الحالة
موضوع مغلق

misr

عضو ذهبي
التسجيل
23/7/06
المشاركات
786
الإعجابات
6
#1
حقوق الإبداع الفكري بأنواعه في حكم الشريعة الإسلامية‏بقلم د/ محمد سعيد رمضان البوطى كلمة ‏(‏‏(‏الحقوق المعنوية‏)‏‏)‏ يراد بها في المصطلح الفقهي ما يقابل الحقوق المالية‏،‏ سواء منها ما يتعلق بالأعيان المتقوّمة‏،‏ أو بالمنافع العارضة‏.‏‏.‏ كحق البائع في الثمن وحق المشتري في المبيع‏،‏ وحق الشفيع في الشفعة‏،‏ وكحقوق الارتفاق وحق المستأجر‏.‏فكل حق لم يتعلق بمال عيني ولا بشيء من منافعه العارضة‏،‏ فهو حق معنوي‏.‏‏.‏ مثل حق القصاص وحق رفع الدعاوي وحق الطلاق والولاية‏،‏ وسائر الحقوق المتعلقة بالكرامة الإنسانية وعموم ما يدخل في معنى العرض‏.‏ونظراً إلى هذا كله فإن بوسعنا ن نقرر بأن ‏(‏‏(‏الحقوق المعنوية‏)‏‏)‏ لا علاقة لها بكل من حق الابتكار والاسم التجاري‏.‏ولعل كلمة ‏(‏‏(‏حق الابتكار‏)‏‏)‏ فيه من الاتساع ما يشمل صوراً وجزئيات كثيرة‏،‏ كحق التأليف وإبداع الصنعة ومدلول ‏(‏‏(‏الماركة‏)‏‏)‏ وعموم ما يسمى اليوم بالاسم التجاري‏.‏غير أن حديثنا هنا إنما يتناول التأليف دون غيره من المبتكرات الأخرى‏.‏ إذا تحدد المضمون المراد من هذا العنوان‏،‏ فلنبدأ بعرض السؤال التالي‏:‏هل الجهد الفكري في التأليف‏،‏ يورث صاحبه‏،‏ في ميزان الشرع‏،‏ أيّ اختصاص حاجز يتضمن معنى الحق؟والجواب‏:‏ نعم‏،‏ بل لا نعلم في هذا القدر خلافاً‏.‏ ومن أبرز ما يدلّ على ذلك‏،‏ ما هو ثابت من حرمة انتحال الرجل قولاً لغيره‏،‏ أو إسناده إلى غير مصدره‏.‏ بل كانت الشريعة ولا تزال‏،‏ قاضية بنسبة الكلمة والفكرة إلى صاحبها‏؛‏ لينال هو دون غيره أجر ما قد تنطوي عليه من خير‏،‏ وليتحمل وزر ما قد تجره من شرّ‏.‏ بل قد ذهب الإمام أحمد في تحديد هذا الاختصاص وتفسيره مذهباً جعله يمنع من الإقدام على الاستفادة بالنقل والكتابة عن مقال أو مؤلف عرف صاحبه‏،‏ إلا بعد الاستئذان منه‏.‏ فقد روى الغزالي أن الإمام أحمد سئل عمن سقطت منه ورقة كتب فيها أحاديث أو نحوها‏،‏ أيجوز لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردّها؟ فقال‏:‏ لا‏،‏ بل يستأذن ثم يكتب‏.‏إذن‏،‏ فالتأليف يورث صاحبه حقاً يتعلق بمحلّه الذي هو ثمرة جهد فكري أو علمي‏.‏ولكن ما هي طبيعة هذا الحق؟ أهو حق مادّي مالي‏،‏ أم هو حق معنوي خال عن شوائب النفع المادي أو المالي؟ونقول في الجواب‏:‏ في العصور الغابرة‏،‏ حيث كانت الإبداعات الفكرية والعلمية تنشأ داخل أفكار أصحابها‏،‏ ثم لا تستقر إلا بكتابتها على أيدي النساخ الذينَ كانوا يبذلون جهوداً شاقة في عملية النسخ والكتابة‏:‏ لم يكن يتجلى لهذا الحق أي معنى أو قيمة أكثر من مجرد اختصاص نسبة‏،‏ تكسب أصحابها كما قلنا المثوبة والثناء‏،‏ فيما هو مقبول ومستحسن وتعرضه للقدح والعقاب‏،‏ فيما هو مرفوض ومستهجن‏.