عبد القادر الأسود

شُعراء البوابة
#1
فيض العليم ... سورة البقرة، الآية: 271




إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)




قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} ثَنَاءٌ عَلَى إِبْدَاءِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَ الْفَرِيضَةَ عَلانِيتَهَا أَفْضَلُ مِنْ سِرَّهَا بخَمْسَةٍ وَعِشْرُينَ ضِعْفًا، كما فنُقِلَ. وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ فِي الأَشْيَاءِ كُلِّهَا. فقد أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ـ رضي الله عنه، أنَّه قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فُرِضَ اللهُ عَلَيْك فالعلانِيَةُ فِيهِ أفضلُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلَ اللهُ صَدَقَةَ السِّرِّ فِي التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلَانِيَتَهَا يُقَالُ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وَجَعَلَ صَدَقَةَ الْفَرِيضَةِ عَلَانِيَتَهَا أَفْضَلَ مِنْ سِرِّهَا يُقَالُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا. قَالَ: وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا. ومِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيفٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: ((أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ))، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَرَائِضَ لَا يَدْخُلُهَا رِيَاءٌ وَالنَّوَافِلَ عُرْضَةٌ لِذَلِكَ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: ((إِنَّ الَّذِي يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ كَالَّذِي يَجْهَرُ بِالصَّدَقَةِ وَالَّذِي يُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالَّذِي يُسِرُّ بِالصَّدَقَةِ".

قولُهُ: {وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} ثمَّ حَكَمَ بَأنَّ الْإِخْفَاءَ فيها خَيْرٌ مِنْ الجهْرِ. وقالَ قَتَادَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي الْآيَةِ: كُلٌّ مَقْبُولٌ إِذا كَانَتْ النِّيَّةُ صَادِقَةٌ وَصَدَقَةُ السِّرِّ أَفْضَلْ. وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ. أَخْرَجَهُ عنهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ أَبي أُمَامَةَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ. قَالَ: ((جُهْدُ مُقِلٍّ أَوْ سِرٌّ إِلَى فَقَيرٍ))، ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَةَ: "إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ" الْآيَة.

وَأَخْرَجَ الطَّيَالِسِيُّ، وَأَحْمَدُ بنُ حنبلٍ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، فِي الْأَوْسَطِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ أَبي ذَرٍّ ـ رضي اللهُ عنهُ، قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلا أَدُلُّكَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟)) قلت: بلَى يَا رَسُول الله. قَالَ: ((لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنوزِ الْجَنَّةِ)). قلتُ: فَالصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟. قَالَ: ((خيْرٌ مَوْضُوعٌ فَمَنْ شَاءَ أَقَلَّ وَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ)). قَالَ: قُلْتُ فَمَا الصِّيَامُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((فَرْضٌ مُجْزِئٌ)) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا الصَّدَقَةُ؟ قَالَ: ((أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ، وَعِنْدَ اللهِ مَزِيدٌ)) قَالَ: قُلْتُ: أَيُّهَا أَفْضَلُ يَا رَسُولَ اللهِ)) قَالَ: ((جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ أَوْ سِرٌّ إِلَى فَقِيرٍ)) ... مسند أحمد: (44/38)

وَأخرج أَحْمدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رضي اللهُ عنه، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ، الْأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ، فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَأَلْقَاهَا عَلَيْهَا فَاسْتَقَرَّتْ، فَتَعَجَّبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ خَلْقِ الْجِبَالِ فَقَالَتْ: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنْ الْجِبَالِ؟ قَالَ نَعَمْ، الْحَدِيدُ. قَالَتْ: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، النَّارُ. قَالَتْ: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْمَاءُ. قَالَتْ: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الرِّيحُ. قَالَتْ: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ابْنُ آدَمَ يَتَصَدَّقُ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ. مسند أحمد: (3/124 رقم: 12278). وعَبْدُ بْنُ حُمَيْد: (1215). والتِّرْمِذِي: (3369).

وَأخرج البُخَارِيُّ، وَمُسلمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رضي اللهُ عنهُ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُول: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)). مسندُ أحمد: (2/439 رقم: 9663). وصحيح البُخاري: (1/168 رقم: 660). وصحيحُ مسلم: (3/93). وصحيحُ سُنَنِ التِّرمِذي: (2391). وسُنَنِ النَّسائي: (8/222).

وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِذَا اصْطَنَعْتَ الْمَعْرُوفَ فَاسْتُرْهُ، وَإِذَا اصْطُنِعَ إِلَيْكَ فَانْشُرْهُ. قَالَ دِعْبِلُ الْخُزَاعِيُّ:

إِذَا انْتَقَمُوا أَعْلَنُوا أَمْرَهُمْ ................... وَإِنْ أَنْعَمُوا أَنْعَمُوا بِاكْتِتَامِ

وَقَالَ سَهْلُ بْنُ هَارُونَ:

خِلٌّ إِذَا جِئْتَهُ يَوْمًا لِتَسْأَلَهُ ............. أَعْطَاكَ مَا مَلَكَتْ كَفَّاهُ وَاعْتَذَرَا

يُخْفِي صَنَائِعَهُ وَاللهُ يُظْهِرُهَا ............... إِنَّ الْجَمِيلَ إِذَا أَخْفَيْتَهُ ظَهَرَا

وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لَا يَتِمُّ الْمَعْرُوفُ إِلَّا بِثَلَاثِ خِصَالٍ: تَعْجِيلُهُ وَتَصْغِيرُهُ وَسَتْرُهُ، فَإِذَا أَعْجَلْتَهُ هَنَّيْتَهُ، وَإِذَا صَغَّرْتَهُ عَظَّمْتَهُ، وَإِذَا سَتَرْتَهُ أَتْمَمْتَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَأَحْسَنَ وقد كتبَ إلى عبدِ اللهِ بنِ جعفرَ الطيارِ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما ـ رُقعةً فجعلَها في ثَنى وِسادةٍ يتكئُ عليها، فقلَبَ عبدُ اللهِ الوِسادةَ، فَنَظَرَ بالرُّقعةِ، فقرأها فردَّها في مَوْضِعِها، وجعلَ مكانَها كيسًا فيه خَمْسَةُ آلافِ دِينارٍ، فجاءَ الرجلُ فدخلَ عليه، فقالَ: اِقْلِبِ المِرْفَقَةَ فانْظُرْ ما تحتَها فخُذْهُ، فأَخَذَ الرجُلُ الكِيسَ وخرَجَ وأَنْشَأَ يَقول:

زَادَ مَعْرُوفُكَ عِنْدِي عظما .................... أنَّه عندَك مستورٌ حقيرُ

تَتَناسّاهُ كأنْ لم تأتِهِ ................... وهو عندَ الناسِ مشهورٌ خطيرُ

وقد ذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، لِأَنَّ الْإِخْفَاءَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الْإِظْهَارِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ الْإِخْفَاءُ أَفْضَلُ فِي تَطَوُّعِهَا لِانْتِفَاءِ الرِّيَاءِ عَنْهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَاجِبَاتُ. قَالَ الْحَسَنُ: إِظْهَارُ الزَّكَاةِ أَحْسَنُ، وَإِخْفَاءُ التَّطَوُّعِ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى أَنَّهُ يُرَادُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ وَحْدَهُ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: (وَلَيْسَ فِي تَفْضِيلِ صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ عَلَى السِّرِّ، وَلَا تَفْضِيلِ صَدَقَةِ السِّرِّ عَلَى الْعَلَانِيَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَكِنَّهُ الْإِجْمَاعُ الثَّابِتُ، فَأَمَّا صَدَقَةُ النَّفْلِ فالقُرآنُ وَرَدَ مُصَرِّحًا بِأَنَّهَا فِي السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْجَهْرِ، بَيْدَ أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا: إِنَّ هَذَا عَلَى الْغَالِبِ مَخْرَجُهُ، وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ الْحَالَ فِي الصَّدَقَةِ تَخْتَلِفُ بِحَالِ الْمُعْطِي لَهَا، وَالْمُعْطَى إِيَّاهَا وَالنَّاسِ الشَّاهِدِينَ لَهَا. أَمَّا الْمُعْطِي فَلَهُ فِيهَا فَائِدَةُ إِظْهَارِ السُّنَّةِ وَثَوَابُ الْقُدْوَةِ). وهَذَا لِمَنْ قَوِيَتْ حَالُهُ وَحَسُنَتْ نِيَّتُهُ وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الرِّيَاءَ، وَأَمَّا مَنْ ضَعُفَ عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَالسِّرُّ لَهُ أَفْضَلُ. وَأَمَّا الْمُعْطَى إِيَّاهَا فَإِنَّ السِّرَّ لَهُ أَسْلَمُ مِنِ احْتِقَارِ النَّاسِ لَهُ، أَوْ نِسْبَتِهِ إِلَى أَنَّهُ أَخَذَهَا مَعَ الْغِنَى عَنْهَا وَتَرَكَ التَّعَفُّفَ، وَأَمَّا حَالُ النَّاسِ فَالسِّرُّ عَنْهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْعَلَانِيَةِ لَهُمْ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ رُبَّمَا طَعَنُوا عَلَى الْمُعْطِي لَهَا بِالرِّيَاءِ وَعَلَى الْآخِذِ لَهَا بِالِاسْتِغْنَاءِ، وَلَهُمْ فِيهَا تَحْرِيكُ الْقُلُوبِ إِلَى الصَّدَقَةِ، لَكِنْ هَذَا الْيَوْمَ قَلِيلٌ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهما، فِي قَوْلِهِ تعالى: "إِنْ تُبْدوا الصَّدقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ" قَالَ: هَذَا مَنْسُوخ، وَقَولُهُ في سورةِ الذارياتِ: {وَفِي أَمْوَالِهم حقٌّ للسَّائِل والمحرومِ} الْآيَة: 19، قَالَ: مَنْسُوخ، نَسَخَ كُلَّ صَدَقَةٍ فِي الْقُرْآنِ الْآيَةُ الَّتِي فِي التَّوْبَةِ: {إِنَّمَا الصَّدقَاتُ للْفُقَرَاءِ} الْآيَة: 60. وَقَالَ النَّقَّاشُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَسَخَهَا قولُهُ تَعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً} سورةُ البقرة: الْآيَةَ 274.

