كمال بدر

كمال بدر

الوسـام الماسـي
#1

الثالوث المدمر



د. خالد راتب


إن مما يهدِّد الأمم ويقوِّض حضارتها التغافلَ عن مكارم الأخلاق، التي هي أساس بعثة الرسل جميعًا، وخاتمة رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم.


عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما بُعِثْت لأتمم صالح الأخلاق))؛ أخرجه الحاكم، وقال : صحيح على شرط مسلم.


والأخلاق الطيبة ترفع العبد وتجعله مقبولًا عند الله وعند الناس، وعلو الأخلاق دليل على كمال الإيمان؛ عن أبي هريرةَ وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسَنُهم خُلقًا))، كما أن حُسن الخُلق يثقل الموازين، ويرفع الدرجات، ويجعَلُك قريبًا من النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((ما من شيء في الميزان أثقل من حُسن الخُلق))؛ قال الشيخ الألباني : صحيح.


وعن أبي أمامة عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إن من أقربكم إليَّ يوم القيامة أحاسنَكم أخلاقًا))؛ أخرجه الطبراني في الكبير، وقال الهيثمي : رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات.


وإن العبد ليبلُغ بحُسن خلقه درجة المجتهدين في الطاعة؛ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الرجل لَيُدرك بحُسن خُلقه درجة القائم بالليل))؛ قال الشيخ الألباني : صحيح.


وكما أن العبد يُرفَع بحُسن خُلقه، فإنه كذلك يهبط في وحل ودركات الشقاء بسوء خُلقه، وساعتها لا تنفعُه الطاعة؛ فطاعة بغير حُسن خُلق تذهب هباءً منثورًا؛ عن أبي يحيى مولى جعدة قال : سمعت أبا هريرةَ يقول : قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن فلانةَ تصلِّي من الليل، وتصوم النهار، وتؤذي جيرانها سليطة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((هي في النار))، وقيل له : إن فلانةَ تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتصدق بالأثوار من الأقِط - لبن جامد مستحجر - ليس لها شيء غيره، ولا تؤذي أحدًا، فقال : ((هي في الجنة))؛ أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والبزار في كشف الأستار، والخرائطي في مساوئ الأخلاق، وقال الألباني : صحيحٌ لغيره.


فالإنسان كي يحافظ على إيمانه وأعماله وحضارة الإسلام لا بد أن يتحلَّى بحُسن الخُلق، ويتجنب الأخلاق المذمومة التي تكتب للعبد شقاء الدنيا والآخرة، ومن أخطر الأخلاق السيئة هذا الثالوث المدمر : الهوى، والطمع، والغضب.


لذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول في خطبته : أفلَح منكم مَن حُفِظ من الهوى والطمع والغضب، وقد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ((ثلاث مهلكات : هوى متَّبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه))؛ قال الشيخ الألباني : حسن؛ انظر حديث رقم: 3039 في صحيح الجامع.



فالهوى المتَّبع بغير حق يجعَل صاحبه عبدًا لنفسه تارة، ولمالِه وسلطانه وشهواته ونزواته تارة أخرى، بل إن اتِّباعَ الهوى سبب أساسي في الصد عن سبيل الله؛ لأن اتِّباع الهوى يُقصي العقل، ويهدم الشرائع.


فعن طريق الهوى أُقصِي العقلُ، وأهملت الشرائع، وأخرجت النصوص عن مدلولاتها، وقامت البدعُ، وانتشرت الخرافات، بل وسُفِكت الدماءُ أحيانًا كثيرة، وهو الذي حال بين كثير من البشر وأنبيائهم، والنصوص من كتاب الله - عز وجل - وسنَّة نبيه - صلى الله عليه وسلم - في ذم الهوى لا تخفى على أيِّ مسلم من عوام المسلمين، فضلًا عن طلاب العلم.


لقد أخبر اللهُ - تعالى - أن الهوى أحيانًا يحلُّ في بعض النفوس محل الإله.


فقال - تعالى -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾ [الجاثية: 23].


وأخبر - تعالى - أن الهوى هو الذي حال بين الأنبياء وأممهم؛ إذ لم يستفيدوا من أنبيائهم؛ لاستكبارِهم الذي أملاه عليهم هواهم.


قال - تعالى -: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ [البقرة: 87]، وآيات أخرى كثيرة في ذم اتِّباع الهوى وعواقبه الوخيمة؛ (انظر : الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة 11/10).



وأما الطمع فهو شِيمةُ أغلب الناس، ولو كان عند الإنسان وادٍ من ذهب لتمنى اثنين، وهكذا لا يشبَع من الدنيا، ولا يملأُ عينيه إلا التراب؛ عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((لو أن لابن آدم واديًا من ذهب أحَبَّ أن يكون له واديانِ، ولن يملأ فاه إلا الترابُ، ويتوب الله على من تاب) قال أنس عن أبي قال : كنَّا نرى هذا من القرآن حتى نزَلت : ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾ [التكاثر: 1] ؛ رواه البخاري.


