( الأحداث ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب ) ثم المرحلة التي تتغير فيها ظروف ومعطيات الزمـان والمكان على نحو يسمح باكتشاف عطاءات قرآنية كامنة ترتبط بمرحلة ما بعـد التأسيس وما سوى مجتمع الرسالة وتعنى بالعوامل القدرية التي أصبحت شائعة وضرورية بعد اكتمال نزول الوحي وختم النبـوة ( العوامل ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة ) فإن السؤال يثور حول كيفية الجمع بين العطاءات المرتبطة بهذين البعدين المتباينين دون الوقـوع في تناقض واضح وظاهر ؟.
وللإجابة على هذا السؤال نقول : إن ذلك يتم عن طريق الأسلوب المختلف ، وهو ما أشرنا إليه حين تحدثنا عن المعاني المباشرة والمعاني الإيحائية للآيات القرآنية .
إن الخطاب القرآني - في تقديرنا - يعبر عن العطاءات المرتبطة بمجتمع الرسالة ومرحلة التأسيس بأسلوب مباشر وواضح ، وهو ما يحدث أيضاً بالنسبة للعطاءات العامة المرتبطة بمختلف المراحل والمجتمعات . أما بالنسبة للعطاءات المرتبطة بمرحلة ما بعد التأسيس وما سوى مجتمع الرسالة فإنه يتم التعبير عنها بأسلوب إيحائي غير مباشر .
وبتحديد أكثر فإن التعبير عن القضايا التي تعد بمثابة ركائز الدين ، وهي الإيمان بالله وحده وحسن عبادته ، يأخذ شكلاً واضحاً ومباشراً . وذات الأمر يحدث بالنسبة للمهام التأسيسية والضوابط والقيم السلوكية والحياتية التي ليس لها خصوصية زمانية أو مكانية واضحة . أما بالنسبة للعطاءات المرتبطة بأوضاع التغير الثقافي والاجتماعي والاقتصادي فإن التعبير عنها يأخذ شكلاً إيحائياً غير مباشر . على أن العطاءات المرتبطة بمثل هذه الأوضاع قد تتصل بالقضايا التي تندرج في إطـار ركائز الدين ، وذلك حين تصبح تلك القضايا عرضة للضعف وسوء الفهم بفعل التطورات الزمانية والمكانية المتلاحقة . وفي كل الأحوال فإن القرآن الكريم يضم بعض النصوص الكلية الجامعة التي تسمح بإعادة فهم تلك القضايا بالقدر الذي يحفظ لها قوتها وغايتها وقابليتها للامتداد ، وذلك دون الإخلال بمتطلبات استمرار فكرة ومنطق الاختبار والامتحان .
وإذا كان من المقبول - عطفاً على ما تقدم - أن نتحدث عن قضايا الدين وموضوعاته التي يتم من خلالها الاختبار والامتحان فإننا نقول : إن بالإمكان الحديث عن أصلٍ ديني وفرعٍ ديني جلي وعطاءات دينية كامنة . فأصل الدين منذ عهد آدم عليه السلام إلى قيام الساعة كان وسيظل يتمثل في الإيمان بالله وحده وحسن عبادته . ونصوص الوحي المعبرة عن هذا الجانب تدور حول متطلبات وسبل حسن العلاقة بالله ، فهي تحدِّد الاعتقاد وترتِّب أحكام الإيمان والكفر وتربط الأذهـان بعالم الغيب وتقدم مرجعيته الضابطة والحاكمة التي لا يجوز تجاوزها أو نقلها إلى غير موضعها ، كما أن إمكانية تحقيق التكاليف التي تحملها تلك النصوص تعد واسعة للغاية ، وهو ما يسهم في تحديد حرية ومسؤولية المكلفين على هذ الصعيد .
أما فرع الدين الجلي فتدور النصوص المعبرة عنه حول متطلبات وسبل حسن العلاقة بالنفس وبالغير ، فهي تحدِّد الضوابط والقيم السلوكية والحياتية التأسيسية والمستمرة وترتب أحكام الطاعة والمعصية وتربط الأذهـان بعالم البشر وتوفر للعقل المعتقِد فرصة استلهامها والبناء عليها وبحث متطلبات تطبيقها ، كما أن إمكانية تحقيق التكاليف التي تحملها تلك النصوص تعد راجحة وغالبة ، وهو ما يسهم في تحديد درجة الحرية والمسؤولية إزاء تلك التكاليف .
وأما عطاءات الوحي الكامنة فتدور بصورة أساسية حول متطلبات وسبل حسن التعامل مع ظروف وأحوال التغيير ، فهي تحدِّد مجالات وضوابط الارتقاء الثقافي وتحمل أدواته المعرفية وتربط الأذهان بالعالم الدنيوي وتوفر للعقل المعتقِد الممتثِل فرصة واسعة للبحث في موضوعاتها ومختلف جوانبها ، كما أن إمكانية تحقيق التكاليف التي تشتمل عليها تلك العطاءات تعد ضئيلة في عمومها ، نظراً لتبعيتها الشديدة وأمدها الطويل وتأثرها بظروف وأحوال الزمان والمكان التي لا تكاد تجتمع على النحو المطلوب إلا على سبيل الاستثناء . ولا شك أن هذه المعطيات تسهم بصورة جوهرية في تحديد درجة الحرية والمسؤولية على هذا الصعيد .
والواقـع أن كل الاجتهادات المطروحة في هذا الكتاب ، بل وكل اجتهاد جوهري يلتزم بالضوابط التي يمكن أن تحظى بالاتفاق حولها ، وكل قضايا استمرار النهوض والتقدم والرقي . هذه الاجتهادات والقضايا لن نجد التفاصيل التي تخدمها سوى في إطـار عطاءات الوحي الاستباقية الكامنة ، حتى وإن ارتبط الموضوع الخاضع للبحث بقضايا أصل الدين أو قضايا فرعه الجلي .
فلنستحضر هذه الجوانب ولنتذكرها مع كل كلمة تقال في إطار جهود الارتقاء بالفكر والوعي والسلوك .
لقد ذكرنا أن الكثير من تفاصيل موضوع استمرار النهوض تندرج في إطار عطاءات الوحي الاستباقية التي يتسم أسلوب التعبير القرآني عنها يالإيحاء وعدم المباشرة . واستناداً إلى ذلك فإنه يمكن القول بأن نصوص الوحي تدفع باتجاه استمرار النهوض بصورة غير مباشرة ، إلا أنها أيضاً لا توصد أبواب التخلف بصورة مباشرة ، بل إنها فوق ذلك تقدم ما يسمح باستخدام تلك النصوص في طـرح الشبهات وصور الفهم والتطبيق المناقضة لمتطلبات حسن علاقة الإنسان بالله وعلاقته بنفسه وبما سواه . وكما ذكرنا آنفاً فإن العامـل الثقافي والعوامل الطبيعية ومختلف ظروف وأحوال الزمان والمكان لا تكاد تجتمع على النحو المطلوب إلا على سبيل الاستثناء . ورغم ذلك فإنه ينبغي التنبُّه إلى أن ذلك الاستثناء يتصف بالاستمرارية . إن مشـهد التموجات والارتكاسات والمواقع المتباينة ورحلات الصعود والهبوط التي يشهدها التاريخ لا تلغي كون حركة التاريخ في مجملها تظل حركة صاعـدة باتجاه استمرار تحقيق متطلبات إكمال المسيرة البشرية ، وذلك من خلال اتساع وتعاظم الدور الذي تلعبه العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة واتساع وتعاظم القدرة البشرية على اكتشاف تلك العوامل واستخدامها أو تسخيرها .
إن عطاءات الوحي الاستباقية الكامنة تتناول مجمل قضايا العامل الثقافي الذي تتطلبه تلك الحركة الصاعـدة ، حيث تدور تلك العطاءات حول الدور المتعاظم الذي تلعبه العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة . وكما ذكرنا فإن حدوث واستمرار تلك الحركة الصاعدة يتوقف على توازنات دقيقة وعديدة بين العوامل الطبيعية والكثير من الظروف والمعطيات الزمانية ، وذلك على نحو يسمح بتحقيق الشروط الضرورية اللازمة لإحداث التراكمات المعرفية والرأسمالية وإطالة أمـدها وإكسابها سمات العمق والرسوخ والاستقرار . ووفق مواقع وأزمنة هـذه التوازنات والشروط الضرورية تتحدد مواقع وأزمنة النهوض ويتم الحفاظ على الاتجاه الغالب لحركة التاريخ .
لقد كان التسليم باستيعاب نصوص الوحي لمجمل تطورات الحياة أمراً متحققاً على امتداد عصر النهضة الإسلامية ، رغم أن ذلك التسليم لم يكن بالوضوح الكافي ولا على النحو المطلوب . ولعل من المناسب تقديم لمحة موجزة عن المحطات الثقافية المفصلية في إطـار المذهب السني لتتضح أبرز مكامن الخلل .
إن الحرية السياسية توفر أعظم فرص نمو الوعي والمدارك وأقوى المحفزات اللازمة لإشاعة نزعة الاعتدال والولع بالعمل العام وتصحيح الأخطاء الكبرى والاهتمام بالعلوم الإنسانية .
هذه الحرية حجمت وقيدت وتم تجريم أعظم وأهم صورها وتعطيل أثرها التطويري الدنيوي الشامل ، وذلك منذ نشوء الحكم العائلي في عهد بني أمية . عندها تكاملت ثم ترسخت قوانين الاستبداد وانطلقت الفاعلية الثقافية نحو القضايا العقائدية في صورتها السابقة لاكتمال نزول الوحي وختم النبوة وإلى القضايا التعبدية والقضايا الدنيوية التي لا تلامس خطوط السياسة أو تدفـع باتجاهها .
في القرن الرابع الهجري وبعد الإبداع الواسع في الميادين غير المجَرَّمة تم قفل باب الاجتهاد الفقهي وتبلور ثم ترسخ التقليد والجمود في ميدان الفقه . بقي الميدان العقائدي بصورته المنوه عنها مفتوحاً للطرح بصورة كبيرة إلى أن اتسع حجم ومقدار التناقض بين الطرح الإسلامي في مجمله والطرح الفلسفي الآتي من الثقافة اليونانية ، فكان المطلوب هو الدفاع عن الرؤية الإسلامية وتثبيتها والانتصار لها ، وهنا أتى دور الإمام الغزالي . ولأن الهم الذي كان مسيطراً عليه هو رد الفلسفة اليونانية وإيقاف اكتساحها للعقل المسلم ، فقد نحا طرحه نحو الروحانية وإبراز وتضخيم نقائص العقل . طرح الإمام الغزالي أدى إلى إزاحة مشكلة الثقافة اليونانية فكان المطلوب هو حل مشكلة تعدد وتناقض الرؤى العقائدية الإسلامية ، وهنا أتى دور الإمام ابن تيمية . ولأن الهم الذي كان مسيطراً عليه هو التخلص من حالة تفتت وتشظي وتناقض الرؤى الإسلامية في الميدان العقائدي ، وبما أن الحل من وجهة نظره كان يتمثل في استحضار الفكر الذي سبق تلك الحالة وهـو فكر السلف ، لذا فقد نحا طرحه نحو إضفـاء المثالية على ما يُظن أنه فكرهم في الميدان العقائدي مع تضليل معظم التراث الفكري اللاحق .
والواقع أن فكر الإمام الغزالي وفكر الإمام ابن تيمية هما أبرز وأهم ما شهدته الحياة الثقافية السنية منذ ظهورهما إلى وقتنا الحاضر . الأهم من ذلك أنهما تحولا إلى مدرستين في التكفير تجمعان مجمل أطياف الثقافة السنية وتعبران عن توجهاتها الأساسية وتجسدان أبرز مرجعياتها . وبما أن المدرستين نشأتا وعملتا في ظل باب الاجتهاد السياسي المغلق وباب الاجتهاد الفقهي المقفل والوعي العكسي لطبيعة العوامل القدرية المرتبطة بالمرحلة التالية لاكتمال نزول الوحي وختم النبوة ، لذا فقد كانتا مدرستين عقائديتين خاليتين من التجديد المتعلق بالحياة الدنيوية إلا فيما ندر . وما يتعين على كل مسلم سني معاصر أن يعيه هو أننا منذ ذلك الحين نعيش في فلك الطرح العقائدي للمدرستين وأننا غائبون ومغيبون عن الوعي بالعوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة ، وذلك بسبب الاستبداد السياسي والتقليد الفقهي والفهم العكسي لمسار الأحداث والعوامل القدرية ، وهي أسباب لم تتغير منذ عهد الإمامين الغزالي وابن تيمية .