قولُهُ: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ} الكَفْرُ السَتْرُ، والتَكْفِيرُ: المبالغةُ فيه. وتكفيرُ اللهِ تعالى لسيِّئاتِ عبدِهِ، سَترُها عليهِ في الدنيا عن الناس، وعدمُ مؤاخَذَتِه عليها في الآخرة بمنِّهِ وكرمِهِ وفضلِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهُما، أَنَّهُ قَرَأَ: "وتُكَفِّرُ عَنْكُم مِنْ سَيِّئَاتكُمْ" وَقَالَ: الصَّدَقَة هِيَ الَّتِي تُكَفِّرُ. أي: هي سببُ التكفيرِ لأنها ترضي اللهَ تعالى عن عبدِه المتصدِّقِ بها.

وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَنْ أَبي ذَرٍّ ـ رضي اللهُ عنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ، وَثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللهُ، أَمَّا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ، فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِاللهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ فَأَعْطَاهُ سِرًّا، لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ. وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ، نَزَلُوا فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقَوْا الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَفْتَحَ اللهُ لَهُ. وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمْ اللهُ: الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ)). مسند الإمامِ أحمدِ بْنِ حنبلٍ: (43/359).

وَأخرج عبدُ بْنُ حُميْدٍ، وابْنُ ماجَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رضي اللهُ عنهما، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا، وَبَادِرُوا بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا، وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ، وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلاَنِيَةِ، تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا، فِي يَوْمِي هَذَا، فِي شَهْرِي هَذَا، مِنْ عَامِي هَذَا، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي، أَوْ بَعْدِي، وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ، أَوْ جَائِرٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا، أَوْ جُحُودًا لَهَا، فَلاَ جَمَعَ اللهُ لَهُ شَمْلَهُ، وَلاَ بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، أَلاَ وَلاَ صَلاَةَ لَهُ، وَلاَ زَكَاةَ لَهُ، وَلاَ حَجَّ لَهُ، وَلاَ صَوْمَ لَهُ، وَلاَ بِرَّ لَهُ، حَتَّى يَتُوبَ، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، أَلاَ لاَ تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلاَ يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلاَ يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلاَّ أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ، يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ)). أخرجه عَبْد بنُ حُمَيْدٍ: (1136). وابْنُ ماجَةَ: (1081).

وَأخرج أَحْمدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّان، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ((كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ قَالَ يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ)). مُسنَدُ الإمامُ أَحمدُ: (4/147 رقم: 17466). وصحيحُ ابْنِ خُزَيمةَ برقم: (2431).

وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَحسَّنَهُ، وَابْنُ حِبَّان وصحَّحه، والضياءُ المَقْدِسِيُّ، عَن أنَسِ بْنِ مالكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ، ((إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ)). صحيحُ سُنَنِ الترمذيِّ: (3/52، رقم: 664). وابن حِبّان: (8/103، رقم: 3309)، والضِياءُ المقدسيُّ: (5/218 رقم: 1847).

وَأخرج ابْنُ أَبي شَيْبَةَ وَالْبُخَارِيُّ، وَمُسلمٌ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ـ رضي اللهُ عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)). زاد في رواية: ((فمَنْ لمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبةٍ)). مسندُ الإمامِ أحمد: (4/256 رقم: 18442). وسُنَنُ الدارِمِي: (1657). وصحيحُ البُخَارِي: (8/14(6023). وصحيحُ مسلم: (3/86 رقم: 2312). وسُنَن النَّسائي الكبرى: (2345). وصحيحُ ابْنِ خُزَيْمَةَ: (2428).

