moamen5005

عضو مميز
#81


مع الجزء الحادي والعشرون

( 3 )
وبعض أيات من سورة الروم

مبدأ عدم التفرق في الدين الواحد

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ - 30
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ – 31

مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ – 32

وفي الحديث الشريف,
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ما من مولود إلا يولد على الفطرة .

ثم يقول : اقرؤا : فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم .

الراوي: أبو هريرة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2658
خلاصة حكم المحدث: صحيح

*******
فالإنسان - دون تدخل من عوامل خارجية تؤثر على معتقداته -يدرك أن له خالق صنعه على أحسن حال . ويتطلع الإنسان للتقرب إلى خالقه ولكنه لا يعرف كيف يكون ذلك . فمن رحمة الله تعالى علينا أن بعث الرسل لتبين لنا الطريق إلى الله تعالى , واكتملت الرسالات بالرسالة الخاتمة رسالة الإسلام التي نزلت على قلب خاتم الرسل الكرام وخير الأنام النبي الأعظم محمد صلوات ربي وسلامه عليه وعلى اله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ورسالة الإسلام واضحة المعالم ليلها كنهارها تجمع القلوب ولا تفرقهم.
وقد حاول الشيطان التفرقة بين المسلمين دوما ومنذ بداية الإسلام ,
وقد ورد في الحديث رواية جابر بن عبد الله أنه قال:

كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة . فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار . فقال الأنصاري : يا للأنصار ! وقال المهاجري : يا للمهاجرين ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . " ما بال دعوى الجاهلية ؟ " قالوا : يا رسول الله ! كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار . فقال " دعوها . فإنها منتنة "
الراوي: جابر بن عبدالله المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2584
خلاصة حكم المحدث: صحيح

وقال تعالى في سورة ال عمران :

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ - 103

********

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ - 30 مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ – 31 مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ – 32

يقول السعدي في تفسيره:
يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال وإقامة دينه فقال:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ أي: وجهه إلى الدين الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان بأن تتوجه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها.

وشرائعه الباطنة كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة بأن تعبد اللّه فيها كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وخص اللّه إقامة الوجه لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب ويترتب على الأمرين سَعْيُ البدن ولهذا قال: ﴿ حَنِيفًا أي: مقبلا على اللّه في ذلك معرضا عما سواه.
وهذا الأمر هو ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ووضع في عقولهم حسنها واستقباح غيرها، فإن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع اللّه في قلوب الخلق كلهم، الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق وهذا حقيقة الفطرة.
ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها
كما
قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"

﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي: لا أحد يبدل خلق اللّه فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه اللّه، ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي: الطريق المستقيم الموصل إلى اللّه وإلى كرامته، فإن من أقام وجهه للدين حنيفا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فلا يتعرفون الدين القيم وإن عرفوه لم يسلكوه.
﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وهذا تفسير لإقامة الوجه للدين، فإن الإنابة إنابة القلب وانجذاب دواعيه لمرضاة اللّه تعالى.
ويلزم من ذلك حمل البدن بمقتضى ما في القلب فشمل ذلك العبادات الظاهرة والباطنة، ولا يتم ذلك إلا بترك المعاصي الظاهرة والباطنة فلذلك قال: ﴿ وَاتَّقُوهُ فهذا يشمل فعل المأمورات وترك المنهيات.
وخص من المأمورات الصلاة لكونها تدعو إلى الإنابة والتقوى لقوله تعالى:
﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ-45 العنكبوت
فهذا إعانتها على التقوى.

ثم قال: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فهذا حثها على الإنابة.
وخص من المنهيات أصلها والذي لا يقبل معه عمل وهو الشرك فقال: ﴿ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لكون الشرك مضادا للإنابة التي روحها الإخلاص من كل وجه.
ثم ذكر حالة المشركين مهجنا لها ومقبحا فقال: ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ مع أن الدين واحد وهو إخلاص العبادة للّه وحده وهؤلاء المشركون فرقوه، منهم من يعبد الأوثان والأصنام. ومنهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الأولياء والصالحين ومنهم يهود ومنهم نصارى.
ولهذا قال: ﴿ وَكَانُوا شِيَعًا أي: كل فرقة من فرق الشرك تألفت وتعصبت على نصر ما معها من الباطل ومنابذة غيرهم ومحاربتهم.
﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ من العلوم المخالفة لعلوم الرسل ﴿ فَرِحُونَ به يحكمون لأنفسهم بأنه الحق وأن غيرهم على باطل، وفي هذا تحذير للمسلمين من تشتتهم وتفرقهم فرقا كل فريق يتعصب لما معه من حق وباطل، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين في التفرق, بل الدين واحد والرسول واحد والإله واحد.
وأكثر الأمور الدينية وقع فيها الإجماع بين العلماء والأئمة، والأخوة الإيمانية قد عقدها اللّه وربطها أتم ربط، فما بال ذلك كله يُلْغَى ويُبْنَى التفرق والشقاق بين المسلمين على مسائل خفية أو فروع خلافية يضلل بها بعضهم بعضا، ويتميز بها بعضهم عن بعض؟
فهل هذا إلا من أكبر نزغات الشيطان وأعظم مقاصده التي كاد بها للمسلمين؟

*****
قد نختلف في بعض الآراء ولكن في إطار علمي وهذا إثراء للمعرفة,
مثل علماء المدارس الفقهية كالمدرسة الحنفية والمدرسة الشافعية , كل بحسب فهمه للنص الذي يتسع للإجتهاد والذي يحتمل وجوه عديدة , وفي ذلك مرونة لصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان , وداعى إلى توحيد كلمة الأمة لا فرقتها.
وإن من أفضل الجهاد الأن السعي في جمع كلمة المسلمين وإزالة ما بينهم من الشقاق .

*********
وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#82


مع الجزء الحادي والعشرون

( 4 )
وبعض أيات من سورة الروم

مبدأ التكافل

فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - 38 وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ – 39

لقد كفل الإسلام حق الجميع في العيش الكريم ولذلك فرض زكاة المال على الأغنياء لترد على الفقراء وتوزع عليهم بصفة حقهم في ذلك المال الذي وهبه الله تعالى للأغنياء ليقوموا بإنفاقه على المشاريع التي تخدم الجميع . ويكون عونا في التنمية والرعاية الصحية عبر بناء المستشفيات , والتطور العلمي ببناء المدارس والجامعات ..
وبذلك ندرك قيمة المال الحقيقية ..

أما إذا إنحصرت المنفعة في الزيادة الربوية عبر إقراض الفقراء فسوف تزداد الفجوة بين الفقراء والأغنياء وتنتهي إلى كارثة كما نرى في واقعنا المعاصر.
وما دام المال مال الله , أعطاه رزقا لبعض عباده , فالله صاحب المال الأول قد وهبه لفئات من عباده , يؤديها إليهم من يضع يده على ذلك المال . ومن ثم سماها حقا . ويذكر هنا من هذه الفئات ( ذا القربى والمسكين وابن السبيل )


وهذا هو أساس النظرية الإسلامية في المال .
وإلى هذا الأساس ترجع جميع التفريعات في النظرية الاقتصادية للإسلام . فما دام المال مال الله , فهو خاضع إذن لكل ما يقرره الله بشأنه بوصفه المالك الأول , سواء في طريقة تملكه أو في طريقة تنميته , أو في طريقة إنفاقه . وليس واضع اليد حرا في أن يفعل به ما يشاء .
وهو هنا يوجه أصحاب المال الذين اختارهم ليكونوا أمناء عليه إلى خير الطرق للتنمية والفلاح . وهي إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل , والإنفاق بصفة عامة في سبيل الله: ( ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون ).
هذه هي الوسيلة المضمونة لمضاعفة المال:إعطاؤه بلا مقابل وبلا انتظار رد ولا عوض من الناس . إنما هي إرادة وجه الله .
أليس هو الذي يبسط الرزق ويقدر ? أليس هو الذي يعطي الناس ويمنع ?

فهو الذي يضاعف إذن للمنفقين ابتغاء وجهه ; وهو الذي ينقص مال المرابين الذين يبتغون وجوه الناس . . ذلك حساب الدنيا , وهناك حساب الآخرة وفيه أضعاف مضاعفة . فهي التجارة الرابحة هنا وهناك !

أما إذا حدث سوء تصرف في المال بأن ينفق بتبذير في الملذات ويحرم منه الفقراء العاملون والمقعدون فسوف يظهر الفساد بين المجتمع ولذلك أتت الآية رقم 41 مبينة ذلك بوضوح.

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ – 41

فظهور الفساد هكذا واستعلاؤه لا يتم عبثا , ولا يقع مصادفة ; إنما هو تدبير الله وسنته . . ( ليذيقهم بعض الذي عملوا ) من الشر والفساد , حينما يكتوون بناره , ويتألمون لما يصيبهم منه: ( لعلهم يرجعون ) فيعزمون على مقاومة الفساد , ويرجعون إلى الله وإلى العمل الصالح وإلى المنهج القويم .

*******

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#83



مع الجزء الحادي والعشرون
( 5 )
وبعض أيات من سورة لقمان

مبدأ الإيمان المقترن بالعمل الصالح

لا إيمان لمن لا أمان له, ولا إسلام لمن لا يسلم الناس من لسانه ويده, والمتتبع لهذه السلسلة يدرك مدى الإرتباط القوي بين قواعد السلوك الأخلاقي والمعاملات والأداب وبين الإيمان , ولأهمية هذا الأمر تأكد كثيرا في سور القرآن العظيم , ومنها صدر سور لقمان.

