أبو أدهم

أبو أدهم

الوسـام الماسـي
التسجيل
12/4/08
المشاركات
6,477
الإعجابات
2,036
العمر
64
الإقامة
الإسكندرية_ جمهورية مصر العربية
#1
مصادمة الشرع بالقدر

السؤال:
نأمل توضيح مفهوم القدر والشرع، وكيف يكون لبعض الفرق والجماعات الإسلامية أن تصادم الشرع بالقدر والعكس؟ أحسن الله إليكم.


الجواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الإيمان بالقدر خيره وشره وهو الأصل السادس من أصول الإيمان، ولا بد فيه من أربعة أمور:

الأول: الإيمان بعلم الله السابق لكل شيء.

الثاني: كتابته المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.

الثالث: الإيمان بعموم مشيئته لكل ما في هذا الوجود.

الرابع: عموم خلقه –الله خالق كل شيء.

والإيمان بالشرع هو ما هو في الإيمان بكتب الله ورسوله، والشرع هو أمر الله ونهيه، ولا يستقيم دين العبد إلا بالإيمان بهذين الأصلين، الشرع والقدر، ولا يعارض بينهما، بل يعمل بالشرع ولا يعارضه بالقدر، مع الإيمان بحكمة الله في شرعه وقدره، هذا سبيل الرسل وأتباعهم.

وأما المشركون فقد عارضوا دعوة الرسل بالقدر، فقالوا: "لو شاء الله ما أشركنا" وهي كلمة حق أريد بها باطل، وعلى سبيل المشركين (الجبرية) من فرق هذه الأمة، وإمامهم الجهم بن صفوان، فالعبد عندهم لا قدرة له ولا مشيئة، فيقولون في إثبات القدر، ويعرضون عن الشرع، ويقابلهم (القدرية) النفاة، وجميعهم ينفون عموم المشيئة وعموم الخلق، فعندهم أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، ولا واقعة بمشيئته، فالعباد هم الخالقون، ويتعرفون بمحض مشيئتهم دون مشيئة الله تعالى، فمذهبهم يتضمن تعجيز الرب؛ لأنه على قولهم لا يقدر أن يهدي ضالاً أو يضل مهتدياً ولا يصرف القلوب بمشيئته وحكمته، ومما يرد به على الطائفتين قوله تعالى: "لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ"[التكوير:28-29].

والطائفتان زائغتان عن الصراط المستقيم، ومع ذلك فالقدريةُ النفاةُ - على ضلالهم - خير من الجبرية الجهمية، لأن مذهب الجبرية يحمل على الجرأة على ترك الواجبات وفعل المحرمات تعلقاً بالقدر فهو باب لفساد الدنيا والآخرة.

أسأل الله أن يعصمنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

العلامة/ عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
 

أنيس

أنيس

مشرف عام
التسجيل
11/1/14
المشاركات
5,492
الإعجابات
4,210
#2
الثالث: الإيمان بعموم مشيئته لكل ما في هذا الوجود.

أحسن الله لك شيخنا الموقر أبو أحمد وأثابك على ما تسطره ريشتك من حكمة وفوائد
نعم يجب أن يؤمن المرء بأن مشيئة الله هي المصدر و السبب لكل ما في هذا الوجود من موجودات .
وبالنسبة لخلق القلم وأمره بكتابة ما سيكون ,
فقد يرى البعض أن أيام خلق السماوات والأرض اجتهد بها العلماء على أن مدة اليوم الواحد فيها تساوي ألف عام .

" يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) " السجدة .
والقلم هو أول مخلوق خلقه الله وأمره بكتابة ما سيكون بمقتضى إرادته وعلمه ,
وإذا كان خلق القلم قد تم في بداية هذه الأيام فتكون فترة كتابة قدر الله وعلمه لا تتجاوز الـ \ 6000 \ سنة .
حبذا لو يتم التوضيح للقارئ العزيز كيف ورد خبر :
" الثاني: كتابته المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة."
وذلك حتى لا يلتبس عليه الأمر
الشكر بعمق لغزارة هذه الفائدة التي تفيض قلب عمَّرهُ الإيمان ويد أصرَّت على حصاد الثواب .
....

 
أبو أدهم

أبو أدهم

الوسـام الماسـي
التسجيل
12/4/08
المشاركات
6,477
الإعجابات
2,036
العمر
64
الإقامة
الإسكندرية_ جمهورية مصر العربية
#3
الثالث: الإيمان بعموم مشيئته لكل ما في هذا الوجود.

