حسام حربى

عضو مشارك
#1

تخيل يا عزيزى القارىء مسابقة رفع أثقال قرر فيها الحكام أن يكونوا عادلين بدرجة مطلقة لم يسبق لها مثيل.. فقالوا لن ننظر للوزن النهائى الذى يرفعه كل متسابق دون اعتبار كل العوامل التى ساعدته أو أعاقته وأخذْها فى الإعتبار لتحقيق المساواة الكاملة. ومن ثم بدأ الحكام فى عمل حساب كل صغيرة وكبيرة تؤثر على أداء المتسابقين.. فبدأوا بحساب وزن وطول كل متسابق بحيث لا تكون هناك ميزة للمتسابقين الأضخم أو الأقصر (القُصر يساعد فى رفع الأثقال)، ثم هموا بعمل تحليل حمض نووى للمتسابقين لتحديد من منهم يملك جينات تساعده على تحقيق القوة العضلية ومن لديه جينات تعيقه، ثم حسبوا عوامل النشأة والتربية فخصموا بعض النقاط ممن كان أبوه رياضيا يشجعه على التمرين منذ الصغر وأضافوا نقاطا لمن قضى طفولته يتيما بلا أى تشجيع أُسرى، ومضوا بعد ذلك فى اعتبار العوامل النفسية والإجتماعية والهرمونية التى تشجع أو تثبط كل متسابق وتؤثر على حالته المعنوية كنجاحاته وإخفاقاته السابقة، وأخيرا فى يوم المسابقة حللوا ظروف كل متسابق من قلة نوم أو طعام أو توتر وقع له فى ذلك الصباح مما قد يؤثر على مستواه النهائى

وأخيرا بدأ اللاعبون فى رفع الأثقال.. فمنهم من رفع مائة كيلو جرام، ومنهم من رفع خمسين، ومنهم من رفع مائة وخمسين.. وكان هناك قلة ممن رفعت ثلاثين وقلة ممن رفعت مائتين. لكن كانت هناك مفاجأة..

لم يكن هناك فائز!

نعم لا تستغرب.. فبعد خصم كل العوامل التى لم يكن هناك يد للمتسابقين فيها تساوى الجميع بالكيلو وبالجرام. فالذى رفع ثلاثين كان معاقا، وبعد حساب درجة إعاقته وُجد أن مستواه كان سيكون رفْع مائة بدونها.. أما الذى رفع مائتين فقد وُلد فى أسرة غنية فكان لديه وقت أكبر للتدرب كما تمكن والده من تعيين مدرب خاص له وبدون ذلك كان سيرفع مائة فقط، أما الذى رفع تسعة وتسعين فقد وجدوا أن ما منعه من رفع المائة كاملة كان رؤيته لحادثة فى الطريق مما وتر أعصابه قليلا.. وهكذا حتى وُجد فى النهاية أنه ما من تميز لأحد على أحد، وما من ذرة فشل ولا ذرة نجاح إلا نتيجة توليفة الظروف الخاصة لكل متسابق وليس نتيجة مجهوده الشخصى

طيب تعال الآن نعمم شروط هذه المسابقة على الحياة بمختلف مجالاتها.. من منا يزعم أن له فضلا لمولده فى أسرة كريمة أو أن عليه لوما لمولده فى أسرة غير ذلك؟ ومن منا له فضل فى مولده جميل الشكل أو قبيحه؟ أو قوى البنية أو ضعيفها؟ أو ذو مواهب إدارية ومالية وذكاء فطرى أو دون ذلك؟ بل وحتى خفة الظل أو ثقله وروح الفكاهة أو إنعدامها والرحمة أو القسوة والنشاط والكسل هى أشياء أُعطيت لك وجدتها فيك ولا تملك تغييرها. وحتى إن غيرتها للأحسن أو للأسوأ (بافتراض اتفاقنا على تعريف الأحسن والأسوأ) فسيكون ذلك التغيير نتيجة ظروف أو تفكير أو حادثة تعرضت لها لم يكن لك يد فيها أيضا!

ولهذه الفكرة تطبيقات عملية وإن كانت مخيفة.. فالطالب الذى يتعاطى عقاقير ليلة الإمتحان كى تحسن ذاكرته أو يعمل "برشام" يساعده فى التذكر هل يمكننا إتهامه حقا بالغش؟ تذكر أن زميله قد يكون وُلد بذاكرة أقوى وبالتالى فكل ما يحاول "الغشاش" أن يفعله هو عدْل الميزان المائل فقط. نفس الكلام ينطبق على اللص الفقير.. فالغنى قد وُلد بمواهب وقدرات لم تُمنح له فحاول عن طريق السرقة أن يعيد الأمور إلى ما كان ينبغى أن تكون عليها منذ البداية. وماذا عن مريض الفشل الكلوى الذى يرشى طبيبا ليسرق كلية إنسان آخر ويعطيها له؟ (بافتراض عدم وجود إمكانية للبيع والشراء الطوعى) هل هو وحش لا ضمير له ولا أخلاق؟ ربما.. لكن تذكر أنه فقد كليتيه الإثنتين بلا ذنب إقترفه بينما وُلد المعافى بكليتين لم يستحقهما فهل من الظلم أن يعيش كل منهما بواحدة؟ والأمثلة كثيرة لا تنتهى..

ستلحظ سريعا أن إجابات الأسئلة التى نطرحها إنحصرت فى مناظرة ومبارزة بين فكرتين أساسيتين: الفردية والجماعية. الأولى تتمثل فى الرأسمالية بفروعها، وتنص على أن للإنسان ثمار عمله وعلى القانون حماية الملكية الشخصية والدفاع عنها، وأن على المجتمع تشجيع من وُلدوا بجينات جيدة وترك الآخرين ينقرضون. أما الثانية فتتمثل فى الشيوعية بفروعها، وتنص على المشاركة والتوزيع على المشاع، أى أن مجموع ما يملكه المجتمع هو ملك للمجتمع وليس لأحد أن يستأثر حتى بمواهبه التى خرج من بطن أمه بها. وغنى عن القول أن كل دول العالم تنتهج نهجا وسطا بين الفكرين وإن لانت سياسة بعضها تارة لهذه وتارة لتلك

أما عن رأيى الشخصى فبعد تفكير كثير شمل الجانب الدينى والذى ينحاز -فيما أعتقد- للجانب الفردى باعتبار أن الله هو الذى وزع الأرزاق بحكمته ومن ثم فلا ينبغى للبشر التدخل فى ذلك التوزيع إلا بمقدار الزكاة 2.5% فقد رأيت أنه فى الوضع المثالى -والذى يستحيل تطبيقه- كان ينبغى على العالم كله أن يكون جماعيا بحتا بحيث توزع كل الموارد على الجميع بصورة متساوية (باستثناء من يولدون بإعاقة مزمنة أو مرض يتكلف علاجه الملايين)، لكن لأننا إن تبنينا ذلك الفكر فسيعزف معظم الناس عن استغلال مواهبهم وسيختفى الحافز للإنتاج والإبداع فنحن مضطرون آسفين إلى انتهاج سياسية شبه فردية نعترف بظلمها، إلا أنه ثبت تاريخيا من تجارب الإتحاد السوفيتى ومصر الناصرية وغيرهما الكثير أنها أفضل فى المُجمل من السياسة شبه الجماعية عند التطبيق على أرض الواقع

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com
 

أعلى