الم -1 تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ -2 هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِين - 3 الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ – 4 أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ – 5

والكتاب الحكيم الذي تضمن كل هذه التعاليم الربانية , يبين أنها هدى ورحمة للمحسنين , وأهم ما يميزهم أنهم يقيمون الصلاة ,
قال تعالى:
فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا – 103 النساء
وتفعيل أوقاتها بحيث لا تضيع بحجة وقت العمل... فقد لوحظ إن الذين يضيعون الصلاة هم أول من أضاعوا العمل..


وأوقات الصلاة موزعة توزيعا لا يضر بالعمل بل لتنشيط الإنسان ليتهيأ للعمل. فالأوقات هي البكور للعمل وكسب الرزق وأوقات الراحة ثم أوقات التفاعل مع قضايا الحياة المختلفة.

ونبدأ بصلاة الفجر حيث ينتهي الإنسان من أدائها حوالي الخامسة صباحا , ولو بدأ العمل بعدها لكان هناك ثمان ساعات للعمل المتواصل دون أنقطاع من صلاة مفروضة, وبعد العمل الجاد طيلة ثماني ساعات أو سبع ساعات ( حسب قانون العمل لكل بلد ) نذهب نستريح بصلاة الظهر,
ففي الحديث
( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بلال أقم الصلاة , رحنا بها – المصدر : صحيح الجامع) ..

وبعد صلاة الظهر يكون في العادة تناول وجبة الغداء ثم القيلولة وهي فترة قليلة للنوم يستعيد فيها الإنسان نشاطه ويستعد لصلاة العصر وبعد العصر يقوم الإنسان بنشاطات مختلفة منها التحصيل العلمي بالقراءة , ومنها نشاطات رياضية , ومنها القيام بالزيارات العائلية , ومنها التسوق , ومنها المشاركات في الندوات الثقافية .

وإذا إلتزمنا بذلك لشجعنا الناس على أداء فريضة الفجر في موعدها وشجعنا على النشاط في العمل المبكر حيث البركة وتوفير الطاقة الكهربية حيث نستغل إشراق الصباح ,
وفي حالة العمل الليلي فبعد صلاة العشاء حتى الفجر قرابة ثمان ساعات متواصلة لا يقطعها وقت لصلاة مفروضة .


وهكذا نجد أن مواقيت الصلاة جاءت محكمة وبدقة بحيث بإلتزامها تستقيم أموار الحياة كلها ..وفي ضياعها ضياع عمر الإنسان دون محصلة لنفسه تنفعه في الأخرة . وبماذا يفوز من كسب الدنيا وخسر الأخرة؟ لا شئ..

هذا عن جانب الصلاة , أما عن جانب الزكاة فهي الأمان من الفقر , حيث لا يتهرب منها المؤمن كما يفعل المتهربون من الضرائب, بل يسعى لتقديمها إلى الجهة التي تجمعها ثم تعيد توزيعها على الفقراء والمساكين وبقية المصارف التي ذكرت في الآية 60 من سورة التوبة.
يأخذها الفقير بكل عزة وكرامة فهذا حقه الذي شرعه الله له, و تقوم الدولة بتحديد تلك المعاشات بحيث تتناسب والحد المطلوب للحياة الكريمة , فهل أدركنا قيمة الفرائض في الإسلام . إنها منهاج الحياة كله , مستقيمة مع العقيدة , مستقيمة مع الفطرة , مستقيمة على الطريق إلى الخالق الواحد المدبر الخبير . .

******

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ – 6
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ – 7


. وفي الجانب الآخر فريق من الناس يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم , ويتخذ تلك الآيات هزوا . وهؤلاء يعاجلهم بمؤثر نفسي مخيف مناسب لاستهزائهم بآيات الله:
( أولئك لهم عذاب مهين ).

ولهو الحديث كل كلام يلهي القلب ويأكل الوقت , ولا يثمر خيرا ولا يؤتي حصيلة تليق بوظيفة الإنسان المستخلف في هذه الأرض لعمارتها بالخير والعدل والصلاح .
والنص عام لتصوير نموذج من الناس موجود في كل زمان وفي كل مكان . وكثيرا ما نرى منهم اليوم .
يشتريه بماله ويشتريه بوقته , ويشتريه بحياته . يبذل تلك الأثمان الغالية في لهو رخيص , يفني فيه عمره المحدود , الذي لا يعاد ولا يعود , يشتري هذا اللهو ( ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ) فهو جاهل محجوب , لا يتصرف عن علم , ولا يرمي عن حكمة وهوسيىء النية والغاية , يريد ليضل عن سبيل الله . يضل نفسه ويضل غيره بهذا اللهو الذي ينفق فيه الحياة . وهو سيىء الأدب يتخذ سبيل الله هزوا , ويسخر من المنهج الذي رسمه الله للحياة وللناس .

****

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ – 8 خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ – 9

وحيثما ذكر الجزاء في القرآن العظيم ذكر قبله العمل الصالح مع الإيمان . فطبيعة هذه العقيدة تقتضي ألا يظل الإيمان في القلب حقيقة مجردة راكدة معطلة مكنونة ; إنما هو حقيقة حية فاعلة متحركة , ما تكاد تستقر في القلب ويتم تمامها حتى تتحرك لتحقق ذاتها في العمل والحركة والسلوك ; ولتترجم عن طبيعتها بالآثار البارزة في عالم الواقع , المنبئة عما هو كائن منها في عالم الضمير .
وهؤلاء الذين آمنوا وحققوا إيمانهم بالعمل الصالح ( لهم جنات النعيم خالدين فيها ) لهم هذه الجنات وهذا الخلود تحقيقا لوعد الله الحق . ( وعد الله حقا ) فقد بلغ من فضل الخالق على العباد أن يوجب على نفسه الإحسان إليهم جزاء إحسانهم لأنفسهم فهو الغني عن الجميع .
( وهو العزيز الحكيم ). . القادر على تحقيق وعده , الحكيم في الخلق والوعد والتحقيق .

********
وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#84


مع الجزء الحادي والعشرون

( 6 )
وبعض أيات من سورة لقمان
وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ -12
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ -13
وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ -14

وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ -15

يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ -16
يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ -17

وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ -18
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ -19

إن سلوك أي إنسان هو انعكاس لما تلقاه من تربية في البيت والمدرسة والبيئة المحيطة به ,
ومن هنا نلاحظ أهمية دور الأب في النصيحة لأولاده , حيث أنها نصيحة خالصة لوجه الله تعالى , مبرأة من كل شبهة .


وتوصية الولد بالوالدين تتكرر في القرآن الكريم , وفي وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولم ترد توصية الوالدين بالولد إلا قليلا . ومعظمها في حالة الوأد - وهي حالة خاصة في ظروف خاصة .
فالفطرة مدفوعة إلى رعاية الجيل الناشىء لضمان امتداد الحياة , كما يريدها الله ; وإن الوالدين ليبذلان لوليدهما من أجسامهما وأعصابهما وأعمارهما ومن كل ما يملكان من عزيز وغال , في غير تأفف ولا شكوى ; بل في غير انتباه ولا شعور بما يبذلان.... بل في نشاط وفرح وسرور كأنهما هما اللذان يأخذان .
فأما الوليد فهو في حاجة إلى الوصية المكررة ليلتفت إلى الجيل المضحي المدبر المولي الذاهب في أدبار الحياة , بعدما سكب عصارة عمره وروحه وأعصابه للجيل المتجه إلى مستقبل الحياة .
وما يملك الوليد وما يبلغ أن يعوض الوالدين بعض ما بذلاه , ولو وقف عمره عليهما . وهذه الصورة الموحية:
( حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين )
والأم بطبيعة الحال تحتمل النصيب الأوفر ; وتجود به في انعطاف أشد وأعمق وأحنى وأرفق . .

روى الحافظ أبو بكر البزار في مسنده - بإسناده - عن بريد عن أبيه أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها , فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل أديت حقها ? قال:" لا . ولا بزفرة واحدة " .
هكذا . . ولا بزفرة . . في حمل أو في وضع , وهي تحمله وهنا على وهن .


فيجب على الإنسان أن يتوجه إلى شكر الله المنعم الأول , وشكر الوالدين المنعمين التاليين ; ويربط بهذه الحقيقة حقيقة الآخرة:
( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ )


ولكن رابطة الوالدين بالوليد - على كل هذا الانعطاف وكل هذه الكرامة - إنما تأتي في ترتيبها بعد رابطة العقيدة .
فبقية الوصية للإنسان في علاقته بوالديه:
( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ). .
فإلى هنا ويسقط واجب الطاعة
وتعلو رابطة العقيدة على كل رابطة .

ولكن الاختلاف في العقيدة , لا يسقط حق الوالدين في المعاملة الطيبة والصحبة الكريمة: ( وصاحبهما في الدنيا معروفا ) فهي رحلة قصيرة على الأرض لا تؤثر في الحقيقة الأصيلة.
( واتبع سبيل من أناب إلي ) من المؤمنين ( ثم إلي مرجعكم ) بعد رحلة الأرض المحدودة ( فأنبئكم بما كنتم تعملون ) ...

( يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر , واصبر على ما أصابك . إن ذلك من عزم الأمور ). .
وهذا هو طريق العقيدة المرسوم . . توحيد لله ودوام الصله به بإقامة الصلاة, وشعور برقابته , وتطلع إلى ما عنده , وثقة في عدله , وخشية من عقابه . ثم انتقال إلى دعوة الناس وإصلاح حالهم , وأمرهم بالمعروف , ونهيهم عن المنكر .
( واصبر على ما أصابك . إن ذلك من عزم الأمور ). . وعزم الأمور هو عدم التردد بعد العزم والتصميم على التزام طريق الخير .
( ولا تصعر خدك للناس , ولا تمش في الأرض مرحا . إن الله لا يحب كل مختال فخور . واقصد في مشيك , واغضض من صوتك . إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) .

والصعر داء يصيب الإبل فيلوي أعناقها . والأسلوب القرآني يختار هذا التعبير للتنفير من الحركة المشابهة لهذا المرض . حركة الكبر والازورار , وإمالة الخد للناس في تعال واستكبار .. فهذا مرض خطير.
والمشي في الأرض مرحا هو المشي في تخايل ونفخة وقلة مبالاة بالناس . وهي حركة كريهة يمقتها الله ويمقتها الخلق . وهي تعبير عن شعور مريض بالذات , يتنفس في مشية الخيلاء .
( إن الله لا يحب كل مختال فخور ) .

( واغضض من صوتك ) والغض من الصوت فيه أدب وثقة بالنفس واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته . وما يزعق أو يغلظ في الخطاب إلا سيء الأدب , أو شاك في قيمة قوله , أو قيمة شخصه ; يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة .

نلاحظ هنا قيمة التربية في تشكيل الأجيال القوية بالآداب والأخلاق فهم عنوان لما يؤمنون به من مبادئ وقيم.

*******

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

 

moamen5005

عضو مميز
#85


مع الجزء الحادي والعشرون
( 7 )
وبعض أيات من سورة السجدة


أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ – 18 أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ – 19 وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ – 20 وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ – 21 .

وما يستوي المؤمنون والفاسقون في طبيعة ولا شعور ولا سلوك , حتى يستووا في الجزاء في الدنيا وفي الآخرة سواء . قال تعالى في سورة البقرة أية 99
( وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ )


وفي اللغة : فسق فلان: خرج عن حجر الشرع، وذلك من قوله: فسق الرطب، إذا خرج عن قشره (وهذا قول الفراء. انظر تفسير الرازي 2/147)، وهو أعم من الكفر.
والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تعورف فيما كان كثيرا، وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به، ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه،
وإذا قيل للكافر الأصلي: فاسق، فلأنه أخل بحكم ما ألزمه العقل واقتضته الفطرة، قال الله تعالى:
( ففسق عن أمر ربه ) الكهف/ 50 ...
وقال الله تعالى :
(ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) النور/55


والمؤمنون مستقيمو الفطرة متجهون إلى الله , عاملون على منهاجه القويم . والفاسقون منحرفون شاردون مفسدون في الأرض لا يستقيمون على الطريق الواصل المتفق مع نهج الله للحياة , وقانونه الأصيل .

أولا - فالمؤمن واسع الأفق لأنه يؤمن بالله خالق السماوات والأرض
رب العالمين , فهو لا يستغرب شيئا بعد هذا الإيمان .

بينما الفاسق ضيق الأفق فلا ينظر إلا للمادة ولا يتصور حياة في الأخرة , لا يرى إلا العدم .

ثانيا - المؤمن عزيز النفس فهو يعلم أنه لا ضار ولا نافع إلا هو سبحانه,
بينما المشرك والملحد والكافر يطأطئ رأسه لمخلوق مثله .

ثالثا - المؤمن مع عزة نفسه متواضع لأنه يعلم أن الكبرياء لله تعالى وحده ,بينما ترى الفاسق متكبر بغير الحق .
رابعا - المؤمن حريص على تزكية نفسه بالصالحات لأنه يعلم أن الإيمان
ليس بالتمني ولكن بالعمل الصالح , فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره

ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .

بينما الفاسق يمني نفسه بالأماني الكاذبة .
خامسا - المؤمن لا يتسرب الى قلبه اليأس فهو يعلم أن الله له ملك السماوات والأرض , فهو يبذل الجهد متوكلا على الله الواحد الذي بيده خزائن السموات والأرض .
بينما الفاسق سرعان مايتسرب اليأس إلي قلبه فتتحطم نفسيته وقد يقدم على الإنتحار .

سادسا - المؤمن ثابت العزم قوي الإرادة ليقينه بأنه يعتمد على مالك الملك, وليس للفاسق هذا اليقين .
سابعا - المؤمن لا يلوث نفسه بالطمع والدناءة وقبيح الأعمال ,
لأنه يعلم أن الأمر كله لله يرزق من يشاء بغير حساب .

بينما الفاسق عن الدين لا يعبأ من أي مصدر يحصل على المال .
ثامنا - المؤمن يسير حياته وفق شريعة الله التي تحدد له الحلال والحرام
فهو أمن في الدنيا والأخرة بإذن الله تعالى .
بينما الفاسق منفلت لشهواته ورغباته لا يخاف إلا من الشرطي.


فلا عجب إذن أن يختلف طريق المؤمنين والفاسقين في الآخرة , وأن يلقى كل منهما الجزاء الذي يناسب رصيده وما قدمت يداه .
أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى - التي تؤويهم وتضمهم ( نزلا ) ينزلون فيه ويثوون , جزاء ( بما كانوا يعملون ). .
( وأما الذين فسقوا فمأواهم النار ). . يصيرون إليها ويأوون ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ) وهو مشهد فيه حركة المحاولة للفرار والدفع للنار . ( وقيل لهم: ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ). فهو التقريع زيادة على الدفع والتعذيب .
ذلك مصير الفاسقين في الآخرة . وليسوا مع هذا متروكين إلى ذلك الموعد . فالله يتوعدهم بالعذاب في هذه الدنيا قبل عذاب الآخرة: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر). .
وهنا تتجلى صفات الرحمة على العالمين حيث أن مظاهر العذاب التي تقع على الفاسقين في الدنيا قد تذكرهم بخالقهم ويعودوا إلى الطريق المستقيم ( لعلهم يرجعون ). . وتستيقظ فطرتهم , ويردهم ألم العذاب إلى الصواب . ولو فعلوا لما صاروا إلى مصير الفاسقين الذين رأيناه في مشهدهم الأليم في الأخرة .
فأما إذا ذكروا بآيات ربهم فأعرضوا عنها وجاءهم العذاب الأدنى فلم يرجعوا ولم يعتبروا فإنهم إذن ظالمون ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ?) وإنهم إذن يستحقون الانتقام في الدنيا والآخرة: ( إنا من المجرمين منتقمون ) . . فالأنتقام والتهديد من الجبار المتكبر فهو الذي يتوعد هؤلاء الضعاف المساكين بالانتقام .


إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ - 15
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ – 16
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 17

********

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

 

moamen5005

عضو مميز
#86



مع الجزء الحادي والعشرون
( 8 )
وبعض أيات من سورة الأحزاب



ما زلنا مع مبادئ المعاملات والأداب
والتي جسدها رسول الله صلى الله عليه وسلم .


لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)

******

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (1)
وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (2)

وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (3)


فتقوى الله والشعور برقابته واستشعار جلاله هو الأساس لجميع المبادئ , وهو الحارس القائم في أعماق الضمير على التشريع والتنفيذ للمعاملات والأداب والأخلاق .
ثم النهي عن طاعة الكافرين والمنافقين , واتباع توجيههم أو اقتراحهم , والاستماع إلى رأيهم أو تحريضهم: ( ولا تطع الكافرين والمنافقين ). فليس عند الكافرين والمنافقين ما يصلح لأمر العقيدة وليس عندهم إلا الفساد لإمور الدنيا والأخرة .
( واتبع ما يوحى إليك من ربك ). فهذه هي الجهة التي تأتي منها التوجيهات , وهذا هو المصدر الحقيق بالاتباع . رسالة الله تعالى التي تحمل الرحمة للعالمين.. ثم يبقى ذلك النهي قائما في كل بيئة وكل زمان , يحذر المؤمنين أن يتبعوا آراء الكافرين والمنافقين إطلاقا , وفي أمر العقيدة وأمر التشريع وأمر التنظيم الاجتماعي بصفة خاصة . ليبقى منهجهم خالصا لله , غير مشوب بتوجيه من سواه .

******

مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)

إنه قلب واحد , فلا بد له من منهج واحد يسير عليه . ولا بد له من تصور كلي واحد للحياة وللوجود يستمد منه . ولا بد له من ميزان واحد يزن به القيم , ويقوم به الأحداث والأشياء . وإلا تمزق وتفرق ونافق والتوى , ولم يستقم على اتجاه .
ولا يملك الإنسان أن يستمد آدابه وأخلاقه من معين ; ويستمد شرائعه وقوانينه من معين آخر ; ويستمد أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية من معين ثالث ; ويستمد فنونه وتصوراته من معين رابع . . فهذا الخليط لا يكون إنسانا سويا له قلب . إنما يكون شخوصا ليس لهم هوية واضحة يرفعون بها رؤسهم أما العالم.
وصاحب العقيدة لا يملك أن تكون له عقيدة حقا , ثم يتجرد من مقتضياتها وقيمها الخاصة في موقف واحد من مواقف حياته كلها , صغيرا كان هذا الموقف أم كبيرا . لا يملك أن يقول كلمة , أو يتحرك حركة , أو ينوي نية . أو يتصور تصورا , غير محكوم في هذا كله بعقيدته - إن كانت هذه العقيدة حقيقة واقعة في كيانه - لأن الله لم يجعل له سوى قلب واحد , يخضع لناموس واحد , ويستمد من تصور واحد , ويزن بميزان واحد .

