waleed_d

عضو مميز
التسجيل
9/8/08
المشاركات
218
الإعجابات
166
#1

القصص في السنة


معنى القصص:


القص تتبع الأثر، يقال: قصصت أثره: أي تتبعته، والقصص مصدر، قال تعالى: (( فارْتدا على آثارهما قصصا)) [الكهف:64]. وقال على لسان أم موسى: ((وقالتْ لأُخْته قُصيه)) [القصص:11]، أي تتبعي أثره حتى تنظري من يأخذه.
والقصص كذلك: الأخبار المتتبعة، قال تعالى: ((إن هذا لهُو الْقصصُ الْحقُ)) [ آل عمران:62]، وقال: ((لقدْ كان في قصصهمْ عبْرة لأُوْلي الألْباب)) [يوسف:111].

وقصص السنة: أخبارها عن أحوال الأمم الماضية، والنبوات السابقة، والحوادث الواقعة، وقد اشتملت السنة على كثير من وقائع الماضي، وأحوال الناس وأخبارهم، وما جرى لهم، وحكت عنهم صورة ناطقة لما كانوا عليه.

أنواع القصص في السنة:

النوع الأول: قصص الأنبياء، بذكر شيء مما وقع لهم من الحوادث؛ كقصة إبراهيم مع زوجته وابنه إسماعيل في قدومهما إلى مكة، وموسى مع الخضر وغيرهما.

النوع الثاني: قصص تتعلق بالحوادث الغابرة, والأخبار الماضية, كقصة أصحاب الغار، والرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ومن كان يتجاوز من الموسر ويخفف عن المعسر ونحوهم.
فوائد القصص:


1- تصديق الأنبياء، وإحياء ذكراهم، وبيان فضائلهم، كما في قصة إبراهيم في بناء الكعبة.
2- أنها ضرب من ضروب الأدب، يصغي إليه السمع، وترسخ عبره في النفس، ((لقدْ كان في قصصهمْ عبْرة لأُوْلي الألْباب)) [يوسف:111].
3- الحث على الأعمال الصالحة والترغيب فيها، بذكر ثمراتها العاجلة والآجلة، كما في قصة أصحاب الغار.
4- التنفير من الأعمال السيئة، وبيان سوء عاقبتها، كما في قصة النفر الثلاثة، ومنهم الأقرع والأبرص.

القصص في السنة حقيقة لا خيال:


إننا نؤمن إيمانا جازما بأن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق في نبوته وصادق في دعوته وصادق في كلامه، إذ ما ينطق فهو من الوحي، كما قال تعالى: ((وما ينْطقُ عن الْهوى * إنْ هُو إلا وحْي يُوحى)) [النجم:3-4].

وبالتالي فالحقائق التي توجد في القصص كلها حقيقة لا خيال، بل القصص في السنة الصحيحة من أوثق المصادر، وما ورد فيها فهو موافق للواقع تماما.

هذا ونسأل الله تعالى أن ينفع بها إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين.
 

جهاد ع

عضوية الشرف
التسجيل
11/2/10
المشاركات
13,400
الإعجابات
794
الإقامة
الاردن
الجنس
Male
#2
جزاك الله خيرا اخي وليد
 

شروق الامل

الوسـام الماسـي
التسجيل
14/2/13
المشاركات
8,566
الإعجابات
3,630
الإقامة
فى القلوب الطيبة
الجنس
Female
#3
بارك الله فيك أخى
وجزاك الله خيراً
 
كمال بدر

كمال بدر

عضو جديد
التسجيل
2/11/13
المشاركات
23,239
الإعجابات
7,068
الإقامة
جمهورية مصـر العربية
الجنس
Male
#4

جزاك الله خيرا أخى الفاضل.

 
محـــمد ظافـــر

محـــمد ظافـــر

مجموعة الإدارة
التسجيل
8/9/08
المشاركات
28,713
الإعجابات
8,373
الإقامة
Malaysia
#5
جزاك الله خيرا اخي الغالي
 

waleed_d

عضو مميز
التسجيل
9/8/08
المشاركات
218
الإعجابات
166
#6

جزاك الله خيرا أخى الفاضل.

جزاك الله خيرا اخي الغالي
بارك الله فيك أخى
وجزاك الله خيرا
جزاك الله خيرا اخي وليد
وجزالكم الله كل خير ونفع الله بكم واثابكم الجنه والمسلمين اجمعين​
 

waleed_d

عضو مميز
التسجيل
9/8/08
المشاركات
218
الإعجابات
166
#7
الحلقة ( 1 ) قصة خلق آدم عليه السلام

الحلقة ( 1 ) قصة خلق آدم عليه السلام

قصة خلق آدم


عنْ أبي هُريْرة رضي اللهُ عنْهُ عن النبي صلى اللهُ عليْه وسلم قال: خلق اللهُ آدم وطُولُهُ ستُون ذراعا, ثُم قال: اذْهبْ فسلمْ على أُولئك من الْملائكة, فاسْتمعْ ما يُحيُونك تحيتُك وتحيةُ ذُريتك, فقال: السلامُ عليْكُمْ. فقالُوا: السلامُ عليْك ورحْمةُ الله, فزادُوهُ: ورحْمةُ الله, فكُلُ منْ يدْخُلُ الْجنة على صُورة آدم, فلمْ يزل الْخلْقُ ينْقُصُ حتى الْآن(1).

شرح المفردات:


(آدم): وهو أبو البشر عليه السلام. و(الأدمة): السمرة، و(الآدم) من الناس: الأسمر. ومن الإبل: الشديد البياض, وقيل: الأبيض الأسود المقلتين. يقال: بعير (آدم)، وناقة (أدماء)(2).

(ذراعا): ذراع اليد، يذكر ويؤنث. وهو: ما بين طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى(3).

(ستُون ذراعا) قال ابن التين: المراد ذراعنا لأن ذراع كل أحد مثل ربعه ولو كانت بذراعه لكانت يده قصيرة في جنب طول جسمه.

(يُحيُونك): فعل مضارع من التحية، وهي: السلام. قال تعالى: ((وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله على كل شيء حسيبا)), [سورة النساء: 86].

يقول ابن كثير: " أي: إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم(4).

(ذُريتك): ذرأ: خلق، ومنه الذرية: وهي: نسل الثقلين، وذرية الرجل: ولده، والجمع: الذراري، والذريات(5).

(السلامُ): الاسم من التسليم، والسلام اسم من أسماء الله تعالى(6).

(الْخلْقُ): أي: المخلوق، والمراد بنو آدم.

(ينْقُصُ): من نقص الشيءُ، من باب نصر، يتعدى ويلزم(7).

شرح الحديث(8):

في الحديث إشارة إلى خلق آدم، وأنه خلقه الله تعالى بيديه الشريفتين وطوله ستون ذراعا, ولم ينتقل في النشأة أحوالا كما هو حال أولاده، بل خلقه الله على الهيئة التي هو عليها.

قال ابن حجر: والْمعْنى أن الله تعالى أوْجدهُ على الْهيْئة التي خلقهُ عليْها لمْ ينْتقل في النشْأة أحْوالا ولا تردد في الْأرْحام أطْوارا كذُريته, بلْ خلقهُ الله رجُلا كاملا سويا منْ أول ما نفخ فيه الرُوح.

(فكُل منْ يدْخُل الْجنة على صُورة آدم) أيْ على صفته, وهذا يدُل على أن صفات النقْص منْ سواد وغيْره تنْتفي عنْد دُخُول الْجنة, ووقع عنْد أحْمد منْ طريق سعيد بْن الْمُسيب عنْ أبي هُريْرة مرْفُوعا " كان طُول آدم ستين ذراعا في سبْعة أذْرُع عرْضا "(9):.

(فلمْ يزل الْخلْقُ ينْقُص حتى الْآن) أي: أن كُل قرْن يكُون نشأْته في الطُول أقْصر من الْقرْن الذي قبْله, فانْتهى تناقُص الطُول إلى هذه الْأُمة واسْتقر الْأمْر على ذلك.

وقال ابن التين قوْله: " فلمْ يزل الْخلْق ينْقُص " أي: كما يزيد الشخْص شيْئا فشيْئا, ولا يتبين ذلك فيما بيْن الساعتيْن ولا الْيوْميْن حتى إذا كثُرت الْأيام تبين, فكذلك هذا الْحُكْم في النقْص, ويشْكُل على هذا ما يُوجد الْآن منْ آثار الْأُمم السالفة كديار ثمُود فإن مساكنهمْ تدُل على أن قاماتهمْ لمْ تكُنْ مُفْرطة الطُول على حسب ما يقْتضيه الترْتيب السابق, ولا شك أن عهْدهمْ قديم, وأن الزمان الذي بيْنهمْ وبيْن آدم دُون الزمان الذي بيْنهمْ وبيْن أول هذه الْأُمة.

(قال ابن حجر): ولمْ يظْهر لي إلى الْآن ما يُزيل هذا الْإشْكال.

من فوائد الحديث:


1- كمال قدرة الله عز وجل وبالغ حكمته، فهو سبحانه يخلق ما يشاء ويختار.
2- مشروعة السلام, وأنه تحية أهل الإسلام, من آدم عليه السلام, إلى محمد عليه الصلاة والسلام وأمته.
3- في الحديث دليل على فساد النظريات الغربية التي تحدثت عن أصل الإنسان، رجما بالغيب، وقد جلت النصوص الشرعية ذلك وبينته غاية البيان، كما في هذا الحديث وغيره.