في إطار هذا المسـار الضيق يمكن أن نفهم صيرورة الحياة الثقافية السنية منذ نشوء المدرستين إلى وقتنا الحاضر .
المدرستان تطورتا وتشعبتا عبر القرون وأسهمتا في إعادة تشكيل التيارين الأساسيين اللذين تشهدهما أية حركة ثقافية وهما تيار الاعتدال وتيار الغلو . وهنا ينبغي أن نتنبه إلى أن كلاً من الاعتدال والغلو في أية مدرسة ثقافية إبداعية يختلفان في طبيعتهما ونتائجهما وآثارهما عن الاعتدال والغلو في أية مدرسة ثقافية قوامها التقليد .
في ضوء ذلك لننظر إلى صيرورة الجانب المعتدل والغالي في طرح الإمام الغزالي . فالجانب المعتدل أسهم في إعادة تشكيل التيار الإسلامي المعتدل فمنح طرحه العقائدي قدراً من الرؤية التوفيقية المتوازنة وأسهمت نزعة الاعتدال في الإبقاء على صلة ذلك التيار بمجمل التراث الإسلامي المعبر عن تلك النـزعة . والجانب الغالي أسهم في إعادة تشكيل تيار الغلو فأعطى قوة دفع كبيرة للطروحات غير العقلانية وأسهمت نزعة الغلو في خفوت صلة ذلك التيار بمجمل الطرح غير المنسجم مع قوة الدفع الجديدة . هذا الخط الثقافي تصاعد بعد ذلك واتسع واستفحل إلى أن بلغ ذروته على أيدي بعض غلاة الصوفية الذين يمتلئ طرحهم بالخرافة والدفع باتجاه السلبية والتواكل والانسحاب من الحياة .
فكر الإمام ابن تيمية أصبح بمثابة قطب الرحى في مدرسة الشيخ محمد بن عبدالوهاب . وعبر القرون أسهم ذلك الفكر في إعادة تشكيل كل من تيار الاعتدال وتيار الغلو . فالجانب المعتدل في فكر الإمام ابن تيمية أسهم في الحد من شيوع وقبول الطروحات الغالية في المدارس الإسلامية الأخرى كما أسهم في استمرار وتعميق مشروعية مجمل التراث الفقهي الإسلامي المعبر عن نزعة الاعتدال . أما الجانب الغالي في فكر الإمام ابن تيمية فقد شهد نقلة جديدة في قلب الجزء الصحراوي من الجزيرة العربية ، حيث اتخذ صورة أكثر ضيقاً وحدة على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب . فالمثالية التي أضفيت على فكر السلف امتدت إلى نمط حياتهم وسلوكهم ، الأمر الذي أدى إلى نشوء دائرة تبديع واسعة . والطرح الإصلاحي العقائدي في فكر الشيخ محمد بن عبدالوهاب ضم إلى جواره دائرة تكفير واسعة .
بعد ظهور فكر الشيخ محمد بن عبدالوهاب أصبحت الساحة الثقافية الإسلامية في إطار المذهب السني ساحة تقليد خالية من أي تجديد إبداعي عميق . التجديد حدث في إطار التقليد . فظهور تطورات العصر الحديث وظهور المنتج الثقافي الغربي أديا إلى نشوء مدرسة تقليد جديدة تدور في فلك الثقافة الغربية . هذه المدرسة أفرزت تيارين للاعتدال والغلو وأعادت تشكيل كل من تيار الاعتدال والغلو في فلك الثقافة الإسلامية السُنية . وإذا كانت سمة تيار الاعتدال المقلد هي السعي إلى التوفيق والتكيف فإن الأبعـاد الغربية ( الاستعمار والتحديث ثم العلمنة ثم الانحياز ثم الهيمنة ثم إعادة الاحتلال ) أدت إلى صعود تيار الغلو وإلى اتساعه وتأجيج نزوعه نحو الرفض والصدام . فالتحديث أدى إلى اتساع وتضخم دائرة البدعة ، والعلمنة والاستعمار والانحياز والهيمنة والاحتلال أدت إلى توسيع دوائر الرفض والصدام .
هذه هي أبرز المحطات الثقافية في إطار المذهب السني . أما على الصعيد الشيعي فلئن توافرت للفقهاء الشيعة بعض أهم شروط الاستقلال عن أهل الحكم فإن كل الطروحات الشيعية ظلت مأسورة بالمقولات التأسيسية حول مسألة الحكم ذاتها ، وظلت القضية الحاكمة لتلك الطروحات هي قضية الحق السياسي الإلهي لبعض آل البيت . ومهما بدت الأفكار الشيعية متفاوتة ، ومهما بدا بعضها مفرطاً في غلوه ، ومهما تم استخدام الأدلة الشرعية لتأييد تلك الأفكار ، فإن القضية الأساسية المحركة لها تعود إلى تلك الفترة التاريخية التي شهدت أحداث الصراع على الحكم في عهد الصحابة ، وصولاً إلى تأسيس الحكم العائلي وهدم الخلافة . ثم إن الاستقلال عن أهل الحكم كان مصحوباً بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن الانتماء الثقافي والاجتماعي الإسلامي العام .
لقد أشرنا إلى استيعاب نصوص الوحي لمجمل تطورات الحياة وحاجتها إلى الاجتهاد المستمر لاكتشاف ذلك الاستيعاب كلما تقدم الزمن ، كما أشرنا إلى تحول الأحداث والعوامل القدرية من كثافة الاتصال المباشر بعالم الغيب إلى كثافة الاتصال الكلي بعالم الشهادة ، وذلك منذ انتهاء نزول الوحي وختم الرسالات . والواقـع أن الأفكار الشيعية الكبرى ، وفي مقدمتها فكرة الأئمة المعصومين ، تناقض إحدى أهم خصائص الرسالة وإحدى أهم ركائز التجديد ، وتؤدي إلى انتقال الجهد العلمي إلى مصادر غير متجددة . فمن ناحية تتصادم فكرة العصمة مع حقيقة انتهاء نزول الوحي وختم الرسالات ، وتقود إلى فهم عكسي لطبيعة الأحداث والعوامل القدرية الحاكمة لوضع الإنسان والكون والحياة ، بل يؤدي مجرد التأسيس لفكرة الأئمة المعصومين إلى دفع الوعي والجهود باتجاه الأحداث والعوامل القدرية السابقة لنـزول الوحي . ومن ناحية أخرى يؤدي الإيمان بفكرة أو عقيدة الإمامة إلى نقل منطقة البحث العلمي الأساسية من نصوص الوحي إلى أقوال وأفعال الأئمة ، وهي أقوال وأفعال بشرية مرتبطة بأحوال ومعطيات زمانها ومكانها . ومن هنا فقد خلا الفكر الشيعي من التجديدات الدنيوية العميقة ، وذلك فيما عدا التجديد الذي لامس فكرة الأئمة المعصومين ، وذلك حين تم طرح فكرة ولاية الفقيه التي سمحت بإدخال الشيعة الإمامية إلى عالم السياسة من البوابة الإيجابية بعد أن كان يتم الدخول إليها من بوابة الانسداد السياسي أو من بوابة سوء استغلال فكرة الأئمة المعصومين .
إن التجديد الذي نعمل على تقديمه يقوم على التمسك الشديد بكل نصوص الوحي ، إلا أنه ينطلق من وعي جديد بتلك النصـوص ، فهي - وفق رؤيتنا - تحمل إمكانات التجدد ، وتستوعب مجمل غيب الحياة منذ انطلاق الرسـالة إلى قيام الساعة ، وذلك دون الإخلال بمتطلبات استمرار فكرة ومنطق الاختبار والامتحان .
نعلم أن حديثنا هذا سيستدعي إلى الأذهـان الكثير من الطروحات المتكلفة التي حـاول أصحابها عصرنة النصوص ، ولذلك فإننا نبـادر إلى القول بأن الأمر في هذا الكتاب مختلف إلى حد كبير . ذلك أننا لن نهرب من النصوص ، بل سنحرص على استحضارها . والأهم من ذلك أننا لن نستحضر تلك النصوص ونحن واقفون على أرضية المرجعية الغربية ، بحيث نستدعي النصوص ونطوِّعها تبعاً لما تمليه تلك المرجعية . لن نحاول فعل ذلك ، بل سنحرص على تجنب هذا المنـزلق قدر الإمكان .
ومن جانب آخر فإننا لن نحاول تجاهل الإشكاليات الموروثة ، بل سننطلق من أن نصوص الوحي تستوعبها وتيسر أمر التعاطي معها . ومع تسليمنا بأن موضوعات بعض الإشكاليات لا تقبل أن تكون موضع علم بشري تام ومكتمل ، ورغم أن قضية الحسم واليقين التام تبقى معلقة كما أن درجة الحذر المطلوبة في تناول تلك الإشكاليات تزداد في ظل اشتمال النصوص على ما يسمح باستخدامها في طرح الشبهات وصور الفهم والتطبيق المناقضة لمتطلبات حسن علاقة الإنسان بالله وعلاقته بنفسه وبما سواه ، فإن ذلك لا ينال من أهمية وجدوى إعادة بحثها ، وذلك في الحدود التي تسمح بتطوير مستوى المعرفة الجزئية والنسبية المتحققة حول موضوعات تلك الإشكاليات .
لقد سبق أن أشرنا إلى أن عطاءات الوحي الاستباقية الكامنة تحمل الأدوات المعرفية اللازمة للارتقاء الثقافي ومعالجة الأوضاع المترتبة على التغيير . والواقع أن تلك العطاءات غالباً ما تتخذ صورة نصوص كلية جامعة تسمح بإعادة فهم الإشكاليات الكبرى ، وذلك دون الإخلال بمتطلبات استمرار فكرة ومنطق الاختبار والامتحان . وفي تقديرنا فإن الإشكاليات الفكرية المرتبطة بعالم الغيب تعد ميداناً مثالياً لاختبار مدى صحة ما أشرنا إليه .
لقد ذكرنا أننا لن نحاول تجاهل الإشكاليات الموروثة ، بل سننطلق مـن أن نصوص الوحي تستوعبها وتيسر أمر التعاطي معها . والواقع أن ذات الأمر سيتـكرر مع أية إشكالية أو مشكلة معاصرة . أي أننا سنستحضر - كخلفية للطرح - مجمل الواقع المتحرك والمتغير الذي يفصل بين عصر النبوة ولحظتنا الراهنة ، وسنفترض أن النص المقدس يستوعبه وييسر أمر التعاطي مع إشكالياته ومشكلاته ، وذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة .
وحين ننجح في إشاعة ذلك الوعي فإن القارئ الكريم ليس لـه أن يفاجأ حين يجد أن النصوص القرآنية تشتمل على الكثير من العطاءات الاستباقية الكامنة . وبالتوازي مع ذلك فإن القارئ الكريم الذي يتفهم الرؤية التي ننطلق منها في إعادة فهم الكثير من نصوص الوحي ليس لـه أن يتوقع أن ما سنطرحه سينسجم مع وعيه وقناعاته .
إننا نحاول - بطريقة غير مباشرة - استحضار الواقع المتحرك الذي يفصل بين عهد النبوة ولحظتنا الراهنة ، ونفترض أن نصوص الوحي تتحرك مع ذلك الواقع - عن طريق استيعابها لـه - وستظل تتحرك مع العصـور القادمة إلى قيام الساعة . وفي تقديرنا فإن إشارة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أنه سيبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد للمسلمين أمر دينهم كان يستهدف ترسيخ ما أشرنا إليه ، بحيث تكون العقول مهيأة لقبول العطاءات القرآنية الجديدة ، وتجديد الوعي ومسيرة الحياة تبعاً لمقتضيات تلك العطاءات (

