الحالة
موضوع مغلق

Hussam_Steel

عضو مشارك
التسجيل
16/2/05
المشاركات
99
الإعجابات
3
العمر
39
#1
قالوا لنا إنّ الديمقراطية هي الحل. وإنّ من أراد الوصول إلى كرسي الحكم، وإمساك زمام الأمور، ليحقق الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فما عليه إلا أن يسارع إلى صناديق الاقتراع ... ففيها الترياق الشافي لكل تلك الأمراض التي تعيشها الأمة، وفيها العلاج الأكيد لكل الأزمات التي تحياها شعوب الشرق الأوسط الكبير.

لهذا هرول الناس إلى الانتخابات في الجزائر، وعندما ظهرت النتائج على عكس ما يهوى أهل السلطة المتنفذون فيها، وعلى خلاف ما ترغب به فرنسا وترضى عنه، هددت الأخيرة بإقحام قواتها العسكرية أرض الجزائر لمنع الإسلاميين من استلام زمام السلطة، وأن على الجنرالات حسم المسألة حالا.

وبالفعل هكذا كان، فقلب الجنرالات ظهر المجن للانتخابات، فألغوها وطالبوا الجميع بالإذعان لذلك، وأغرقوا بعدها أرض الجزائر في بحر من الدماء، انتهى بفرض التيار العلماني إرادته وهيمنته على الجميع هناك، بعد أن أنهك الجزائر وحولها إلى دار خربة، فسكنت بذلك نفس فرنسا الحرة.

وسارعت الجماهير للانتخابات في تركيا، فما رضي الجنرالات لأردوغان وحزبه تسلم السلطة إلا بعد أن خلعوه من الإسلام كما يخلع الصياد ناب الفيل. فعاهدهم على ترسيخ علمنة الدولة وعدم مخالفة مبادئ أتاتورك.

وعلى الرغم من فوز حزب العدالة بالأكثرية البرلمانية، لم يتمكن من إلغاء قانون إباحة الزنا وغيره من قوانين الفحش التي تمس بالقيم الأساسية للمسلمين أو لنقل الناخبين، كما تابع ذلك بدخوله في حلف العار مع الإسرائيليين وارتمى بذلة في أحضان أوروبا الصليبية يتسول عضويتها. وعجز أردوغان حتى عن إدخال ابنته بزيها المحتشم إلى الجامعات التركية التي تحظر الحجاب، فأرسلها بدلا من ذلك إلى جامعات أمريكا.

وبهذا منح حزب العدالة بزعامة أردوغان الفرصة لجنرالات أتاتورك، لمسخ هوية الأتراك الإسلامية والولوغ في مشروعهم العلماني الصرف باسم الإسلام وزعاماته، كما حصل في إيران والسودان والسعودية من قبل. وكأن الرسالة التي يراد إيصالها إلى جماهير الأمة، أن الإسلام قد فشل، وعليكم القبول بالحضارة الغربية، مع أن الإسلام من كل تلك التجارب والنماذج براء.

أما في العراق فإن الانتخابات فريضة والاقتراع واجب شرعي، والمتقاعس عن أدآئه مصيره جهنم! هكذا ادعى بعض رجالات الدين هناك، وحثوا الناس على التسابق إلى صناديق الاقتراع. مع أنّها انتخابات ستشعل فتنة لعن الله موقظها. ولن تمنح الفائزين فيها أكثر من كراسي لعجَزَةٍ مقعَدين. وسيبقى صاحب اليد العليا في العراق والحاكم الفعلي فيه هو السفير جون نيغروبونتي. وما عملية الانتخابات إلا غطاء واضح للاحتلال، ستمنحه الشرعية التي يتمناها وما زال يفتقدها إلى الآن، كما أن تلك الانتخابات ستكون حربة سامة وطعنة نجلاء لتلك المقاومة الصلبة النبيلة.

وأما فلسطين الحبيبة فإنها ليست أفضل حالا من سابقاتها. فالمرشح أبو مازن فاز بأغلبية الأصوات وصار زعيما، ومارس كافة صلاحيات الرئاسة، حتى قبل أن تبدأ تلك الانتخابات.

