حسام حربى

عضو مشارك
التسجيل
4/9/11
المشاركات
57
الإعجابات
27
#1


هل طبيعة البشر شريرة؟ طبعاً يبدو هذا كسؤال ساذج بعد كل التجارب المذكورة. لكن هناك معياراً يمكن النظر من خلاله لنتائجها.. وأتوجه إليك بهذا السؤال يا عزيزى القارىء: لماذا لا يكون السبب فيما يبدو لنا أنه توحش البشر أثناء تلك التجارب هو خلْقها لفجوة مفاجئة بين ما إعتاده الناس من الرقابة على تصرفاتهم وبين الرقابة الفعلية فى التجربة؟ أو بمعنى آخر، هل حياتنا فى مجتمعات "متحضرة" فرضت علينا سلوكيات مهذبة جداً مما حوَّلنا إلى إنتهازيين ننتظر فرصة غياب الرقابة كى نطلق العنان لعقدنا النفسية المكبوتة؟

قد يبدو هذا التفسير غريباً، لكنى أكاد أجزم أن التجارب ذاتها لو كانت أجريت منذ مائة سنة (أو أجريت على أناس يعيشون الآن مثل حياتنا منذ مائة سنة كسكان البلاد البدائية مثلاً) لكانت القسوة والأنانية أقل، ومنذ ألف سنة لكانت أقل وأقل، لسبب بسيط.. وهو أن ظروف التجارب لم تكن ستختلف أصلاً عن طبيعة حياة الناس فى الوضع الطبيعى! فمنذ ألف عام مثلاً كانت جرائم القتل شديدة السهولة، فلم يكن هناك علم البصمات ولا حمض نووى ولا طرق التحقيق الحديثة ولا حتى صور للمشتبه بهم يمكن تعميمها على مراكز الشرطة الخ، فكان الناس يتقيدون فى تصرفاتهم اليومية بالأخلاق النابعة من داخلهم إلى جانب طبعاً يقينهم برؤية الإله لما يفعلونه. وبمعنى آخر فقد كانت ضمائرهم "تتمرن" بإستمرار كلما واجهوا ضغوطاً وإغراءات لإرتكاب جرائم لا يردعها سوى الضمير، وذلك بعكس مجتمعنا اليوم الذى يصعب أن ترتكب فيه جريمة لعلمك أنك غالباً ستعاقَب عليها وبالتالى فضميرك فى اجازة منذ سنين طويلة.. ومعروف أن أى عضو لا يُستخدم فى جسم الإنسان يضمر ويذبل مع الوقت!

وإن صح هذا التحليل فستكون وسائل المراقبة وإن كانت لها فوائد فى تحسين سلوك البشر إلا أن لها أخطاراً جسيمة تتمثل فى قتل ضمائرهم وإستحالة إستقامة سلوكهم بدونها بعد إعتيادهم على وجودها. وإن تخيلنا مثلاً أن عاصفة شمسية عطلت كل الأجهزة الكهريائية -كما يُقال أنه ممكن فى السنوات القادمة- فسيؤدى ذلك إلى كمية جرائم غير مسبوقة فى الدول المتقدمة التى سيتصرف سكانها كالكلب المسعور الذى وجد قفصه مفتوحاً، بينما لن تتأثر الدول البدائية البتة لأن "عضلات ضمائرهم" قوية منذ البداية ولا يحتاجون لأجهزة حديثة ليرتدعوا عن السرقة والقتل.

والسؤال هنا أيهما أفضل.. الحياة فى مجتمع تكثر به كَمِرات المراقبة وتسجَّل فيه كل حركة وكل كلمة بحيث تنعدم فيه الجريمة تقريباً كما فى رواية جورج أوْروِل الشهيرة المسماة "1984"، أم مجتمع يَسمح لأفراده بأن يخطئوا ويهربوا بفعلتهم أحياناً؟ هذا من الأسئلة الفلسفية شديدة الصعوبة.. وأعتقد أن الإجابة المثالية ستكون -كما تعودنا- هى الحل الوسط. فلا نريد كمرات فى كل شارع ومخبرين يتصنتون على مكالماتنا ويقرأون مراسلاتنا، ولا نريدها كذلك أن تكون "سايبة" بلا أى وسائل لتتبع مرتكبى الجرائم.

وهناك وسيلة بسيطة وفعالة لِنَزن فائدة وسيلة رقابة معينة لمعرفة ما إذا كان يجب علينا تبنيها أم لا.. وهى تخيُّل أن شخصاُ يريد القيام بجريمة ونسأل أنفسنا: هل سيستطيع الإفلات من هذه الوسيلة إن إستخدمناها؟ فإن كانت الإجابة نعم كما فى حالة إرتداء قناع كى لا تتعرف الكمرا عليه أو إرتداء قفاز لأن الشرطة جمعت بصمات أصابع كل الشعب الخ فستكون وسيلة المراقبة تلك بلا قيمة حقيقية لسهولة تجنبها من قِبل المجرمين، فاستخدامها لن يستهدف عملياً سوى خصوصية الأبرياء (أو المجرمين الأغبياء بالطبع، لكنهم أقلية فلن نبنى حُكمنا على إستثناءات). أما إن كانت الإجابة لا، مثل تفتيش الحقائب فى المطارات للتأكد من خلوها من المواد الخطرة -وهو شىء لا يستطيع المجرم أن يخفيه- فستكون وسيلة المراقبة تلك -وإن كانت تؤذى الخصوصية بقدرٍ ما- إلا أن قيمتها الأمنية تفوق ذلك الإيذاء.