[22]).

لقد تحدثنا عن الاجتهاد وعن النتائج المتوخاة منه والإخفاقات العديدة التي صاحبته والهواجس والمخاوف التي يثيرهـا . ولا شك أن وجود كل هذه الأبعاد يستدعي تحديد الضوابط التي ينبغي أن تتحقق في أي اجتهاد يمكن أن يطرح في سبيل استكشاف عطاءات الوحي الاستباقية الكامنة .وفي تقديرنا فإنه يوجد أربعة ضوابط أساسية على هذا الصعيد ، وهي :
أولاً : أن يكون الاجتهاد متجهاً نحو استحضار نصوص الوحي والانتصار لها لا استبعادها أو النيل منها . ويلحق بذلك ضرورة أن يكون الموضوع المعاصر تابعاً للنصوص لا أن يكون ذلك الموضوع هو الأصل ثم تطوَّع النصوص تبعاً له .
ثانياً : أن يكون الانتصار لقضايا الإيمان وحسن العبادة ومتطلبات حسن إكمال المسيرة البشرية هو الموقف المبدئي الذي ننطلق منه ونستصحبه ونستهدفه ونحاكم إليه كل الأفكار المطروحة ، وذلك في إطار خلفية عالمية الرؤية وإنسانية النـزعة .
ثالثاً : أن يكون العقل - لا الوجدان أو العاطفة أو ما وجدنا عليه آباءنا - هو أداة فحص واختبار وتدبر كل أفكار الكتاب . ولعلمنا بأن الوعي الديني السائد يحمل حساسية إزاء قضية العقل والعقلانية فإننا نبادر إلى التذكير بأن تلك الحساسية لا مكان لها على مستوى نصـوص الوحي ، بل إن نقيضها هو الموجـود . فالعقل هو مناط التكليف ، ومن لا عقل لـه لا تكليف عليه ، ونصوص الوحي تمجِّد الذين يعقلون ويفقهون ويتدبرون . أما الحساسية إزاء قضية العقل والعقلانية فهي نتاج ممارسات شهدت اندفاعاً خاطئاً نحو فهم واستيعاب صورة الغيب التي تفوق حدود الوعي والإدراك البشري ، وحين لم ينجح المندفعون في تحقيق النتائج المرجوة توهم بعضهم أن النص الديني يناقض العقل ، أو ممارسات حديثة تنتسب إلى مرجعية أخرى أحادية النظرة قصرت العقل على ما تعرفه وتطرحه وعدَّت ما عداه جهل وظلام . وحين نجعل الممارسات التاريخية والحديثة هي المصدر الذي يشكل وعينا فإننا نصبح حينئذ أقرب إلى تلك الممارسات منا إلى نصوص الوحي . والواقع أن أمر الحساسية إزاء العقل لا يرتبط فقط بالوعي السلبي الذي خلَّفته الممارسات السابقة ، بل يرتبط أيضاً بانخفاض درجة الوعي بكل من إمكانات العقل ونقائصه ، إضافة إلى عدم اكتشاف صورتَي الاختبار والامتحان غير المباشرتين اللتين تتجسد من خلالهما الوظيفة الدنيوية التي تؤديها نصوص الوحي . ذلك أن درجة النفور من الطرح العقلي تنخفض إذا ما علمنا بأن نصوص الوحي تقدم ما يسمح باستخدامها في طرح الشبهات وصور الفهم والتطبيق المناقضة لمتطلبات حسن علاقة الإنسان بالله وعلاقته بنفسه وبما سواه ، وكذلك إذا ما علمنا بأن تلك النصوص تستوعب غيب الحياة وتتطلب اجتهاداً مستمراً يكشف ذلك الاستيعاب كلما تقدم الزمن .
رابعاً : تجنب نقل النتائج المستقاة من الاجتهادات الجديدة إلى غير زمانها . وبما أننا سنطرح من خلال هذا الكتاب الكثير من الاجتهادات التي تخالف معطيات الفقه السائد ، فإن ذلك يثير التساؤل حول أحوال ومسؤوليات المكلفين فيما مضى ؟. وهنا نود التأكيد على أن مسؤولية المكلفين تتحدد تبعـاً للإمكانات التي كانت متاحة لهم والمستويات المعرفية التي كانت متحققة في أزمنتهم ، وأنه لا يصح استخدام الاجتهادات الجديـدة للحكم بإيجابية أو سلبية مواقف المكلفين في أزمنة سابقة ، بل إن أولئك المكلفين قد يفضلون من يتبنون الاجتهادات الجديدة المستوفية لضوابط الاجتهاد ، وذلك بحكم مختلف العوائق والصعوبات التي واجهتهم والتضحيات التي قدموهـا في سبيل حسن القيام بالمسؤوليات النابعة من الإمكانات التي كانت متاحة لهم والمستويات المعرفية التي كانت متحققة في أزمنتهم .
إننا نحاول تجديد فهم الوحي واكتشاف عطاءاته الجديدة . وحين ننجح في الوصول إلى مستوى معرفي جديد ، ويكون مستوفياً لضوابط الاجتهاد العقلانية والأخلاقية فإن حدود ومواضع المسؤولية تتغير ، سواء على نطاق واسع أو على نطاق محـدود ، وقد تختلف كثيراً عن الحدود والمواضـع السابقة ، كما قد تختلف تبعاً لها تكييفات ومن ثم أحكام بعض التكاليف ، وذلك نتيجة اكتشاف خصوصية ونسبية امتداد بعض النصوص أو لغير ذلك من الأسباب . إلا أنه ينبغي التنبُّه إلى أن من أهم ما يظل يجمع بين وضع ما قبل التغيير وما بعده هو اشتمال الوضعين - بصورة إجمالية وعامة - على مراتب الفهم والتطبيق المحددة للمسؤولية في زمنين مختلفين ، ودلالتهما - أيضا بصورة إجمالية وعامة - على الجهود اللازمة لاجتياز الاختبار والامتحان في ظل صورتين مختلفتين . ورغم ما يوحي به التغيير من سلبية صور الفهم والتطبيق السائدة فإن ذلك لا يصدق على صور الفهم والتطبيق التي يتحدد محل المسؤولية تبعاً لها ، وذلك حين يتم النظر إليها في إطار معطيات زمانها ومكانها . ومهما ألح علينا السؤال حول قضايا المسؤولية والهداية والضلال فإن علينا أن نتذكر دوماً أن اختلاف مضامين اعتقادات المسلمين وجهودهم من عصر لآخر هو بمثابة الوضع الطبيعي والتلقائي الذي لا مناص من حدوثه ، بل ولا مناص من اختلاف تلك المضامين من مسلم لآخر في إطار الزمان الواحد والمكان الواحد ، وذلك نظراً للاختلافات الهائلة التي تتسم بها إمكانات وقدرات المكلفين الذاتية والموضوعية ووجود الكثير من القضايا الدينية التفصيلية التي تتطور وتتغير وتقبل الاختلاف حولها ، بالإضافة إلى كون ذلك يعد نتيجة طبيعية من نتائج وجود فكرة ومنطق الاختبار والامتحان . على أن المهم في النهاية هو أن ننظر إلى الطابع العام لمضامين اعتقاد كل مسلم ومضامين جهوده والنوايا التي صاحبتها ، وأن نتساءل عما إذا كانت تلك المضامـين قد استهدفت تحقيق وخدمة متطلبات حسن العلاقة بالله وحسن عبادته ؟ وهل كان بالإمكان تحقيق ما هو أفضل منها في إطـار الإمكانات الذاتية والموضوعية للمكلفين ؟. وبعد أن نجيب على هذه التساؤلات يمكننا أن نعيد طرحها على صعيد متطلبات حسن العلاقة بالنفس وبالغير ، ثم نعيد طرحها أخيراً على صعيد متطلبات حسن العلاقة بالكون .
وفي سبيل التمكين لعطاءات الوحي الجديدة فإننا سنكون على موعد مع أربعة روافد ثقافية تعد في اللحظة الراهنة أبرز مشكلاتنا وأكثر ما يحول دون الإصـلاح الثقافي المنشود ، وهي معضلة الإمامة والعصمة عند الشيعة الإمامية ، ومعضلة فكر التكفير والعنف في إطار مدرسة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ، ومعضلة الهيمنة الثقافية الغربية ، ومعضلة ثقافة الاستبداد التي رسخها الحكم العائلي وشبه العائلي منذ أمد بعيد . وهـذه المعضلات الأربع لن يتم التعاطي معها انطلاقاً من معايـير الماضي أو الحاضر ، بل سيتم التعاطي معها انطلاقاً من معايير الرؤية المستقبلية التي نطرحها . أي أننا سنسعى إلى إحداث قطيعة معرفية مع هذه الروافد ، وهو أمر لا يصح سحبه أو النظر من خلاله إلى أعمال المكلفين فيما مضى . ستقتضي متطلبات الإصلاح إظهـار أسوأ ما في هـذه الروافد الثقافية وتجريدها من ظروفهـا الزمانية والمكانية لتتم مقارنتها بالأوضـاع المستقبلية المأمولة . على أننا سنستند في ذلك إلى نصوص الوحي ، وسنجد أنها مسكونة بالبعد الإصلاحي والتأهيلي وتدفـع باتجاه إحداث هذه القطيعة .
ننتقل الآن إلى أهم ما تحمله هذه المقدمة ، وهو التعريف بالآليات الذهنية والمعرفية التي يمكن استخدامها للوصول إلى عطاءات الوحي الكامنة .وفي تقديرنا فإن أبرز تلك الآليات هي :
1-التسليم ببشرية التراث ، وذلك من خلال الإقرار بتاريخيته والنظر إليه في إطار أبعاده وحدوده الزمانية والمكانية .
إن التراث الإسلامي لم يتشكل في فراغ ، بل انطلق من مقدمات ومعطيات معينة وتأثر بظروف وأحوال محددة . وحين ننقله إلى غير زمانه وغير مكانه فإننا ندخله إلى مقدمات ومعطيات مختلفة وظروف وأحوال مغايرة . ومن ثم فإنه ليس لنا أن نتوقع له أن يُحدث ذات الأثر وأن تكون لـه درجة الفاعلية والصلاحية ذاتها . إن أقوال البشر تفقد جزءاً من صحتها وفاعليتها وصلاحيتها وتتقادم تدريجياً كلما تغيرت الظروف والأحوال . وحين نجرد تلك الأقوال من أبعادها الزمانية والمكانية فإننا نخلع عليها أهم سمات الوحي . ذلك أن النصوص المتجاوزة لحدود الزمان والمكان هي فقط نصوص القرآن الكريم وبعض نصوص الأحاديث النبوية (

[23]). ولذلك فإنه يتوجب علينا أن نبقي التراث في موقعه وأن ننظر إليه من موقعنا ، أما حين نأتي به إلى موقعنا فإننا نعود نحن إلى موقعـه .