وبعد هذا البيان في تعيين المنهج والطريق يأخذ في إبطال "عادة الظهار وعادة التبني" . ليقيم المجتمع على أساس الأسرة الواضح السليم المستقيم:

( وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ )

كان الرجل في الجاهلية يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي . أي حرام محرمة كما تحرم علي أمي . ومن حينها يحرم عليه معاشرتها كزوجة ; ثم تبقى معلقة , لا هي مطلقة فتتزوج غيره , ولا هي زوجة فتحل له . وكان في هذا من القسوة ما فيه , وكان طرفا من سوء معاملة المرأة في الجاهلية والاستبداد بها .
فإن قولة باللسان لا تغير الحقيقة الواقعة , وهي أن الأم أم , والزوجة زوجة ; ولا تتحول طبيعة العلاقة بكلمة ... ومن ثم لم يعد الظهار تحريما أبديا كتحريم الأم كما كان في الجاهلية .

( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ )

وكان هناك أبناء لهم آباء معروفون . ولكن كان الرجل يعجب بأحد هؤلاء فيأخذه لنفسه , ويتبناه , ويلحقه بنسبه , فيعرف بين الناس باسم الرجل الذي تبناه , ويدخل في أسرته . وكان هذا يقع بخاصة في السبي , حين يؤخذ الأطفال والفتيان في الحروب والغارات ; فمن شاء أن يلحق بنسبه واحدا من هؤلاء دعاه ابنه , وأطلق عليه اسمه , وعرف به , وصارت له حقوق البنوة وواجباتها .
ومن هؤلاء زيد بن حارثة الكلبي . وهو من قبيلة عربية . سبي صغيرا في غارة أيام الجاهلية ; فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة - رضي الله عنها - فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهبته له .
ثم طلبه أبوه وعمه فخيره رسول الله صلى الله عليه وسلم - فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأعتقه , وتبناه , وكانوا يقولون عنه : زيد بن محمد . وكان أول من آمن به من الموالي .


فلما شرع الإسلام ينظم علاقات الأسرة على الأساس الطبيعي لها , ويحكم روابطها , ويجعلها صريحة لا خلط فيها ولا تشويه . . أبطل عادة التبني هذه وكل ما ترتب عليها في الجاهلية من عدم زواج مطلقة الأبن المتبنى وغيرها . ورد علاقة النسب إلى أسبابها الحقيقية . . علاقات الدم والأبوة والبنوة الواقعية . وقال: ( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ). . ( ذلكم قولكم بأفواهكم ). . والكلام لا يغير واقعا , ولا ينشئ علاقة غير علاقة الدم.

( والله يقول الحق وهو يهدي السبيل )

*******

وإلى الجزء التالي إن شاء الله تعالى

 

moamen5005

عضو مميز
#87



مع الجزء الثاني والعشرون
( 1 )
وبعض أيات من سورة الأحزاب

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا - 35

إن الإنسان ليقرآ النص القرآني مئات المرات ; ثم يقف الموقف , أو يواجه الحادث , فإذا النص القرآني جديد , يوحي إليه بما لم يوح من قبل قط , ويجيب على السؤال الحائر , ويفتي في المشكلة المعقدة , ويكشف الطريق الخافي , ويرسم الاتجاه الصحيح لقلب المؤمن حيث اليقين الجازم في الأمر الذي يواجهه , وإلى الاطمئنان العميق .
وليس ذلك لغير القرآن في قديم ولا حديث .


ونلاحظ اليوم إتهامات لنا- ممن يجهلون الإسلام – بعدم المساواة والظلم للمرأة والقهر وتنحيتها في كثير من جوانب الحياة , ثم يلحون على نزع حجابها لأنه نوع من أنواع التسلط والقهر ضد المرأة ...!

وحين نقرأ في رسالة الله ( القرآن العظيم ) نجد إجابات عن كل هذه الأسئلة وغيرها وكأنه ينزل علينا هذه الأيام .
إن خطاب التكليف في الإسلام كان لعموم الإنسان سواء ذكر أو أنثى إلا في بعض الأيات التي إختصت النساء في الأمور الخاصة بهن مثل الرضاع والحجاب وغيرها.

قال تعالى:
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ - 233 البقرة

ففي الآية السابقة إشتمال على أحكام خاصة للنساء وأحكام خاصة للرجال , وذلك لإختلاف طبيعة دور كل من الرجل والمرأة في الحياة , أما فيما يتعلق بالأحكام المشتركة بين الرجل والمرأة فهي كثيرة ومنها آية الأحزاب التي معنا.

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا - 35

قال السعدي في تفسيرة
ولما كان حكمهن والرجال واحدًا، جعل الحكم مشتركًا، فقال: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ﴾ وهذا في الشرائع الظاهرة، إذا كانوا قائمين بها. ﴿ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ وهذا في الأمور الباطنة، من عقائد القلب وأعماله.
﴿ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ﴾ أي: المطيعين للّه ولرسوله ﴿ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ ﴾ في مقالهم وفعالهم ﴿ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ ﴾ على الشدائد والمصائب ﴿ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ ﴾ في جميع أحوالهم،خصوصًا في عباداتهم، خصوصًا في صلواتهم، ﴿ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ ﴾ فرضًا ونفلاً ﴿ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ ﴾ شمل ذلك، الفرض والنفل. ﴿ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ عن الزنا ومقدماته، . ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ ﴾ أي: في أكثر الأوقات، خصوصًا أوقات الأوراد المقيدة، كالصباح والمساء، وأدبار الصلوات المكتوبات .
﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً أي: لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة، التي هي، ما بين اعتقادات، وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعد وقاصر، وما بين أفعال الخير، وترك الشر، الذي من قام بهن، فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإيمان والإحسان.
فجازاهم على عملهم ﴿ ْمَغْفِرَةً لذنوبهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات. ﴿ وَأَجْرًا عَظِيمًا لا يقدر قدره، إلا الذي أعطاه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل اللّه أن يجعلنا منهم.

******

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا - 36
أي: لا ينبغي ولا يليق، ممن اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة اللّه ورسوله، والهرب من سخط اللّه ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة ﴿ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا ﴾ من الأمور، وحتَّما به وألزما به ﴿ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ أي: الخيار، هل يفعلونه أم لا؟ بل يعلم المؤمن والمؤمنة، أن الرسول أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجابًا بينه وبين أمر اللّه ورسوله.
﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا ﴾ أي: بَيِّنًا، لأنه ترك الصراط المستقيم الموصلة إلى كرامة اللّه، إلى غيرها، من الطرق الموصلة للعذاب الأليم، فذكر أولاً السبب الموجب لعدم معارضته أمر اللّه ورسوله، وهو الإيمان، ثم ذكر المانع من ذلك، وهو التخويف بالضلال، الدال على العقوبة والنكال.

******
نلاحظ مما سبق تساوي كل من الرجل والمرأة بالأحكام التي تقربنا من الله تعالى ..
فأين التفرقة التي يزعمها أعداء الإسلام ؟
****
أما عن حجاب المرأة لم يكن في يوما لتسلط الرجال بل كان عن عقيدة واقتناع إستجابة لأوامر الله تعالى .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا - 59
هذه الآية، التي تسمى آية الحجاب، أمر اللّه نبيه، أن يأمر النساء عمومًا، ويبدأ بزوجاته وبناته، لأنهن آكد من غيرهن، ولأن الآمر لغيره ينبغي أن يبدأ بأهله، قبل غيرهم كما قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ -6 التحريم

أن ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ وهن اللاتي يكن فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه، أي: يغطين بها، وجوههن وصدورهن.
ثم ذكر حكمة ذلك، فقال: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ دل على وجود أذية، إن لم يحتجبن، وذلك، لأنهن إذا لم يحتجبن، ربما ظن أنهن غير عفيفات، فيتعرض لهن من في قلبه مرض، فيؤذيهن، فالاحتجاب حاسم لمطامع الطامعين فيهن.
﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا حيث غفر لكم ما سلف، ورحمكم، بأن بين لكم الأحكام، وأوضح الحلال والحرام، فهذا سد للباب من جهتهن.
فإن الأمر بالحجاب ليس تسلط من الرجال كما يزعم الجاهلون ولكنه أمر من الله تعالى للمؤمنات حفاظا عليهن من الأعين المريضة , والمؤمنة تلبس حجابها بكل حرية بل تتحدى بذلك من يريدون لها التعري بدعوى الحرية .


فالحرية الحقيقية هي الإلتزام بمبادئ الشريعة في المعاملات والأخلاق والأداب .

*****

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#88


مع الجزء الثاني والعشرون

( 2 )
وبعض أيات من سورة سبأ

مازلنا مع مبادئ المعاملات والأداب والأخلاق في الإسلام والتي تتناسق مع الكون من حولنا , فهي الطريق المستقيم وصراط العزيز الحميد والمنهج الذي أراده الله تعالى للوجود ; واختاره للبشر ,
وكل من وهبه الله العلم يدرك تلك الحقيقة .


وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ – 6

وقد ورد أن المقصود بالذين أوتوا العلم هم أهل الكتاب , الذين يعلمون من كتابهم أن هذا القرآن هو الحق , وأنه يقود إلى صراط العزيز الحميد .

فالقاعدة المعروفة في القانون أن التشريع الجديد يلغي العمل بالتشريعات القديمة , وبهذا المنطق تسير كل قوانين الأرض .

فالقرآن العظيم هو الكتاب الأخير المنزل من عند الله تعالى, فوجب العمل به كأخر تشريعات الله تعالى لأهل الأرض , وخاصة أنه تفرد على سائر الكتب بأنه معجز في بيانه ومعجز في آياته ومعجز في موضوعاته .

جاء في الحديث:
عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

ستكون فتنة . قلت : فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله, فيه نبأ ما قبلكم, و خبر ما بعدكم, و حكم ما بينكم,

هو بالفصل ليس بالهزل,

من تركه من جبار قصمه الله, و من ابتغى الهدى في غيره أضله الله, وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم,

وهو الصراط المستقيم,

وهو الذي لا تزيغ به الأهواء, و لا تلتبس به الألسن, و لا يخلق على كثرة الرد, و لا تنقضي عجائبه,

من قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل, ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم

الراوي: علي بن أبي طالب المحدث: ابن تيمية - المصدر: حقوق آل البيت - الصفحة أو الرقم: 22
خلاصة الدرجة: مشهور

ومجال الآية أكبر وأشمل . فالذين أوتوا العلم في أي زمان وفي أي مكان , من أي جيل ومن أي قبيل , يرون هذا متى صح علمهم واستقام .

والقرآن كتاب مفتوح للأجيال . وفيه من الحق ما يكشف عن نفسه لكل ذي علم صحيح . وهو يكشف عن الحق المستكن في كيان هذا الوجود كله . وهو أصدق ترجمة وصفية لهذا الوجود وما فيه من حق أصيل .


( ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ) .

وصراط العزيز الحميد هو المنهج الذي أراده للوجود ; واختاره للبشر لينسق خطاهم مع خطى هذا الكون الذي يعيشون فيه . وهو الناموس الذي يهيمن على أقدار هذا الكون كله , بما فيه من الحياة البشرية التي لا تنفصل في أصلها ونشأتها , ولا في نظامها وحركتها عن هذا الكون وما فيه ومن فيه .
يهدي إلى صراط العزيز الحميد بما ينشئه في إدراك المؤمن من تصور للوجود وروابطه وعلاقاته وقيمه ; ومكان هذا الإنسان منه , ودوره فيه ; وتعاون أجزاء هذا الكون من حوله - وهو معها - في تحقيق مشيئة الله وحكمته في خلقه ; وتناسق حركات الجميع وتوافقها في الاتجاه إلى باريء الوجود .
ويهدي إلى صراط العزيز الحميد بتصحيح منهج التفكير , وإقامته على أسس سليمة , متفقة مع السنن الكونية على الفطرة البشرية ; بحيث يؤدي هذا المنهج بالفكر البشري إلى إدراك طبيعة هذا الكون وخواصه وقوانينه , والاستعانة بها , والتجاوب معها بلا عداء ولا اصطدام ولا تعويق .

ويهدي إلى صراط العزيز الحميد بمنهجه التربوي الذي يعد الفرد للتجاوب والتناسق مع المجتمع البشري . ويعد المجتمع البشري للتجاوب والتناسق - أفراداً وجماعات - مع مجموعة الخلائق التي تعمر هذا الكون ! ويعد هذه الخلائق كلها للتجاوب والتناسق مع طبيعة الكون الذي تعيش فيه . . كل ذلك في بساطة ويسر ولين .


ويهدي إلى صراط العزيز الحميد بما فيه من نظم وتشريعات مستقيمة مع فطرة الإنسان وظروف حياته ومعاشه الأصيلة , متناسقة مع القوانين الكلية التي تحكم بقية الأحياء , وسائر الخلائق ; فلا يشذ عنها الإنسان بنظمه وتشريعاته . وهو أمة من هذه الأمم في نطاق هذا الكون الكبير .
إن هذا الكتاب هو الدليل إلى هذا الصراط . الدليل الذي وضعه خالق الإنسان وخالق الصراط , العارف بطبيعة هذا وذاك .

قال تعالى :
أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
(14) الملك

( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ )

قال تعالى :
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ -121 البقرة


طالعتنا الجزيرة نت السبت 15/6/1431 هـ - الموافق 29/5/2010 م

آلاف البريطانيات يعتنقن الإسلام
– المصدر – تايمز

قالت ذي تايمز إن آلاف الشابات البريطانيات اللاتي يعشن في المملكة المتحدة قررن اعتناق الدين الإسلامي، وذلك في خضم الجدل الدائر الآن في أوروبا حول حظر ارتداء البرقع.
وأضافت الصحيفة التي تصدر من لندن، في تقرير لها اليوم السبت، أن أعداد المهتديات إلى الإسلام في ازدياد، في وقت تقل فيه نسبة الذين يؤدون الصلوات كل أسبوع في كنيسة إنجلترا عن 2% من السكان.

وتشكل النسوة اللاتي يؤدين الصلاة بمسجد لندن المركزي في حي ريجنتس بارك نحو ثلثي المسلمين الجدد تقريباً ممن نطقوا بالشهادتين, أعمار معظمهن تقل عن ثلاثين عاما.
وتشير الإحصائيات التي تتناول أعداد من بدَّلوا دينهم، كما ورد في التعداد السكاني لعام 2001 بالمملكة المتحدة, إلى أن ما لا يقل عن ثلاثين ألف بريطاني اعتنقوا الإسلام.

ويرى كفين برايس، من مركز دراسات سياسة الهجرة بجامعة سوانسي، أن هذا العدد ربما يقارب الآن خمسين ألف شخص أغلبهم من النساء.
وتؤكد التحليلات الأساسية لتلك البيانات أن أعداد الفتيات المتعلمات تعليما جامعيا، واللاتي تتراوح أعمارهم بين العشرينات والثلاثينات، هن أكثر اعتناقا للإسلام.


********

فلا يوجد على ظهر الأرض كتاب كالقرآن بالإسلوب الإلهي .
حيث إشتماله كافة جوانب الحياة . بدءا بعقيدة التوحيد , وأسماء و صفات الجلال لله تعالى.

وشريعة متكاملة صالحة لكل زمان ومكان , متكاملة بهذا المستوى الراقي تحقق العدل والأمان في المجتمعات الإنسانية.

وجاء القرآن بدستور للأخلاق رفيع المستوى شهد له العالم, فدخلوا في دين الله أفواجا بسبب تلك الأخلاق.
كما جاء بأخبار الأمم السابقة التي لايعرفها إلا متخصصون في علوم التاريخ ,

واشتمل على أخبار الدار الأخرة , وبيان بدء الخلق . حيث لا يستطيع عقل بشري أن يخوض في ذلك الأمر.

وبه إشارات لعلوم تم إكتشافها حديثا , ومازال عطاء القرآن متجدد في هذا المجال .

ومع كل ذلك فالقرآن معجز في بيانه ونظمه وترتيب آياته .
وقد أعجز العرب والعجم أن يأتوا بمثله .

قال تعالى :
قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا – 88 الإسراء

*******

وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ 6

******

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

 

moamen5005

عضو مميز
#89


مع الجزء الثاني والعشرون
( 3 )
وبعض أيات من سورة سبأ

نعيش اليوم مع نماذج حية لبعض مبادئ الإسلام الخالدة

1 - العمل الجاد والمتقن .
2 - المفهوم الحقيقي للشكر ,
3 - عاقبة جحود النعمة ؟


العمل الجاد والمتقن


وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ -10
أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ –11

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ -12 يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ

اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ – 13

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ – 14


ولقد آتينا داود نبوة, وكتابًا وعلمًا, وقلنا للجبال والطير: سبِّحي معه, وألنَّا له الحديد, فكان كالعجين يتصرف فيه كيف يشاء
وياخذنا الحديث هنا عن أهمية صناعة الوسائل الدفاعية للجنود والأفراد لإتقاء إعتداءات وأسلحة المحتل الغاصب .
قال تعالى:
وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ – 80 الأنبياء

والسابغات الدروع . روي أنها كانت تعمل قبل داود - عليه السلام - صفائح . الدرع صفيحة واحدة فكانت تصلب الجسم وتثقله . فألهم الله داود أن يصنعها رقائق متداخلة متموجة لينة يسهل تشكيلها وتحريكها بحركة الجسم ; وأمر بتضييق تداخل هذه الرقائق لتكون محكمة لا تنفذ منها الرماح . وهو التقدير في السرد . وكان الأمر كله إلهاماً وتعليماً من الله .
واعملوا صالحاً إني بما تعملون بصير. .
لا في الدروع وحدها بل في كل ما تعملون ; مراقبين الله الذي يبصر ما تعملون ويجازي عليه , فلا يفلت منه شيء , والله به بصير . .
والقطر النحاس . وسياق الآيات يشير إلى أن هذا كان معجزة خارقة كإلانة الحديد لداود . وقد يكون ذلك بأن فجر الله له عيناً بركانية من النحاس المذاب من الأرض . أو بأن ألهمه الله إذابة النحاس حتى يسيل ويصبح قابلاً للصب والطرق . وهو فضل من الله كبير.