وقد أشار - صلى الله عليه وسلم - بهذا المَثَل إلى ذم الحرص على الدنيا، والشَّرَهِ على الازدياد منها؛ ولذلك آثَر أكثرُ السلف التقلُّل من الدنيا، والقناعة والكفاف؛ فرارًا من التعرُّض لِما لا يعلم كيف النجاة من شر فتنته؛ انظر : شرح البخاري لابن بطال (19/213).


وأما الغضب فهو أساس كل شرٍّ؛ عن أبي هريرةَ - رضي الله تعالى عنه - أن رجلاً قال للنبيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم -: أوصني، قال : ((لا تغضَبْ))، فردَّد مرارًا، قال : ((لا تغضَبْ))؛ رواه البخاري، وخرَّج الإمام أحمد من حديث الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، عن رجُلٍ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قلت : يا رسول الله، أوصِني، قال : ((لا تغضَبْ))، قال الرجل : ففكَّرتُ حين قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ما قال، فإذا الغضب يجمَعُ الشرَّ كلَّه.


والحديث نهى عن اجتناب أسباب الغضب، وعدم التعرض لِما يجلِبُه، وأما نفسُ الغضب فلا يتأتى النهيُ عنه؛ لأنه أمر جِبِلِّي، وقال غيره : وقَع النهي عما كان من قبيل ما يُكتسب فيدفعه بالرياضة، وقيل : هو نهي عما ينشأ عنه الغضب، وهو الكِبْرُ؛ لكونه يقَعُ عند مخالفة أمر يُريده، فيحمِلُه الكِبْرُ على الغضب، والذي يتواضَع حتى تذهَبَ عنه عزَّةُ النفس يسلَمُ من شر الغضب، وقيل : معناه : لا تفعَل ما يأمرك به الغضب، قيل : إنما اقتصر - صلى الله عليه وسلم - على هذه اللفظة؛ لأن السائل كان غضوبًا، وكان - صلى الله عليه وسلم - يُفتي كل أحد بما هو أولى به، قال ابن التين : جمع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في قوله : ((لا تغضب)) خيرَيِ الدنيا والآخرة؛ لأن الغضبَ يؤول إلى التقاطع، ومنع الرفق، ويؤول إلى أن يؤذيَ الذي غضب عليه بما لا يجوز، فيكون نقصًا في دينه؛ انتهى.


ويحتمل أن يكون من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لأن الغضب ينشأ عن النفس والشيطان، فمن جاهدهما حتى يغلبَهما مع ما في ذلك من شدة المعالجة، كان أملَك لقهر نفسه عن غير ذلك بالأولى؛ انظر : سبل السلام، (4/191، 192).


والغضب نار تغلي في قلب ابن آدم، تدفع الإنسان دفعًا إلى الشرِّ، حتى تصل به أحيانًا أن يتكلم بالكفر أو يفعله، بل وبسبب الغضب تُسفَك الدماءُ، وتُنتهك الأعراض، وتخرب البيوت، ويشرَّد الأجيال؛ فالحكيم الذي يملِكُ نفسه عند الغضب، ويدرِّبُ نفسه على مكارم الأخلاق؛ ليتخلص من هذا الثالوث المدمر : الهوى المتَّبع، والطمع، والغضب.


وذلك عن طريق مطالعة سيرة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وسيرة أصحابه، والسلف الصالح، وكيف أنهم سعِدوا في الدنيا، وسيسعدون في الآخرة لَمَّا تخلَّقوا بأخلاق القرآن، وكذلك لا بد للإنسان أن يستحضر فضل الأخلاق الحسنة، وعاقبة الأخلاق السيئة التي تُشقي الناسَ، وبالصبر أيضًا والمجاهدة يستطيع الإنسانُ أن يتخلص من الأخلاق السيئة، ومن يتصبَّرْ يُصبِّرْه الله.

 

de5559

عضو فعال
#2
ماشاء الله عليك تبارك الرحمن
اسأل الله العظيم ان يغفر لك ويتقبل منك العمل الصالح انت ولكل مدراء واعضاء بوابة دماس ..
 

raedms

الوسـام الماسـي
#3
جزاك الله خير أخي العزيز
 
كمال بدر

كمال بدر

الوسـام الماسـي
#4
ماشاء الله عليك تبارك الرحمن
اسأل الله العظيم ان يغفر لك ويتقبل منك العمل الصالح انت ولكل مدراء واعضاء بوابة دماس ..