يتبع ان شاء الله


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري، برقم: (3326), وصحيح مسلم، ح: ( 2841).
(2) مختار الصحاح للرازي، ص:10.
(3) مختار الصحاح، ص: 221، ولسان العرب 5/ 447. حرف العين، فصل الذال.
(4) تفسير ابن كثير، 2/324.
(5) مختار الصحاح للرازي، ص: 220-221 بتصرف.
(6) المرجع السابق، ص: 311.
(7) مختار الصحاح للرازي، ص: 676 بتصرف.
(8) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري للعسقلاني، 6 / 367.
(9) روا أحمد 2/ 535، وصححه الألباني، مشكاة المصابيح رقم 5736 .​
 

waleed_d

عضو مميز
التسجيل
9/8/08
المشاركات
218
الإعجابات
166
#8
الحلقة ( 2 ) قصة إبراهيم عليه السلام (1-3)

الحلقة ( 2 ) قصة إبراهيم عليه السلام (1-3)
قصة إبراهيم عليه السلام( 1 - 3 )


عنْ سعيد بْن جُبيْرٍ قال ابنُ عباسٍ: أول ما اتخذ النساءُ الْمنْطق منْ قبل أُم إسْماعيل؛ اتخذتْ منْطقا لتُعفي أثرها على سارة، ثُم جاء بها إبْراهيمُ وبابْنها إسْماعيل، وهي تُرْضعُهُ حتى وضعهُما عنْد الْبيْت عنْد دوْحةٍ فوْق زمْزم في أعْلى الْمسْجد، وليْس بمكة يوْمئذٍ أحد وليْس بها ماء، فوضعهُما هُنالك، ووضع عنْدهُما جرابا فيه تمْر، وسقاء فيه ماء، ثُم قفى إبْراهيمُ مُنْطلقا، فتبعتْهُ أُمُ إسْماعيل، فقالتْ: يا إبْراهيمُ أيْن تذْهبُ؟ وتتْرُكُنا بهذا الْوادي الذي ليْس فيه إنْس ولا شيْء؟ فقالتْ لهُ ذلك مرارا، وجعل لا يلْتفتُ إليْها، فقالتْ لهُ: آللهُ الذي أمرك بهذا؟ قال: نعمْ. قالتْ: إذنْ لا يُضيعُنا ثُم رجعتْ، فانْطلق إبْراهيمُ حتى إذا كان عنْد الثنية حيْثُ لا يروْنهُ؛ اسْتقْبل بوجْهه الْبيْت ثُم دعا بهؤُلاء الْكلمات ورفع يديْه فقال: ((رب إني أسْكنْتُ منْ ذُريتي بوادٍ غيْر ذي زرْعٍ عنْد بيْتك الْمُحرم)) حتى بلغ ((يشْكُرُون)) وجعلتْ أُمُ إسْماعيل تُرْضعُ إسْماعيل، وتشْربُ منْ ذلك الْماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشتْ وعطش ابْنُها، وجعلتْ تنْظُرُ إليْه يتلوى، أوْ قال: يتلبطُ، فانْطلقتْ كراهية أنْ تنْظُر إليْه، فوجدت الصفا أقْرب جبلٍ في الْأرْض يليها، فقامتْ عليْه، ثُم اسْتقْبلت الْوادي تنْظُرُ هلْ ترى أحدا، فلمْ تر أحدا، فهبطتْ من الصفا حتى إذا بلغت الْوادي رفعتْ طرف درْعها ثُم سعتْ سعْي الْإنْسان الْمجْهُود حتى جاوزت الْوادي، ثُم أتت الْمرْوة فقامتْ عليْها ونظرتْ هلْ ترى أحدا فلمْ تر أحدا، ففعلتْ ذلك سبْع مراتٍ، قال ابْنُ عباسٍ: قال النبيُ صلى اللهُ عليْه وسلم: "فذلك سعْيُ الناس بيْنهُما"، فلما أشْرفتْ على الْمرْوة سمعتْ صوْتا، فقالتْ: صهٍ؛ تُريدُ نفْسها ثُم تسمعتْ فسمعتْ أيْضا، فقالتْ: قدْ أسْمعْت إنْ كان عنْدك غواث؛ فإذا هي بالْملك عنْد موْضع زمْزم فبحث بعقبه أوْ قال: بجناحه حتى ظهر الْماءُ، فجعلتْ تُحوضُهُ وتقُولُ بيدها هكذا، وجعلتْ تغْرفُ من الْماء في سقائها وهُو يفُورُ بعْد ما تغْرفُ، قال ابْنُ عباسٍ: قال النبيُ صلى اللهُ عليْه وسلم: "يرْحمُ اللهُ أُم إسْماعيل لوْ تركتْ زمْزم أوْ قال: لوْ لمْ تغْرفْ من الْماء لكانتْ زمْزمُ عيْنا معينا"، قال: فشربتْ وأرْضعتْ ولدها، فقال لها الْملكُ: لا تخافُوا الضيْعة فإن ها هُنا بيْت الله يبْني هذا الْغُلامُ وأبُوهُ وإن الله لا يُضيعُ أهْلهُ، وكان الْبيْتُ مُرْتفعا من الْأرْض كالرابية تأْتيه السُيُولُ فتأْخُذُ عنْ يمينه وشماله، فكانتْ كذلك حتى مرتْ بهمْ رُفْقة منْ جُرْهُم أوْ أهْلُ بيْتٍ منْ جُرْهُم مُقْبلين منْ طريق كداءٍ، فنزلُوا في أسْفل مكة فرأوْا طائرا عائفا، فقالُوا: إن هذا الطائر ليدُورُ على ماءٍ لعهْدُنا بهذا الْوادي وما فيه ماء! فأرْسلُوا جريا أوْ جرييْن، فإذا هُمْ بالْماء فرجعُوا فأخْبرُوهُمْ بالْماء، فأقْبلُوا، قال: وأُمُ إسْماعيل عنْد الْماء، فقالُوا: أتأْذنين لنا أنْ ننْزل عنْدك؟ فقالتْ: نعمْ؛ ولكنْ لا حق لكُمْ في الْماء، قالُوا: نعمْ. قال ابْنُ عباسٍ: قال النبيُ صلى اللهُ عليْه وسلم: فألْفى ذلك أُم إسْماعيل وهي تُحبُ الْإنْس، فنزلُوا وأرْسلُوا إلى أهْليهمْ فنزلُوا معهُمْ، حتى إذا كان بها أهْلُ أبْياتٍ منْهُمْ وشب الْغُلامُ وتعلم الْعربية منْهُمْ وأنْفسهُمْ وأعْجبهُمْ حين شب، فلما أدْرك زوجُوهُ امْرأة منْهُمْ، وماتتْ أُمُ إسْماعيل، فجاء إبْراهيمُ بعْدما تزوج إسْماعيلُ يُطالعُ تركتهُ، فلمْ يجدْ إسْماعيل فسأل امْرأتهُ عنْهُ، فقالتْ: خرج يبْتغي لنا. ثُم سألها عنْ عيْشهمْ وهيْئتهمْ فقالتْ: نحْنُ بشرٍ، نحْنُ في ضيقٍ وشدةٍ، فشكتْ إليْه، قال: فإذا جاء زوْجُك فاقْرئي عليْه السلام وقُولي لهُ يُغيرْ عتبة بابه، فلما جاء إسْماعيلُ كأنهُ آنس شيْئا، فقال: هلْ جاءكُمْ منْ أحدٍ؟ قالتْ: نعمْ جاءنا شيْخ كذا وكذا، فسألنا عنْك فأخْبرْتُهُ، وسألني كيْف عيْشُنا، فأخْبرْتُهُ أنا في جهْدٍ وشدةٍ، قال: فهلْ أوْصاك بشيْءٍ؟ قالتْ: نعمْ، أمرني أنْ أقْرأ عليْك السلام ويقُولُ: غيرْ عتبة بابك، قال: ذاك أبي وقدْ أمرني أنْ أُفارقك الْحقي بأهْلك، فطلقها وتزوج منْهُمْ أُخْرى، فلبث عنْهُمْ إبْراهيمُ ما شاء اللهُ ثُم أتاهُمْ بعْدُ فلمْ يجدْهُ، فدخل على امْرأته فسألها عنْهُ، فقالتْ: خرج يبْتغي لنا. قال: كيْف أنْتُمْ؟ وسألها عنْ عيْشهمْ وهيْئتهمْ، فقالتْ: نحْنُ بخيْرٍ وسعةٍ وأثْنتْ على الله، فقال: ما طعامُكُمْ؟ قالت: اللحْمُ. قال: فما شرابُكُمْ؟ قالت: الْماءُ. قال: اللهُم باركْ لهُمْ في اللحْم والْماء، قال النبيُ صلى اللهُ عليْه وسلم: "ولمْ يكُنْ لهُمْ يوْمئذٍ حب ولوْ كان لهُمْ دعا لهُمْ فيه، قال: فهُما لا يخْلُو عليْهما أحد بغيْر مكة إلا لمْ يُوافقاهُ" قال: فإذا جاء زوْجُك فاقْرئي عليْه السلام ومُريه يُثْبتُ عتبة بابه، فلما جاء إسْماعيلُ قال: هلْ أتاكُمْ منْ أحدٍ؟ قالتْ: نعمْ. أتانا شيْخ حسنُ الْهيْئة وأثْنتْ عليْه، فسألني عنْك فأخْبرْتُهُ، فسألني كيْف عيْشُنا فأخْبرْتُهُ أنا بخيْرٍ، قال: فأوْصاك بشيْءٍ؟ قالتْ: نعمْ، هُو يقْرأُ عليْك السلام ويأْمُرُك أنْ تُثْبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنْت الْعتبةُ أمرني أنْ أُمْسكك، ثُم لبث عنْهُمْ ما شاء اللهُ، ثُم جاء بعْد ذلك وإسْماعيلُ يبْري نبْلا لهُ تحْت دوْحةٍ قريبا منْ زمْزم ،فلما رآهُ قام إليْه فصنعا كما يصْنعُ الْوالدُ بالْولد والْولدُ بالْوالد، ثُم قال: يا إسْماعيلُ! إن الله أمرني بأمْرٍ قال: فاصْنعْ ما أمرك ربُك، قال: وتُعينُني؟ قال: وأُعينُك، قال: فإن الله أمرني أنْ أبْني ها هُنا بيْتا وأشار إلى أكمةٍ مُرْتفعةٍ على ما حوْلها، قال: فعنْد ذلك رفعا الْقواعد من الْبيْت فجعل إسْماعيلُ يأْتي بالْحجارة وإبْراهيمُ يبْني، حتى إذا ارْتفع الْبناءُ جاء بهذا الْحجر فوضعهُ لهُ، فقام عليْه وهُو يبْني وإسْماعيلُ يُناولُهُ الْحجارة، وهُما يقُولان: ((ربنا تقبلْ منا إنك أنْت السميعُ الْعليمُ ))قال: فجعلا يبْنيان حتى يدُورا حوْل الْبيْت وهُما يقُولان: ((ربنا تقبلْ منا إنك أنْت السميعُ الْعليمُ))(1).


يتبع ان شاء الله


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، برقم: (3364)، ص: (561-563).
 

waleed_d

عضو مميز
التسجيل
9/8/08
المشاركات
218
الإعجابات
166
#9
الحلقة ( 3 ) قصة إبراهيم عليه السلام (2-3)


شرح المفردات ( 2 - 3 )(1)

(الْمنْطق): بكسْر الْميم وسُكُون النُون وفتْح الطاء هُو ما يُشد به الْوسط.