وَأخرج ابْنُ حِبَّانٍ عَنْ أَبي ذَرٍّ ـ رضيَ اللهُ عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ

اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تَعَبَّدَ عَابِدٌ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ، فعَبَدَ اللهَ فِي صَوْمَعَتِهِ سِتِّينَ عَامًا، فَأَمْطَرَتِ الأَرْضُ، فأخْضَرَّتْ، فَأَشْرَفَ الرَّاهِبُ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَقَالَ: لَو نَزَلْتُ فَذَكَرْتُ اللهَ فازْدَدْتُ خَيْرًا، فَنَزَلَ وَمَعَهُ رَغيفٌ أَوْ رَغيفانِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الأَرْضِ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُها وتُكَلِّمُهُ حَتَّى غَشِيَها، ثمَّ أُغْمِي عَلَيْهِ، فَنَزَلَ الغَديرَ يَسْتَحِمُّ، فجَاءَ سَائلٌ فأوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّغيفَيْنِ، ثمَّ مَاتَ فَوُزِنَتْ عِبَادَةُ سِتِّينَ سَنَةً بِتِلْكَ الزَّنْيَةِ فَرَجَحَتِ الزَّنْيَةُ بِحَسَنَاتِهِ، ثمَّ وُضِعَ الرَّغِيفُ أَوِ الرَّغيفانِ مَعَ حَسَنَاتِهِ، فرَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ فَغُفِرَ لَهُ)). صحيحُ ابْنِ حِبَّان: (2/102، رقم: 378). وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن مَسْعُودٍ ـ رضي اللهُ عنهُ، قريبًا منه.

قولُهُ: {وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} المعنى أنَّهُ ـ سبحانَهُ وتعالى، يعلمُ حقيقةَ العلمِ كلَّ ما يقومُ به العبدُ من عملٍ وهو مطَّلعٌ على نيَّتِهِ فيه، فيجزيه بعملِهِ.

وردَ في سَبَبِ نُزولِ هذِهِ الآيةِ الكريمةِ ما أخرجَ ابْنُ أَبي حَاتِم، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، والأَصْبَهانيُّ فِي التَّرْغِيبِ، وَابْن عَسَاكِرَ عَنْ الشَّعبِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "إِنْ تُبْدوا الصَّدقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ..." إِلَى آخرِ الْآيَة فِي أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ ـ رضي اللهُ عنهما: جَاءَ عمرُ بِنصْفِ مَالِهِ يَحْمِلُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ، عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِمَالِهِ أَجْمَع يَكَادُ أَنْ يُخْفيهِ مِنْ نَفْسِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا تَرَكْتَ لأَهْلِكَ؟. قَالَ: عِدَّةَ اللهِ وَعِدَةَ رَسُولِهِ. فَقَالَ عُمَرُ لأَبي بَكْرٍ: مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى بَابِ خَيْرٍ قَطُّ إِلَّا سَبَقْتَنَا إِلَيْهِ. تفسير ابن أبي حاتم: (2/536 رقم: 2848).

وَأخرج أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِم وصحّحاهُ، عَن أمير المؤمنينَ عُمَرَ بنِ الخطّاب ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِك مَالًا عِنْدِي، فَقلتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟. قُلْتُ: مِثْلَهُ. وأَتى أَبُو بَكْرٍ يَحْمِلُ مَا عِنْدَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟. قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ. فَقُلْتُ: لَا أُسابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا. أخرجه عَبْد بْنُ حُمَيْدٍ برقم: (14). والدارميُّ: (1660). وأَبو داودَ: (1678). وعُثْمَانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ. والتِّرمِذيُّ: (3675).

