عبد القادر الأسود

شُعراء البوابة
التسجيل
28/8/10
المشاركات
196
الإعجابات
69
العمر
70
الإقامة
سوريا ـ إدلب ـ أرمناز
#1
فيض العليم .... سورة يوسف، الآية: 12




أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)




قولُهُ ـ تباركتْ أسماؤهُ: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً إِلَى البَرِّيَّةِ لِيَسْتَمْتِعَ بِرِفْقَتِنَا، ليرتَعَ فَيَتَّسِعَ فِي أَكْلِ مَا لَذَّ وَطَابَ. ويَلْعَبَ: فيُسَابِقُ وَيَرْمِ بِالسِّهَامِ. وكأنَّ يَعْقوبَ خافَ الجُوع عَلى ابنِهِ يوسُفَ ـ عَلَيهِما السَلامُ، فأَمَّنُوهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهم: "يَرْتَعْ" أَيْ: يَأْكُلُ ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ حَتَّى يَشْبَعَ. وَالْمَعْنَى مِنَ الاتَّساعِ فِي الْخِصْبِ، وَكُلُّ مُخْصِبٍ رَاتِعٌ، ومِنْهُ قولُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو عَمْرَو بْنَ زُهْرَةَ الفِزارِيِّ واليَ العِراقِ:

راحَتْ بِمَسْلَمَةَ البِغالُ مُودَّعًا ............. فَارْعَيْ فَزَارَةُ لَا هَنَاكِ الْمَرْتَعْ

وقبلَهُ:

نَزَعَ ابْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَمْرٍو قَبْلَهُ ............... وأَخُو هَراةَ لِمِثْلِها يَتَوَقَّعُ

وقد وليَ عَمْرٌو العِرَاقَ بَعْدَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَرْوانَ، وكانَ عَلى البَصْرَةِ. يقولُ: ذَهَبَ ابْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَمْرٍو، وأَخُو هَراةَ أَيْ صاحِبُهَا ووالِيهَا. وهَرَاةُ مِنْ بِلادِ العَراقِ أَيْضًا. وَقَالَتِ الخَنْساءُ تَرْثي أَخَاهَا صَخْرًا:

تَرْتَعُ مَا غَفَلَتْ حَتَّى إِذَا ادَّكَرْتَ ............... فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ

وَقَالَ القُطاميُّ:

أَكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ الْمَوْتِ عَنِّي ................ وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةَ الرِّتَاعَا

أَيِ: الرَّاتِعَةَ لِكَثْرَةِ الْمَرْعَى. وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ" تَرْتَعُ" تَسْعَى، قَالَ النَّحَّاسُ: أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ: "إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ" لِأَنَّ الْمَعْنَى: نَسْتَبِقُ فِي الْعَدْوِ إِلَى غَايَةٍ بِعَيْنِهَا. وكأَنَّه أَيْضًا خافَ عَلَيْهِ أَنْ يُكَلِّفُوهُ أَمْرًا فيهِ لَهُ مَشَقَّةٌ، فَأَمَّنُوهُ أَيْضًا بقولِهِمْ "وَيَلْعَبْ" لأنَّ اللَّعِبَ ليس فيهِ شِدَّةٌ ولا مَشَقَّةٌ، لأنَّهم إنَّما كانوا يَخرُجونَ للرَّعْيِ والعَمَلِ؛ لِذَلِكَ أَعطَوْا أَباهُم هذه الضماناتِ ليطمئنَّ على ابْنِهِ فيَأْذَنَ لَهُمْ بِأَخْذِه مَعَهُم، وكانَ يوسُفُ ما يزالُ طِفْلًا دونَ سِنِّ التَّكْليفِ ـ كما تقدَّمَ؛ واللَّعِبُ أَمْرٌ مُحبَّبٌ للطِّفْلِ ومَسْموحٌ بِهِ لِقَصْدِ انْشِراحِ نَفْسِهِ وتعليمِهِ ما ينفعُهُ في حياتِهِ. ويُوجِّهُ الشَّرْعُ الحنيفُ إلى أَنْ يَكونَ اللَّعِبُ في مَجَالاتٍ تُكسِبُهُ خُبُراتٍ تَفِيدُهُ مُسْتَقْبَلًا؛ كَتَعَلُّمِ السِّبَاحَةَ، أَوِ المُصارَعَةَ، أَوِ الرِمايَةَ، بَلْهُ أَمْرٌ مَنْدوبٌ إِلَيْهِ شَرْعًا لِقوْلِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَلِّموا أَولادَكُمْ السِّباحَةَ والرِّمايَةَ، ومُروهم فَلْيَثِبُوا عَلَى الخَيْلِ وثْبًا. ورَوُّوهم مَا يَجْمُلُ مِنَ الشِّعْرِ)) رَواهُ أَحْمَدُ والتِرْمِذِيُّ وأَبو دَاوُود، والديلميُّ، ورواهُ أَبو نُعَيْمٍ الأَصْبَهانِيُّ في (مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ): (1/441)، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبيعٍ الأَنْصاريِّ، ونَصُّهُ: ((عَلِّموا أَوْلادَكُمُ السِّبَاحَةَ والرِّمايَةَ، ونِعْمَ لَهْوُ المُؤْمِنَةِ في بَيْتِها الغَزْلُ، وإذا دَعَاكَ أَبَواكَ فَأَجِبْ أُمَّكَ)). وأخرجه أيضًا عَنْهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وأَبو مُوسَى. وَكَتَبَ أميرُ المؤمنينَ عُمَرُ بْنُ الخطابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لِأَهْلِ الشامِ: (عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ السِّبَاحَةَ، وَالرِّمَايَةَ، وَالْفُرُوسِيَّةَ، وَالِاحْتِفَاءَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ. وَقَالَ: احْتَفُوا، وَتَجَرَّدُوا، وَاخْشَوْشِنُوا، وَتَمَعْدَدُوا، وَاقْطَعُوا الرَّكْبَ، وَانْزُوَا عَلَى الْخَيْلِ نَزْوًا، وَارْمُوا الْأَغْرَاضَ، وإيَّاكُمْ وَلِبَاسَ الْعَجَمِ، الْبَسُوا الْأُزُرَ وَالْأَرْدِيَةَ، وَأَلْقُوا السَّرَاوِيلَاتِ، وَاسْتَقْبِلُوا حَرَّ الشَّمْسِ بِوُجُوهِكُمْ فَإِنَّهَا شَامَاتُ الْعَرَبِ، وَاطْرَحُوا الْخِفَافَ، وَالْبَسُوا النِّعَالَ) رَواهُ أَبُو اللَّيْثِ السَمَرْقَنْدِيُّ في (تنبيه الغافلين بِأَحاديثِ سَيِّدِ الأَنْبِياءِ والمُرْسَلينَ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ وعليهم أجمعين: (ص: 502)، ورواهُ ابْنُ الحاجَّ أَيْضًا في المَدْخِلِ: (3/17).