(عنْد دوْحة): بفتْح الْمُهْملة وسُكُون الْواو ثُم مُهْملة: الشجرة الْكبيرة.

(في أعْلى الْمسْجد): أي: مكان الْمسْجد، لأنهُ لمْ يكُنْ حينئذٍ بُني.

(وسقاء): السقاء بكسْر أوله؛ قرْبة صغيرة.

(ثُم قفى إبْراهيم): أي: ولى راجعا إلى الشام.

(يتلوى أوْ قال يتلبط): ومعْنى "يتلبط" وهُو بمُوحدةٍ ومُهْملة يتمرغ ويضْرب بنفْسه الْأرْض.

(ثُم سعتْ سعْي الْإنْسان الْمجْهُود): أي: الذي أصابهُ الْجهْد وهُو الْأمْر الْمُشقُ.

(فقالتْ: صهٍ): بفتْح الْمُهْملة وسُكُون الْهاء وبكسْرها مُنونة، كأنها خاطبتْ نفْسها فقالتْ لها: اُسْكُتي.

(غواثٍ): بفتْح أوله للْأكْثر وتخْفيف الْواو وآخره مُثلثة، قيل: وليْس في الْأصْوات فعالٍ بفتْح أوله غيْره، وحكى ابن الْأثير ضم أوله، والْمُراد به على هذا الْمُسْتغيث، وجزاء الشرْط محْذُوف تقْديره فأغثْني.

(فجعلتْ تُحوضهُ): بحاءٍ مُهْملة وضاد مُعْجمة وتشْديد، أي: تجْعلهُ مثْل الْحوْض.

(لوْ تركْت زمْزم، أوْ قال: لوْ لمْ تغْرف منْ زمْزم): شك من الراوي، وهذا الْقدْر صرح ابن عباس برفْعه عن النبي صلى الله عليْه وسلم، وفيه إشْعار بأن جميع الْحديث مرْفُوع.

(عيْنا معينا): أي: ظاهرا جاريا على وجْه الْأرْض.

(لا تخافُوا الضيْعة): بفتْح الْمُعْجمة وسُكُون التحْتانية أي: الْهلاك.

(رُفْقة): بضم الراء وسُكُون الْفاء ثُم قاف وهُم الْجماعة المخْتلطُون سواء كانُوا في سفر أمْ لا.

(عائفا): بالْمُهْملة والْفاء هُو الذي يحُوم على الْماء ويتردد ولا يمْضي عنْهُ.

(فأرْسلُوا جريا): بفتْح الْجيم وكسْر الراء وتشْديد التحْتانية أيْ رسُولا، وقدْ يُطْلق على الْوكيل وعلى الْأجير، قيل: سُمي بذلك لأنهُ يجْري مجْرى مُرْسله أوْ مُوكله، أوْ لأنهُ يجْري مُسْرعا في حوائجه.

(فألْفى ذلك): بالْفاء أي: وجد.

(وهي تُحب الْأُنْس): بضم الْهمْزة ضد الْوحْشة، ويجُوز الْكسْر أي: تُحب جنْسها.

(وأنْفسهمْ): بفتْح الْفاء بلفْظ أفْعل التفْضيل من النفاسة، أي: كثُرتْ رغْبتهمْ فيه.

(يُطالع تركته): بكسْر الراء أي، يتفقد حال ما تركهُ هُناك.

(خرج يبْتغي لنا): أي: يطْلُب لنا الرزْق.

(عتبة بابك): بفتْح الْمُهْملة والْمُثناة والْمُوحدة كناية عن الْمرْأة، وسماها بذلك لما فيها من الصفات الْمُوافقة لها؛ وهُو حفْظ الْباب، وصوْن ما هُو داخله، وكوْنها محل الْوطْء.

(يبْري نبْلا): بفتْح أوله وسُكُون الْمُوحدة، والنبْل بفتْح النُون وسُكُون الْمُوحدة السهْم قبْل أنْ يُركب فيه نصْله وريشه، وهُو السهْم الْعربي.

(فصنعا كما يصْنع الْوالد بالْولد والْولد بالْوالد): يعْني: من الاعْتناق والْمُصافحة وتقْبيل الْيد ونحْو ذلك.

(جاء بهذا الْحجر): يعْني الْمقام.

يتبع ان شاء الله


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: فتح الباري لابن حجر العسقلاني، 6/ 400- 406.
 

waleed_d

عضو مميز
التسجيل
9/8/08
المشاركات
218
الإعجابات
166
#10
الحلقة ( 4 ) قصة إبراهيم عليه السلام(3-3)


من فوائد الحديث( 3 - 3 )

1- المؤمن يستسلم لأوامر الله، ويؤثر طاعته ومحبته على كل شئ، ولو كان الزوجة الصالحة أو الولد الوحيد، فإبراهيم ينفذ أمر الله تعالى حينما أمره أن يحمل زوجته (هاجر) وولدها الرضيع (إسماعيل) إلى واد غير ذي زرع، لا أنيس فيه ولا زاد.
2- أن هاجرة كانت مطيعةً لزوجها ومؤمنةً بربها، ومتوكلةً عليه حق التوكل، حيث صبرت وصابرت، ورضيت بالإقامة في واد غير ذي زرع لا أنيس فيه ولا زاد، بعد أن اطمأنت أن إبراهيم عليه السلام أسكنها في هذا الوادي بأمر من الله تبارك وتعالى، ففي الحديث: " ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا, فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ, فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ؟ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا, وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا, فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا ثُمَّ رَجَعَتْ".
وهكذا المرأة الصالحة تستجيب لأمر الله، على قضائه، وتعين زوجها على طاعة الله تعالى.

3- إبراهيم يترك زوجته الوفية، وولده الصغير في الوادي بعد أن زودهم بكيس من التمر، وسقاء فيه ماء، ثم دعا لهم: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادي غير ذي زرع عند بيتك المحرم). وبذلك يعلمنا إبراهيم عليه السلام أن نجمع بين الدعاء والأخذ بالأسباب.
4- أن الله تعالى سنّ للحجاج والمعتمرين أن يسعوا بين الصفا والمروة لكي يتذكروا ما جرى لأمهم هاجر، فصار ذلك الفعل منسكًا إلى يوم القيامة يتعبد ويتقرب به إلى الله تبارك وتعالى.
5- أم إسماعيل تبحث عن الماء عندما نفد من عندها، وتأخذ بالأسباب وتسعى بين الصفا والمروة عدة مرات حتى يسر الله تعالى لها ولولدها الماء (زمزم).
6- أن الله تبارك وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً، حيث إن إبراهيم ترك أهله في مكة امتثالاً لربه تعالى، ومؤمنًا به ومتوكلاً عليه، ولا يوجد يومئذ هناك أحد من بني آدم غيرهم، فلم يضيع الله أهله، بل رزقهم من عنده، وأجرى لهم بئر زمزم ماءً مباركاً يستقي منه الناس إلى اليوم، وجاء بأناس من قبيلة جرهم لكي يسكنوا معهم فيأنسون بهم، وتذهب وحشتهم.
7- يجوز للإنسان أن يطلب الغوث والعون من غيره فيما يقدر عليه كما فعلت أم إسماعيل، وأما سؤال الميت والغائب، أو فيما لا يقدر عليه الإنسان فلا يجوز ذلك وهو من الشرك.
8- إن الله اصطفى آل إبراهيم، وجعل من ذريته الأنبياء والمرسلين، فكيف يرضى إبراهيم لولده إسماعيل بزوجة لا تحيا بروحها، بل تعيش لجسدها، ولا يهمها إلا الطعام والشراب، فتزدري ضيفها أبا زوجها، فتجحد نعمة ربها، وتشكو سوء معيشتها، لذلك أشار إبراهيم على ولده إسماعيل بفراقها، والتخلص منها.
9- الزوجة الثانية لإسماعيل صالحة، تحترم ضيفها، وتشكر نعمة ربها، لذلك يشير إبراهيم على ولده إسماعيل بإمساكها ورعايتها.
10- الطاعة والصبر لهما عاقبة محمودة، وذكرى خالدة، فالمكان الموحش الذي نزلت فيه هاجر أم إسماعيل، وهو مجدب يصبح فيما بعد حرماً آمناً، وبلداً مسكوناً، فيه ماء مبارك)زمزم) تهوي إليه أفئدة الناس، وتأتيه الثمرات، وتقصده الوفود للحج من كل فج عميق، ليشهدوا المنافع الدنيوية والآخروية.
11- أن التربية الحسنة لها أثر كبير في صلاح الأولاد - بعد توفيق الله تبارك وتعالى - وقد تجلى هذا في امتثال إسماعيل أوامر أبيه إبراهيم - عليهما السلام-؛ في طلاق زوجته، وفي إعانته على بناء الكعبة، وقبل ذلك حين قال له أبوه: ((يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)) [الصافات:102].
12- مشروعية سؤال الله تعالى قبول الأعمال الصالحة فقد بنى إبراهيم الكعبة بيديه وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يدعوان الله تبارك وتعالى أن يتقبل منهما، قال عز وجل: ((وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة:127-128]. فتقبل الله منهم هذا الدعاء ورفع شأنهم، وأعلى منزلتهم.