أحسن الله لك شيخنا الموقر أبو أحمد وأثابك على ما تسطره ريشتك من حكمة وفوائد
نعم يجب أن يؤمن المرء بأن مشيئة الله هي المصدر و السبب لكل ما في هذا الوجود من موجودات .
وبالنسبة لخلق القلم وأمره بكتابة ما سيكون ,
فقد يرى البعض أن أيام خلق السماوات والأرض اجتهد بها العلماء على أن مدة اليوم الواحد فيها تساوي ألف عام .
" يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) " السجدة .
والقلم هو أول مخلوق خلقه الله وأمره بكتابة ما سيكون بمقتضى إرادته وعلمه ,
وإذا كان خلق القلم قد تم في بداية هذه الأيام فتكون فترة كتابة قدر الله وعلمه لا تتجاوز الـ \ 6000 \ سنة .
حبذا لو يتم التوضيح للقارئ العزيز كيف ورد خبر :
" الثاني: كتابته المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة."
وذلك حتى لا يلتبس عليه الأمر
الشكر بعمق لغزارة هذه الفائدة التي تفيض قلب عمَّرهُ الإيمان ويد أصرَّت على حصاد الثواب .
....
وأحسن الله إلينا وإليك يا غالي
ليست المسألة بالحسبة بالورقة والقلم والأرقام هكذا، فقد وردت آية أنَّ اليوم عند الله بألف سنة مما نعدُّ من أيامنا، وورد غيرها بأنه بخمسين ألف سنة مما نعدُّ من أيامنا..
ولقد قال ابن عباس فيهما: يومان ذكرهما الله عز و جل في كتابه ، الله أعلم بهما .
وليس معنى هذا أنه لم يعلم معناهما هو أو غيره؛ فلقد قال الشيخ العثيمين:
قوله تعالى في سورة السجدة : ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) وقوله في سورة المعارج : ( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) الجمع بينهما : أن آية السجدة في الدنيا ، فإنه سبحانه وتعالى يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم ، كان مقدار هذا اليوم - الذي يعرج إليه الأمر - مقداره ألف سنة مما نعد ، لكنه يكون في يوم واحد ، ولو كان بحسب ما نعد من السنين لكان عن ألف سنة ، وقد قال بعض أهل العلم إن هذا يشير إلى ما جاء به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام ( أن بين السماء الدنيا والأرض خمسمائة سنة ) فإذا نزل من السماء ثم عرج من الأرض فهذا ألف سنة .
وأما الآية التي في سورة المعارج ، فإن ذلك يوم القيامة كما قال تعالى : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ . مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ . تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ )

أما كلامك عن (ميقات) كتابة الله لمقادير الخلائق، فقد قال العلماء فيه: إن هذا هو وقت كتابتها في اللوح المحفوظ، وإن كان الله تعالى قد قدَّرَها في الأزل.
فالفارق كبير بين (علم الله) الذي هو في الأزل، وبين (كتابته في الكتاب) الذي هو قبل خلق الخلائق بخمسين ألف سنة.
 
أبو أدهم

أبو أدهم

الوسـام الماسـي
التسجيل
12/4/08
المشاركات
6,477
الإعجابات
2,036
العمر
64
الإقامة
الإسكندرية_ جمهورية مصر العربية
#4

وقد وردني سؤال على الخاص من أخٍ حبيب إلى قلبي، هذا نصه:

" فعندهم أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، ولا واقعة بمشيئته، فالعباد هم الخالقون،"
- فهل أعمال العباد مخلوقة أم مقدَّرة ومكتوبة بعلم الله ومشيئته ؟.
- ثم أن إطلاق كلمة المشيئة دون اقترانها بالعلم فيها بعض النظر وهو :
ما قُدِّر وكُتِب بالمشيئة دون اقترانها بالعلم فهنا لا خيار فيه للعبد إلا بتعاطيه ,
ويصبح الذهاب بالتأويل نحو القدرية محتمل , والآية صريحة في هذا :
" وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29) " التكوير .

أما باقتران العلم مع المشيئة فتكون جميع أفعال العباد هي بمشيئة الله لجهة القدرة على قيام المرء بتأديتها من جهة ,
وبعلمه الأزلي أيضاً لما سيفعله المرء بخياره ومسؤوليته عن ما يفعل من جهة أخرى , وهنا يكون :
" كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) " المدثر
" الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) " غافر
وإن كان في هذا الأمر ما أحتاج إستيضاحه منك زدني في هذا ولك الأجر والثواب .