لقد سبق أن أشرنا إلى أن استيعاب النصوص القرآنية لمجمل تطورات الحياة يعني أنها تحمل عطاءات جديدة في كل مرحلة تاريخية ، كما ذكرنا أن الأحاديث النبوية في مجملها تحمل عطاءات خاصة أو مرحلية ومؤقتة . وترتيباً على ذلك فإن التواصل مع عطاءات الوحي العامة والممتدة يتطلب تنسيب بعض الأحاديث النبوية وتجاوز جانب من التراث كلما ظهر عطاء قرآني جديد . والواقع أنه لا سبيل إلى ذلك مالم نسلم بأن التراث هو بالضرورة متقادم وتاريخي وأن عطاءات الوحي العامة والممتدة تتجاوزه باستمرار كما أن تطورات الحياة تنال من صحته وصلاحيته بصورة تلقائية ، سواء كان ذلك التراث منسوباً لأئمة آل البيت عند الشيعة أو كان منسوباً للسلف أو لأئمة الفقه عند أهل السنة . وهنا نود التأكيد على أنه على الرغم من التفاوت الكبير بين فكرة عصمة بعض آل البيت وبين فكرة اتباع السلف ، فإن المحرك للفكرتين والنتائج العملية لهما ليست شديدة التباعد .
إننا لا نقرأ الفكرتين في ضوء معطيات الماضي أو الحاضر . ولو فعلنا ذلك لتفهَّمنا الكثير من دوافع اللجوء إليهما ولأخذنا بالاعتبار الخلفية الاجتهادية والملابسات التاريخية التي تقف خلفهما ولقارنَّاهما بما عداهما من أفكار ولأدخلنا ذرائع الجهل والتأوُّل إلى مواقف معظم القائلين بالعصمة ، ولكننا ننظر إلى الفكرتين في ضوء المعايير المستمدة من الرؤية المستقبلية التي نسعى إلى تقديمها ، الأمر الذي يتطلب إظهارهما كفكرتين تصادمان التجديد وتؤديان إلى إضفاء أهم سمات الوحي على كلام غير الرسل والأنبياء وإلى فهم الأحداث والعوامل القدرية الحاكمة لوضع الإنسان والكون والحياة بطريقة عكسية .
لقد حمل القرآن الكريم على منطق التقليد وسفَّه أصحابه . وإذا كنا نقرأ بعض الأحاديث التي تتضمن إشادة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمقلدين والغـرباء ، فإن علينا أن نتذكر أن تلك الإشادة وردت في سـياق بعض النبوءات . والنبوءات تضمنت إشادة بالمقلدين والغرباء في زمن الجهل والفرقة وفساد الأمة والتفريط في الدين ، أما في غير ذلك الزمن فقد ظلت الإشادة من نصيب المجتهدين المجددين الذين يعملون على نقض منطق التقليد ويسهمون في القضاء على الفرقة وإزالة الغربة وإعادة الناس إلى الدين .
2-التسليم بتطور المعرفة البشرية الدنيوية . ورغم أن ذلك يعد من المسلمات المعرفية البدهية فإن وضع التقليد يكرس ويرسخ نقيض هذه المسلمة .
إن علينا أن نميز ونفصل بين الخيرية التي قد يتصف بها شخص من الأشخاص أو أمة من الأمم وبين المستوى العلمي والمعرفي والثقافي لذلك الشخص أو تلك الأمة ، فوجود إحدى الخاصيتين لا يعني ولا يستلزم ولا يؤدي إلى وجود الأخرى .
لقد كان مستوى وحجم المعرفة في زمن الدولة العباسية أغزر وأعمق وأوسع من مستوى وحجم المعرفة في زمن الخلافة الراشدة ، إلا أنه لا أحد يشك في أن مستوى الخيرية في عهد الخلفاء الراشدين كان أعلى بكثير منه في عهد العباسيين . ونفس المنطق يتكرر عند المقارنة بين مختلف الأشخاص ومختلف الأمم . والواقع أن رحلة النهوض البشري إنما تتقدم بفعل التطور والتصاعد في مستوى وحجم المعرفة البشرية الدنيوية ، وإن كان الأمر يختلف من أمة لأخرى بحسب نصيبها من شروط ومحفزات النهوض أو التخلف .
إن كل تطور أو إنجـاز علمي أو معرفي لا يحدث إلا بعد تراكمات علمية ومعرفية جزئية متعددة . وهذه التراكمات ثم التطورات أو الإنجازات لا بد أن تكون على حساب معارف أو ظنون أو ربما مسلمات سائدة أو حاضرة ، فالمعرفة البشرية الدنيوية في مجملها تتحسن وتتطور باستمرار ، وكلما تم الوصول إلى معارف جديدة كان ذلك بمثابة إعلان عن بدء طي صفحة معارف سائدة أو حاضرة . وحين ننظر إلى فترات فاعلية المسلمين الدنيوية وفاعلية غيرهم فإننا سنجد أنها فترات تكاثر فيها ظهور المعارف الجديدة وتقادم المعارف القائمة ، وبالمقابل فإننا سنجد أن الفترات التي انعدمت فيها الفاعلية الدنيوية هي فترات اضمحلت فيها المعارف الجديدة وامتدت المعارف القائمة .
إن معرفة الفرد يمكن أن تتحسن باستمرار ، حتى لمجرد أنه يعايش التطورات التي تحدث خلال حياته . ومن باب أولى فإنه يستطيع تجاوز وتخطي معرفة من سبقوه ، لا لشيء سوى أنه جاء بعدهم ، وبالتالي فقد أتيح له أن يحيط بما قدموه وبما قدمه غيرهم من معاصريه ، حتى وإن لم ينجح هو في تقديم أي شيء . فكيف بنا حين نتحدث عن إنسان عاش بعد معرفة دنيوية تعـود إلى القرن الماضي أو إلى ما قبل خمسة قـرون أوعشرة قرون ؟!
إن قدرة الفقيه أو العالم في عصرنا مقارنة بفقهاء وعلماء العصور الماضية لا تتحدد من خلال قدرته على تجاوز أو تخطي ما قدمه الأوائل ، بل تتحدد من خلال قدرته على تقديم ما يقل أو يوازي أو يفوق ما قدمه السابقون .
لقد ذكرنا أن النصوص القرآنية وبعض نصوص الأحاديث النبوية تستوعب مجمل تطورات الحياة منذ اكتمال نزول الوحي إلى قيام الساعة . أي أن تلك النصوص تستوعب مجمل تطورات المعرفة البشرية الدنيوية . ومن ثم فإن حديثنا عن جديد القرآن وعن عطاءات الوحي الاستباقية الكامنة هو في الواقع حديث عن مضامين الوحي التي تستبطن مجمل تطورات المعرفة البشرية الدنيوية وتقدم ما يناسبها وما يسمح بحل إشكالياتها ومشكلاتها . على أن أهم ما ينبغي التنبُّه إليه في هذا السياق هو أن التواصل مع العطاءات الاستباقية الكامنة يتطلب في الغالب تنسيب العطاءات القائمة وتجاوز المعرفة الحاضرة وأسس الطرح الثقافي الذي ارتبط بها واستند إليها ، بل وقد نجد أن بعض عطاءات الوحي الكامنة لا سبيل إلى التواصل معها إلا من خلال الحكم بمرحلية بعض العطاءات القائمة . ومن ثم فإن كل كشف عن عطاء قرآني جديد هو بمثابة تبشير بمعرفـة جديدة وأسس طرح ثقافي جديد وتنسيب لمعرفـة قائمة وأسس طرح ثقافي قائم ، ليس لخطأ في تلك المعرفة والأسس الثقافية وإنما لأن الوحي قد تجاوزها وأسس لغيرها . والواقع أن القارئ الكريم سيجد أننا مع كل فكرة أو مجموعة من الأفكار التي نطرحها سنتحدث عن مستوى معرفي جديد نرغب في الوصول إليه . فليكن واضحاً منذ الآن أن كل حديث عن مستوى معرفي جديد هو حديث عن معرفة جديدة وأسس طرح ثقافي جديـد وأن ذلك يعني تنسيب وبدء تقادم المعرفـة والوعي وأسس الطرح الثقافي القائم .
وعـودة إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يذكر فيه أن الله يبعث على رأس كل قرن من يجدد للمسلمين أمر دينهم ، فقد أشرنا إلى أن هـذا الحديث يحمل صـورة تقريبية وتشبيهية لقضية التجديد ، شأنه في ذلك شأن كل أحاديث الغيب الدنيوي المرتبطة بأحداث المستقبل البعيـد ، حيث تم تشبيه العطاءات الكامنة القابلة للاكتشاف بالمجددين وتم تحديد مواقيت زمنية تقريبية للتجديد تمثل متوسط الوقت المعتـاد لتجدد أو تطـور المعرفة البشرية .
3 - إعادة تحديد حجية الإجماع وقول الصحابي بما ينسجم مع تقادم التراث وعمومية وامتداد الخطاب القرآني وخصوصية ومرحلية مجمل الأحاديث النبوية .
لقد أشرنا إلى أن تجاوز مجمل نصوص الوحي لحدود الزمان والمكان هو الفارق الجوهري بينها وبين أقوال البشر . وتبعاً لذلك فإن تعدية أية أقوال بشرية لحدود زمانها ومكانها يفترض أن يظل مرهوناً بمدى صحتها من منظور من يستحضرها . أما الاستحضار الآلي والمطلق لتلك الأقوال فهو معادل لحالة إكسابها صفة الوحي ، حتى وإن نفى المستحضرون ذلك .
إننا لا نجادل في أنه مالم يتم اكتشاف عطاء قرآني كامن يخاطب الواقع الآني ويكشف الطابع الخاص أو المؤقت والمرحلي لأي عطاء سائد فإن الاحتجاج بالإجماع يظل مفهوماً وجديراً بالقبول ، باعتبار أن الرأي الذي اكتسب الإجماع هو نتاج تواصل قديم مع نصوص قرآنية أو نبوية لم يظهر أن لما تحمله طابع خاص أو مرحلي . أما حين يتم اكتشاف مثل ذلك العطاء فإنه لا يصح جعل الإجماع عائقاً أمام شيوع ما تم اكتشافه ، خصوصاً وأن ذلك سيؤدي إلى إعمال العطاء المجمَع عليه خارج نطاق امتداده الزماني والمكاني ، وذات الأمر ينطبق على قول الصحابي . ومن ثم فإنه ينبغي التواصل مع العطاء المكتشَف وتوفير كافة المتطلبات اللازمة لظهوره وشيوعه ، وذلك انطلاقاً من إيماننا بعالمية رسالة الإسلام وإيماننا بتجـاوز مجمل نصوص الوحي لحدود الزمان والمكان وحصولنا على الدلائل التي تجعلنا نطمئن إلى أنه قد آن أوان التواصل مع العطاء المكتشف أو إعمالـه .
وما دمنا في إطار الحديث عن العطاءات الاستباقية الكامنة فإنه ينبغي أن يكون واضحاً ومفهوماً أن تلك العطاءات قد تحمل تغييراً لتكييف المعـارف أو التكاليف أو الأحكام المستقرة ، إلا أنه ينبغي أن يكون واضحاً ومفهوماً أيضاً أن ذلك لا يعني خطأ تلك المعارف أو التكاليف أو الأحكام ، بل يعني أن امتدادها الزماني والمكاني قد بلغ مداه وأصبحت قابلة لتجاوزها أو تطبيق فكرة النسخ عليها . وفي كل الأحوال فإن المستويات المعرفية المتاحة للمكلفين تظل هي المرجع في تحديد مسؤولياتهم . أما نصيب تلك المستويات من الصحة والمشروعية فهو يعتمد على مدى قربها من قضايا الإيمـان وحسن العبادة ومتطلبات حسن إكمال المسيرة البشرية ، وذلك في ظل المستويات المعرفية المتحققة والإمكانات المتاحة لكل مكلف .
4 - إعادة تعريف القياس ، وإعماله بصورة صحيحة . ولعل ذلك يستدعي الإشارة إلى قضية النسخ على مستوى النص القرآني ، فقوله تعالى ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ....... ) (

[24]) يوضح بجلاء أن كل آية منسوخة لابد أن يتنـزل بدلاً منها آية أخرى . والصورة الواضحة لذلك تصدق على الآيات التي نزلت بشأن تحريم شرب الخمر . فكل صورة من صور التدرج التي حملتها تلك الآيات تتضمن نسخاً لحكم الآية التي عالجت الوضـع السابق . إلا أنه يوجد - في تقديرنا - نسخ آخر لم يتم التطرق إليه بعد ، وصور من النسخ الموهوم الذي لا وجود له .