وَأَخرَجَ ابْنُ جريرٍ عَنْ يَزِيد بْنِ أَبي حبيبٍ قَالَ: إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: "إِنْ تُبْدوا الصَّدقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ" فِي الصَّدَقَةِ عَلى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَكَانَ يَأْمُرُ بِقَسْمِ الزَّكَاةِ فِي السِّرِّ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا مَرْدُودٌ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، فَقَدْ قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ إِظْهَارَ الْوَاجِبِ أَفْضَلُ. وذَكَرَ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةً عَلَى قَوْلِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَاتِ مُطْلَقًا أَوْلَى، وَأَنَّهَا حَقُّ الْفَقِيرِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِرَبِّ الْمَالِ تَفْرِيقُهَا بِنَفْسِهِ، عَلَى مَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ذَكَرُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَاتِ هَاهُنَا التَّطَوُّعُ دُونَ الْفَرْضِ الَّذِي إِظْهَارُهُ أَوْلَى لِئَلَّا يَلْحَقَهُ تُهْمَةٌ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قِيلَ: صَلَاةُ النَّفْلِ فُرَادَى أَفْضَلُ، وَالْجَمَاعَةُ فِي الْفَرْضِ أَبْعَدُ عَنِ التُّهْمَةِ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ فَرْضُ الزَّكَاةِ وَمَا تُطُوِّعَ بِهِ، فَكَانَ الْإِخْفَاءُ أَفْضَلَ فِي مُدَّةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ سَاءَتْ ظُنُونُ النَّاسِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَاسْتَحْسَنَ الْعُلَمَاءُ إِظْهَارَ الْفَرَائِضِ لِئَلَّا يُظَنَّ بِأَحَدٍ الْمَنْعُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا الْقَوْلُ مُخَالِفٌ لِلْآثَارِ، وَيُشْبِهُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَحْسُنَ التَّسَتُّرُ بِصَدَقَةِ الْفَرْضِ، فَقَدْ كَثُرَ الْمَانِعُ لَهَا وَصَارَ إخراجُها عُرْضَةً للرياء. وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْآيَةِ الْوَاجِبَاتُ مِنَ الزَّكَاةِ وَالتَّطَوُّعُ، لِأَنَّهُ ذكر الإخفاء وَمَدَحَهُ وَالْإِظْهَارَ وَمَدَحَهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمَا جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} إِنْ: حَرْفُ شَرْطٍ جازِمٌ. "تُبْدُوا" فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بِـ "إنْ" الشَّرْطِيَّةِ، وعلامةُ جزمِهِ حذف النونِ من آخرِهِ لأنَّهُ منَ الأفعالِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ للتفريق، و "الصَّدَقَاتِ" مفعولٌ به منصوبٌ، وعلامةُ نَصبِهِ الكسرةُ نيابةً عن الفتحةِ لأنَّهُ جمعُ المؤنَّثِ السالمُ، و "فَنِعِمَّا" الفاءُ رابطةٌ لِجوابِ "إِنْ" الشَّرْطِيَّةِ وُجُوبًا؛ لِكَوْنِ الجَوابِ جُمْلَةً جامِدِيَّةً. "نِعْمَ" فِعلٌ ماضٍ جامدٌ لإنشاءِ المَدْحِ، لَا يَكُونُ فِيهِ مُسْتَقْبَلٌ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تَقديرُهُ "هُوَ" يَعُودُ عَلى "شيْءٍ" المُبْهَمِ، وَأَصْلُهُ نَعِمَ كَ "عَلِمَ"، وَقَدْ جَاءَ عَلَى ذَلِكَ فِي الشِّعْرِ إِلَّا أَنَّهُمْ سَكَّنُوا الْعَيْنَ، وَنَقَلُوا حَرَكَتَهَا إِلَى النُّونِ، لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلَى الْأَصْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُ النُّونَ مَفْتُوحَةً عَلَى الْأَصْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُ النُّونَ وَالْعَيْنَ إِتْبَاعًا، وأَصْلُ عَيْنِهِ السُّكونُ، فلَمَّا وَقَعَتْ بَعْدَها "ما" وأُدْغِمَتْ مِيمُ "نعم" فيها كُسِرَتِ العَيْنُ لالْتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ، و "ما" معرفةٌ تامَّةٌ مبنيَّةٌ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ والتقديرُ: نِعْمَ الشيْءُ هِيَ، وَ "هي" ضَميرٌ مُنْفَصِلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ رفعِ مُبْتَدَأٍ، وجملةُ "فهي نِعْمَ الشَّيْءُ" في مَحلِّ جزم جَوابُ الشَّرْطِ، وجملةُ "نعمَ" خَبَرٌ مُتَقَدِّمٌ على المُبْتَدَأِ "هي". ووُقوعُ خبَرِ المُبْتَدَأِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً مُتَقَدِّمَةً خِلافُ الأَصْلِ. ويجوزُ أَنْ تعربَ "ما" نَكِرَةً تَامَّةً مبنيةً على السكونِ في مَحَلِّ نَصْبِ تَمْييزٍ لِفاعِلِ "نِعْمَ" و "هي" مَخْصوصٌ بالمَدْحِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ تَقديرُهُ: المَخْصوصُ بالمَدْحِ "هي"؛ أَيْ: إِبداءُ تِلْكَ الصَدَقاتِ. أَوْ "هي" مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ جُمْلَةُ "نعم" وجملةُ "إنْ" الشَرْطِيَّةِ مُسْتَأْنَفَةٌ.

قولُه: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ} الواوُ: عاطفَةٌ، إنْ: شَرْطِيَّةٌ جازِمَةٌ. "تُخْفُوهَا" فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بـ "إنْ" عَلى أنَّه فِعْلَ الشَّرْطِ، وعلامةُ جزمِهِ حذفُ النُونِ من آخرِهِ لأنَّهُ من الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِه، و "ها" ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نَصْبِ مفعولٍ بِهِ. "وَتُؤْتُوهَا" الواوُ حرفُ عَطفٍ، و "تؤتو" فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ عطْفًا على "تخفو" وعلامةُ جزمِهِ حذفُ النُونِ من آخرِهِ لأنَّهُ من الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِه، و "ها" مفعولُهُ الأوَّل، و "الْفُقَرَاءَ" مفعولٌ ثانٍ. وجملةُ: "إنْ تُخْفوها" معطوفة على جملة إن تبدوا على كونها مستأنفَةً لا محلّ لها منَ الإعراب، وجملةُ: "تؤتوها" لا مَحَلّ لها أيضًا كونَها معطوفةً على جُمْلَةِ "تُخفوها".