الحلقه القادمه ان شاء الله
الأعمى والأقرع والأبرص

يتبع ان شاء الله


 

waleed_d

عضو مميز
التسجيل
9/8/08
المشاركات
218
الإعجابات
166
#11
الحلقة ( 5 ) قصة الأعمى والأقرع والأبرص
قصة الأعمى والأقرع والأبرص


عن أبي هُريْرة رضي اللهُ عنْهُ أنهُ سمع رسُول الله صلى اللهُ عليْه وسلم يقُولُ: إن ثلاثة في بني إسْرائيل: أبْرص، وأقْرع، وأعْمى، بدا لله عز وجل أنْ يبْتليهُمْ، فبعث إليْهمْ ملكا، فأتى الْأبْرص، فقال: أيُ شيْءٍ أحبُ إليْك؟ قال: لوْن حسن وجلْد حسن قدْ قذرني الناسُ، قال: فمسحهُ فذهب عنْهُ فأُعْطي لوْنا حسنا وجلْدا حسنا، فقال: أيُ الْمال أحبُ إليْك؟ قال: الْإبلُ أوْ قال: الْبقرُ، هُو شك في ذلك إن الْأبْرص والْأقْرع قال أحدُهُما: الْإبلُ، وقال الْآخرُ: الْبقرُ؛ فأُعْطي ناقة عُشراء، فقال: يُباركُ لك فيها، وأتى الْأقْرع فقال: أيُ شيْءٍ أحبُ إليْك؟ قال: شعر حسن ويذْهبُ عني هذا قدْ قذرني الناسُ، قال: فمسحهُ فذهب وأُعْطي شعرا حسنا، قال: فأيُ الْمال أحبُ إليْك؟ قال: الْبقرُ. قال: فأعْطاهُ بقرة حاملا، وقال: يُباركُ لك فيها، وأتى الْأعْمى، فقال: أيُ شيْءٍ أحبُ إليْك؟ قال: يرُدُ اللهُ إلي بصري فأُبْصرُ به الناس، قال: فمسحهُ فرد اللهُ إليْه بصرهُ، قال: فأيُ الْمال أحبُ إليْك؟ قال: الْغنمُ، فأعْطاهُ شاة والدا، فأُنْتج هذان وولد هذا، فكان لهذا وادٍ منْ إبلٍ، ولهذا وادٍ منْ بقرٍ، ولهذا وادٍ منْ غنمٍ، ثُم إنهُ أتى الْأبْرص في صُورته وهيْئته، فقال: رجُل مسْكين، تقطعتْ بي الْحبالُ في سفري، فلا بلاغ الْيوْم إلا بالله، ثُم بك، أسْألُك بالذي أعْطاك اللوْن الْحسن والْجلْد الْحسن والْمال بعيرا؛ أتبلغُ عليْه في سفري، فقال لهُ: إن الْحُقُوق كثيرة، فقال لهُ: كأني أعْرفُك؛ ألمْ تكُنْ أبْرص يقْذرُك الناسُ، فقيرا فأعْطاك اللهُ، فقال: لقدْ ورثْتُ لكابرٍ عنْ كابرٍ، فقال: إنْ كُنْت كاذبا فصيرك اللهُ إلى ما كُنْت، وأتى الْأقْرع في صُورته وهيْئته، فقال لهُ مثْل ما قال لهذا، فرد عليْه مثْل ما رد عليْه هذا، فقال: إنْ كُنْت كاذبا فصيرك اللهُ إلى ما كُنْت، وأتى الْأعْمى في صُورته فقال: رجُل مسْكين، وابْنُ سبيلٍ، وتقطعتْ بي الْحبالُ في سفري، فلا بلاغ الْيوْم إلا بالله، ثُم بك، أسْألُك بالذي رد عليْك بصرك شاة أتبلغُ بها في سفري، فقال: قدْ كُنْتُ أعْمى فرد اللهُ بصري، وفقيرا فقدْ أغْناني، فخُذْ ما شئْت، فوالله لا أجْهدُك الْيوْم بشيْءٍ أخذْتهُ لله، فقال: أمْسكْ مالك؛ فإنما ابْتُليتُمْ فقدْ رضي اللهُ عنْك، وسخط على صاحبيْك(1).

شرح المفردات(2):

(بدا لله): بتخْفيف الدال الْمُهْملة بغيْر همْز، أي: سبق في علْم الله فأراد إظْهاره، وليْس الْمُراد أنهُ ظهر لهُ بعْد أنْ كان خافيا لأن ذلك مُحال في حق الله تعالى.
(قذرني الناس): بفتْح الْقاف والذال الْمُعْجمة الْمكْسُورة أي: اشمأزُوا منْ رُؤْيتي.
(فمسحهُ): أي: مسح على جسْمه.
(فأُعْطي ناقة عُشراء): أي: الذي تمنى الْإبل، والْعُشراء بضم الْعيْن الْمُهْملة وفتْح الشين الْمُعْجمة مع الْمد هي الْحامل التي أتى عليْها في حمْلها عشْرة أشْهُر منْ يوْم طرقها الْفحْل، وقيل: يُقال لها ذلك إلى أنْ تلد وبعْدما تضع، وهي منْ أنْفس الْمال.
(فمسحهُ): أي: مسح على عيْنيْه.
(شاة والدا): أي: ذات ولد، ويُقال: حامل.
(فأنْتج هذان): أي: صاحب الْإبل والْبقر.
(وولد هذا): أي: صاحب الشاة، وهُو بتشْديد اللام.
(ثُم إنهُ أتى الْأبْرص في صُورته): أي: في الصُورة التي كان عليْها لما اجْتمع به وهُو أبْرص؛ ليكُون ذلك أبْلغ في إقامة الْحُجة عليْه.
(تقطعتْ به الْحبال في سفره): الحبال بكسْر الْمُهْملة بعْدها مُوحدة خفيفة جمْع حبْل، أي: الأسْباب التي يقْطعُها في طلب الرزْق، وقيل: الْعقبات، وقيل: الْحبْل؛ هُو الْمُسْتطيل من الرمْل.
(رجُل مسْكين): قال ابن التين: قوْل الْملك لهُ " رجُل مسْكين إلخ " أراد أنك كُنْت هكذا، وهُو من الْمعاريض، والْمُراد به ضرْب الْمثل ليتيقظ الْمُخاطب.
(أتبلغ عليْه): بالْغيْن الْمُعْجمة من الْبُلْغة، وهي الْكفاية. والْمعْنى: أتوصل به إلى مُرادي.
(لقدْ ورثْت لكابر عنْ كابر): في رواية الْكُشْميهني " كابرا عنْ كابر " وفي رواية شيْبان " إنما ورثْت هذا الْمال كابرا عنْ كابر " أي: كبير عنْ كبير في الْعز والشرف.
(فقال: إنْ كُنْت كاذبا فصيرك اللهُ) أوْردهُ بلفْظ الْفعْل الْماضي لأنهُ أراد الْمُبالغة في الدُعاء عليْه.
(لا أجْهدُك الْيوْم بشيْء أخذْتهُ لله) والْمعْنى: لا أحْمدك على ترْك شيْء تحْتاج إليْه منْ مالي، كما قال الشاعر وليْس على طُول الْحياة تندُم، أي: فوْت طُول الْحياة، وفي رواية كريمة وأكْثر روايات مُسْلم " لا أُجْهدك " بالْجيم والْهاء، أي: لا أشُق عليْك في رد شيْء تطْلُبهُ مني أوْ تأْخُذهُ.
(فإنما ابْتُليتُمْ): أي: اُمْتُحنْتُمْ.​


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري، برقم: (3464)، وصحيح مسلم، ح: ( 2964).

(2) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، 6/ 502-503.


الحلقة ( 6 )

الفوائد من قصة الأعمى والأقرع والأبرص



من فوائد الحديث:


1- اختبار الله لعباده، وامتحانه لهم ليتبين الصادق من الكاذب.
2- أن الابتلاء يكون في النفس والمال والأولاد وغيرها .
3- لا شيء أحب للمبتلى بالمرض من ذهاب مرضه ومعافاته .
4- أن الله تعالى هو الذي يعطي ويمنع ، ويغني ويفقر ، بتقديره وحكمته، فعلى المسلم أن يعلق قلبه بالله تعالى فلا

يخاف إلا منه ولا يرجو إلا إياه.
5- من التوحيد والأدب أن تنسب الشفاء والغنى إلى الله وحده (قد كنت أعمى فرد الله بصري).
6- الإنسان الجاهل يبخل وقت الغنى ، والعاقل يعطى بسخاء متذكرا قول النبي صلى الله عليه وسلم (ما من يوم

يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان ، فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا) (1).
7- بعض الأغنياء ينسون ماضيهم وأيام بؤسهم وفقرهم ويغضبون ممن يذكرهم به، مع ما فيه من الخير لهم بتذكر

نعمة الله تعالى والزيادة في شكرها .
8- من شكر النعمة، وأعطى الفقراء زاده الله غنى ، وبارك له ، ومن بخل فقد عرض نفسه لزوال النعمة

وسخط الرب القائل : (لئنْ شكرْتُمْ لأزيدنكُمْ ولئنْ كفرْتُمْ إن عذابي لشديد) [سورة إبراهيم: 7].
9- الكرم وبذل الحقوق الواجبة يجلب النعمة ويذهب بالنقمة ، ويرضي الرب ، والبخل ومنع الحقوق الواجبة

يجلب السوء ويسخط الرب كما قال تعالى: (هاْ أنْتُمْ هؤُلاء تُدْعوْن لتُنْفقُوْا فيْ سبيْل الله فمنْكُمْ منْ يبْخلُ ومنْ يبْخلُ فإنما

يبْخلُ عنْ نفْسه واللهُ الغنيُ وأنْتُمُ الْفُقراْءُ وإنْ تتولوْا يسْتبْدلْ قوْما غيْركُمْ ثُم لا يكُوْنُوْا أمْثاْلكُمْ
)[سورة محمد: 38].
10- وفي الْحديث جواز ذكْر ما اتفق لمنْ مضى ليتعظ به منْ سمعهُ ولا يكُون ذلك غيبة فيهمْ, ولعل هذا

هُو السر في ترْك تسْميتهمْ, ولمْ يُفْصح بما اتفق لهُمْ بعْد ذلك, والذي يظْهر أن الأمْر فيهمْ وقع كما قال الْملك.
11- وفيه التحْذير منْ كُفْران النعم والترْغيب في شُكْرها والإعْتراف بها وحمْد الله عليْها.
12- وفيه فضْل الصدقة والْحث على الرفْق بالضُعفاء وإكْرامهمْ وتبْليغهمْ مآربهمْ.
13- وفيه الزجْر عن الْبُخْل, لأنهُ حمل صاحبه على الْكذب, وعلى جحْد نعْمة الله تعالى(2).