المواضيع المشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ما هو الوحي ميرزا شام واحة اللّغة العربيّة 6 25-01-2015 08:47 PM
الوحي قرآن و سنة م/محمد ثروت المنتدى الاسلامي 3 01-02-2014 08:16 PM
طلب برنامج تحديد اللسرعة للشبكة او تحديد الداون لود bLAckoOo إدارة الشبكات و حلول ومشاكل الشبكات 3 21-09-2010 08:13 AM
قــطــرات الندى عذبـة ألأاطبـأع المنتدى العام 7 14-04-2008 06:35 PM
من دموع الوجد محمد فارس منتدى الشعر العربي والخواطر والنثر 3 29-11-2004 05:22 PM
01-03-2008, 05:56 AM
eXPerience badara غير متصل
الوسـام الذهبي
رقم العضوية: 73553
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 2,062
إعجاب: 371
تلقى 2,212 إعجاب على 265 مشاركة
تلقى دعوات الى: 3 موضوع
    #2  

أولى صور النسخ الموهوم تظهر عندما يتخيل أهل عصر ما أن فهمهم للقرآن هو الفهم الوحيد المتاح - إستناداً إلى معطيات زمانهم ومكانهم - ولا يخطر ببالهم أن تلك المعطيات قد تتغير في زمان قادم ومكان آخر ، فيستدعي ذلك التغير إعادة قراءة القرآن الكريم بصورة تؤدي إلى اكتشاف عطاء استباقي كامن .
فلنفترض أن ذلك التغير لم يحدث ، ولكن بعض فقهاء العصر الذي أشرنا إليه استطاعوا اكتشاف عطاء قرآني مخالف للعطاء السائد ولا ينسجم مع الظروف والأحوال السائدة . ترى كيف سيتصرفون إزاء ما اكتشفوه ؟. الغالب على الظن أنهم سيتعاملون معه على أنه منسوخ . ونحن نقـول إن ذلك النسخ موهـوم ، فالقرآن نزل ليخلـد إلى قيام الساعة ويخاطب كل البشر في مختلف العصـور . أما ما تراءى لأولئك الفقهاء منسوخاً فهو لا يعدو أن يكون عطاء قرآنياً يخاطب زماناً قادماً وأوضاعاً مغايرة ، وبالتالي فذلك العطاء غير منسوخ ، ولكن أوان استدعائه لم يحن بعد . والحال أن المرء يستطيع أن يعثر في الطرح الإسلامي عبر التاريخ على شواهد تعبر عن ذلك النسخ الموهوم .
أما ثاني صور النسخ الموهوم فهي تنتج عن القياس الخاطئ . فنحن نفهم القياس على أنه تعدية لحكم حالة منصوص عليها إلى حالة غير منصوص عليها لاتحادهما في العلة . وإذا صح أن هذه هي الصورة الصحيحة للقياس فإننا نبادر إلى القول بأن بعض تطبيقات القياس التي يحملها الفقه السائد لا تنتمي إلى هذه الصورة . فتلك التطبيقات تتضمن تعدية لحكم حالة منصوص عليها ، لا إلى حالة غير منصوص عليها ، بل إلى حالة أخـرى منصوص عليها ، ثم يُنظر إلى النص الأخير أو يتم التعامل معه على أنه منسوخ . ولعله لا حاجة بنا إلى الإشـارة بعد ذلك إلى اتحاد الحالتين أو عـدم اتحادهما في العلة .
إنه لا يلزمنا لنقض هذه التطبيقات الخاطئة سوى الإعمال الصحيح للقياس . ولنحذر من الاستدراك على المشـرع في ما شرع ، فالله تعالى يقول ( ........ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) (

[25]). وترتيباً على ذلك فإنه لا سبيل إلى ضرب أي نص قرآني بنص آخر بدعوى القياس ، وذلك مالم توجد حالة نسخ لا لبس فيها .

هذا عن النسخ الموهوم على مستوى النص القرآني . إلا أنه يوجد صورة ثالثة من صور النسخ الموهـوم ، ولكنها موجـودة على مستوى النص النبوي . وسيجد القارئ الكريم إشارة إليها عند تناولنا لموضوع السنة النبوية .
أما النسـخ الذي لم يتم التطـرق إليه بعد فصورته مرتبطـة بالمثـال الذي عرضناه عند حديثنا عن أولى صـور النسخ الموهـوم . لقد بنينا تحليلنا لتلك الصـورة على أساس افتـراض أن التغير الزماني والمكـاني لم يحدث ، وأن اكتشـاف العطاء القرآني الذي لم يـحن أوان استدعائه قد أفضى إلى القول بالنسخ .
والآن ، لنفترض أن التغير قد حدث فعلاً ، وأن أحوال الزمان والمكان قد تبدلت بصورة جذرية ، وأن ذلك التبدل قد ألقى بظلاله على قضية معينة ، ولتكن قضية التعامل مع الآخر ، بحيث لم يعد ممكناً تطبيق الحكم القديم عليها ، أو أن التطبيق سيؤدي إلى الإخلال بالحكم أو إهداره . وفي تلك الأثناء أمكن الوصول إلى عطاء قرآني جديـد يعالج ما استجد على أرض الواقع بصورة حاسمة . حينئذ بماذا نستطيع وصف الحكم القديم ما دمنا قد اقتنعنا بالحكم الجديد وحكمنا بشرعيته ؟.
نعتقد أنه يمكن القول بأن ذلك الحكم قد أصبح في حكم المنسوخ . ولنتذكر أنه يفترض بنا إطلاق هذا الحكم بعد أن نكون قد صححنا وعينا بالقرآن الكريم ، وتعامَلنا معه على أنه نص حي ممتد عبر الزمان والمكان ، ويخاطبنا وكأنه يتنـزل علينا في هذه اللحظة . والواقع أنه يمكن التمييز بين نوعين من أنواع النسخ داخل إطار الصورة التي تم عرضها ، فالنسخ إما أن ينبع من وجود أحكام ذات طابع خاص أو مؤقت ووجود أحكام بديلة لها يمكن وينبغي إحلالها محلها وهو ما سنطلق عليه اسم النسخ الإحلالي ، أو أن النسخ ينبع من وجود أحكام ذات طابع خاص أو مؤقت إلا أنه لا يوجد أحكام بديلة لها بل توجد إمكانية لتغييرها أو تعليقها من قبل جماعة المسلمين وهو ما سنطلق عليه اسم النسخ التفويضي .
5 - ربط معطيات الموضوعات الخاضعة للبحث بتطورات الزمان والمكان كلما كان ذلك ممكناً . والواقـع أن هذه هي الآلية التي سيتم اللجوء إليها في مجمل الاجتهادات التي يحملها هذا الكتاب . ذلك أنه إذا كان الوحي يستوعب مجمل غيب الدنيا وإذا كان اكتمال نزوله يعد بمثابة شاهد على حدوث نقلة على صعيد العوامل القدرية الحاكمة لوضع الإنسان والكون والحياة ، وذلك من خلال تقلص دور الأحداث ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب وتعاظم دور العوامل ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة ، فإنه ينبغي ربط معطيات الموضوعات الخاضعة للبحث بتطـورات الزمان والمكان لاكتشاف طبيعة ذلك الاستيعاب وتلك النقلة .
إن ربط النصوص بتطورات الزمان والمكان قد يؤدي مباشرة إلى تجديد المعرفة حول بعض القضايا أو إعادة تكييف التكاليف المستقرة نتيجة اكتشاف خصوصيتها أو طابعها المؤقت ، وفي هذه الحالة فإن إعمال العطاءات الاستباقية الكامنة أو التواصل معها إما أن يتم عن طريق تطبيق فكرة النسخ الإحلالي على الأحكام المستمدة من التكاليف التي أُعيد تكييفها ، وذلك حين يتبين وجود أحكام بديلة مستمدة من ذات التكاليف أو من تكاليف أخرى تحملها العطاءات الكامنة أو أن يتم الإعمال أو التواصل من خلال تطبيق فكرة النسخ التفويضي ، وذلك حين لا توجد أحكام بديلة ويتضح أن الأحكام القائمة مرتبطة بعللها ، ومن ثم فإن النسخ التفويضي لتلك الأحكام من شأنه أن يوفر للمسلمين إمكانية تغييرها أو تعليقها وفقاً لأوضاع عللها .
والواقع أنه لا سبيل إلى تحقيق أي من هذه التغييرات ما لم تكن حجية الإجماع قد تحددت بصورة تفقده امتداده الزماني كلما سمحت نصوص الوحي بذلك . إنه لا يكاد يوجد ما هو أصعب من تغيير ما هو مستقر وراسخ في الوعي ، وتزداد الصعوبة حين يتعلق الأمر باكتشاف خصوصية بعض النصوص أو نسبية امتدادها ومن ثم تجديد المعرفة أو إعادة تكييف التكاليف أو الأحكام المستمدة منها ، إلا أن مما يخفف من هذه الصعوبة كون ذلك يعد من مقتضيات الاختبار والامتحان ومن لـوازم التواصل مع عطاءات الوحي الاستباقية الكامنة .
إنه لا مجال في إطـار المنهج المعرفي الذي نطرحه للاحتجاج المطلق والمطمئن بالمعرفة المستقرة ، فالتسليم بوجود العطـاءات الاستباقية الكامنة يقتضي النظر إلى القرآن الكريم وكأنه يتنـزل منذ أولى لحظات نزوله التاريخي وأنه يتنـزل في عصرنا وسيظل يتنـزل إلى قيـام الساعة ، بما يتطلبه ذلك من التهيؤ لاستقبال مفاهيم وتكاليف وأحكام جديـدة وبالتالي خوض أطـوار متجددة من الاختبار والامتحـان والنظر إلى كل حقبة زمانية في إطـار ما يفترض أن تتسم به من خصوصية من حيث المعرفة والتكاليف والأحكام والمفاهيم وحـدود ومواضع المسؤولية .
6 - التمييز الدقيق بين شرع من قبلنا وقصص من قبلنا . والواقع أنه ينبغي التنبُّه إلى أن الإسلام لا تعبر عنه رسـالة محمد صلى الله عليه وسلم فقـط ، بل تعبر عنه رسالات كل الرسل والأنبياء . وإذا كان حسن استحضار هذه الحقيقة من شأنه أن يسهم في إعـادة بناء وعينا التاريخي والإنساني ، فإن من شأنه أيضاً أن يسهم في تجلية الفارق بين شرع من قبلنا وقَصص من قبلنا . وما نفهمه هو أن شرع من قبلنا يتمثل في الكتب السماوية السابقة ، سواء بعرض أسمائها والإشارة إليها في بعـض الآيات ، أو بذكر بعض ما تضمنته في آيات أخرى . أما ما عدا ذلك فهو قَصص من قبلنا معروض في قرآننا ، لا للتسرية عنا وتغذية خيالنا الفني ، بل لهدايتنا في كل عصر . ولنتذكر في هذا السياق ما سبق أن أشرنا إليه مراراً من أن الأسلوب القرآني يتدرج من المباشرة والوضوح إلى الإيحاء وعدم المباشرة ، وذلك بحسب مدى اتصال الآيات القـرآنية بقضايا أصل الدين وقضايا فرعه الجلي وعطاءات الوحي الاستباقية الكامنة . وترتيباً على ذلك فإنه ينبغي استحضار مضمون ودلالات القَصص القرآني بنفس الصورة التي يتم بها استحضار الآيات المباشرة التي لا تحتوي على أي عرض قصصي .
7 - التمييز الدقيق بين موضوعـات القرآن المكي وموضوعـات القرآن المدنـي . فالقرآن المكي - كما نفهمه - يركز على التأسيس لقضيتَي الإيمان وحسن العبادة ويعرض أهم متطلبات تحقيق الاستقامة الفردية ومنهج التغيير الذي ينبغي الاستهداء به ثم يعمل على تهيئة المسلم وإعداده لمرحلة بناء المجتمع من خـلال عرض أهم متطلبات الانتقال إلى تلك المرحلة . أي أنه يمكن وضـع القرآن المكي بكامله تحت عنـوان [ بناء الفرد المسلم ] .
والواقع أنه لا يلزمنا للتحقق من ذلك سوى الافتراض بأن القرآن المكي يتنـزل على مجتمع معاصر لا يوجد فيه سوى مسلم واحد . وسنرى من خلال أفكار الكتاب أن الآيات المكية تتناول قضايا الإيمان وحسن العبادة وقضايا الاستقامة والتغيير والتهيئة لمرحلة بنـاء المجتمع . وفي ظل مثل هذا الوضع التصاعدي فإنه يفترض أن يتزايد عدد المسلمين باستمرار إلى أن يصبحوا هم الأغلبية في ذلك المجتمع الافتراضي المعاصر . وهنا تبدأ مرحلة أخرى وهي المرحلة المدنية . وفي تقديرنا فإن القرآن المدني يمكن وضعـه تحت عنوان [ بناء المجتمع المسلم ] . ولنعُد إلى مجتمعنا الافتراضي المعاصر الذي أصبح المسلمون يشكلون غالبية أفراده ، ولنحاول فهم القرآن المدني من خلال الافتراض بأنه يتنـزل على أفراد ذلك المجتمع . وفي تقديرنا فإن أفكار الكتاب تحاول الاستهداء بهذا الوضع بصورة غير مباشرة . على أننا في كل الآيات التي سنعرضها سندع للقارئ الكريم جانباً من مهمة استشعار مكامن أصل الدين وفرعه الجلي وعطاءات الوحي الكامنة وأسلوب القرآن الكريم في التعبير عن كل منها .
ونختم حديثنا هذا بالإشارة إلى أن هذا الكتاب هو عبارة عن تفسير فكري للقرآن الكريم من منظور وعي وتطورات وأوضاع القرن الخامس عشر الهجري . وبالتالي فإن ما سيشغلنا هو استقصاء وتتبع الدلالات الجديدة التي يمكن استنباطها من الآيات القرآنية . وهذه الدلالات قد تظهر وتتبدى بمجرد وضع الآيات في سياق مختلف عن السياق المعتاد أو بمجرد إعادة تحديد وزنها النسبي وإظهار الحيز الذي تشغله .
هذا التتبع للدلالات الجديدة يقتضي تجنب الخوض في التفاصيل والتفريعات والاستنتاجات قدر الإمكان ، ولذلك فإنه بمجرد اتضاح الدلالة وتكاملها سيتم الانتقال إلى غيرها بغية الإحاطة بدلالات مجمل الآيات القرآنية .