قولُه: {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} الفاءُ رابطةٌ لِجَوابِ "إنْ" الشَرْطِيَّةِ وُجُوبًا. و "هو" ضميرٌ منفصلٌ، في محلِّ رفع مبتدأٍ. و "خَيْرٌ" خَبَرُهُ مرفوعٌ. و "لَكُمْ" جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعلِّقٌ بِمَحْذوفِ صِفَةٍ لـِ "خَيْرٌ"، والتَقديرُ: فهوَ (أي: الإخفاء) خَيْرٌ كائنٌ لَكمْ، والجُمْلَةُ الإسْمِيَّةُ في مَحَلِّ الجَزْمِ عَلى أَنَّها جَوابُ الشَّرْطِ، وجُمْلَةُ "إنَّ" الشَّرْطِيَّةِ مَعْطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ قولِهِ: "إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ". و "وَيُكَفِّرُ" الواوُ: للعطفِ. و "يُكفِّرُ" فعلٌ مَضارعٌ مَرفوع لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ "هو" يَعودُ على اللهِ تعالى، أَوْ عَلى الإخْفاءِ. "عَنْكُمْ" جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. "مِنْ" حرفُ جرٍّ زائدةٌ. و "سَيِّئَاتِكُمْ" مجرورٌ لفظًا بحرفِ الجَرِّ منصوبٌ محلًا على أنَّهُ مفعولٌ بهِ، وعلامةُ نصبِهِ الكسرةُ نيابةً عنِ الفتحةِ لأنَّهُ جمعُ المؤنَّثِ السالمُ، وهو مُضافٌ و "كم" ضميرُ المُخاطَبينَ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه، ويُحتَمَلُ كَوْنُ "مِنْ" تَبْعيضِيَّةً، فيكونُ المَفْعولُ به محذوفًا والتقديرُ: شَيْئًا مِنْ سَيِّئاتِكم، أي: بعضَ سيئاتكم، لأن الصدقاتِ لا تكفِّر جميعَ السيئاتِ. أو أَنَّها للسَبَبِيَّةِ، أَيْ: مِنْ أَجْلِ ذُنُوبكم. والسيئاتُ جَمْعُ سيِّئةٍ، ووَزْنُها "فَيْعِلة" وعينُها واوٌ، والأصلُ: سَيْوِءَة فَفُعِلَ بها ما فُعِلَ بِمَيِّتٍ، وقد تقدَّمَ غيرَ مَرَّةٍ. وجُمْلَةُ "يُكَفِّرُ" الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ الجَزْمِ عطْفًا عَلى جُمْلَةِ قولِهِ: "فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ" عَلَى كونِها جَوابَ الشَّرْطِ. وقرِئِ "يكفر" بالجَزْمِ عَطْفًا عَلى الجوابِ، وبالنَّصْبِ عَلى تَقْديرِ "أنْ"، والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ مِنْ "أنْ" وما بعدها معطوفٌ عَلى "خَيْرٌ"، والتَّقْديرُ: فهو (أي: الإخفاء) خَيْرٌ لَكم، وتَكفيرُ سَيِّئاتِكم. و جُمْلَةُ "ويكفرْ" مُسْتَأْنَفَةٌ، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعرابِ.

قولُه: {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} الواوُ: اسْتِئْنافِيَّةٌ، ولفظُ الجلالةِ "اللهُ" مرفوعٌ بالابْتِداءِ. و "بِمَا" الباءُ حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "خَبِيرٌ" الآتي بعدُهُ، و "ما" موصولةٌ أو نَكِرةٌ موصوفةٌ، مبنيَّةٌ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و "تَعْمَلُونَ" فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والجملةُ الفعليَّةُ هذِهِ صِلَةٌ لِـ "ما" الموصولةِ، أوْ صِفَةٌ لَهَا في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ إِنْ كانت نَكِرةً موصوفةً، والعائدُ أَوِ الرابطُ محذوفٌ تَقديرُهُ: تَعمَلونَهُ. و "خَبِيرٌ" خَبَر ٌمرفوعٌ للمُبتَدَأِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ.

وفي قوله: "إنْ تُبْدوا" و "إن تُخْفُو" طباقٌ لَفْظِيٌّ، وهو أحدُ أبوابِ البديعِ.