ونتعلم من ذلك قيمة العمل والدقة في التصنيع الذي يرقى بالشعوب والأمم.

*******

أما سليمان , فقد سخر الله له الجن يعملون له مايشاء , وسخر له الريح , وأتاه الله الملك, وظل سليمان يعمل ويراقب ملكه حتى توفاه الله جالسا على كرسيه متكئا على عصاه .
فلم يزل الشياطين يعملون لسليمان, عليه الصلاة والسلام, كل بناء ، وكانوا قد موهوا على الإنس, وأخبروهم أنهم يعلمون الغيب , ويطلعون على المكنونات ، فأراد اللّه تعالى أن يُرِيَ العباد كذبهم في هذه الدعوى , فمكثوا يعملون على عملهم، وقضى اللّه الموت على سليمان عليه السلام, واتَّكأ على عصاه, وهي المنسأة، فصاروا إذا مروا به وهو متكئ عليها, ظنوه حيا, وهابوه.
فغدوا على عملهم كذلك سنة كاملة على ما قيل, حتى سلطت دابة الأرض على عصاه, فلم تزل ترعاها, حتى باد وسقط فسقط سليمان عليه السلام وتفرقت الشياطين وتبينت الإنس أن الجن ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِوهو العمل الشاق عليهم، فلو علموا الغيب, لعلموا موت سليمان, الذي هم أحرص شيء عليه, ليسلموا مما هم فيه.
هم الجن الذين يعبدهم بعض الناس فهؤلاء هؤلاء هم سخرة لعبد من عباد الله .
وهؤلاء هم محجوبون عن الغيب القريب ; وبعض الناس يطلب عندهم أسرار الغيب البعيد .


******
المفهوم الحقيقي للشكر

والشكر: اعتراف القلب بمنة اللّه تعالى, وتلقيها افتقارا إليها, وصرفها في طاعة اللّه تعالى, وصونها عن صرفها في المعصية.

اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ

والمعنى الحقيقي للشكر أنه عمل وليس قول بالسان فقط... بل هو الزيادة والعطاء والفيض مما أعطاك الله ,
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ 7 إبراهيم
الشكر: تصور النعمة وإظهارها, ويضاده الكفر، وهو: نسيان النعمة، وسترها،
ودابة شكور: مظهرة بسمنها إسداء صاحبها إليها،

وقيل: أصله من عين شكرى، أي: ممتلئة، فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه.


والشكر ثلاثة :

أولا : شكر القلب، وهو تصور النعمة.
ثانيا : وشكر اللسان، وهو الثناء على المنعم.
ثالثا : وشكر سائر الجوارح، بفيض ما أنعم الله به عليك على العباد , فإن جاد عليك بالقوة فعليك مساعدة الضعفاء وأن جاد عليك بالغنى فعليك مساعدة الفقراء وإن جاد عليك بالعلم فعليك تعليمه للناس وهكذا في كل أمور الحياة التي أفاض الله عليك منها بنعمه الكثيرة.
وقال: اعملوا ولم يقل اشكروا؛ لينبه على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر بالقلب واللسان وسائر الجوارح.

وإذا وصف الله تعالى بالشكر في قوله ( والله شكور حليم ) – 17 التغابن
فإنما يعني به إنعامه على عباده، وجزاؤه بما أقاموا من العبادة .
والشكير: نبت في أصل الشجرة غض، وقد شكرت الشجرة: كثر غصنها.

. ومعنى الشكر لله أي العطاء يكون خالصا لوجه الله , وليس رياء.

******
وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

 

moamen5005

عضو مميز
#90


مع الجزء الثاني والعشرون
( 4 )
وبعض أيات من سورة سبأ

عشنا في اللقاء السابق
مع العمل الجاد والمتقن والمفهوم الحقيقي للشكر,
واليوم إن شاء الله تعالي
نتناول عاقبة جحود النعمة وعدم الشكر .

في صورة مجسدة لدولة سبأ .


مبدأ الصبر والشكر

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ -15

فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ - 16 ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ - 17

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّاماً آمِنِينَ - 18

َقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ - 19


وتبدأ القصة بوصف ما كانوا فيه من رزق ورغد ونعيم، وما طاب إليهم من شكر المنعم بقدر ما يطيقون:

( لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال. كلوا من رزق ربكم واشكروا له. بلدة طيبة ورب غفور )..

وسبأ اسم لقوم كانوا يسكنون جنوبي اليمن؛ وكانوا في أرض مخصبة ما تزال منها بقية إلى اليوم.
وقد ارتقوا في سلم الحضارة حتى تحكموا في مياه الأمطار الغزيرة التي تأتيهم من الجنوب والشرق، فأقاموا خزاناً طبيعياً يتألف جانباه من جبلين، وجعلوا على فم الوادي بينهما سداً به عيون تفتح وتغلق، وخزنوا الماء بكميات عظيمة وراء السد، وتحكموا فيها وفق حاجتهم. فكان لهم من هذا مورد مائي عظيم. وقد عرف باسم " سد مأرب ".


وهذه الجنان عن اليمين والشمال رمز لذلك الخصب والوفرة والرخاء والمتاع الجميل، ومن ثم كانت آية تذكر بالمنعم الوهاب. وقد أمروا أن يستمتعوا برزق الله شاكرين:

( كلوا من رزق ربكم واشكروا له )...

وذكروا بالنعمة. نعمة البلد الطيب وفوقها نعمة الغفران على القصور من الشكر والتجاوز عن السيئات.

( بلدة طيبة ورب غفور )

سماحة في الأرض بالنعمة والرخاء. وسماحة في السماء بالعفو والغفران. فماذا يقعدهم عن الحمد والشكران؟. ولكنهم لم يشكروا ولم يذكروا .
والشكر كما تبين لنا في اللقاء السابق هو الفيض والعطاء من نعم الله الوهاب .

والبشر علي الأرض منهم الأغنياء ومنهم الفقراء , فالأغنياء في إختبار, كيف ينفقون أموالهم وهو الشكر على النعم ؟ والفقراء في إختبار كيف يصبرون وكيف يصيرون حياتهم وفق واقعهم .

ولو تأملت المجتمعات الغنية قليلا لأدركت أنه كان من الممكن أن يكونوا هم الفقراء وغيرهم هم الأغنياء . ولكنه قدر الله تعالى , ليحدث التعاون بين البشر , ويحدث التكامل من حيث العمالة , والتجارة والحركة بين الشعوب .
فمن صالح الدول الغنية مساعدة الدول الفقيرة في النهوض من فقرهم لكي يشكلوا ذلك التعاون وتبادل المصالح فيما بينهم , أما إذا بخل الأغنياء بما لديهم من نعم الله تعالى سواء النعم المادية من غذاء ودواء وملابس وغيرها أو التقنيات الحديثة لينهضوا بمجتمعاتهم من حيث الصناعة والزراعة ولا يكونوا عبئا على غيرهم. فإن عاقبة الكفر بالنعمة تكون وخيمة عليهم حيث منعوا نعمة الله عن عباد الله .

( فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم، وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل: خمط وأثل وشيء من سدر قليل )..


أعرضوا عن شكر الله، وعن العمل الصالح، والتصرف الحميد فيما أنعم الله عليهم، فسلبهم سبب هذا الرخاء الجميل الذي يعيشون فيه؛ وأرسل السيل الجارف الذي يحمل العرم في طريقه وهي الحجارة لشدة تدفقه، فحطم السد وانساحت المياه فطغت وأغرقت؛ ثم لم يعد الماء يخزن بعد ذلك فجفت واحترقت. وتبدلت تلك الجنان الفيح صحراء تتناثر فيها الأشجار البرية الخشنة:

( وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل: خمط وأثل وشيء من سدر قليل )..

والخمط شجر الأراك أو كل شجر ذي شوك. والأثل شجر يشبه الطرفاء. والسدر النبق. وهو أجود ما صار لهم ولم يعد لهم منه إلا قليل.

( ذلك جزيناهم بما كفروا )..

والأرجح أنه كفران النعمة..

( وهل نجازي إلا الكفور )..

وكانوا إلى هذا الوقت ما يزالون في قراهم وبيوتهم. ضيق الله عليهم في الرزق، وبدلهم من الرفاهية والنعماء خشونة وشدة؛ ولكنه لم يمزقهم ولم يفرقهم.
وكان العمران ما يزال متصلاً بينهم وبين القرى المباركة: مكة في الجزيرة، وبيت المقدس في الشام. فقد كانت اليمن ما تزال عامرة في شمال بلاد سبأ ومتصلة بالقرى المباركة. والطريق بينهما عامر مطروق مسلوك مأمون:


( وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة، وقدّرنا فيها السير. سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين )..

وقيل كان المسافر يخرج من قرية فيدخل الأخرى قبل دخول الظلام. فكان السفر فيها محدود المسافات، مأموناً على المسافرين. كما كانت الراحة موفورة لتقارب المنازل وتقارب المحطات في الطريق.

وغلبت الشقوة على سبأ، فلم ينفعهم النذير الأول؛ ولم يوجههم إلى التضرع إلى الله، لعله يرد عليهم ما ذهب من الرخاء. بل دعوا دعوة الحمق والجهل:


( فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا )..

