عاطف الجراح

عضو مميز
التسجيل
6/11/10
المشاركات
361
الإعجابات
300
#1
ليس في الوجود الممكن سبب واحد مستقل بالتأثير, بل لا يؤثر سبب البتة إلا بانضمام سبب آخر إليه وانتفاء مانع يمنع تأثيره. هذا في الأسباب المشهودة بالعيان, وفي الأسباب الغائبة و الأسباب المعنوية كتأثير الشمس في الحيوان والنبات فإنه موقوف على أسباب أخر, من وجود محل قابل, ,أسباب أخر تنضم إلى ذلك السبب. وكذلك حصول الولد موقوف على عدة أسباب غير وطء الفحل, وكذلك جميع الأسباب مع مسبباتها, فكل ما يخاف ويرجى من المخلوقات فأعلى غاياته أن يكون جزء سبب غير مستقل بالتأثير ولا يستقل بالتأثير وحده دون توقف تأثيره على غيره إلا الله الواحد القهار, فلا ينبغي أن يرجى ولا يخاف غيره. وهذا برهان قطعي على أن تعلق الرجاء والخوف بغيره باطل, فإنه لو فرض أن ذلك سبب مستقل وحده بالتأثير لكانت سبيبته من غيره لا منه, فليس له من نفسه قوة يفعل بها, فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله فهو الذي بيده الحول كله والقوة كلها, فالحول والقوة التي يرجى لأجلهما المخلوق ويخاف إنما هما لله وبيده في الحقيقة. فكيف يخاف ويرجى من لا حول له ولا قوة, بل خوف المخلوق ورجاؤه أحد أسباب الحرمان ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه, فإنه على قدر خوفك من غير الله يسلط عليك, وعلى قدر رجائك لغيره يكون الحرمان, وهذا حال الخلق أجمعه, وإن ذهب عن أكثرهم علما وحالا, فما شاء الله كان ولا بد وما لم يشأ لم يكن ولو اتفقت عليه الخليقة.



التوحيد مفزع أعدائه وأوليائه: فأما أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها: {فإذا ركبُوا في الْفُلْك دعوُا الله مُخْلصين لهُ الدين فلما نجاهُمْ إلى الْبر إذا هُمْ يُشْركُون} العنكبوت 65. وأما أولياؤه فينجيهم من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها. ولذلك فزع إليه يونس, فنجاه الله من تلك الظلمات , وذا النُون إذ ذهب مُغاضبا فظن أن لن نقْدر عليْه فنادى في الظُلُمات أن لا إله إلا أنت سُبْحانك إني كُنتُ من الظالمين فاسْتجبْنا لهُ ونجيْناهُ من الْغم وكذلك نُنجي الْمُؤْمنين 87-88. وفزع إليه أتباع الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة. ولما فزع إليه فرعون, عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق, لم ينفعه, وجاوزْنا ببني إسْرائيل الْبحْر فأتْبعهُمْ فرْعوْنُ وجُنُودُهُ بغْيا وعدْوا حتى إذا أدْركهُ الْغرقُ قال آمنتُ أنهُ لا إله إلا الذي آمنتْ به بنُو إسْرائيل وأناْ من الْمُسْلمين آلآن وقدْ عصيْت قبْلُ وكُنت من الْمُفْسدينفالْيوْم نُنجيك ببدنك لتكُون لمنْ خلْفك آية وإن كثيرا من الناس عنْ آياتنا لغافلُون 90-92 من سورة يونس, لأن الإيمان عند المعاينة لا يقبل. هذه سنة الله في عباده. مما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد. ولذلك كان دعاء الكرب* بالتوحيد ودعوة ذي النون* التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد. فلا يلقى في الكرب العظام إلا الشرك ولا ينجي منها إلا التوحيد, فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها. وبالله التوفيق.
 

أعلى