وهذا ليس بالأمر العجيب، فسابقة كرزاي في أفغانستان ماثلة للعيان، يستطيع أن يستلهم منها المرشحون ما يسدد لهم خطاهم، ويحقق لحملاتهم الانتخابية الفوز المضمون، فكرزاي قد باشر صلاحياته الرئاسية قبل ثلاثة أعوام من انتخابه، ومن هنا فلم يحرم على العرب ما يحل للعجم؟ أليسوا في التبعية للغرب سواء!؟ أوليس كل القصد هو تثبيت الواقع السيء الذي تحياه هذه الأمة وإضفاء الشرعية عليه.

وأما في بقية أقطار العالم الإسلامي، فلا مانع وإلى أن ينضج الناس لمستوى أن يستحقوا إجراء انتخابات لهم، من أن يُغضَّ النظر عما يمارسه الطغاة والعسكر من شتى أنواع سوء الرعاية، ومن القهر والتعذيب والتجويع والإفساد، مما يدفع الناس زرافاتٍ ووحداناً إلى اتباع خطوات الطيور المهاجرة إلى القسم الشمالي من الكرة الأرضية، حيث الغربة تزدان بكثرة الغربان، وتمتلئ السماء على الدوام بالغمام والهواء بالصقيع المر، إضافة إلى العنصرية البشعة، والكراهية والنظرة الدونية لكل من كان اسمه أو سمته تابعا للشرق الأوسط الكبير.

هذه هي الانتخابات التي يدعى إليها أبناء هذه الأمة للمشاركة فيها، مجرد مذبح جديد، يراد سوق الناس إليه، تقدم فيه الانتخابات على أنها هدية السماء، يحملها بوش إليهم، لدمقرطة عالمهم الغارق في التخلف، التائه بعيدا عن الانصياع التام والمطلق لإرادة إمبراطورية الشر والمنظومة الرأسمالية المتحكمة في العالم، على الرغم من تلك الأنظمة السياسية التي أشبعت الأمة دروسا ومواعظ وأفعالا لتخضعها له، والتي أنجبها الغرب نفسه لترويض الأمة على التبعية له وتسول حلوله ومعالجاته وقيمه على طول قرن كامل من الزمان.

فهل يعي النّاس خطورة ذلك الجرف الهاري الذي يساقون إليه بتطبيل وتزمير البعض لهذه الانتخابات الكرنفالية، وباعتزال أو عدم مبالاة آخرين كثيرين لهم شأن وكلمة عليهم أن يقولوها. وهل يعف الناس عما جربوه مرارا وتكرارا كما قدمنا وذاقوا بأنفسهم علقمه.

فلطالما اكتوى الناس بتلك الألاعيب السياسية التي يصممها الغرب في عالمنا الإسلامي، كي يفرغ الناس طاقاتهم فيها؟ تماما كتلك الثورات الفارغة والنضالات الرخيصة والمشاريع النهضوية المزيفة.

والآن من جديد تصميم انتخابات معيبة، يفرض على الناس الانشغال بها وجعلها قضية مصيرية لهم، بل قضية القضايا. ويجادل البعض بأنها الفرصة السانحة التي ينبغي اقتناصها، على الرغم من أنها مجرد عبث ومضيعة للوقت والجهد، اللذين يجب أن يصرفا في تغيير جذور الواقع لا أعراضه، ويكابر هؤلاء، رغم كل الأدلة الحسية على عدم جدوى تلك الانتخابات المفصلة مسبقا لتخدم مصالح من يجريها. متأسين بذلك الفلاح الذي جادل رفيقه أن الشيء الذي يتحرك بعيدا في الحقل هو عنزة، مع أنه طائر قد فرد جناحيه وحلق عاليا، فأصر الفلاح قائلا: بل هي عنزة حتى ولو حلقت في الفضاء وطارت.
 

الحالة
موضوع مغلق

أعلى