عبد القادر الأسود

شُعراء البوابة
#1
فيض العليم .... سورة يوسف، الآية: 15




فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)




قولُهُ ـ جَلَّ وعَلا: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ} أَي: ولمَّا ذهبوا بِيُوسُفَ مِنْ عِنْدِ يَعْقوبَ ـ عليهِما السَّلامُ، وثَمَّةَ مَحْذوفٌ هُنَا تَقْديرُ: وقدَّمَ أبناءُ يعقوبَ لأَبيهم ما قدَّموا مِنْ ضماناتٍ أقنعوهُ بها، ورَأَى إِلْحاحَهم في خُروجِهِ أخيهم مَعْهم إلى الصَّحْراءِ ليلهوَ معهم ويَلْعَبَ، ورَأَى مِنْ يوسُفَ أَيضًا مَيْلًا إلى الذهابِ مَعَهم للنُزْهَةِ، رَضِيَ بالقَضَاءِ، فأَرْسَلَهُ مَعَهم. مسلِّمًا الأمرَ إلى اللهِ تعالى. رُويَ عنِ الحَسَنِ البَصْريِّ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، قولُهُ: كانَ بَيْنَ خُروجِ يُوسُفَ مِنْ حِجْرِ أَبيهِ إِلى يَوْمِ التَّلاقي ثَمانُونَ سَنَةً، لَمْ تَجِفَّ فيها عَيْنَا يَعْقوبَ، ومَا عَلَى الأَرِضِ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْهُ. قالَ وهْبُ بْنُ منبِّهٍ ـ رضيَ اللهُ عنه: وَكَانَ يوسُفُ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ـ وَقِيلَ: ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً. تفسيرُ البَغَوِيِّ، طَيْبَةَ: (4/221).

قولُهُ: {وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} أَيْ: وعَزَمُوا عَزْمًا أَكِيدًا، عَلَى تَنْفيذِ ما اتَّفَقوا عَلَيْهِ مِنْ إلْقاءِ أَخيهم يُوسُفَ في قَعْرِ الجُبِّ وظُلْمَتِهِ. و "الجبُّ" الرَّكِيَّةُ التي لَمْ تُطْوَ بالحِجارَةِ. فإذا طويَتْ فلَيْسَتْ بِجُبٍّ. أَتَوْا بِهِ إِلَى البِئْرِ، فَرَبَطُوهُ بِحَبْلٍ، وَدَلَّوْهُ فِيهَا إِلَى قَاعِهِا، وكَانَ أَعلى ذَلِكَ الجُبُّ ضَيِّقًا، وأَسْفَلُهُ وَاسِعًا، حَفَرَهُ شدَّاد عَلَى ثَلاثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقوبَ بأَرضِ كَنْعانَ، التي هِي مِنْ نَواحِي الأُرْدُنِّ، حِينَ عَمَرَ تِلْكَ البِلادَ. وقَالَ مُقَاتِلٌ: عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ كَعْبٌ: بَيْنَ مَدْيَنَ وَمِصْرَ. وَقَالَ وَهْبٌ: بِأَرْضِ الْأُرْدُنِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ بِئْرُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