انتهى السؤال، وللإجابة عنه نقول بتوفيق الله تعالى وحوله:
الجواب
لا تناقض بين أن تكون أفعال العباد مخلوقة وبين أن تكون مقدرة ومكتوبة بعلم الله ومشيئته، وبيان هذا أن الله خلق العباد وما يعملون كما جاء في الآية: "والله خلقكم وما تعملون"، فالله خالق كلِّ مخلوق وخالقُ عمل هذا المخلوق، ولكنه لم يجبر هذا المخلوق على هذا العمل؛ بل معنى أنه خلق عمل هذا المخلوق أنه أوجده وأخرجه إلى حيز الموجودات بعد أن كان عدمًا..
مثلاً أنا أريد أن أصلي، وبالطبع عملي الذي أريده لم يوجد بعد، فإذا أردت أن أعمله تهيأت له بما يصلح له وأخذت بأسبابه فخلقه الله تعالى فحدثت هذه الصلاة..
وهذا لا يكون إلا إذا كانت هذه الصلاة مقدرة في علم الله وقد كتب الله أنها ستحدث، وهذا كله مبنيٌّ على سابق علم الله تعالى، ولربما سبق شيءٌّ من هذه المعاني بمشاركة سابقة لي هذا رقمها:
http://www.damasgate.com/vb/t/389227-post2866704.html

وقد يحدث العكس؛ بمعنى أن آخذ بالأسباب الصحيحة التي تؤدي إلى حدوث (خلق) الفعل المعين ثم لا يشاء الله إيجاده فلا يحدث، وهذا كما تزوج زواجًا صحيحًا وأتى امرأته ثم لم ينجبا، فهذا من تعطيل الأسباب التي خلقها الله ولم يشاء أن يترتب عليها آثارها..
ومن أمثال هذا قصة عدم إحراق النار لإبراهيم صلى الله عليه وسلم، فالكفار أخذوا بالأسباب وشاء الله تعطيل الأسباب، فلم تؤثر خاصية الإحراق في إبراهيم.

فالناس بين تقدير الله ومشيئته بين نوعين:
نوع منح، ونوع منع، والنوعان من ابتلاء الله لخلقه..
فمن (منحه) الله مبتغاه - وهذا من خلق الله ومشيئته وتقديره، فعليه الشكر.
ومن (منعه) الله مبتغاه - وهذا من خلق الله ومشيئته وتقديره، فعليه الصبر.

وبناءً على ما سبق بيانه فليس لقولك:
ما قُدِّر وكُتِب بالمشيئة دون اقترانها بالعلم فهنا لا خيار فيه للعبد إلا بتعاطيه
ليس لهذا القول وجود من الأساس؛ إذ لا تقدير ولا مشيئة لله بدون علم سابق له سبحانه، فمراتب الإيمان بالقدر أربع:
الأولى: العلم: أي أن الله علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم.
الثانية:الكتابة: أي أن الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ
الثالثة : المشيئة: أي أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ليس في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئته سبحانه، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد.
الرابعة: الخلق والتكوين، أي أن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، كما دلت على ذلك النصوص.
وللوقوف على أدلة كل مرتبة من هذه المراتب راجع كتاب "القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة" للدكتور/ عبد الرحمن المحمود، أو باب القدر في كتب العقيدة الشاملة، مثل "معارج القبول" للشيخ/ حافظ حكمي، أو "الإيمان" للدكتور/ محمد نعيم ياسين، ومن أسهل وأيسر ما قرأته في هذا الشأن كتيب للشيخ العثيمين رحمه الله تعالى:
1-
رسالة في القضاء والقدر


أكتفي بهذا القدر، سائلاً الله تعالى التوفيق لنا ولك ولكل المسلمين.
 

zaza-14

VIP
التسجيل
16/4/10
المشاركات
2,830
الإعجابات
1,776
#5
موضوع مميز وقيّم نسأل الله تعالى التوفيق لنا ولك ولكل المسلمين
 
أنيس

أنيس

مشرف عام
التسجيل
11/1/14
المشاركات
5,492
الإعجابات
4,210
#6
نفع الله بك ونفع منك وجعل هذا النفع من مثقلات حسناتك عند الميزان ..
.......
 
أبو أدهم

أبو أدهم

الوسـام الماسـي
التسجيل
12/4/08
المشاركات
6,477
الإعجابات
2,036
العمر
64
الإقامة
الإسكندرية_ جمهورية مصر العربية
#8
نفع الله بك ونفع منك وجعل هذا النفع من مثقلات حسناتك عند الميزان ..
.......
اللهم آمين، ولكم بالمثل

ونسأل الله الإخلاص؛ إذ ليس بغيره خلاص
 

أسيرالشوق

الوسـام الماسـي
التسجيل
4/7/06
المشاركات
16,265
الإعجابات
2,671
الجنس
Male
#9
بارك الله فيك شيخنا العزيز

شكرا على الطرح الرائع
 

أعلى