وفي قولِهِ "وتُؤتوها الفقراءَ" طباقٌ مَعْنَوِيٌّ، لأنَّه لا يُؤتي الصدقاتِ إلَّا الأَغْنَياءُ، فكأنَّهُ قيلَ: إنْ يُبْدِ الأَغْنِياءُ الصَدَقاتِ، وإنْ يُخْفِ الأغنياءُ الصَدَقاتِ، ويُؤْتُوها الفقراءَ، فقابلَ الإِبداءَ بالإِخفاءِ لفظًا، والأَغْنِياءَ بالفقراءِ مَعْنًى.

قرَأَ الجُمهورُ: {فنِعِمّا} وقرَأَ ابْنُ عامرٍ وحمزَة والكِسائيُّ هنا وفي سورة النِّساءِ: "فَنَعِمَا" بفتْحِ النونِ وكَسْرِ العَيْنِ، عَلَى الأَصْلِ، لأَنَّ الأَصْلَ عَلى "فَعِل" ك "عَلِم"، وقرَأَ ابْنُ كَثيرٍ ووَرْش وحَفص بِكَسْرِ النُونِ والعيْنِ، وإنَّما كَسْرُ النونِ إتباعًا لِكَسْرَةِ العينِ، وهي لغةُ هُذَيْل. قيلَ: وَتَحْتَمِلُ قراءةُ كَسْرِ العينِ أَنْ يَكونَ أَصْلُ العَيْنِ السُّكونَ، فلَمَّا وَقَعَتْ بعدَها "ما" وأَدْغَمَ مِيمُ "نِعْم" فيها كُسِرَتْ العينُ لالتقاءِ السَّاكِنَيْن، كما تقدَّمَ بيانُهُ. وهوَ مُحْتَمَلٌ. وَقَرَأَ أَبو عَمْرو وقالونُ وأبو بكرٍ بِكَسْرِ النُونِ وإخفاءِ حَرَكةِ العَيْنِ. ورُوِيَ عَنْهمُ الإِسْكانُ أَيْضًا، واخْتارَهُ أَبو عُبَيْدٍ، وحَكاهُ على أنَّه لُغَةٌ للنبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في نحوِ قولِهِ: (نِعْمَّا المالُ الصالِحُ مَعَ الرَّجُلِ الصالِحِ).

والجُمهورُ عَلى اخْتِيارِ الاخْتِلاسِ عَلَى الإِسْكَانِ، بَلْ إنَّ بَعضَهم يَجْعَلُهُ مِنْ وَهْمِ الرُّواةِ عَنْ أَبي عَمْرٍو، ومِمَّنْ أَنْكَرَهُ المُبَرِّدُ والزَّجَّاجُ والفارِسِيُّ قالوا: لأَنَّ فيهِ جَمْعًا بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلَى غَيْرِ حَدِّهِما. قالَ أبو العبَّاسِ المُبَرِّدُ: (لا يَقْدِرُ أحدٌ أن ينطِقَ به، وإنَّما يرومُ الجمعَ بين ساكنيْنِ فيُحَرِّكُ ولا يَشْعُرُ). وقالَ أبو عليٍّ الفارسيُّ: (لَعَلَّ أَبا عَمْرٍو أَخْفَى فَظَنَّهُ الراوي سُكُونًا).

وقرأَ الجمهورُ: {ويُكَفِّرُ} بالواوِ، وقرأَ الأَعْمَشُ "يُكَفِّرْ" بإسْقاطِها والياءِ وجَزْمِ الرَّاءِ. وفيها تخريجانِ، أَحدُهُما: أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ مَوْضِعِ قولِهِ: "فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ" لأَنَّه جَوابُ الشَّرْطِ كأَنَّ التَّقديرَ: وإِنْ تُخْفوها يَكُنْ خَيْرًا لكمْ ويُكَفِّرْ.

والثاني: أَنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ العَطْفِ فَتَكونُ كالقِراءةِ المَشْهورةِ، والتَقديرُ: و "يُكفِّرُ" وهذا ضعيفٌ جِدًّا.

وقَرَأَ ابْنُ كَثيرٍ وأَبو عَمْرٍو وأَبو بَكْرٍ بالنّونِ ورَفْعِ الرَّاءِ، وقَرَأَ نافع وحمزةُ والكسائيُّ بالنّونِ وجَزْمِ الرَّاءِ، وابْنُ عامِرٍ وحفصٌ عنْ عاصمٍ: بالياءَ ورفع الراء، وقرأ الحَسَنُ بالياء وجزمِ الراء، ورُوي عَنِ الأعمش أيضاً بالياءِ ونصبِ الراءِ، وقرأ ابنُ عباسٍ: "وتُكَفِّرْ" بتاءِ التأنيثِ وجزمِ الراءِ، وقرأ عِكرِمَة كذلك إلَّا أَنَّه فَتَحَ الفاءَ على ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وقرأ ابنُ هرمز بالتاءِ ورفعِ الراء، وقرأ شهر ابنُ حُوشَبٍ بالتاءِ ونصبِ الراءِ، ورُويت أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ، ورويت عَنِ الأَعْمَشِ بالنونِ ونَصْبِ الراء، ورويت عَنه بالنونِ ونَصْبِ الراءِ أيضًا، فهذه إِحْدَى عَشْرَةَ قراءَةً، والمَشْهورُ مِنْها ثلاثٌ.