ورَوى الطَبريُّ عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ ـ رضي اللهُ عَنْهُ، أنَّهُ قال: فَأَرْسَلَهُ مَعَهُمْ، فَأَخْرَجُوهُ وَبِهِ عَلَيْهِمْ كَرَامَةٌ. فَلَمَّا بَرَزُوا بِهِ إِلَى الْبَرِيَّةِ أَظْهَرُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ، وَجَعَلَ أَخُوهُ يَضْرِبُهُ، فَيَسْتَغِيثُ بِالْآخَرِ فَيَضْرِبُهُ، فَجَعَلَ لَا يَرَى مِنْهُمْ رَحِيمًا، فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادُوا يَقْتُلُونَهُ، فَجَعَلَ يَصِيحُ وَيَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ يَا يَعْقُوبُ، لَوْ تَعْلَمُ مَا صَنَعَ بِابْنِكِ بَنُو الْإِمَاءِ فَلَمَّا كَادُوا يَقْتُلُونَهُ، قَالَ يَهُوذَا: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أَنْ لَا تَقْتُلُوهُ؟ فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى الْجُبِّ لِيَطْرَحُوهُ، فَجَعَلُوا يُدِلُّونَهُ فِي الْبِئْرِ، فَيَتَعَلَّقُ بِشَفِيرِ الْبِئْرِ، فَرَبَطُوا يَدَيْهِ وَنَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أَتَوَارَى بِهِ فِي الْجُبِّ. فَقَالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا تُؤْنِسُكَ. قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرْ شَيْئًا. فَدَلُّوهُ فِي الْبِئْرِ. حَتَّى إِذَا بَلَغَ نِصْفَهَا أَلْقَوْهُ إِرَادَةَ أَنْ يَمُوتَ، وَكَانَ فِي الْبِئْرِ مَاءٌ، فَسَقَطَ فِيهِ، ثُمَّ أَوَى إِلَى صَخْرَةٍ فِيهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا. قَالَ: فَلَمَّا أَلْقَوْهُ فِي الْبِئْرِ جَعَلَ يَبْكِي، فَنَادَوْهُ، فَظَنَّ أَنَّهَا رَحْمَةٌ أَدْرَكَتْهُمْ، فَلَبَّاهُمْ، فَأَرَادُوا أَنْ يَرْضَخُوهُ بِصَخْرَةٍ فَيَقْتُلُوهُ، فَقَامَ يَهُوذَا فَمَنَعَهُمْ، وَقَالَ: قَدْ أَعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أَنْ لَا تَقْتُلُوهُ وَكَانَ يَهُوذَا يَأْتِيهِ بِالطَّعَامِ" جامِعُ البَيَانِ طَ هَجر: (13/29).

وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُلْقِيَ فِي الْجُبِّ قَالَ يَا شَاهِدًا غَيْرَ غَائِبٍ. وَيَا قَرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ. وَيَا غَالِبًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ. اجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجًا وَمَخْرَجًا. وَرُوِيَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ جُرِّدَ عَنْ ثِيَابِهِ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَمِيصٍ مِنْ حَرِيرِ الْجَنَّةِ وَأَلْبَسَهُ إِيَّاهُ، فَدَفَعَهُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى إِسْحَاقَ، وَإِسْحَاقُ إِلَى يَعْقُوبَ، فَجَعَلَهُ يَعْقُوبُ فِي تَمِيمَةٍ وَعَلَّقَهَا فِي عُنُقِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَخْرَجَهُ وَأَلْبَسَهُ إِيَّاهُ. مفاتيحُ الغيبِ: (18/428).

قولُهُ: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا} أَوْحَى اللهُ تعالى إِلَى يُوسُفَ، وَهُوَ فِي تِلْكَ الحَالِ مِنَ الكَرْبِ وَالضِّيقِ: أَنْ لاَ تَحْزَنْ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الكَرْبِ وَالشِّدَّةِ، فَإِنَّ لَكَ مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجًا حَسَنًا، وَسَيَنْصُرُكَ اللهُ، وَيُعْلِي قَدْرَكَ، وَيَرْفَعُكَ دَرَجَةً، وَسَتُخْبِرُ إِخْوَتَكَ بِمَا فَعَلُوا مَعَكَ مِنْ سُوءِ الصَّنِيعِ، وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَكَ، فأَلْهَمَهُ اللهُ في تِلْكَ اللَّحَظاتِ العَصيَبةِ الاطمئنانَ بالله والثِّقَة بِهِ تَطْيِّيبًا لخاطِرِهِ وَتَثْبِيتًا لِقَلْبِهِ. قيلَ كانَ ذلكَ إلهامًا، كَمَا هو فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى} الآية: 7، مِنْ سُورَةِ الْقَصَصِ، وَكما في قَوْلِهِ تعالى في سورةِ النحلِ: {وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} الآية: 68، وقِيلَ كانَ رُؤيا مَنَامِيَّةً، والْأَكْثَرُونَ ـ مِنْهمُ الحَسَنُ البَصريُّ، وطائفةٌ عظيمةٌ منَ المحقِّقينَ، عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ بِهَذَا وَبَعَثَ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُؤْنِسُهُ وَيُبَشِّرُهُ بِالْخُرُوجِ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا فَعَلُوهُ وَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بَالِغًا وَكَانَ سِنُّهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، أوْ ثمانيَ عشْرةَ سنةً، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ كَانَ صَغِيرًا إِلَّا أَنَّ الله تَعَالَى أَكْمَلَ عَقْلَهُ وَجَعَلَهُ صَالِحًا لِقَبُولِ الْوَحْيِ وَالنُّبُوَّةِ كَمَا هو الأَمْرُ في حَقِّ عِيسَى ـ عَلَيْهِما السَّلَامُ. ولَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُشَرِّفَهُ بِالْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَيَأْمُرَهُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ أَوْقَاتٍ، وَيَكُونُ فَائِدَةُ تَقْدِيمِ الْوَحْيِ، تَأْنِيسَهُ وَتَسْكِينَ نَفْسِهِ، وَإِزَالَةَ الْغَمِّ وَالْوَحْشَةِ عَنْ قَلْبِهِ.