الحلقه القادمه ان شاء الله
قصة أم زرع


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخاري، في الزكاة, باب قول الله تعالى: (فأما منْ أعْطىْ واتقىْ . وصدق بالحْسُنْى

. فسنُيسرُهُ للْيُسْرى . وأماْ منْ بخل واسْتغْنىْ . وكذب باْلْحُسْنىْ . فسنُيسرُهُ للْعُسْرىْ
)، ومسلم في الزكاة باب في المنفق والممسك رقم

1010.
(2) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، 6/ 503.
 

waleed_d

عضو مميز
التسجيل
9/8/08
المشاركات
218
الإعجابات
166
#13
الحلقة ( 7 ) قصة أم زرع (1-3)

قصة أم زرع ( 1-3 )


قال الإمام البخاري -رحمه الله-: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَلاَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ, حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لاَ يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا, قَالَت الْأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ, لاَ سَهْل فَيُرْتَقَى وَلاَ سَمِين فَيُنْتَقَلُ, قَالَت الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لاَ أَبُثُّ خَبَرَهُ, إِنِّي أَخَافُ أَنْ لاَ أَذَرَهُ, إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ, قَالَت الثَّالِثَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ؛ إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ, وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ, قَالَت الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ؛ لاَ حَرٌّ وَلاَ قُرٌّ, وَلاَ مَخَافَةَ وَلاَ سَآمَةَ, قَالَت الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ, وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ, وَلاَ يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ, قَالَت السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ, وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ, وَإِن اضْطَجَعَ الْتَفَّ, وَلاَ يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ, قَالَت السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ أَوْ عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ, كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ, شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ, قَالَت الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ, وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ, قَالَت التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ, طَوِيلُ النِّجَادِ, عَظِيمُ الرَّمَادِ, قَرِيبُ الْبَيْتِ مِن النَّادِ, قَالَت الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ! وَمَا مَالِكٌ؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ, لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ, قَلِيلاَتُ الْمَسَارِحِ, وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ, قَالَت الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ! وَمَا أَبُو زَرْعٍ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ, وَمَلاَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ, وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي, وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ, فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلاَ أُقَبَّحُ, وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ, وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ. أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؛ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ, وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ. ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؛ فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ, وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ. بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ؛ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا, وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا. جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؛ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لاَ تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا, وَلاَ تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا, وَلاَ تَمْلاَ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا, قَالَت: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ؛ فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ, يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ, فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا, فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا, رَكِبَ شَرِيًّا, وَأَخَذَ خَطِّيًّا, وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا, وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا, وَقَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ, وَمِيرِي أَهْلَكِ, قَالَتْ: فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ! قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامٍ: وَلاَ تُعَشِّشُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا, قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَأَتَقَمَّحُ بِالْمِيمِ وَهَذَا أَصَحُّ
(1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، ح: (5189)، واللفظ له، وصحيح مسلم، ح: (2448).



الحلقة ( 8 ) قصة أم زرع (2-3)


شرح المفردات(1):


(لَحْم جَمَل غَثّ): الْمُرَاد بِالْغَثِّ الْمَهْزُول.

(عَلَى رَأْس جَبَل وَعْر) أَي: صَعْب الْوُصُول إِلَيْهِ. فَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَلِيلُ الْخَيْر مِنْ أَوْجُه: مِنْهَا كَوْنه كَلَحْمٍ لاَ كَلَحْمِ الضَّأْن, وَمِنْهَا أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ غَثٌّ مَهْزُولٌ رَدِيءٌ, وَمِنْهَا أَنَّهُ صَعْبُ التَّنَاوُل لاَ يُوصَل إِلَيْهِ لاَ بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ.

(عَلَى رَأْس جَبَل): أَي: يَتَرَفَّعُ, وَيَتَكَبَّرُ, وَيَسْمُو بِنَفْسِهِ فَوْق مَوْضِعهَا كَثِيرًا, أَي: أَنَّهُ يَجْمَعُ إِلَى قِلَّةِ خَيْرِهِ تَكَبُّره وَسُوء الْخُلُق.

(وَلاَ سَمِين فَيُنْتَقَل) أَي: تَنْقُلُهُ النَّاس إِلَى بُيُوتهمْ لِيَأْكُلُوهُ, بَلْ يَتْرُكُوهُ رَغْبَة عَنْهُ لِرَدَاءَتِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ يَحْتَمِلُ سُوءُ عِشْرَته بِسَبَبِهَا.

(لاَ أَبُثُّ خَبَرَهُ) أَي: لاَ أَنْشُرهُ وَأُشِيعُهُ.

(إِنِّي أَخَاف أَنْ لاَ أَذَرَهُ): فِيهِ تَأْوِيلاَنِ أَحَدهمَا لِابْنِ السِّكِّيت وَغَيْره: أَنَّ الْهَاء عَائِدَة عَلَى خَبَره, فَالْمَعْنَى أَنَّ خَبَره طَوِيل إِنْ شَرَعْت فِي تَفْصِيله لاَ أَقْدِرُ عَلَى إِتْمَامه لِكَثْرَتِهِ.

وَالثَّانِيَة أَنَّ الْهَاء عَائِدَة عَلَى الزَّوْج, وَتَكُون (لاَ) زَائِدَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: (مَا مَنَعَك أَنْ لاَ تَسْجُدَ) وَمَعْنَاهُ: إِنِّي أَخَاف أَنْ يُطَلِّقَنِي فَأَذَرَهُ.

(عُجَره وَبُجَره): فَالْمُرَاد بِهِمَا عُيُوبُهُ, وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره: أَرَادَتْ بِهِمَا عُيُوبه الْبَاطِنَة, وَأَسْرَاره الْكَامِنَة.

وَأَصْلُ الْعُجَر: أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَصَب أَو الْعُرُوق حَتَّى تَرَاهَا نَاتِئَة مِن الْجَسَد.

وَالْبُجَر: نَحْوهَا لاَ أَنَّهَا فِي الْبَطْن خَاصَّة, وَاحِدَتهَا بُجْرَة, وَمِنْهُ قِيلَ: رَجُل أَبْجَر إِذَا كَانَ نَاتِئ السُّرَّة عَظِيمهَا, وَيُقَالُ أَيْضًا: رَجُل أَنْجَر إِذَا كَانَ عَظِيمَ الْبَطْن, وَامْرَأَة بَجْرَاء وَالْجَمْع بُجَر. (فَالْعَشَنَّق): بِعَيْنٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ شِين مُعْجَمَة مَفْتُوحَة ثُمَّ نُون مُشَدَّدَة ثُمَّ قَاف, وَهُوَ الطَّوِيل, وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ فِيهِ أَكْثَر مِنْ طُول بِلاَ نَفْع, فَإِنْ ذَكَرْت عُيُوبه طَلَّقَنِي, وَإِنْ سَكَتّ عَنْهَا عَلَّقَنِي, فَتَرَكَنِي لاَ عَزْبَاء وَلاَ مُزَوَّجَة.

(زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَة لاَ حَرَّ وَلاَ قَرَّ, وَلاَ مَخَافَة وَلاَ سَآمَة): هَذَا مَدْح بَلِيغ, وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ فِيهِ أَذَى, بَلْ هُوَ رَاحَة وَلَذَاذَة عَيْش, كَلَيْلِ تِهَامَة لَذِيذ مُعْتَدِل, لَيْسَ فِيهِ حَرّ, وَلاَ بَرْد مُفْرِط, وَلاَ أَخَافُ لَهُ غَائِلَة لِكَرمِ أَخْلاَقه, وَلاَ يَسْأَمُنِي وَيَمَلُّ صُحْبَتِي.

(زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِد, وَإِنْ خَرَجَ أَسِد, وَلاَ يَسْأَل عَمَّا عَهِدَ) هَذَا أَيْضًا مَدْح بَلِيغ , فَقَوْلهَا : فَهِد بِفَتْحِ الْفَاء وَكَسْر الْهَاء تَصِفُهُ إِذَا دَخَلَ الْبَيْت بِكَثْرَةِ النَّوْم وَالْغَفْلَة فِي مَنْزِله عَنْ تَعَهُّد مَا ذَهَبَ مِنْ مَتَاعه وَمَا بَقِيَ, وَشَبَّهَتْهُ بِالْفَهِدِ لِكَثْرَةِ نَوْمه, يُقَال: أَنْوَم مِنْ فَهِد.

(وَلاَ يَسْأَل عَمَّا عَهِدَ): أَي: لاَ يَسْأَلُ عَمَّا كَانَ عَهِدَهُ فِي الْبَيْت مِنْ مَاله وَمَتَاعه, وَإِذَا خَرَجَ أَسِد بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر السِّين, وَهُوَ وَصْف لَهُ بِالشَّجَاعَةِ, وَمَعْنَاهُ: إِذَا صَارَ بَيْن النَّاس أَوْ خَالَطَ الْحَرْب كَانَ كَالْأَسَدِ, يُقَال: أَسِدَ وَاسْتَأْسَدَ.

قَالَ الْقَاضِي: وَقَال ابن أَبِي أُوَيْس: مَعْنَى فَهِد إِذَا دَخَلَ الْبَيْت وَثَبَ عَلَيَّ وُثُوب الْفَهد فَكَأَنَّهَا تُرِيدُ ضَرْبهَا, وَالْمُبَادَرَة بِجِمَاعِهَا, وَالصَّحِيح الْمَشْهُور التَّفْسِير الْأَوَّل.

(اللَّفّ): فِي الطَّعَام الْإِكْثَار مِنْهُ مَعَ التَّخْلِيط مِنْ صُنُوفه حَتَّى لاَ يَبْقَى مِنْهَا شَيْء.

(وَالاِشْتِفَاف): فِي الشُّرْب أَنْ يَسْتَوْعِبَ جَمِيع مَا فِي الْإِنَاء, مَأْخُوذ مِن الشُّفَافَة بِضَمِّ الشِّين, وَهِيَ مَا بَقِيَ فِي الْإِنَاء مِن الشَّرَاب, فَإِذَا شَرِبَهَا قِيلَ: اِشْتَفَّهَا, وَتَشَافَهَا.

(وَلاَ يُولِجُ الْكَفّ لِيَعْلَم الْبَثّ): قَالَ أَبُو عُبَيْد: أَحْسِبُهُ كَانَ بِجَسَدِهَا عَيْبٌ أَوْ دَاءٌ كنت بِهِ, لِأَنَّ الْبَثَّ الْحُزْنُ, فَكَانَ لاَ يُدْخِلُ يَده فِي ثَوْبِهَا لِيَمَسّ ذَلِكَ فَيَشُقّ عَلَيْهَا, فَوَصَفَتْهُ بِالْمُرُوءَةِ وَكَرَم الْخُلُق.

وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: قَالَ ابن الْأَعْرَابِيّ: هَذَا ذَمّ لَهُ, أَرَادَت: وَإِن اضْطَجَعَ وَرَقَدَ اِلْتَفَّ فِي ثِيَابه فِي نَاحِيَةٍ, وَلَمْ يُضَاجِعْنِي لِيَعْلَمَ مَا عِنْدِي مِنْ مَحَبَّتِهِ. قَالَ: وَلاَ بَثَّ هُنَاكَ لاَ مَحَبَّتهَا الدُّنُوّ مِنْ زَوْجهَا.

وَقَالَ آخَرُونَ: أَرَادَتْ أَنَّهُ لاَ يَفْتَقِد أُمُورِي وَمَصَالِحِي.