اللَّهُمَّ آمين

جزاكَ الله خيراً أخي الكريم على مرورك وتشريفك الطيب المبارك ...
جعله الله في ميزان حسناتك إن شاء الله ...
تقبل تحياتي.
 
محـــمد ظافـــر

محـــمد ظافـــر

مجموعة الإدارة
#5
بارك الله فيك وجزاك خيراً أخي العـزيز كمال
.....
 
كمال بدر

كمال بدر

الوسـام الماسـي
#6
جزاك الله خير أخي العزيز



اللَّهُمَّ آمين

جزاكَ الله خيراً أخي الكريم على مرورك وتشريفك الطيب المبارك ...
جعله الله في ميزان حسناتك إن شاء الله ...
تقبل تحياتي.
 
كمال بدر

كمال بدر

الوسـام الماسـي
#7
بارك الله فيك وجزاك خيراً أخي العـزيز كمال
.....


اللَّهُمَّ آمين

جزاكَ الله خيراً أخي الكريم على مرورك وتشريفك الطيب المبارك ...
جعله الله في ميزان حسناتك إن شاء الله ...
تقبل تحياتي.
 
أنيس

أنيس

مشرف عام
#8
ففي خُلقِ الكرام ترى التحمُّل
وأيـضاً للـكـرائـم ســابـقـيـنَ
وتُـدهش مـن فضائلهم إذا مـا
يـطـال الشحُّ كـل الـعـالمـيـنَ
قناعتهم تراها رغـم حاجــــة
وبـالـبـذل المحبب مـولـعيـنَ
ولا تصحب لئاماً واخشى منهم
لـكـل قـبـيـح أنـفسهـم رهينـةْ
فـشكـراً ثـم شكـراً ثـم شكــراً
إلـيـك كـمـال خـيـر الكـاتـبـيـنَ

مني أجمل التحية ...
 
كمال بدر

كمال بدر

الوسـام الماسـي
#9
ففي خلق الكرام ترى التحمُّل
وأيـضاً للـكـرائـم ســابـقـيـنَ
وتُـدهش مـن فضائلهم إذا مـا
يـطـال الشحُّ كـل الـعـالمـيـنَ
قناعتهم تراها رغـم حاجــــة
وبـالـبـذل المحبب مـولـعيـنَ
ولا تصحب لئـام وإخشى منهم
لـكـل قـبـيـح أنـفسهـم رهينـةْ
فـشكـراً ثـم شكـراً ثـم شكــراً
إلـيـك كـمـال خـيـر الكـاتـبـيـنَ

مني أجمل التحية ...




جزاكَ الله خيراً أخي الكريم على مرورك وتشريفك الطيب المبارك، وعلى هذة الكلمات الرقيقة التى تحمل كل المعانى والقيم النبيلة ...
جعله الله في ميزان حسناتك إن شاء الله ...
تقبل تحياتي.
 
كمال بدر

كمال بدر

الوسـام الماسـي
#12
بارك الله فيك أخي العزيز كمال


اللَّهُمَّ آمين

جزاكَ الله خيراً أخي الكريم على مرورك وتشريفك الطيب المبارك ...
جعله الله في ميزان حسناتك إن شاء الله ...
تقبل تحياتي.
 

abo_mahmoud

الوسـام الماسـي
#14

جزاكم الله خيرا ونفع بكم
وبارك الله في قلمكم، وننتظر منكم المزيد
 
كمال بدر

كمال بدر

الوسـام الماسـي
#15

جزاكم الله خيرا ونفع بكم
وبارك الله في قلمكم، وننتظر منكم المزيد


اللَّهُمَّ آمين

جزاكَ الله خيراً أخي الكريم على مرورك وتشريفك الطيب المبارك ...
جعله الله في ميزان حسناتك إن شاء الله ...
تقبل تحياتي.
 
saaaaaam

saaaaaam

الوسـام الماسـي
#16
جزاك الله خيرا وزادك علما وبارك فيك وفى وقتك وعلمك وعملك

ورزقك سعادة الدارين أنه كريم جواد


 
كمال بدر

كمال بدر

الوسـام الماسـي
#17
جزاك الله خيرا وزادك علما وبارك فيك وفى وقتك وعلمك وعملك

ورزقك سعادة الدارين أنه كريم جواد




اللَّهُمَّ آمين

جزاكَ الله خيراً أخي الكريم على مرورك وتشريفك الطيب المبارك ...
جعله الله في ميزان حسناتك إن شاء الله ...
تقبل تحياتي.
 

sufy travel

عضو مشارك
#18
جزاك الله خير
 
كمال بدر

كمال بدر

الوسـام الماسـي
#19



اللَّهُمَّ آمين

جزاكَ الله خيراً أخي الكريم على مرورك وتشريفك الطيب المبارك ...
جعله الله في ميزان حسناتك إن شاء الله ...
تقبل تحياتي.
 

أعلى