قولُهُ: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} قيل المُرادُ: وَهُمْ مَا كَانُوا يَشْعُرُونَ بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْه، والأرجحُ أنَّ المُرادَ: أَنَّك سَتُنَبِّئُهم بأَمرِهمْ هذا وهم لاَ يَشْعُرُونَ بِكَ، لأَنَّهُمْ كانوا يظُنُّونَ أَنَّهُمْ قَدْ تَخَلَّصُوا مِنْكَ. فقد رُوِيَ أَنَّهُمْ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ لِطَلَبِ الْحِنْطَةِ، وَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، دَعَا بِالصُّوَاعِ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ، فقالَ: إِنَّهُ لَيُخْبِرُني هَذَا الْجَامُ أَنَّهُ كَانَ لَكُمْ أَخٌ مِنْ أَبِيكُمْ يُقَالُ لَهُ يُوسُفُ فَطَرَحْتُمُوهُ فِي الْبِئْرِ وَقُلْتُمْ لِأَبِيكُمْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ. وقد كَانَ هَذَا أَمْرًا مِنَ الله تَعَالَى لِيُوسُفَ أَنْ يَسْتُرَ نَفْسَهُ عَنْ أَبِيهِ فلَا يُخْبِرُهُ بِأَحْوَالِ نَفْسِهِ، ولِهَذَا كَتَمَ أَخْبَارَهُ عَنْ أَبِيهِ طوالَ تِلْكَ الْمُدَّةِ، معَ مقدِرتهِ على ذلكَ، وعِلْمِهِ بِوَجْدِ أَبِيه، خَوْفًا مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِ الله تَعَالَى، وَصَبَرَ عَلَى تَجَرُّعِ تِلْكَ الْمَرَارَةِ، فَكَأَنَ الله ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قَدْ قَضَى عَلَى يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يُوَصِّلَ إِلَيْهِ تِلْكَ الْغُمُومَ الشَّدِيدَةَ وَالْهُمُومَ الْعَظِيمَةَ لِيَكْثُرَ رُجُوعُهُ إِلَيهِ تَعَالَى، وَيَنْقَطِعَ تَعَلُّقُ فِكْرِهِ عَنِ الدُّنْيَا فَيَصِلُ إِلَى دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ فِي الْعُبُودِيَّةِ، لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَيْهَا إِلَّا بِتَحَمُّلِ الْمِحَنِ الشديدَةِ. والله أَعْلَم.