(عَيَايَاء) بِالْمُهْمَلَةِ, وَفِي أَكْثَر الرِّوَايَات بِالْمُعْجَمَةِ, وَأَنْكَرَ أَبُو عُبَيْد وَغَيْره الْمُعْجَمَة, وَقَالُوا: الصَّوَاب الْمُهْمَلَة, وَهُوَ الَّذِي لاَ يُلْقِح.

وَقِيلَ: هُوَ الْعِنِّين الَّذِي تَعِيبُهُ مُبَاضَعَة النِّسَاء, وَيَعْجِز عَنْهَا.

(غَيَايَاء) بالغَيْنِ الْمُعْجَمَة؛ مِن الْغَيّ, وَهُوَ الِانْهِمَاك فِي الشَّرّ, أَوْ مِن الْغَيّ الَّذِي هُوَ الْخَيْبَة. قَالَ اللَّه تَعَالَى : (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا).

(طَبَاقَاء) فَمَعْنَاهُ: الْمُطْبَقَة عَلَيْهِ أُمُوره حُمْقًا.

وَقِيلَ: الَّذِي يَعْجِز عَن الْكَلاَم, فَتَنْطَبِق شَفَتَاهُ.

وَقِيلَ: هُوَ الْعِيّ الْأَحْمَق الْفَدْم.

(شَجَّك) أَي: جَرَحَك فِي الرَّأْس, فَالشِّجَاج جِرَاحَات الرَّأْس, وَالْجِرَاح فِيهِ وَفِي الْجَسَد.

(فَلَّك) الْفَلُّ الْكَسْر وَالضَّرْب.

وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا مَعَهُ بَيْن شَجّ رَأْس, وَضَرْب, وَكَسْر عُضْو, أَوْ جَمْع بَيْنهمَا. وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالْفَلِّ هُنَا الْخُصُومَة.

(كُلّ دَاء لَهُ دَاء) أي: جَمِيع أَدْوَاء النَّاس مُجْتَمِعَة فِيهِ.

(الزَّرْنَب): نَوْع مِن الطِّيب مَعْرُوف. قِيلَ: أَرَادَتْ طِيب رِيح جَسَده.

وَقِيلَ: طِيب ثِيَابه فِي النَّاس.

وَقِيلَ: لِين خُلُقه وَحُسْن عِشْرَته.

(وَالْمَسّ مَسّ أَرْنَب) صَرِيح فِي لِين الْجَانِب, وَكَرَم الْخُلُق.

(رَفِيع الْعِمَاد): وَصْفه بِالشَّرَفِ, وَسَنَاء الذِّكْر. وَأَصْل الْعِمَاد عِمَاد الْبَيْت, وَجَمْعه عُمُد, وَهِيَ الْعِيدَانِ الَّتِي تُعْمَدُ بِهَا الْبُيُوت, أَي: بَيْته فِي الْحَسَب رَفِيع فِي قَوْمه.

وَقِيلَ: إِنَّ بَيْته الَّذِي يَسْكُنُهُ رَفِيع الْعِمَاد لِيَرَاهُ الضِّيفَان وَأَصْحَاب الْحَوَائِج فَيَقْصِدُوهُ, وَهَكَذَا بُيُوت الْأَجْوَاد.

(طَوِيل النِّجَاد): بِكَسْرِ النُّون تَصِفُهُ بِطُولِ الْقَامَة, وَالنِّجَاد حَمَائِل السَّيْف, فَالطَّوِيل يَحْتَاجُ إِلَى طُول حَمَائِل سَيْفه, وَالْعَرَب تَمْدَح بِذَلِكَ.

(عَظِيم الرَّمَاد): تَصِفُهُ بِالْجُودِ وَكَثْرَة الضِّيَافَة مِن اللُّحُوم وَالْخُبْز, فَيَكْثُرُ وَقُوده, فَيَكْثُر رَمَاده. وَقِيلَ: لِأَنَّ نَاره لاَ تُطْفَأُ بِاللَّيْلِ لِتَهْتَدِي بِهَا الضِّيفَان, وَالْأَجْوَاد يُعَظِّمُونَ النِّيرَان فِي ظَلاَم اللَّيْل, وَيُوقِدُونَهَا عَلَى التِّلاَل وَمَشَارِف الْأَرْض, وَيَرْفَعُونَ الْأَقْبَاس عَلَى الْأَيْدِي لِتَهْتَدِي بِهَا الضِّيفَان.

(قَرِيب الْبَيْت مِن النَّادِي) قَالَ أَهْل اللُّغَة: النَّادِي وَالنَّاد وَالنَّدَى وَالْمُنْتَدَى مَجْلِس الْقَوْم, وَصَفَتْهُ بِالْكَرَمِ وَالسُّؤْدُد, لِأَنَّهُ لاَ يَقْرُب الْبَيْت مِن النَّادِي لاَ مَنْ هَذِهِ صِفَته; لِأَنَّ الضِّيفَان يَقْصِدُونَ النَّادِي, وَلِأَنَّ أَصْحَاب النَّادِي يَأْخُذُونَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي مَجْلِسهمْ مِنْ بَيْت قَرِيب النَّادِي, وَاللِّئَام يَتَبَاعَدُونَ مِن النَّادِي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي، 15/ 213-221.



الحلقة ( 9 ) قصة أم زرع (3-3)

قصة أم زرع (3-3)


(قَالَت الْعَاشِرَة: زَوْجِي مَالِك, فَمَا مَالِك مَالِك خَيْر مِنْ ذَلِكَ, لَهُ إِبِل كَثِيرَات الْمَبَارِك, قَلِيلاَت الْمَسَارِح, إِذَا سَمِعْنَ صَوْت الْمِزْهَر أَيْقَنَ أَنَّهُنَّ هَوَالِك): مَعْنَاهُ: أَنَّ لَهُ إِبِلاً كَثِيرًا فَهِيَ بَارِكَة بِفِنَائِهِ, لاَ يُوَجِّهُهَا تَسْرَح لاَ قَلِيلاً قَدْر الضَّرُورَة, وَمُعْظَم أَوْقَاتهَا تَكُون بَارِكَة بِفِنَائِهِ, فَإِذَا نَزَلَ بِهِ الضِّيفَان كَانَت لأَبِل حَاضِرَة; فَيَقْرِيهِمْ مِنْ أَلْبَانهَا وَلُحُومهَا.

(وَالْمِزْهَر): بِكَسْرِ الْمِيم الْعُودُ الَّذِي يَضْرِبُ, أَرَادَتْ أَنَّ زَوْجهَا عَوَّدَ إِبِله إِذَا نَزَلَ بِهِ الضِّيفَان نَحَرَ لَهُمْ مِنْهَا, وَأَتَاهُمْ بِالْعِيدَانِ وَالْمَعَازِف وَالشَّرَاب, فَإِذَا سَمِعَت لأَبِل صَوْت الْمِزْهَر عَلِمْنَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَهُ الضِّيفَان, وَأَنَّهُنَّ مَنْحُورَات هَوَالِك. هَذَا تَفْسِير أَبِي عُبَيْد وَالْجُمْهُور.

وَقِيلَ: مَبَارِكهَا كَثِيرَة لِكَثْرَةِ مَا يُنْحَرُ مِنْهَا لِلأَضْيَافِ, قَالَ هَؤُلاَءِ: وَلَوْ كَانَتْ كَمَا قَالَ لأَوَّلُونَ لَمَاتَتْ هُزَلاً, وَهَذَا لَيْسَ بِلاَزِمٍ; فَإِنَّهَا تَسْرَحُ وَقْتًا تَأْخُذُ فِيهِ حَاجَتهَا, ثُمَّ تَبْرُك بِالْفِنَاءِ.

وَقِيلَ: كَثِيرَات الْمَبَارِك أَيْ مَبَارِكهَا فِي الْحُقُوق وَالْعَطَايَا وَالْحِمَلاَت وَالضِّيفَان كَثِيرَة, مَرَاعِيهَا قَلِيلَة; لأَنَّهَا تُصْرَف فِي هَذِهِ الْوُجُوه. قَالَهُ اِبْن السِّكِّيت.

(أنَاس مِنْ حُلِيّ أُذُنَيّ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاء مِنْ (أُذُنَيّ) عَلَى التَّثْنِيَة, وَالْحُلِيّ بِضَمِّ الْحَاء وَكَسْرهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ.

(وَالنَّوْس) بِالنُّونِ وَالسِّين المهْمَلَة الْحَرَكَة مِنْ كُلّ شَيْء مُتَدَلٍّ, يُقَالُ مِنْهُ: نَاسَ يَنُوسُ نَوْسًا, وَأَنَاسَهُ غَيْره أَنَاسَةً, وَمَعْنَاهُ حَلاَنِي قِرَطَة وَشُنُوفًا فَهُوَ تَنَوَّس أَيْ تَتَحَرَّك لِكَثْرَتِهَا.

(وَمَلاَ مِنْ شَحْم عَضُدِي) قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ أَسْمَنَنِي, وَمَلاَ بَدَنِي شَحْمًا, وَلَمْ تُرِدْ اخْتِصَاص الْعَضُدَيْنِ, لَكِنْ إِذَا سَمِنَتَا سَمِنَ غَيْرهمَا.

(وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي) هُوَ بِتَشْدِيدِ جِيم (بَجَّحَنِي), فَبَجِحَتْ بِكَسْرِ الْجِيم وَفَتْحهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ, أَفْصَحُهُمَا الْكَسْر, قَالَ الْجَوْهَرِيّ: الْفَتْح ضَعِيفَة, وَمَعْنَاهُ فَرَّحَنِي فَفَرِحْت, وَقَالَ ابن لأَنْبَارِيّ: وَعَظَّمَنِي فَعَظُمْت عِنْد نَفْسِي. يُقَالُ: فُلاَنٌ يَتَبَجَّحُ بِكَذَا أَي: يَتَعَظَّمُ وَيَفْتَخِرُ.

(فِي غُنَيْمَة) فَبِضَمِّ الْغَيْن تَصْغِير الْغَنَم, أَرَادَتْ أَنَّ أَهْلهَا كَانُوا أَصْحَاب غَنَم لاَ أَصْحَاب خَيْل وَإِبِل; لأَنَّ الصَّهِيل أَصْوَات الْخَيْل, وَلأَطِيط أَصْوَات لأَبِل وَحَنِينهَا, وَالْعَرَب لاَ تَعْتَدُّ بِأَصْحَابِ الْغَنَم, وَإِنَّمَا يَعْتَدُّونَ بِأَهْلِ الْخَيْل وَلأَبِل.