وبعض النظم ككمرات المراقبة تكون قليلة التأثير فى حالة إستخدامها مفردة، لكن بتعميمها لتراقب معظم أنحاء المدن كما تفعل دبى وبريطانيا وللأسف -كما تردد- الإسكندرية مؤخراً تكون عظيمة الأثر لأنها مجتمِعة تراقب كل إنسان من لحظة خروجه من منزله حتى رجوعه إليه، وهكذا لن يخدعها قناع يغطى الرأس مثلاً. ونظام مشابه تتبناه المخابرات الأمريكية فى تسجيل كل إتصال ورسالة تصل أيديها إليها على شبكة الإنترنت.. لكن بالنسبة لى فهذا النوع من "الأمان" يمثل كابوساً مرعباً لا أرغب بالعيش فيه أبداً حتى وإن كان سيقضى على الجريمة تماماً، لأنه سيقضى على خصوصيتى وحريتى معها.

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com
 

الجازية

الجازية

عضوية الشرف
التسجيل
8/7/08
المشاركات
5,800
الإعجابات
2,689
الإقامة
العالم العربي
#2


حياك الله أستاذنا الكريم وبُورك بك

بحديثتك عن طبيعة النفس البشرية يظن الكثيرين أن أصل سلوك النفس البشرية يطبع فيه الشر غالب

ويشتهر هذا القول عند جمهور الكتاب وعلماء النفس

ألم يقل الله عز وجل في كتابه " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " وتلك اشتملت التعميم

صحيح ان النفس البشرية متقلبة بين هذا وذاك ولكن

باعتقادي ان الأنسان متى ما أستشعر الخوف من الله باطنا وظاهرا كانت تصرفاته وسلوكياته إيجابية بإذن الله

ولم يكن الدين الإسلامي حسب ما يظن البعض أنه متشدد وذو رقابة تكبت الإنسان مما تدفعه للسلوكيات السلبية هذا حسب ما أنتشر على لسان البعض

والرد على ذلك أن الله عز وجل قال في منزل كتابه " وهديناه النجدين " أي جعلنا له مفترق الطرق وعليه رقابة ذاته

وما تفرضه رقابة وضعية الكاميرات ألا تجعلنا نستشعر الخوف من الله عز وجل

وتذكرنا بقوله " ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم مافي البر والبحر *وماتسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) الأنعام 59

جزاك الله خير الجزاء اخينا ورفع قدرك
 

abo_mahmoud

الوسـام الماسـي
التسجيل
22/12/10
المشاركات
4,116
الإعجابات
1,829
#3
جزاك الله خيرا
على إبداعك الرائع هذا
بارك الله لك وفيك
 

حسام حربى

عضو مشارك
التسجيل
4/9/11
المشاركات
57
الإعجابات
27
#4
هذا حقيقى يا جازية، وفى مقالاتى السابقة (على مدونتى إن كنتى مهتمة بعلم النفس) أتوصل من خلال تجارب علمية أن الإنسان لا يرتدع عن أبشع الأفعال ما لم يستشعر رقابة خارجية عليه سواءاً كانت دنيوية أم أخروية. ولذا فإن نزع النوعين من الرقابة أمر شديد الخطورة والتدمير. أشكر ثناءك يا أبو محمد وإن شاء الله تعجبكم الأعمال القادمة.
 
الجازية

الجازية

عضوية الشرف
التسجيل
8/7/08
المشاركات
5,800
الإعجابات
2,689
الإقامة
العالم العربي
#5
حياك الله أخينا حسام

ونعم أتفق معك أن الرقابة تهذب من السلوك الفردي والاجتماعي

أما عن دعوتك للمدونة تصفحت بعض على عُجالة وان شاء الله سأقرا سأحاول قراءة المزيد

شكرا لك
 

جهاد ع

عضوية الشرف
التسجيل
11/2/10
المشاركات
13,400
الإعجابات
794
الإقامة
الاردن
الجنس
Male
#6
اعتقد ان الكميرات تحد من الجريمة تحسبا لإنكشاف امر المقدم عليها . الا ان الكميرات الموجودة داخل الانسان تعطي ثمارا اكبر وفعالية اكثر تلك الكميرات التي زودنا بها المولى عز وجل لنراقب بها انفسنا كي لا تأمرنا بالسوء.
فلو ان العقيدة كانت سمة غالبة في مجتمع ما لقلت درجات الجريمة الى اقل الحدود

جزاك الله خيرا اخي الكريم
 

أعلى