قولُهُ تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ} الفاءُ: عاطفةٌ عَلى مَحْذوفٍ تَقديرُهُ: فأَرْسَلَهُ مَعَهُم، فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ، وذَلِكَ المُقَدَّرُ مَعْطوفٌ عَلى قولِهِ سابقًا. و {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا} وقدْ تقدَّمَ ذلك في التفسيرِ. و "لَمَّا" حَرْفُ شَرْطٍ غَيْرُ جازِمٍ. و "ذَهَبُوا" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألِفُ للتفريق. و "بهِ" جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ "ذَهَبُوا"، والجُمْلَةُ هذه فعلُ شَرْطٍ لِ "لَمَّا" الشرطيَّةِ.

قولُهُ: {وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} الوَاوُ: للعطفِ، و "أَجْمَعُوا" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألِفُ للتفريق. والجملةُ معطوفةٌ عَلَى جملةِ "ذَهَبُوا"، ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ حالًا، و "قد" مُضْمَرَةٌ مَعَهُ عِنْدَ بَعْضِهم. و "أَنْ" حرفٌ ناصِبٌ، و "يَجْعَلُوهُ" فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بِ "أنْ" وعلامةُ نَصْبِهِ حذفُ النونِ مِنْ آخِرِهِ لأنَّهُ من الأفعالِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نَصْبِ مفعولِهِ الأوّل. و "فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ" جارٌّ ومَجْرورٌ مضافٌ، ومضافٌ إليهِ، في مَحَلِّ النَّصبِ مفعولًا ثانيًا للجَعْلِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَنْصوبٍ عَلى المَفْعولِيَّةِ لِـ "وَأَجْمَعُوا" والتقديرُ: وأَجْمَعُوا جَعْلَهم إِيَّاهُ في غَيابَةِ الجُبِّ، أَيْ: عَزَموا عَلى أَنْ يَجْعَلُوهُ، أَوْ عَزَموا أَنْ يَجْعَلُوهُ، لأَنَّهُ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وبِ "عَلى"، فَ "أَنْ" يُحْتَمَلُ أَنْ تَكونَ عَلَى حَذْفِ الحَرْفِ، وأَنْ لا تَكونَ، فَعَلَى الأَوَّلِ يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مَوْضعَها النَّصْبُ والجَرُّ، وعَلَى الثاني يَتَعَيَّنُ النَّصْبُ. والجَعْلُ يجُوزُ أَنْ يَكونَ بِمَعْنَى الإِلْقاءِ، وأَنْ يَكونَ بِمَعْنَى التَّصْييرِ، فَعَلى الأَوَّلِ يَتَعَلَّقُ "في غَيَابَةِ" بِنَفْسِ الفِعْلِ قَبْلَهُ، وعَلَى الثاني يتعلَّقُ بِمَحْذوفٍ. وجَوابُ "لمّا" محذوفٌ تَقْديرُهُ: فَعَلوا بِهِ، مَا فَعَلُوا مِنَ الأَذَى، وقدَّرهُ بعضُهم بِ "عَرَّفْناه وأَوْصَلْنا إليه الطُمْأَنِيَنَةَ"، وقدَّروهُ أيضًا ب: "عَظُمَتْ فِتْنَتُهم". وقدَّرهُ آخَرونَ ب "جَعَلوهُ فِيها" أي فلما جعلوهُ في الجُبِّ، وهذا أَوْلَى لدَلالَةِ الكلامِ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ "لمَّا" مَعْطُوفَةٌ عَلَى تِلْكَ الجُمْلَةِ المَحْذوفَةِ. وقالَ بعضُهم أَنَّ الجَوابَ مُثْبَتٌ، وهوَ قولُهُ في الآيةِ التي تَلِيها: {قَالُواْ يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنَا}، أَيْ: لَمَّا كانَ كَيْتَ وَكَيْتَ، قالوا. وهذا فِيهِ بُعْدٌ لِبُعْدِ الكلامِ مِنْ بِعْضِهِ. وقالَ الكوفيُّونَ: بِأَنَّ الجَوابَ هو قولُهُ: "وأَوْحَيْنَا" والواوُ فِيهِ زائدَةٌ، أيْ: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ أَوْحَيْنَا، وجَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ قوْلَهُ تَعالى في الآية: 103 منْ سورةِ الصافّاتِ: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ للجَبينِ}، أَيْ: فلَمّا أسلَما تَلَّهُ. وجعلوا منه كذلك قولَهُ في سورةِ الزُمَرِ: {حَتّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أبوابُها} الآية: 71، وقولَ امْرِئِ القَيْسِ:

فلمَّا أَجَزْنَا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى ........ بِنَا بَطْنَ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنِقْلِ

أيْ: فَلَمَّا أَجَزْنَا انْتَحَى. ومثلُهُ عندهم كثيرٌ بَعْدَ "لَمَّا".