فَمَنْ قرأَ بالياءِ ففيهِ ثلاثةُ أَوْجُهٍ، أَظْهَرُها: أَنَّه أَضْمَرَ في الفِعْلِ ضَميرَ اللهِ تَعَالى، لأَنَّهُ هوَ المُكَفِّرُ حَقيقَةً، وتَعْضُدُهُ قراءَةُ النُّونِ فإنَّها مُتَعَيِّنَةٌ لَهُ. والثاني: أَنَّهُ يَعودُ على الصرْفِ المَدْلولِ عَلَيْهِ بِقُوَّةِ الكلامِ، أيْ: ويُكفِّر صَرْف الصدَقاتِ. والثالث: أنَّه يعودَ على الإِخفاءِ المفهومِ من قولِهِ: "وإنْ تُخْفُوها"، ونُسِبَ التَكْفيرُ للصَّرفِ والإِخفاءِ مَجَازًا، لأنَّهُما سَبَبٌ للتَّكْفيرِ، وكَمَا يَجُوزُ إِسْنَادُ الفِعلِ إلى فاعِلِهِ يجوزُ إسنادُهُ إلى سببِهِ. ومَنْ قرَأَ بالتاءِ ففي الفعلِ ضميرُ الصدَقاتِ ونُسِبَ التَكفيرُ إليها مجازًا كما تَقَدَّم. ومَنْ بَنَاهُ للمَفْعولِ فالفاعِلُ هوَ اللهِ تَعَالى أَوْ ما تَقَدَّمَ. ومَنْ قَرَأَ بالنُّونِ فهي نونُ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ نفسَهُ. ومَنْ جَزَمَ الراءَ فللعِطْفِ على مَحلِّ الجملةِ الواقعةِ جوابًا للشرطِ، ونظيرُهُ قولُهُ تعالى: في سورة الأعراف: {مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ} في قراءةِ مَنْ جَزَمَ {وَيَذَرُهُمْ} الآية: 186. ومَنْ رفع فعلى ثلاثةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُها: أَنْ يكونَ مُستَأْنَفًا لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإِعْرابِ، وتَكونُ الواوُ عاطفةً جملةَ كلامٍ على جملةِ كلامٍ آخرَ. والثاني: أَنَّهُ خبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، وذلك المُبْتَدَأُ: إمَّا ضَميرُ اللهِ تعالى أَوِ الإِخفاءُ، أَيْ: وهو يُكَفِّر، فيمَنْ قَرَأَ بالياءِ. أَوْ ونحنُ نُكفِّر، فيمن قرأ بالنون. أو وهي تُكَفِّر، فيمنَ قرأ بتاءِ التأنيث. والثالث: أنَّه عطفٌ على محلِّ ما بعد الفاءِ، إذْ لو وقع مضارعُ بعدَهَا لكانَ مرفوعًا كَقولِهِ: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ} سورةُ المائدة، الآية: 95، ونَظيرُهُ قولُهُ في الآية: 186، من سورة الأعراف: {وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ} في قراءةِ مَنْ رَفَعَ. ومَنْ نَصَبَ فعلى إضْمارِ "أَنْ" عطْفًا على مصدرٍ مُتَوَهَّمٍ مأخوذٍ من قوله تعالى: "فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ"، والتقديرُ: وإنْ تُخْفوها يَكُنْ أَوْ يوجَدْ خيرٌ وتَكْفيرٌ. ونظيرُها قراءةُ مَنْ نَصَبَ: "فيغفرَ" بعدَ قولِهِ: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله} سورةُ البقرَةِ، الآية: 284، إلاَّ أَنَّ تقديرَ المصدرِ في قولهِ: "يحاسِبْكم" أَسْهَلُ مِنْهُ هُنَا، لأَنَّ ثَمَّةَ فِعْلاً مُصَرَّحًا بِهِ وهوَ "يُحاسِبْكم"، والتقديرُ: يَقَعُ محاسَبَةٌ فَغُفْرانٌ، بخلافِ هُنَا، إذْ لا فِعْلَ مَلْفوظٌ بِهِ، وإنَّما تَصَيَّدْنَا المَصْدَرَ مِنْ مَجْموعِ قولِهِ: "فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ".
 

أعلى