[1] - [المؤمنون:115-116]



[2] - [الأنبياء:16-18]



[3] - [ص:27-28]



[4]- [هود:7]



[5]- [الملك:2]



[6]- [الإسراء:60]



[7]- [المدثر:31]



[8]- [البقرة:155]



[9]- [البقرة:214]



[10]- [الأنعام:42]



[11]- [الأعراف:94]



[12]- [الأنبياء:35]



[13]- [آل عمران:186]



[14]- [محمد:4]



[15]- [الفرقان:20]



[16]- [الأنعام:165]



[17]- [الأنفال:28]



[18]- [التغابن:15]



[19]- [محمد:31]



[20]- [الكهف:7]



[21] - [المائدة:48]



[22]
- انطلاقاً من ضرورة حماية الصورة الحقيقية للغيب الدنيوي من الانكشاف قبل أوانها فإن حديث تجديد الدين على رأس كل مائة سنة يقدم صورة تقريبية للحقيقة الغيبية التي ينبئ عنها ، وهي إمكانات التجدد القرآني الزمانية ، وفق ما سيتبين لاحقاً .



[23]- يشتمل الوحي على بعض النصوص ذات الطابع المرحلي والمؤقت ، وفق ما سيتبين من خلال موضوعات الكتاب .



[24] - [البقرة:106]



[25] - [مريم:64]

01-03-2008, 06:02 AM
eXPerience badara غير متصل
الوسـام الذهبي
رقم العضوية: 73553
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 2,062
إعجاب: 371
تلقى 2,212 إعجاب على 265 مشاركة
تلقى دعوات الى: 3 موضوع
    #3  

( الباب الأول )
الفصل الأول : القضــــاء والقـــــدر



لو أعدنا تأمل الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر القضاء والقدر بصورة مباشرة ثم تأملنا مدلولات هذين المصطلحين في ضوء أقصى ما وصلت إليه حقائق العلم في عصرنا فإننا سنخرج بنتيجة مدهشة ومؤكدة وصارخة ، وهي أن الحقائق التي تنبئ عنها العلوم العلمية والإنسانية تمثل الجزء الأكبر والأعمق من مضامين القضاء والقدر ، وذلك إلى أبعد مدى يمكن تصوره !!.
إن أكثر المواضع التي ورد فيها ذكر القضاء والقدر هي المواضع الدنيوية غير الغيبية التي تتسم بالانضباط والانتظام والاستقرار ويتحقق فيها منطق السببية في أجلى صوره .
إن الآيات القرآنية تربط القدر بأبرز وأوضح القضايا الدنيوية المنضبطة والمنتظمة والمستقرة والخاضعة لمنطق السببية ، وهي قضية الخلق . يقول تعالى ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (

[1]) ، ويقول تعالى ( ..... وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) (

[2]). بل إن المحطة الأبرز لورود مصطلحَي القضاء والقدر هي محطة الأحداث أو المشاهد الأكثر انضباطاً وانتظاماً وخضوعاً لمنطق السببية وارتباطاً بالعالم الدنيوي ، حيث يقول تعالى عن الليل والنهار والشمس والقمر ( فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) (

[3]). ويقول تعالى عن حركة الشمس وحركة القمر ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) (

[4]). ويقول تعالى عن السماوات والنجوم ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) (

[5]). ويقول تعالى عن الثروات والموارد ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) (