تطلبوا الأسفار البعيدة المدى؛ التي لا تقع إلا مرات متباعدة على مدار العام. لا تلك السفرات القصيرة المتداخلة المنازل، التي لا تشبع لذة الرحلات! وكان هذا من بطر القلب وظلم النفس:

( وظلموا أنفسهم )..

واستجيبت دعوتهم، ولكن كما ينبغي أن تستجاب دعوة البطر:

( فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق )..

شردوا ومزقوا؛ وتفرقوا في أنحاء الجزيرة مبددي الشمل؛ وعادوا أحاديث يرويها الرواة، وقصة على الألسنة والأفواه. بعد أن كانوا أمة ذات وجود في الحياة.

( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور )..

يذكر مبدأ الصبر إلى جوار مبدأ الشكر.. الصبر في البأساء. والشكر في النعماء. وفي قصة سبأ آيات لهؤلاء وهؤلاء.

********
وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#91



مع الجزء الثاني والعشرون
( 5 )

وبعض أيات من سورة فاطر

مبدأ العزة

مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ – 10

حقيقة العزة حين تستقر في قلوب المؤمنين فإنها تنظم السلوك والمعاير للتعامل فيما بينهم وبين سائر الأمم , بحيث تجنب الإنسان الخوف إلا من الله تعالى.

إن العزة كلها لله تعالى . وليس شيء منها عند أحد سواه . فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره . ليطلبها عند الله , فهو واجدها هناك وليس بواجدها عند غيره ,

والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس . حقيقة تستقر في القلب فيستعلي بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله . حقيقة يستعلي بها على نفسه أول ما يستعلي . يستعلي بها على شهواته المذلة , ورغائبه القاهرة , ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس . ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه . فإنما تذل الناس شهواتهم ورغباتهم , ومخاوفهم ومطامعهم .

إن العزة ليست عناداً جامحاً يستكبر على الحق ويتشامخ بالباطل . وليست طغياناً فاجراً يضرب في عتو وتجبر وإصرار . وليست اندفاعاً باغياً يخضع للنزوة ويذل للشهوة . وليست قوة عمياء تبطش بلا حق ولا عدل ولا صلاح . . كلا , إنما العزة استعلاء على شهوة النفس , واستعلاء على القيد والذل , واستعلاء على الخضوع الخانع لغير الله . ثم هي خضوع لله وخشوع ; وخشية لله وتقوى , ومراقبة لله في السراء والضراء . . ومن هذا الخضوع لله ترتفع الجباه .

فإن العزة بيد اللّه، ولا تنال إلا بطاعته، وقد ذكرها بقوله :
﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ من قراءة وتسبيح وتحميد وتهليل وكل كلام حسن طيب، فيرفع إلى اللّه ويعرض عليه ويثني اللّه على صاحبه بين الملأ الأعلى ﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ من أعمال القلوب وأعمال الجوارح ﴿ يَرْفَعُهُ اللّه تعالى إليه أيضا، كالكلم الطيب.


وقيل: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فيكون رفع الكلم الطيب بحسب أعمال العبد الصالحة، فهي التي ترفع كلمه الطيب، فإذا لم يكن له عمل صالح، لم يرفع له قول إلى اللّه تعالى، فهذه الأعمال التي ترفع إلى اللّه تعالى، ويرفع اللّه صاحبها ويعزه.

وأما السيئات فإنها بالعكس، يريد صاحبها الرفعة بها، ويمكر ويكيد ويعود ذلك عليه، ولا يزداد إلا إهانة ونزولا، ولهذا قال:
( وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ يهانون فيه غاية الإهانة. ﴿ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ أي: يهلك ويضمحل، ولا يفيدهم شيئا، لأنه مكر بالباطل، لأجل الباطل.


والذين يمكرون السيئات يمكرونها طلباً للعزة الكاذبة , والغلبة الموهومة . قال تعالى :
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ – 206 البقرة


فالمفسد في الأرض بمعاصي الله, إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف، و ﴿ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فيجمع بين العمل بالمعاصي والكبر على الناصحين.

وقد يبدو في الظاهر أنهم أعلياء , وأنهم أعزاء وأنهم أقوياء .

ولكن القول الطيب هو الذي يصعد إلى الله , والعمل الصالح هو الذي يرفعه إليه . وبهما تكون العزة في معناها الواسع الشامل .


مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.


*******

وإلى الجزء التالي إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#92


مع الجزء الثالث والعشرون
( 1 )
وبعض أيات من سورة يس

أهمية حرية الكلمة
وحرية الدعوة إلى الله تعالى


قال تعالى :
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ...256 البقرة


رسالة الله إلى البشرية لخيرهم جميعا فإن الله تعالى خلقنا ووضع لنا شريعة نسير على هداها لكي لا يبغي إنسان على إنسان ولا جماعة على جماعة , ولكن أهل الشر يرفضون مجرد الإستماع إلى رسل الله تعالى,

وإليكم هذا المثال الحي لهذه القضية:

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ – 13
إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ – 14

قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ – 15
*******

قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ -16 وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ – 17

قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ – 18

قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ - 19

فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: ﴿ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ فلو كنا كاذبين، لأظهر اللّه خزينا، ولبادرنا بالعقوبة.
﴿ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، فإن اهتديتم، فهو حظكم وتوفيقكم، وإن ضللتم، فليس لنا من الأمر شيء.
فقال أصحاب القرية لرسلهم: ﴿ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ أي: لم نر على قدومكم علينا واتصالكم بنا إلا الشر،
وهذا من أعجب العجائب، أن يجعل من قدم عليهم بأجل نعمة ينعم اللّه بها على العباد، وأجل كرامة يكرمهم بها، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، قد قدم بحالة شر، ولكن الخذلان وعدم التوفيق، يصنع بصاحبه أعظم مما يصنع به عدوه.
ثم توعدوهم فقالوا: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ أي: نقتلنكم رجما بالحجارة أشنع القتلات ﴿ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ
فقالت لهم رسلهم: ﴿ طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ وهو ما معهم من الشرك والشر، ﴿ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ أي: بسبب أنا ذكرناكم ما فيه صلاحكم وحظكم، قلتم لنا ما قلتم.
﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ متجاوزون للحد نفورا واستكبارا.

*******
وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ -20 اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ -21
وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ -22

أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ -23 إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ -24 إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ -25


﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى حرصا على نصح قومه حين سمع ما دعت إليه الرسل وآمن به، وعلم ما رد به قومه عليهم فقال : ﴿ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ فأمرهم باتباعهم ونصحهم على ذلك، وشهد لهم بالرسالة، ثم ذكر تأييدا لما شهد به ودعا إليه، فقال: ﴿ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا أي: اتبعوا من نصحكم نصحا يعود إليكم بالخير، وليس يريد منكم أموالكم ولا أجرا على نصحه لكم وإرشاده إياكم، فهذا موجب لاتباع من هذا وصفه.
﴿ وَهُمْ مُهْتَدُونَ لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحسنه، ولا ينهون إلا بما يشهد العقل الصحيح بقبحه.
ولكن القوم لم يقبلوا نصحه، بل عادوا لائمين له على اتباع الرسل، وإخلاص الدين للّه وحده، فقال: ﴿ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي: وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة، لأنه الذي فطرني، وخلقني، ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق، فيجازيهم بأعمالهم، فالذي بيده الخلق والرزق، والحكم بين العباد، في الدنيا والآخرة، هو الذي يستحق أن يعبد بإتباع شرعه ، ويثنى عليه ويمجد، دون من لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا عطاء ولا منعا، ولا حياة ولا موتا ولا نشورا،
ولهذا قال: ﴿ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ لأنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، فلا تغني شفاعتهم عني شيئا، وَلَا هُمْ يُنْقذون من الضر الذي أراده اللّه بي.
﴿ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أي: إن عبدت آلهة هذا وصفها .
فجمع في هذا الكلام، بين نصحهم، والشهادة للرسل بالرسالة، والاهتداء والإخبار بِتعيُّن عبادة اللّه وحده، وذكر الأدلة عليها، وأن عبادة غيره باطلة، وذكر البراهين عليها، والإخبار بضلال من عبدها، والإعلان بإيمانه جهرا،

فقال: ﴿ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ فقتله قومه، لما سمعوا منه وراجعهم بما راجعهم به.
وفي غياب الحرية يقتل صاحب الرآي لا لجريمة إرتكبها ولكن لأنه قال كلمة الحق , ولأن خصومه لا برهان لهم ليردوا كلامه فهم ضعاف الحجة ضعاف النفوس فقتلوه , فاستقبلته السماء وفتحت له الجنة أبوابها,
﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ في الحال: فقال مخبرا بما وصل إليه من الكرامة على توحيده وإخلاصه، وناصحا لقومه بعد وفاته، كما نصح لهم في حياته: ﴿ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي أي: بأي: شيء غفر لي، فأزال عني أنواع العقوبات، ﴿ وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾ .

******
عقاب من رفض رسالة الله وقتل المؤمن

وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ – 28 إنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ - 29
يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون - 30

أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ -31

وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ - 32


﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً أي: صوتا واحدا، تكلم به بعض ملائكة اللّه، ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ قد تقطعت قلوبهم في أجوافهم، وانزعجوا لتلك الصيحة، فأصبحوا خامدين، لا صوت ولا حركة، ولا حياة بعد ذلك العتو والاستكبار، ومقابلة أشرف الخلق بذلك الكلام القبيح، وتجبرهم عليهم.