قولُهُ: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} الوَاوُ: للعَطْفِ، و "أَوْحَيْنَا" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ عَلَى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متَحَرِّكٍ هوَ "نا" الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وهذه الجملةُ معطوفةٌ على جملةِ جوابِ "لمّا" المَحذوفةِ. و "إِليهِ" جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِ "أوحينا". و الظاهرُ أنَّ هذا الضَميرُ يَعوْدُ على يُوسُفِ، وقيلَ: يَعودُ عَلى يَعْقوبَ ـ عليهِما السلامُ. و "لَتُنَبِّئَنَّهُمْ" اللامُ: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ. و "تُنَبِّئَنَّهم" فِعْلٌ مضارعٌ مبنيٌّ على الفتحِ لاتِّصالِهِ بنونِ التوكيدِ الثقيلةِ في محلِّ الرَّفعِ، وضميرُ الغائبينَ متَّصلٌ به في محلِّ نَصْبِ مَفعولِهِ. و "بِأَمْرِهِمْ" جارٌّ ومَجْرورٌ مُضافٌ، ومُضافٌ إِلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِ "تنبئن"، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تقديرُهُ "أنتَ" يَعودُ عَلى يُوسُفَ ـ عليْهِ السَّلامُ. و "هَذَا" إمَّا بَدَلٌ مِنْ "أمرهم" أَوْ صِفَةٌ لَهُ، أو عطفُ بيانٍ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه جَوابُ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُمْلَةُ القَسَمِ في مَحَلِّ النَصْبِ مفعولًا ل "أَوْحَيْنَا". و "وَهُمْ" الواوُ للحالِ، و "هم" جميرٌ منفصلٌ في محلِّ الرفعِ بالابتِداءِ، و "لا" نافيةٌ لا عملَ لها، و "يشعرون" فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وجُمْلَةُ "لَا يَشْعُرُونَ" خَبَرُ المبتدأِ "هم"، والجملةُ الاسْمِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ الضَميرِ فيِ "لَتُنَبِّئَنَّهُمْ"، أَيْ: تُخْبِرُهم وهُمْ لا يَعْرِفونَكَ لِبُعْدِ المُدَّةِ وتَغَيُّرِ الأَحْوالِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ العامِلُ فِيها "أَوْحَيْنا"، أَيْ: أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أنْ يَشْعُروا بالوَحْيِ، وقد تقدَّمَ.

وقرَأَ العامَّةُ: {لَتُنَبِّئنَّهُمْ" بِتَاءِ الخِطابِ. وقَرَأَ ابْنُ عُمَرَ "لَيُنَبِّئَنَّهم" بِيَاءِ الغَيْبَةِ، أَيْ: لينبئنَّهُمُ اللهُ تَعَالى. قالَ الشَّيْخُ أبو حيّان: وكذا في بعضِ مَصَاحِفِ البَصْرَةِ. ومعلومٌ أَنَّ النَّقْطَ حادِثٌ، فإنْ قالَ: مُصْحَفٌ حادِثٌ غيرُ مُصْحَفِ عُثْمَانَ فَلَيْسَ الكَلامُ في ذَلِكَ. وقَرَأَ سَلَّام: "لنُنَبِّئَنَّهم" بالنُّونِ.
 

أنيس

أنيس

مشرف عام
#2
قبس علم من متعلم مجيد لما تعلم !!.
مني أجمل التقدير .....
 

عبد القادر الأسود

شُعراء البوابة
#3
باركك الله أخي أنس
 

أعلى