قولُهُ: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} مِنْ أَنْ يَنَالَهُ مَكْرُوهٌ، أَيْ: وَإِنَّنَا نَتَكَفّلُ بِحِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ، وكأَنَّ يَعْقوبَ ـ عَلَيهِ السَلامُ، خافَ عَلى يوسُفُ الضَّياعَ، فأَمَّنوهُ على ذَلِكَ بِقَوْلِهم: "وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ". وأَكَّدوا مَقَالَتَهُمْ بِأَنواعٍ مِنَ التَأْكيدِ، فأوردوا الجُمْلَةَ إسْمِيَّةً، وأَكَّدوها بِ "إنَّ" وباللامِ المزحلقةِ، وقدَّموا الجارَّ والمجرورَ "لَهُ" عَلى الخَبَرِ، وأَسْنَدوا الحِفْظِ إلى جماعتِهم، وذَلِكَ كُلُّهُ للاحْتِيَالِ عَلَى أَبيهم فِي تَحْصِيلِ بُغيَتِهم، للوصولِ إلى مَقْصِدِهِم. قِيلَ لِلْحَسَنِ: أَيَحْسُدُ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: مَا أَنْسَاكَ بِبَنِي يَعْقُوبَ! وَلِهَذَا قِيلَ: الْأَبُ جَلَّابٌ وَالْأَخُ سَلَّابٌ.

قولُهُ تعالى: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} أرْسِلْهُ: فِعْلُ طلبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ الظاهِرِ، والهاء: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصبِ مَفعولِهِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا، تقديرُهُ: "أنت"، يَعودُ عَلَى يَعقوبَ ـ عليه السلامُ، والجُمْلةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقوْلِ لِ "قَالُوا". و "مَعَنَا" جارٌ ومجرورٌ في محلِّ النصبِ على الحالِ مِنْ المَفْعولِ بِهِ في "أَرسِلْهُ". و "غَدًا} مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ "أرسلْ". والْأَصْلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ غَدْوٌ، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ عَلَى الْأَصْلِ، قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ يُقَالُ لَهُ غَدْوَةٌ، وَكَذَا بُكْرَةً. و "يَرْتَعْ" مَجْزومٌ بجوابِ الطَّلَبِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ جَوازًا تَقْديرُهُ "هُوَ" يَعودُ عَلى يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ. والجُمْلَةُ جوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ غَيْرُ مُقْتَرِنَةٍ بالفاءِ، لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعرابِ. و "يَلْعَبْ" مَعْطوفٌ عَلَيْهِ، مَجْزُومٌ مِثْلهُ. والجملَةُ لا مَحَلَّ لَهَا عَطْفًا عَلى جُمْلَةَ "يَرْتَعُ".

قولُهُ: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وَإِنَّا: "إنَّ" حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، و "نا" ضميرُ جماعةِ المُتكلِّمينَ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ اسْمِهِ. و "لَهُ" جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ. و "لَحَافِظُونَ" اللامُ المُزحلقةُ للتوكيدِ، حَرْفُ ابْتِداءٍ، و "حافظونَ" خَبَرُ "إنَّ" مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ جمعُ المُذَكَّرِ السَّالِمِ، والنونُ عِوَضًا عنِ التنوينِ في الاسْمِ المُفرَدِ، وجُمْلَةُ "إنَّ" في محلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ ضَميرِ المُتَكَلِّمِ في "مَعَنَا" أَوْ مِنْ "هاءِ" "أَرْسِلْهُ".

قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: {نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ} بِالنُّونِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ. وَالْمَعْرُوفُ مِنْ قِرَاءَةِ أَهْلِ مَكَّةَ. "نَرْتَعِ" بِالنُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ. وَقِرَاءَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: "يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ" بِالْيَاءِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ. وَقِرَاءَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: "يَرْتَعْ" عَلَى مَعْنَى يُرْتِعُ مَطِيَّتَهُ، فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ، "وَيَلْعَبُ" بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَالْمَعْنَى: هُوَ مِمَّنْ يَلْعَبُ.
 

أنيس

أنيس

مشرف عام
التسجيل
11/1/14
المشاركات
5,474
الإعجابات
4,195
#2
ريشة خبيرة وقلب طهور أغدق على السريرة ماغذى البصيرة وأضاء بالنور,
ومن قلب ملأه السرور والحبور أدع الله لك دوام السعادة وجزيل الثواب مما تميز من فائدة هذا الحضور .
........
 

أعلى