‏ أما القيمة المالية فلم يكن ليبدو شيء منها منوطاً بتلك الإبداعات من حيث هي إبداع‏،‏ ومن ثم لم تطرح فكرة الحق المالي في التأليف في أي من تلك العهود الغابرة‏.‏والسبب أن القيمة المالية في الشيء إنما يبرزها العرف الاجتماعي‏،‏ إذ إن إقبال الناس على شيء ما بالاستفادة منه أو بالإعراض عنه هو الذي يلعب الدور في إعطاء ذلك الشيء أو عدم إعطائه القيمة‏.‏ولم يكن في مألوف الناس وعرفهم السائد أن جهداً فكرياً أو علمياً ظهر من خلال كتابة مرموقة على صفحات‏،‏ يقوّم بأي قيمة مالية‏،‏ ماعدا قيمة الورق والحبر والجهد الذي بذله الناسخ في الكتابة‏.‏‏.‏ ومهما استشعر الناس بفائدة عظيمة لمؤلَّف علمي أو فكري أو أدبي ظهر‏،‏ ومهما تسابقوا وتنافسوا للحصول عليه‏،‏ فإن القيمة المالية التي يمكن أن تقدر تلك الفائدة بها‏،‏ كانت تذوب إزاء قيمة الجهد الكبير الذي كان النساخ يبذلونه في سبيل رصد هذه الفائدة وتسجيلها‏،‏ بحيث تبدو قيمة النسخ مساوية أو أغلى من قيمة المضمون العلمي أو الفكري للكتاب‏.‏أما اليوم وقد ظهرت الآلات الطابعة التي تقذف الواحدة منها عشرات النسخ من الكتاب في الدقيقة الواحدة‏،‏ فقد اختلفت موازين الأمر‏.‏إنّ إخراج النسخة الواحدة مطبوعة مجلدة جاهزة للقراءة‏،‏ لم يعد يكلف إلا مبلغاً زهيداً من المال‏،‏ هو في مجموعه قيمة الورق والغلاف ونفقات الآلة وأجور العمل‏.‏‏.‏ يتبين ذلك عندما نقسم مجموع النفقات على عشرين ألف نسخة مثلاً‏.‏‏.‏ وأمام ضمور كلفة استخراج النسخة الواحدة‏،‏ تبرز قيمة المضمون العلمي له‏،‏ تلك القيمة التي ظلّت خفية أو ضامرة‏،‏ ضمن ضخامة القيمة التي كان يستحقها إخراج ذلك العمل العلمي‏.‏ولكن فمن الذي يستحق هذه القيمة المالية التي برزت اليوم لمضمون الكتاب بفضل ظهور وسائل الطباعة الحديثة؟ المؤلف‏،‏ أم الذي يقوم بدور الطباعة والإخراج؟والجواب أن المضمون العلمي للكتاب إذا كان حقاً لمؤلفه الذي أبدعه‏،‏ كما سبق أن أوضحنا‏،‏ فلا ريب أن كل ما قد يبرز فيه من قيمة مالية‏،‏ لابدّ أن يكون عائداً بالضرورة لصاحب الحق ذاته‏.‏‏.‏ غير أن الذي يقوم بدور الطباعة والإخراج يستحق على ذلك أجره‏.‏ولكن كيف يمكن للمؤلف صاحب الحق أن يستوفي من الناس قيمته‏،‏ وعلى أي أساس؟إن الاستيفاء إنما يكون عن طريق البيع‏،‏ ويتسنّى تكييف ذلك بإحدى طريقتين‏:‏الأولى‏:‏ اعتبار الطابع أو الناشر هو المشتري لحق الابتكار‏،‏ فينقد المؤلف القيمة المتفق عليها لابتكاره العلمي‏،‏ ثم يبيعه للناس بدوره في وعائه المادي الذي هو الكتاب‏.