(بِشِقِّ) أَي: بِشَظَفٍ مِن الْعَيْش وَجَهْدٍ.

(وَدَائِس) هُوَ الَّذِي يَدُوسُ الزَّرْع فِي بَيْدَرِهِ.

(وَمُنَقٍّ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح النُّون وَتَشْدِيد الْقَاف, وَالْمُرَاد بِهِ الَّذِي يُنَقِّي الطَّعَام أَي: يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْته وَقُشُوره, وَالْمَقْصُود أَنَّهُ صَاحِب زَرْع, وَيَدُوسُهُ وَيُنَقِّيهِ.

(فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلاَ أُقَبَّح) مَعْنَاهُ لاَ يُقَبِّح قَوْلِي فَيَرُدُّ, بَلْ يَقْبَلُ مِنِّي.

(أَتَصَبَّحُ) معناه: أَنَام الصُّبْحَة, وَهِيَ بَعْد الصَّبَاح, أَيْ أَنَّهَا مَكْفِيَّة بِمَنْ يَخْدُمُهَا فَتَنَام.

(فَأَتَقَنَّح) بِالنُّونِ بَعْد الْقَاف, مَعْنَاهُ أُرْوَى حَتَّى أَدَعَ الشَّرَاب مِن الشِّدَّة الرِّي, وَمِنْهُ قَمَحَ الْبَعِير يَقْمَحُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِن الْمَاء بَعْد الرِّي, قَالَ أَبُو عُبَيْد: وَلاَ أَرَاهَا قَالَتْ هَذِهِ لاَ لِعِزَّةِ الْمَاء عِنْدهمْ.

(عُكُومُهَا): الْعُكُوم لأَعْدَال وَلأَوْعِيَة الَّتِي فِيهَا الطَّعَام وَلأَمْتِعَة, وَاحِدُهَا عِكْم بِكَسْرِ الْعَيْن.

(وَرَدَاح) أَي: عِظَام كَبِيرَة, وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ: رَدَاح إِذَا كَانَتْ عَظِيمَة لأَكْفَال. فَإِنْ قِيلَ: رَدَاح مُفْرَدَة, فَكَيْف وَصَفَ بِهَا الْعُكُوم, وَالْجَمْعُ لاَ يَجُوزُ وَصْفه بِالْمُفْرَدِ: قَالَ الْقَاضِي: جَوَابه أَنَّهُ أَرَادَ كُلّ عِكْم مِنْهَا رَدَاح, أَوْ يَكُون رَدَاح هُنَا مَصْدَرًا كَالذَّهَابِ.

(وَبَيْتهَا فَسَاح) بِفَتْحِ الْفَاء وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْمَلَة, أَي: وَاسِع, وَالْفَسِيح مِثْله, هَكَذَا فَسَّرَهُ الْجُمْهُور. قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ كَثْرَة الْخَيْر وَالنِّعْمَة.

(مَضْجَعه كَمَسَلِّ شَطْبَة) الْمَسَلّ بِفَتْحِ الْمِيم وَالسِّين الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد اللاَم.

(شَطْبَة) بِشِينٍ مُعْجَمَة ثُمَّ طَاء مُهْمَلَة سَاكِنَة ثُمَّ مُوَحَّدَة ثُمَّ هَاء, وَهِيَ مَا شُطِبَ مِنْ جَرِيد النَّخْل, أَيْ شُقَّ, وَهِيَ السَّعَفَة لأَنَّ الْجَرِيدَة تُشَقَّقُ مِنْهَا قُضْبَان رِقَاق, مُرَادهَا: أَنَّهُ مُهَفْهَف خَفِيف اللَّحْم كَالشَّطْبَةِ, وَهُوَ مِمَّا يُمْدَحُ بِهِ الرَّجُل.

(الْمَسَلّ) هُنَا مَصْدَر بِمَعْنَى الْمَسْلُول, أَي: مَا سُلَّ مِنْ قِشْره, وَقَالَ اِبْن لأَعْرَابِيّ وَغَيْره: أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا: ( كَمَسَلِّ شَطْبَة ) أَنَّهُ كَالسَّيْفِ سُلَّ مِنْ غِمْده.

(وَتُشْبِعُهُ ذِرَاع الْجَفْرَة) الذِّرَاع مُؤَنَّثَة, وَقَدْ تُذَكَّرُ, وَالْجَفْرَة بِفَتْحِ الْجِيم وَهِيَ لأَنْثَى مِنْ أَوْلاَد الْمَعْزِ, وَقِيلَ: مِن الضَّأْن, وَهِيَ مَا بَلَغَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر وَفُصِلَتْ عَنْ أُمِّهَا, وَالذَّكَر جَفْر; لأَنَّهُ جَفَرَ جَنْبَاهُ, أي: عَظُمَا.

وَالْمُرَاد أَنَّهُ قَلِيل لأَكْل, وَالْعَرَب تَمْدَحُ بِهِ.

(طَوْع أَبِيهَا وَطَوْع أُمّهَا) أي: مُطِيعَة لَهُمَا مُنْقَادَة لأَمْرِهِمَا.

(وَمِلْء كِسَائِهَا) أي: مُمْتَلِئَة الْجِسْم سَمِينَة. وَقَالَتْ فِي الرِّوَايَة لأَخْرَى: ( صِفْر رِدَائِهَا ) بِكَسْرِ الصَّاد , وَالصِّفْر الْخَالِي, قَالَ الْهَرَوِيُّ: أَي: ضَامِرَة الْبَطْن, وَالرِّدَاء يَنْتَهِي إِلَى الْبَطْن. وَقَالَ غَيْره: مَعْنَاهُ أَنَّهَا خَفِيفَة أَعْلَى الْبَدَن, وَهُوَ مَوْضِع الرِّدَاء, مُمْتَلِئَة أَسْفَله, وَهُوَ مَوْضِع الْكِسَاء, وَيُؤَيِّد هَذَا أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة: ( وَمِلْء إِزَارهَا ). قَالَ الْقَاضِي: وَلأَوْلَى أَنَّ الْمُرَاد اِمْتِلاَء مَنْكِبَيْهَا, وَقِيَام نَهْدَيْهَا بِحَيْثُ يَرْفَعَانِ الرِّدَاء عَنْ أَعْلَى جَسَدهَا, فَلاَ يَمَسّهُ فَيَصِير خَالِيًا بِخِلاَفِ أَسْفَلهَا.

(وَغَيْظ جَارَتهَا) قَالُوا: الْمُرَاد بِجَارَتِهَا ضَرَّتهَا, يَغِيظهَا مَا تَرَى مِنْ حَسَنهَا وَجَمَالهَا وَعِفَّتهَا وَأَدَبهَا.

(لاَ تَبُثُّ حَدِيثنَا تَبْثِيثًا) هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة بَيْن الْمُثَنَّاة وَالْمُثَلَّثَة أَيْ لاَ تُشِيعُهُ وَتُظْهِرُهُ, بَلْ تَكْتُمُ سِرَّنَا وَحَدِيثنَا كُلّه.

(وَلاَ تُنَقِّثُ مِيرَتنَا تَنْقِيثًا) الْمِيرَة الطَّعَام الْمَجْلُوب, وَمَعْنَاهُ لاَ تُفْسِدُ, وَلاَ تَذْهَب بِهِ وَمَعْنَاهُ وَصْفُهَا بِلأَمَانَةِ.

(وَلاَ تَمْلاَ بَيْتنَا تَعْشِيشًا) هُوَ بِالْعَيْنِ بِالْمُهْمَلَةِ, أَيْ لاَ تَتْرُكُ الْكُنَاسَة وَالْقُمَامَة فِيهِ مُفَرَّقَة كَعُشِّ الطَّائِر, بَلْ هِيَ مُصْلِحَة لِلْبَيْتِ, مُعْتَنِيَة بِتَنْظِيفِهِ.

(وَلأَوْطَاب تُمْخَض) هُوَ جَمْع وَطْب بِفَتْحِ الْوَاو وَإِسْكَان الطَّاء, وَهُوَ جَمْعٌ قَلِيلُ النَّظِير. وَفِي رِوَايَة فِي غَيْر مُسْلِم: ( وَالْوِطَاب ), وَهُوَ الْجَمْعُ لأَصْلِيُّ, وَهِيَ سَقِيَّة اللَّبَن الَّتِي يُمْخَض فِيهَا.

( يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْت خَصْرهَا بِرُمَّانَتَيْنِ) قَالَ أَبُو عُبَيْد: مَعْنَاهُ أَنَّهَا ذَات كِفْل عَظِيم, فَإِذَا اسْتَلْقَتْ عَلَى قَفَاهَا نَتَأَ الْكِفْل بِهَا مِن لأَرْض حَتَّى تَصِيرَ تَحْتَهَا فَجْوَةً يَجْرِي فِيهَا الرُّمَّان.

قَالَ الْقَاضِي: قَالَ بَعْضهم: المرَاد بِالرُّمَّانَتَيْنِ هُنَا ثَدْيَاهَا, وَمَعْنَاهُ أَنَّ لَهَا نَهْدَيْنِ حَسَنَيْنِ صَغِيرَيْنِ كَالرُّمَّانَتَيْنِ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا أَرْجَحُ لاَ سِيَّمَا وَقَدْ رُوِيَ: مِنْ تَحْت صَدْرهَا, وَمَنْ تَحْت دِرْعهَا, وَلأَنَّ الْعَادَة لَمْ تَجْرِ بِرَمْيِ الصِّبْيَان الرُّمَّان تَحْت ظُهُور أُمَّهَاتهمْ, وَلاَ جَرَت الْعَادَة أَيْضًا بِاسْتِلْقَاءِ النِّسَاء كَذَلِكَ حَتَّى يُشَاهِدَهُ مِنْهُنَّ الرِّجَال.

(سِرِّيًّا) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة عَلَى الْمَشْهُور, مَعْنَاهُ سَيِّدًا شَرِيفًا. وَقِيلَ: سَخِيًّا.

(شَرِيًّا) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة بِلاَ خِلاَف, هُوَ الْفَرَس الَّذِي يَسْتَشْرِي فِي سَيْره أَيْ يُلِحُّ وَيَمْضِي بِلاَ فُتُور, وَلاَ اِنْكِسَار.