[6]).
وإذا صح أن الحقائق التي تنبئ عنها العلوم العلمية والإنسانية تمثل الجزء الأكبر والأعمق من مضامين القضاء والقدر فإن التساؤل لا بد أن يثور حول أسباب المسـار المختلف الذي اتخذه هـذا الموضوع ، بحيث أصبح عنواناً للتفسيرات الغيبية ومصادمة منطق السببية والنفور من حقائق العلوم الاجتماعية ؟!.
هنا نعود إلى حقيقة يمكن أن تقلب الوعي والتفكير الإسلامي لو أتيح لها أن تشيع وتستقر ، وهي أن لحظة ختم النبوة تعد لحظة فاصلة بين نوعين من الأحداث والعوامل القدرية الحاكمة لوضع الإنسان والكون والحياة ، فقبل تغير ظروف وأحوال الزمان والمكان الذي شهد نزول الرسالة الخاتمة كانت الأحداث القدرية ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب ( إرسال الرسل والأنبياء ، إنزال الكتب ، إجراء المعجزات والكرامات ) تقع على نحو واسع ومتكرر ، وذلك لتأييد رسالات الرسل والأنبياء وللتعويض عن محدودية وتواضع الإمكانات والقدرات البشرية . وقد حظيت هذه الأحداث بعرض قرآني واسع ومتكرر ، وذلك لأغراض التأسيس الإيماني ولانسجامها مع واقع نزول الوحي ( أي التحقق المتتابع للأحداث القدرية المتصلة مباشرة بعالم الغيب ) منذ بدء البعثة إلى حين اكتمال الدين .
في إطار هذه المرحلة ولهذه الأغراض يبدو منطقياً وصحيحاً شيوع التفسيرات الغيبية والنفور من منطق السببية ومن حقائق العلوم الاجتماعية . أما بعد تغير ظروف وأحوال الزمان والمكان الذي شهد اكتمال نزول الوحي وانتهاء إرسال الرسل والأنبياء فقد اتخذ العلم الإلهي المتجدد المقدر وصوله إلى البشر صورة عطاءات استباقية قابلة للاكتشاف عن طريق البشر ، ومن ثم فقد انتقل تبعاً لذلك ثقل الدور الذي تلعبه الأحداث والعوامل القدرية من الاتصال المباشر بعالم الغيب إلى الاتصال الكلي بعالم الشهادة . أي أن الثقل انتقل من إرسال الرسل والأنبياء وإحداث المعجزات إلى توفير إمكانات التجديد العلمي للدين وتيسير فرص اكتشاف السنن والقوانين الدنيوية المستقرة والمنتظمة . وحين نتنبه إلى هذه الجوانب فإننا لن نجد غرابة في ارتباط مصطلحَي القضاء والقدر بالأحداث أو المشاهد الأكثر انضباطاً وانتظاماً وخضوعاً لمنطق السببية وارتباطاً بالعالم الدنيوي ، مثل حركة الشمس والقمر وسنن المخلوقات وصيرورة الثروات والموارد .
هنا يبدو منطقياً وصحيحاً الاتجاه نحو التفسيرات العقلانية أو الاستنباطية والتسليم بمنطق السببية والولع باكتشاف سنن عالم الشهادة أو العالم الدنيوي . أي الولع باكتشاف الحقائق التي تنبئ عنها العلوم العلمية والإنسانية .
إن ما حدث تاريخياً منذ اكتمال نزول الوحي هو إما انتهاء أو انحسار دور الأحداث القدرية ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب ( إرسال الرسل والأنبياء ، إنزال الكتب ، إجراء المعجزات والكرامات ) في مقابل تعاظم واتساع دور العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة ( السنن والقوانين المنتظمة والمستقرة ) .
هذه النقلة النوعية الكبرى على صعيد الأحداث والعوامل القدرية الحاكمة للإنسان والكون والحياة هي النتيجة المنطقية والطبيعية المترتبة على ختم الرسالات واكتمال الوحي . غير أن هذه الحقيقة لم تنعكس على التفكير والعطاء العلمي الإسلامي إلا خلال مراحل الاجتهاد وبغير تأصيل لهذه النقلة أو وعي بها . أما خلال مراحل التقليد فقد ظلت الثقافة الشائعة والمشروعة والمهيمنة هي ثقافة ما قبل اكتمال نزول الوحي وما قبل انتهاء أو انحسار دور الأحداث القدرية ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب ، وهو ما جعلها ثقافة مليئة بالتفسيرات الغيبية الظنية ومصادمة لمنطق السببية وشبه منقطعة عن العلوم العلمية والاجتماعية ، أو بالأصح عن العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة . وكلما اتسعت وتعاظمت عقلية التقليد وكلما استندت إلى مرحلة ما قبل اكتمال نزول الوحي ( مرحلة السلف ) أو امتدت بخصائص هذه المرحلة إلى مراحل أخرى - وهذا هو ما تفعله عقيدة الأئمة المعصومين عند الشيعة والكثير من الأفكار والمقولات عند أهل التصوف - كلما ترسخت هذه السمات الثقافية وتعاظم الشعور بالغربة وازداد الانفصال عن الواقع .
لقد اجتمعت العديد من العوامل والأسباب التي أدت إلى وضع موضوع القضاء والقدر ضمن هذا المسار ، ومن أهم هذه الأسباب سوء فهم الطبيعة العلمية للوحي . فالوحي إنما يعنى بتقديم المعلومات التي تخرج عن قدرات وإمكانات البشر ( المعلومات الغيبية ) . أما المعلومات التي تدخل ضمن قدراتهم وإمكاناتهم فإنه يكتفي بتقديمها في الحدود الوظيفية التي يقتضيها فهم وتصوير المعلومات ذات الطابع الغيبي .
إن المعلومات التاريخية التي وردت في القصص القرآني ينبغي أن تفهم ضمن وظيفتها الإيضاحية المسانِدة وفي حدود هذه الوظيفة . كما أن المعلومات المستقبلية لم تقدم إلا ضمن غلاف لغوي يحفظ غيب المستقبل وبما يخدم الوظيفة العلمية للوحي ، وهي تقديم المعلومات ذات الطابع الغيبي ، وذلك دون الإخلال بمقتضيات الاختبار والامتحان .
هذا عن السبب الأهم الذي أدى إلى ترسيخ التفسيرات الغيبية الظنية لأحداث وقضايا عالم الشهادة . ودون إنكار الأسباب العديدة التي أدت إلى شيوع هذا الخلل ، فإنه يهمنا الإشارة إلى الأسباب الآتية من عـالم السياسة . ذلك أن الانحراف السياسي الذي حدث منذ عهد بني أمية لم تقف آثاره المدمرة عند حدود هـدم ولاية الأمة وتشطيرها مذهبياً ومجتمعياً ودفع حركة الاجتهاد نحو عالم الغيب ، بل تجاوزتها إلى الاستغلال السيئ لموضوع القضـاء والقدر ووقف نموه وإبقائه عند مراحله الجنينية .
ماذا لو تطور الوعي بمفهوم القدر وتم صرفه إلى عالم السنن والإمكانات والطبائع الفردية والمجتمعية المنضبطة والمستقرة ؟
ماذا لو تم اكتشاف سنن وطبائع الاستبداد منذ وقت مبكر ؟
ألم يكن في ذلك ما يسمح بالتعرف على مقومات الاستبداد وركائزه ومحركاته وعوامل انبثاقه وقوته وضعفه ؟ وحينئذ ألم يكن من الممكن اكتشاف العلاقة الأكيدة بين الحكم العائلي وشبه العائلي وبين الاستبداد ؟ ثم ألا يؤدي ذلك إلى الدفع باتجاه البحث عن الحلول ؟
وحين يتم البحث عن الحلول فألم يكن من الممكن اكتشاف فكرة ولاية الأمة وإعـادة فهم قيمة الشورى ، خصوصاً وأن الوضـع الذي كان سائداً في عهد الخلفاء الراشدين يخدم ويعزز فرص الوصول إلى هذا الاكتشاف ، على الأقل من المنظور السُنِّي ؟ وحينذاك ألم يكن من الممكن اكتشاف وجود سنن وطبائع قدرية مناقضة لسنن وطبائع الاستبداد ؟!
هذه مجرد عينة للمسار الذي كان يمكن أن يتخذه الانطلاق الرشيد نحو حسن فهم موضوع القضاء والقدر .
إن الآيات القرآنية التي تناولت الجوانب المختلفة لموضوع القضاء والقدر تعرض الحدود القصوى لتلك الجوانب وتشدد على الصورة النموذجية للسلوك البشري من منظـور معايير الإيمان وحسن العبادة ، وتأخذ في الاعتبار طبيعة وعي وإمكانات واحتياجات مجتمع الرسالة ، وتقدم تلك الجوانب وفق مقتضيات التأهيل وخوض الاختبار والامتحان .
ووفق هذه المنطلقات فإن أهل العلم بمجرد تغير ظروف ومعطيات الزمان والمكان ستستثيرهم صورة الواقع ومستجداته وتعاظم دور العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة . وبفعل هذه الاستثارة فإن من الطبيعي أن تتعزز دواعي وإمكانات وفرص نمو الوعي والمدارك ، وهو ما يفترض أن يقود إلى إعادة فهم خطاب الوحي واكتشاف مضامينه العميقة وعطاءاته الاستباقية الكامنة . وسواء تحقق هذا الوضع أو تحقق غيره فإن الأمر يظل مرهوناً بإرادة عليا تيسر لإمكانات البشر - وفي مقدمتهم أهل العلم والسلطة والثروة - فرص النمو أو الضمور ، وذلك تبعاً لمقتضيات الاختبار والامتحان الذي يمرون به ، ومتطلبات إكمال المسيرة البشرية على هذه الأرض .
فلنأخذ من هذا الحديث قضية وعي وإمكانات واحتياجات مجتمع الرسالة ومرحلة اتساع وعمق دور الأحـداث القدرية ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب والتي لا تقبل المعرفة التامة والضبط أو التسخير ، ولنأخذ منه أيضاً قضية تغير الظروف والأحوال ومرحلة اتساع وعمق دور العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة والتي تقبل المعرفة التامة والاستخدام أو التسخير ، وهو ما تجسده معطيات العلوم العلمية والإنسانية بكل تفرعاتها .
إن عطاءات الوحي الكامنة على صعيد مسألة القضاء والقدر تكاد تدور بين هاتين القضيتين . إنها أشبه بعملية صعود من القضية الأولى التي يعنى بها الخطاب المباشر للوحي ، وذلك باتجاه القضية الثانية التي يعنى بها الخطاب الإيحائي غير المباشر . غير أن الخطاب الإيحائي غير المباشر لا يعنى فقط بموضوعات عالم الشهادة ، بل يعنى أيضاً بموضوعات عالم الغيب ، وذلك عبر تقديم متطلبات الارتقاء بمستوى المعرفة الجزئية والنسبية التي يستلزمها الوعي بتلك الموضوعات .
إن العطاءات الاستباقية الكامنة على صعيد مسألة القضاء والقدر تواكب رحلة الصعود البشري من الوعي التلقائي البسيط والمحدود إلى الوعي العلمي المنظم والواسع والمركب . ومثل كل إنجاز علمي بشري فإن الوصول إلى تلك العطاءات يتطلب المزيد من التعمق والتدقيـق والتوسع والتجديد انطلاقاً من معطيات الوضعين ( البسيط والمركب ) ودون الإخلال ببقية الجوانب التي أشرنا إليها في مستهل هذا الحديث . ورغم ذلك فإنه ينبغي التنبُّه إلى أن استكشاف العطاءات الاستباقية الكامنة التي تعالج جوانب الارتقاء الثقافي لا يكاد يتم إلا في إطار نصوص تسمح باستخدامها في طرح الشبهات وصور الفهم والتطبيق المناقضة لمتطلبات حسن علاقة الإنسان بالله وحسن علاقته بنفسه وبما سواه .
وإذا صح أن قضية القضاء والقدر خلال المرحلة التالية لتغير ظروف وأحوال مجتمع الرسالة تدور بصورة أساسية حول العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة فإن تفريط المسلمين في تحصيل العلوم العلمية والإنسانية هو تفريط في فهم واستيعاب الصورة المستقبلية الأوسع التي اتخذتها قضية القضاء والقدر .
من هنا فإن أول وأهم تصحيح ينبغي أن يحدث على صعيد فهمنا لقضية القضاء والقدر هو ربطها بالعلوم العلمية والإنسانية . ذلك أننا إذا تجاوزنا الجوانب ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب فإن القضاء والقدر ليسا سوى عنوانين لما ينبئ عنه خلق المخلوقات من علم وقدرة وإرادة وحكمة وما تشتمل عليه تلك المخلوقات من قوانين ونواميس وسنن . ومن ثم فإن القضاء والقدر هما أشبه بمحركين أو موجهين نحو ميادين العلوم العلمية والإنسانية ، باعتبارها ميادين العلم بالمخلوقات . وحين نصعد بوعينا لقضية القضاء والقـدر إلى هذا المستوى فإننا نكون قد أنجزنا أهم ما ينبغي إنجازه ، ولا يبقى بعد ذلك سوى تناول بعض الجوانب المتفرقة التي يستلزمها تحسين مستوى المعرفة الجزئية والنسبية حول القضايا ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب . وهـذا هو ما سنحاول فعله من خلال المباحث التفصيلية القادمة .



[1] - [القمر:49].



[2] - [الفرقان:2].



[3] - [الأنعام:96]



[4] - [يس:38-39]



[5] - [فصلت:12].



[6] - [الحجر:21]

01-03-2008, 06:03 AM
eXPerience badara غير متصل
الوسـام الذهبي
رقم العضوية: 73553
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 2,062
إعجاب: 371
تلقى 2,212 إعجاب على 265 مشاركة
تلقى دعوات الى: 3 موضوع
    #4  

( الباب التمهيدي : الفصل الأول : القضاء والقدر )
المبحث الأول : عالــم القضــاء والقــــدر



استناداً إلى عشرات الآيات التي عالجت الجوانب المختلفة لموضوع القضاء والقدر فإنه يمكننا القول بأن القدر هو : الصـورة المرادة لشواهد القدرات الكلية والمطلقة في الوجـود ( الخلق والمخلوقات ) . أما القضاء فهو الصورة المتحققة فعلاً .
وحين ننظر إلى السياق القرآني الذي ورد فيه استخدام مصطلحَي القضاء والقدر أو معناهما فإن بإمكاننا العثور على صورة صادقة لهذا التعريف ، وذلك وفق ما يمكن أن نلمسه من خلال تأمل قوله تعالى ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ )

[1]
فقوله تعالى [ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ ] يشير إلى القضاء ، أي الصورة المتحققة . وقوله تعالى [ بِقَدَرٍ] يشير إلى الصورة المرادة ، وهذا هو القدر .
ولعل أقرب تصوير لقضية القضاء والقدر يتمثل في وصف الله تعالى لعملية الخلق بأنها قوله للشيء ( ..... كُنْ فَيَكُونُ )