‏الثانية‏:‏ اعتبار المستهلكين ‏(‏‏(‏آحاد الناس‏)‏‏)‏ هم المشترين من المؤلف‏،‏ ولكن عن طريق الطابع أو الناشر‏،‏ وإنما يستحق كل منهما في هذه الحالة الأجر المتفق عليه من المؤلف‏.‏غير أن المشكلة التي تبقى مداراً للبحث هي الجواب عن السؤال التالي‏:‏ألم يصبح المشتري‏،‏ أياً كان‏،‏ للكتاب مالكاً له؟ ومن ثم ألم يعد من حقه أن يتصرف بكتابه هذا كما يشاء‏،‏ كأن يصور منه آلاف النسخ‏،‏ ثم يبيعها للناس كما يشاء؟والجواب أن الناشر لا يملك حق طبع عدد أكثر مما تم الاتفاق عليه‏،‏ كما أن المستهلك لا يملك هو الآخر - اعتماداً على امتلاكه للكتاب - أن يطبع أي عدد منه قلّ أو كثر‏.‏ لأن كلاً من الناشر والمستهلك إنما يستلُّ،‏ بهذا العمل الذي يقوم عليه‏،‏ من حوزة المؤلف حقاً متقوَّماً منسوباً إليه‏،‏ خارج حدود الوعاء الذي وقع البيع عليه‏،‏ ومن ثم فهو تصرف غير شرعي‏.‏غير أن هذا الكلام يناقَشُ من بعض الناس بحجة ما هو مقرر من أن المالك بحق‏،‏ له أن يتصرف بملكه كما يشاء‏،‏ ما لم يكن في تصرّفه إضرار بالآخرين‏،‏ ثم يقولون‏:‏ إن استنساخ مالك الكتاب نسخاً أخرى منه عن طريق الكتابة أو الطباعة‏،‏ إنما هو تصرف في ملكه‏،‏ دون أي إضرار بالآخرين‏.‏والجواب أن عقد الشراء لم يقع على جوهر الحق المعنوي الذي هو ملك المؤلف‏،‏ وإنما وقع العقد على كتاب‏.‏‏.‏ وهو ما يعبر عنه بالوعاء المادي الذي يحوي صورة عن ذلك الحق المتقوّم إذن‏،‏ فالمشتري قد امتلك الوعاء المادي أصالة‏،‏ وما قد تضمنه تبعاً‏.‏ وبناء على ذلك فهو لا يستطيع أن يزعم أنه بهذا الشراء قد انتزع حق تلك الأفكار من مبدعها الذي لا تزال تنسب إليه شرعاً‏.‏تبيّن إذن أن مالك الكتاب بهبة أو بشراء‏،‏ إنما يحق له أن يتصرف بالعين المادية التي اشتراها‏،‏ إذ هي التي وقع العقد عليها‏،‏ كما أنه يملك أن يعبر عن الأفكار التي في الكتاب وأن يناقشها ويرفضها ويرويها‏،‏ ولكن ليس له أن ينتحلها لنفسه كما مرّ بيانه والدليل عليه‏،‏ ثم إنه لا يملك إذن من باب أولى أن يبيع هذا الحق المنسوب إلى غيره ويستقل هو بثمنه اعتماداً على مجرد أنه قد امتلك نسخة من كتاب تحوي صورة هذا الحق‏.‏‏.‏ لاشك أن هذه النسخة تغدو عندئذ في يده أشبه ما تكون بكوّة فتحت في جدار‏،‏ لتتسرب اليد الأجنبية منها إلى الداخل‏،‏ ثم لتقتنص كل ما قد يوجد فيه بدون حق‏.‏
 

warez

عضو ذهبي
التسجيل
7/7/04
المشاركات
984
الإعجابات
14
#2
موضوع خطير
فعلاً خطير
انت فاهم قصدي اخي :)
شكراً لك حبيبي على الموضوع الفريد من نوعه هذا
 

misr

عضو ذهبي
التسجيل
23/7/06
المشاركات
786
الإعجابات
6
#3
شكرا جزيلا علي المرور الكريم
 

gamal gamal

محامى ومستشار قانوني
التسجيل
1/8/04
المشاركات
12,948
الإعجابات
506
#4
مشكور اخونا الفاضل
بالفعل موضوع رائع
 
الحالة
موضوع مغلق

أعلى