(وَأَخَذَ خَطِّيًّا) هُوَ بِفَتْحِ الْخَاء وَكَسْرهَا, وَالْفَتْح أَشْهَر, وَالْخَطِّيّ الرُّمْح؛ مَنْسُوب إِلَى الْخَطّ قَرْيَة مِنْ سَيْف الْبَحْر أَيْ سَاحِله عِنْد عَمَّان وَالْبَحْرَيْنِ.

(وَأَرَاحَ عَلَيَّ نعَمًا ثَرِيًّا) أي: أَتَى بِهَا إِلَى مُرَاحهَا بِضَمِّ الْمِيم هُوَ مَوْضِع مَبِيتهَا. وَالنَّعَم لأَبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم, وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَاد هُنَا بَعْضهَا وَهِيَ لأَبِل.

(وَالثَّرِيّ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيد الْيَاء الْكَثِير مِن الْمَال وَغَيْره, وَمِنْهُ الثَّرْوَة فِي الْمَال وَهِيَ كَثْرَته.

(مِنْ كُلّ رَائِحَة) أي: مِمَّا يَرُوح مِن لأَبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم وَالْعَبِيد.

(زَوْجًا) أي: اِثْنَيْنِ, وَيَحْتَمِل أَنَّهَا أَرَادَتْ صِنْفًا.

(ذَابِحَة) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة أي: مِنْ كُلّ مَا يَجُوزُ ذَبْحه مِن لأَبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم وَغَيْرهَا, وَهِيَ فَاعِلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة.

(مِيرِي أَهْلك) بِكَسْرِ الْمِيم مِن الْمِيرَة, أي: أَعْطِيهِمْ وَافْضُلِي عَلَيْهِمْ وَصِلِيهِمْ.

(تَنْقُث) بِفَتْحِ التَّاء وَإِسْكَان النُّون وَضَمّ الْقَاف, وَجَاءَ قَوْلهَا (تَنْقِيثًا) عَلَى غَيْر الْمَصْدَر, وَهُوَ جَائِز.

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا: (كُنْت لَك كَأَبِي زَرْع لأَمِّ زَرْع) قَالَ الْعُلَمَاء: هُوَ تَطْيِيبٌ لِنَفْسِهَا, وَإِيضَاحٌ لِحُسْنِ عِشْرَته إِيَّاهَا, وَمَعْنَاهُ أَنَا لَك كَأَبِي زَرْع, (وَكَانَ) زَائِدَة, أَوْ لِلدَّوَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) أي: كَانَ فِيمَا مَضَى, وَهُوَ بَاقٍ كَذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.


من فوائد الحديث:


قَالَ الْعُلَمَاء: فِي حَدِيث أُمّ زَرْع هَذَا فَوَائِد مِنْهَا:

1- اسْتِحْبَاب حُسْن الْمُعَاشَرَة لِلأَهْلِ.

2- َجَوَاز لأَخْبَار عَن لأَمَم الْخَالِيَة.

3- َأَنَّ الْمُشَبَّه بِالشَّيْءِ لاَ يَلْزَمُ كَوْنُهُ مِثْله فِي كُلّ شَيْء.

4- وَمِنْهَا أَنَّ كِنَايَات الطَّلاَق لاَ يَقَعُ بِهَا طَلاَقٌ لاَ بِالنِّيَّةِ لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَة: كُنْت لَك كَأَبِي زَرْع لأَمِّ زَرْع وَمِنْ جُمْلَة أَفْعَال أَبِي زَرْع أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته أُمّ زَرْع كَمَا سَبَقَ, وَلَمْ يَقَع عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلاَق بِتَشْبِيهِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَنْوِ الطَّلاَق.

5- قَالَ الْمَازِرِيّ: قَالَ بَعْضهمْ: وَفِيهِ أَنَّ هَؤُلاَءِ النِّسْوَة ذَكَرَ بَعْضهنَّ أَزْوَاجهنَّ بِمَا يَكْرَه, وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غِيبَة لِكَوْنِهِمْ لاَ يُعْرَفُونَ بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ أَسْمَائِهِمْ, وَإِنَّمَا الْغِيبَة الْمُحَرَّمَة أَنْ يَذْكُر إِنْسَانًا بِعَيْنِهِ, أَوْ جَمَاعَة بِأَعْيَانِهِمْ.
 

عمر ابو الليل

الوسـام الذهبي
التسجيل
16/11/10
المشاركات
2,329
الإعجابات
514
الإقامة
بلاد المسلمين
#14
بارك الله فيك
 

تامر العزبى

عضو مشارك
التسجيل
9/2/13
المشاركات
61
الإعجابات
20
#15
بارك الله فيك اخى على الطرح الرائع​
 

waleed_d

عضو مميز
التسجيل
9/8/08
المشاركات
218
الإعجابات
166
#16

waleed_d

عضو مميز
التسجيل
9/8/08
المشاركات
218
الإعجابات
166
#17
الحلقة ( 10 ) قصة الرجل الذي أوصى بإحراقه بعد موته


قصة رجل أوصى بنيه: إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في البحر:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ, فَلَمَّا حَضَرَهُ لمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ فِي البَحْرِ؛ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبُنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَدًا, قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ, فَقَالَ: لِلأَرْضِ أَدِّي مَا أَخَذْتِ, فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ, فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ. أَوْ قَالَ: مَخَافَتُكَ, فغفر لَهُ بِذَلِكَ(1).

شرح المفردات(2):


(أسرف على نفسه): أي: ظلم على نفسه، وأسرف الرجل: إذا جاوز الحد، وإذا أخطأ.

(اذروني): طيِّروني. مِنْ قَوْله أَذْرَت الرِّيح الشَّيْء إِذَا فَرَّقَتْهُ بِهُبُوبِهَا.

(اسحقوني): سحق الشيء أي: سهكه. وبابه قطع، وَهُوَ الدَّقُّ وَالطَّحْنُ, أي: اجعلوني سحيقًا.

(أَدِّي): أَمْر مِن لأَدَاء.

شرح الحديث:


قال ابن حجر: قَالَ لخَطَّابِيُّ: قَدْ يُسْتَشْكَل هَذَا فَيُقَال كَيْف يُغْفَر لَهُ وَهُوَ مُنْكِر لِلبَعْثِ وَلقُدْرَة عَلَى إِحْيَاء لمَوْتَى ؟ وَلجَوَاب أَنَّهُ لَمْ يُنْكِر لبَعْث وَإِنَّمَا جَهِلَ فَظَنَّ أَنَّهُ إِذَا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لاَ يُعَاد فَلاَ يُعَذَّب , وَقَدْ ظَهَرَ إِيمَانه بِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَة اللَّه (3).

وقال النووي: اخْتَلَفَ لعُلَمَاء فِي تَأْوِيل هَذَا لحَدِيث, فَقَالَتْ طَائِفَة: لاَ يَصِحّ حَمْل هَذَا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ قُدْرَة اللَّه, فَإِنَّ الشَّاكّ فِي قُدْرَة اللَّه تَعَالَى كَافِر, وَقَدْ قَالَ فِي آخِر لحَدِيث: إِنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا مِنْ خَشْيَة اللَّه تَعَالَى, وَلكَافِر لاَ يَخْشَى اللَّه تَعَالَى, وَلاَ يُغْفَر لَهُ, قَالَ هَؤُلاَءِ: فَيَكُون لَهُ تَأْوِيلاَنِ أَحَدهمَا أَنَّ مَعْنَاهُ: لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ لعَذَاب, أَيْ: قَضَاهُ, يُقَال مِنْهُ قَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ, وَقَدَّرَ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنًى وَاحِد. وَالثَّانِي: إِنْ قَدَرَ هُنَا بِمَعْنَى ضَيَّقَ عَلَيَّ, قَالَ اللَّه تَعَالَى: (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَه) وَهُوَ أَحَد لأَقْوَال فِي قَوْله تَعَالَى: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) وَقَالَتْ طَائِفَة: اللَّفْظ عَلَى ظَاهِره, وَلَكِنْ قَالَهُ هَذَا الرَّجُل وَهُوَ غَيْر ضَابِط لِكَلاَمِهِ, وَلاَ قَاصِد لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ, وَمُعْتَقِد لَهَا, بَل قَالَهُ فِي حَالَة غَلَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الدَّهْش وَلخَوْف وَشِدَّة لجَزَع, بِحَيْثُ ذَهَبَ تَيَقُّظه وَتَدَبُّر مَا يَقُولهُ, فَصَارَ فِي مَعْنَى لغَافِل وَالنَّاسِي, وَهَذِهِ لحَالَة لاَ يُؤَاخَذ فِيهَا, وَهُوَ نَحْو قَوْل لقَائِل لآخَر الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ لفَرَح حِين وَجَدَ رَاحِلَته: "أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبّك", فَلَمْ يَكْفُر بِذَلِكَ الدَّهْش وَلغَلَبَة وَالسَّهْو.

وَقَالَتْ طَائِفَة: هَذَا مِنْ مَجَاز كَلاَم لعَرَب, وَبَدِيع اِسْتِعْمَالهَا, يُسَمُّونَهُ مَزْج الشَّكّ بِليَقِينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً) فَصُورَته صُورَة شَكّ وَلمُرَاد بِهِ ليَقِين. وَقِيلَ: إِنَّمَا وَصَّى بِذَلِكَ تَحْقِيرًا لِنَفْسِهِ, وَعُقُوبَة لَهَا لِعِصْيَانِهَا, وَإِسْرَافهَا, رَجَاء أَنْ يَرْحَمهُ اللَّه تَعَالَى(4).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فهذا رجل شك فى قدرة الله وفى إعادته إذا ذري بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك)(5).

من فوائد الحديث:


1- سعة رحمة الله عز وجل بعباده، وتجاوزه عما صدر عنهم بسبب الجهل أو النسيان أو الإكراه، كما يدل عليه هذا الحديث وغيره.

2-الحذر من المسارعة إلى الحكم على الناس بمجرد صدور ما يستحقون اللوم عليه قبل النظر في أحوالهم وأعذارهم، وقبل إقامة الحجة عليهم.

3-أن القول قد يكون كفراً، أو فسقاً ولكن لا يلزم من ذلك الحكم على قائله بذلك حتى تقام عليه الحجة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)صحيح البخاري، ح: (3478)، وصحيح مسلم، ح: (2756)، واللفظ له.
(2)ينظر: فتح الباري لابن حجر, 6/ 522، وحاشية السندي على النسائي, 4/ 112- 113.
(3)فتح الباري لابن حجر, 6 / 522.
(4)شرح النووي على صحيح مسلم, 17/ 71 .
(5)مجموع الفتاوى (3/231).
 

أعلى