[2]
حيث يمكن القـول بأن لفظ " كـن " يشير إلى القـدر بكل ما يحمله من علم وإرادة وقدرة ، ولفظ " يكون " يشير إلى القضاء ، أي الصورة المتحققة فعلاً .
وإذا كان لنا أن نضرب مثلاً من حياتنا البشرية - ولله المثل الأعلى - يقرب الصـورة إلى الأذهان ، فإن عمليتيَ التخطيط والتنفيذ هما أقرب الصور في التعبير عن قضية القضاء والقدر . فلو افترضنا أن مهندساً معمارياً قرر بناء منـزل ، وكانت ملكية كل أدوات التخطيط والتنفيذ تعود لـه ، وأنه قام بالعمل كله دون أدنى خطأ . فإن ذلك المهندس يستطيع نسبة كل عمليات التخطيط إلى نفسه ، ونفس الشيء يمكن أن يفعله بالنسبة لعمليات التنفيذ ، كما أنه يستطيع الحديث عن ملكيته لكل أجزاء البناء . ومن ناحية أخرى فإن كل عملية منفذة هي نتاج لعملية تخطيط سابقة لها وحاكمة لسيرها . وإذا كان التنفيذ هو الصورة التي أصبح عليها المنـزل فإن التخطيط يشمل علماً سابقاً لدى المهندس بما هو مقدم عليه ، ويشير إلى إرادة ذلك المهندس وقدرته ، كما أن الخطة الموضوعة للبناء تعبر عن النظام المحكم الذي أريد للمنـزل أن يكون عليه .
وعودة إلى قضية القضاء والقدر حيث نجد صورة متكاملة لها في قوله تعالى ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا )

[3].
فقوله تعالى [ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ] يشير إلى الصورة المتحققة لكل شيء ، وهذا هو القضاء ، أما القدر فيشير إليه قوله تعالى [ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا] . وهكذا ، فإن حديث الله سبحانه وتعالى عن الخلق والمخلوقات هو من وجـه آخر حديث عن تفاصـيل القضاء المقدر ، سـواء تم التعبير عن تلك التفاصيل بمصطلح " الخلق " أو " الجعل " أو " التسخير " أو " السجـود " أو أي تعبير آخر . فحين نقرأ قولـه تعالى ( فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ]فنحن نتعرف على تفاصيل الصورة المتحققة فعـلاً ، أي القضاء . وحين نكمل بقية الآية فإننا سنجد قوله تعالى [ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ )

[4]
أي أن التفاصيل المتحققة هي نتاج القدر .
وهكذا نلمس مدى التلازم الوثيق بين مفهومَي القضاء والقدر ، فكل إشارة قرآنية إلى شواهد القدرات الكلية والمطلقة في الوجود هي في ذات الوقت إشارة إلى القضاء والقدر معاً ، حيث الصورة المتحققة هي صورة مرادة معلومة محكمة . ويمكننا بعد أن يستقر مفهوم القضاء والقدر في أذهاننا أن نتتبعهما في عشرات الآيات القرآنية ، مثل قولـه تعالى ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ )

[5]
وقوله تعالى ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ )

[6].

وقد يتم التعبير بمصطلح القدر للإشارة إلى أحـد عناصره ، كما في قولـه تعالـى ( قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ )

[7].
فالتقدير هنا يقصد به النظام المحكم الذي يكون عليه الإنسان في مرحلة النطفة . وقد يتم التعبير عن القضاء باستعمال لفظ هـدى ، أي : يسَّر ، كما في قوله تعالى ( وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى )

[8]
وقد يتم التعبـير عن القدر من خلال شرح مضمونه ، كما في قوله تعالى ( قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى )

[9]
.
وصورة القضاء المقدر موضوعها كل شواهد القدرات الكلية والمطلقة في الوجود ، وبالتالي فإن الحديث عن الخلق والجعل والتسخير ليس سوى حديثاً عن القضاء والقدر ، وإذا كان السجود والتسبيح يعبران عن أقصى درجات خضوع الإنسان المؤمن لله سبحانه وتعالى فإن سائر المخلوقات خاضعة لله من خلال القوانين والنواميس والسنن التي أودعها الله فيها . يقول تعالى ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ )

[10]
ويقول تعالى( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ )

[11].

وقد يتم التعبير عن الصـورة المتحققة لشواهد القدرات الكلية والمطلقـة باستخدام مصطلح القضاء مباشـرة ، كما في قولـه تعالى ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ )

[12].

وهكذا فإنه يمكن تتبع مفهوم القضاء والقدر في كل الآيات التي تحدثت عن الجوانب المعبرة عن القدرات الكلية والمطلقة في الكون والحياة . وكما أشرنا منذ قليل فإن تلك الجوانب ليست على مستوى واحد من حيث مدى إمكانية العلم بها أو استثمارها ، إذ يوجد جوانب يمكن أن تكون موضع علم بشري تام ومكتمل ويمكن استثمارها أو تسخيرها بصور متفاوتة ، وهو ما تجسده العلوم العلمية والإنسانية . وفي مقابل ذلك فإن هنالك جوانب لا تقبل أكثر من مستوى المعرفة الجزئي والنسبي ولا تقبل الضبط أو التسخير ، وهي الجوانب ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب . ولعل أهم ما يميزها هو أنه ينبغي الوقوف عند حدود معطيات النصوص التي تحدثت عنها ، إذ هي مما لا يقبل الخوض فيه بغير علم أو استخدامه دون يقين .
إن الجديد الذي تحمله تلك النصوص هو تقديم متطلبات تحسين مستوى المعرفة الجزئية والنسبية التي يحملها البشر حول تلك الجوانب والارتقاء به إلى أعلى مستوى ممكن . ولا شك أن تحقيق ذلك والتمييز بين هـذه الجوانب وبين ما عداها يظل من المهام التي لا سبيل إلى تحقيقها إلا عن طريق التناول الاجتهادي الملتزم بالضوابط العقلانية والأخلاقية المعتبرة . وفي تقديرنا فإن أحد أوجه الخلل التي أدت إلى عدم الوصول إلى المستوى المطلوب في فهم قضية القضاء والقدر ينبع من عدم إجراء ذلك التمييز على نحو مستمر .
لقد كانت الإمكانات والقدرات البشرية محدودة ومتواضعة ، وبالتالي فقد كان يتم التعويض عن ذلك بتكثيف وتعميق الأحداث القدرية ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب . أما بعد اكتمال نزول الوحي وختم النبوة فقد تضاءل دور تلك الأحداث ، وذلك في مقابل اتساع وتعاظم دور العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة . وما فعلته وستظل تفعله مسيرة العلم البشري هو تجسيد ذلك الانتقال بصورة واسعة وتصاعدية ، بحيث تعاظم وسيظل يتعاظم حجم الجوانب التي يمكن تكوين علم بشري تام ومكتمل حولها ، في حين أن حجم الجوانب الأخرى لم يشهد ولن يشهد أي تعاظم بل ربما شهد وسيظل يشهد ما هو عكس ذلك .
إن الإنجازات العلمية البشرية ينبغي أن تنعكس على فهم قضية القضاء والقدر ، ليس لأجل تجميل ذلك الفهم ، بل لأن هذا هو المسـار الذي اتخذته الأحداث والعوامل القدرية الحاكمة لوضـع الإنسان والكـون والحياة ، وذلك منذ اكتمال نزول الوحي وختم النبوة . وبغير ذلك سيتعذر الوصول إلى الكثير من عطاءات الوحي الاستباقية الكامنة .
إن ربط قضية القضاء والقدر بالجوانب ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب دون غيرها يكاد يشبه من بعض جوانبه مسألة قصر دلائل الربوبية على المعجزات وحدها . وإذا كان لمثل هذا الموقف ما يبرره خلال المراحل التي شهدت اتساع وتعدد حدوث المعجزات فإنه قد لا يوجد ما يبرره خلال المراحل التي شهدت اتساع وتعاظم دور العوامل القدرية ذات الصلة الكلية بعالم الشهادة . إذ بمثل ما أن مسألة الانتظام الكوني والسنن الكونية المستقرة أصبحت تمدُّ المستدل على قضية الربوبية بدلائل متعاظمة لا تكاد تقع تحت حصر فإن العلوم العلمية والإنسانية أصبحت تكشف عن جوانب معبرة عن القدرات الكلية والمطلقة لا تكاد تقع تحت حصر . ومن ثم فإن السنن والإمكانات والطبائع التي تحكم حركة الكون ومسيرة الحياة تعد أهم جوانب القضاء والقدر . ولا شك أن الميدان الأرحب الذي يسمح بتكوين علم تام ومكتمل حولها ويسمح بحسن استخدامها أو تسخيرها هو ميدان الحقائق التي تنبئ عنها العلوم العلمية والإنسانية بكل تفرعاتها .
لقد سبق أن أشرنا إلى أن خطاب الوحي ما كان لينبئ عن الصور المادية المجسدة لتلك السنن والإمكانات والطبائع ، فذلك كان سيصدم العقول ويهدم مضمون الاختبار والامتحان ، ولذلك فقد اكتفى خطاب الوحي بملامسة ميادين تلك الصور بكل قوة وبما يخدم قضايا الإيمان وحسن العبادة ولا يصادم وعي مجتمع الرسالة أو يهدم مقتضيات الاختبار والامتحان .
إن الآيات التي تتحدث عن الجوانب ذات الصلة المباشرة بعالم الغيب تقـدم حديثاً مباشراً ومكثفاً حول تلك الجوانب ، كما أنها تقدم بشأنها بعض الحديث غير المباشر الذي يسمح بتطوير مستوى المعرفة الجزئية والنسبية المستمدة منها . أما الآيات التي تتحدث عن الجوانب التي يمكن تكوين علم تام ومكتمل حولها فإنها تكتفي بلفت الأنظار نحو ميادين تلك الجوانب ، وبطريقة تلائم وعي السواد الأعظم من الناس في كل العصور . ورغم ذلك فإن من المهم القول بأن بعض أهم جوانب تلك الآيات وبعض أبعادها الكبرى لا تظهر وتتبدى إلا حين تكون ثمار العلوم العلمية والإنسانية حاضرة في الأذهان ، ويعاد فهم الآيات كلما تعاظمت وتجددت تلك الثمار .
لعله لا جديد في القول بأن الخلق والمخلوقات تخضع لقوانين ونواميس وسنن إلهية منضبطة ومستقرة وقابلة للاكتشاف والاستخدام أو التسخير ، أما ما يكاد يبدو جديداً بالنسبة للكثير من المسلمين فهو القول بأن السلوكيات والأوضاع الفردية والسلوكيات والأوضاع الجماعية تخضع لقوانين ونواميس وسنن إلهية منضبطة ومستقرة وقابلة للاكتشاف والاستخدام أو التسخير ، ومن الضروري بالنسبة للدعاة والمربين والمصلحين والسياسيين وكل دعاة التغيير أن يكونوا على وعي عميق بها .


[1] - [القمر:49].



[2] - [البقرة:117] ، [الأنعام:73] ، [النحل:40] ، [ يس:82 ].



[3] - [الفرقان:1-2]



[4] - [الأنعام:96]



[5] - [يس:38-39]



[6] - [الحجر:21]



[7] - [عبس:17-19]



[8] - [الأعلى:3]



[9] - [طه:50]



[10] - [الرعد:15]



[11] - [النور:41]



[12] - [فصلت:12]







الصفحة اللاحقة

01-03-2008, 08:38 PM
eXPerience badara غير متصل
الوسـام الذهبي
رقم العضوية: 73553
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 2,062
إعجاب: 371
تلقى 2,212 إعجاب على 265 مشاركة
تلقى دعوات الى: 3 موضوع
    #6  

شكراً إخواني على مروركم الكريم

موضوع له صلة بالكتاب
http://www.damasgate.com/vb/showthre...268#post832268

 


تجديد فهم الوحي

English

Powered by vBulletin® Version
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
The owner and operator of the site is not responsible for the availability of, or any content provided.
Topics that are written in the site reflect the opinion of the author.
جميع ما يُطرح من مواضيع ومشاركات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي مالك الموقع أو الإدارة بأي حال من الأحوال.