*******
العبرة من تاريخ السابقين

ومن لم يتعظ بتاريخ الأمم يقع فيما وقع فيه الطغاة والظالمين.

أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ -31 * وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ - 32

ألم ير هؤلاء ويعتبروا بمن قبلهم من القرون المكذبة، التي أهلكها الله تعالى وأوقع بها عقابها، وأن جميعهم قد باد وهلك، فلم يرجع إلى الدنيا، ولن يرجع إليها، وسيعيد اللّه الجميع خلقا جديدا، ويبعثهم بعد موتهم، ويحضرون بين يديه تعالى، ليحكم بينهم بحكمه العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة ﴿ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا40 النساء

والكون من حولنا شاهد صدق للرسل, وكذلك العقل , فهل أعملنا العقول في فهم آيات الله تعالى من حولنا ؟

وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ - 33 وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ - 34 لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ - 35 سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ - 36

ومن موسوعة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة

مع أن مفهوم الأزواج يراد به عادة الذكر و الأنثى ، إلا أن عبارة " و مما لا يعلمون " لها دلالات أوسع من ذلك ، و قد كشفت إحدى هذه الدلالات في أيامنا هذه
حيث تم اكتشاف ما سمي " التكافؤ" يثبت أن المادة تكون ثنائية مع ضدها الذي يسمى ( ضد المادة ) مثال على ذلك فإن الإلكترون في ضد المادة تحمل شحنة موجبة بينما تحمل بروتونات " ضد المادة " شحنة سالبة .
ْ
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ -37 وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ – 38 وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ – 39 لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ – 40
ْ
وعلامة لهم دالة على توحيد الله وكمال قدرته: هذا الليل ننزع منه النهار, فإذا الناس مظلمون.

وإنسلاخ طبقة النهار تم ثبوتها حديثا حيث لا يزيد سمكها عن مائتي كيلو متر فوق مستوى سطح البحر, فإن سماء القمر على سبيل المثال مظلمة حتى مع سطوع الشمس , لأنه لا توجد على القمر طبقة النهار التي تشع الضياء أذا سطعت الشمس .
وهنا إشارة إلى مدارات جميع أجرام السماء , وقد وضعت بإحكام ودقة متناهيه , بحيث أنك ترى ملايين النجوم والكواكب والأقمار تجري بسرعات هائلة ولا يحدث بينها تصادم .

وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ -41 وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ -42 وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ – 43 إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ – 44

ودليل لهم وبرهان على أن الله وحده المستحق للعبادة, المنعم بالنعم, أنَّا حملنا مَن نجا مِن ولد آدم في سفينة نوح المملوءة بأجناس المخلوقات; لاستمرار الحياة بعد الطوفان.
وهذه آية على عظيم قدرة الله تعالى حيث علم الإنسان صناعة ما نراه من وسائل النقل , من سيارات وسفن وطائرات إلى غير ذلك من مستجدات لا يعلمها إلا الله تعالى ( وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ).

*******

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#93


مع الجزء الثالث والعشرون
( 2 )
وبعض أيات من سورة يس

أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ -60
وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ -61
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ -62


*****
مفهوم العبادة

يظن كثير من الناس أن العبادة تعني الصلاة وبقية الفرائض من صيام وزكاة وحج وحسب , ولكن في حقيقة إن الأمر أكثر من ذلك, فالعبادة تعني الطاعة والإذعان لشريعة الله في الإسلام في سائر الأمور, قال تعالى:
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ – 56 الذاريات

هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته أي طاعته في كل ما أمر والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، المتضمنة لمعرفته ومحبته، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، والناس كلهم عبيد الله بل الأشياء كلها كذلك بالتسخير لقوانين الله الكونية، وبعضها بالاختيار وهم عباد الله المؤمنين ويسمون عباد لا عبيد،
ويطلق لفظ عباد علي كافة الناس بعد الموت. قال تعالى:
يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ – 17 الفرقان

وذلك لأن الجميع طائع ولا مجال للتمرد والعصيان في البرزخ أو الدار الأخرة.
وتعد الطاعة لأوامر وإغواءات الشيطان عبادة له رغم لا سجود ولا صلاة ولا صوم للشيطان ومع ذلك قال تعالى:
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ....

ليدل ذلك على أن طاعة الشيطان في المحرمات يعد عبادة حيث يحلل الحرام ويحرم الحلال.
وفي الحديث الشريف , قدم [ عدي بن حاتم ] على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون )31 التوبة قال : فقلت له : إنا لسنا نعبدهم ، قال : أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ، ويحلون ما حرم الله فتحلونه ، قال : قلت : بلى ، قال : فتلك عبادتهم
الراوي: عدي بن حاتم الطائي - المصدر: حقيقة الإسلام و الإيمان, لابن تيمية - الصفحة أو الرقم: 111
خلاصة حكم المحدث: حسن
أي يُحِلُّون لهم ما حرم اللّه فيحلونه، ويحرمون لهم ما أحل اللّه فيحرمونه، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها.
وكانوا أيضا يغلون في مشايخهم وعبادهم ويعظمونهم، ويتخذون قبورهم أوثانا تعبد من دون اللّه، وتقصد بالذبائح، والدعاء والاستغاثة.

ومن الناس يجعل نفسه عبدا للدنيا وأعراضها، وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها، وإياه قصد النبي عليه الصلاة والسلام بقوله:
( تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار )
(أخرجه البخاري في كتاب الرقائق 7/175)


*******
والإقرار بالالتزام بالطاعة لله أي العبادة - يتكرر في جميع الصلوات بقرآءة فاتحة الكتاب ,
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ -5
فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال, والأقوال الظاهرة والباطنة. و الاستعانة هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع, ودفع المضار, مع الثقة به في تحصيل ذلك.
والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية, والنجاة من جميع الشرور, فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما.


*******

وبهذا المفهوم الواضح للعبادة وهو الطاعة لشريعة الله تعالى متمثلة في كتاب الله القرآن العظيم وسنة رسوله صلى الله عليه واله وسلم. تستقيم حركة الحياة لدى المؤمن مع ضرورة الحرص على أداء الفرائض وعلى رأسها الصلاة والزكاة.
قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ -31 إبراهيم

قل -أيها الرسول- لعبادي الذين آمنوا: يؤدوا الصلاة بحدودها, ويخرجوا بعض ما أعطيناهم من المال في وجوه الخير الواجبة والمستحبة مسرِّين ذلك ومعلنين, من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا ينفع فيه فداء ولا صداقة.

******

ومن التوجيهات المهمة لعباد الله الالتزام بالقول الحسن الطيب. قال تعالى:
وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً - 53 الإسراء

وقل لعبادي المؤمنين يقولوا في تخاطبهم وتحاورهم الكلام الحسن الطيب؛ فإنهم إن لم يفعلوا ذلك ألقى الشيطان بينهم العداوة والفساد والخصام. إن الشيطان كان للإنسان عدوًا ظاهر العداوة.

*******

وعلى الإنسان الطائع لله أي العابد والملتزم بشريعة الله, أن يتوجه بالدعاء في كل أموره فإن ربي قريب مجيب.
قال تعالى:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَان فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ – 186البقرة

وإذا سألك -أيها النبي- عبادي عني فقل لهم: إني قريب منهم, أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني, فليطيعوني فيما أمرتهم به ونهيتهم عنه, وليؤمنوا بي, لعلهم يهتدون إلى مصالح دينهم ودنياهم. وفي هذه الآية إخبار منه سبحانه عن قربه من عباده, القرب اللائق بجلاله.

********

وعباد الله ليس للشيطان عليهم سلطان لإغوائهم
قال تعالى:

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ (42) الحجر

أي إن عبادي الذين أخلصوا لي لا أجعل لك سلطانًا على قلوبهم تضلُّهم به عن الصراط المستقيم, لكن سلطانك على مَنِ اتبعك مِنَ الضالين المشركين الذين رضوا بولايتك وطاعتك بدلا من طاعتي.

********

ومن النتائج العظيمة لعبادة الله والأعمال الصالحة التمكين في الأرض. قال تعالى:
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ (105) الأنبياء

ولقد كتبنا في الكتب المنزلة من بعد ما كُتِب في اللوح المحفوظ: أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون الذين قاموا بما أُمروا به, واجتنبوا ما نُهوا عنه, وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

******
وعلى المؤمن ألا يضيق على نفسه , فإن لم يستطع عبادة الله في أرض ما فإن أرض الله واسعة . قال تعالى:
يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) العنكبوت

يا عبادي الذين آمنوا إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان وعبادة الله وحده, فهاجِروا إلى أرض الله الواسعة, وأخلصوا العبادة لي وحدي.

*******

والمؤمن لا يقنط من رحمة الله تعالى فلو وقع الإنسان في بعض المعاصي والذنوب وجب عليه الرجوع والتوبة , قال تعالى:
نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) الحجر
وقال تعالى:
قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) الزمر

قل -أيها الرسول- لعبادي الذين تمادَوا في المعاصي, وأسرفوا على أنفسهم بإتيان ما تدعوهم إليه نفوسهم من الذنوب: لا تَيْئسوا من رحمة الله؛ لكثرة ذنوبكم, إن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها مهما كانت, إنه هو الغفور لذنوب التائبين من عباده, الرحيم بهم.

*******
ومن أعظم البشريات للمؤمن في الأخرة أن يدخل في عداد عباد الله الصالحين , قال تعالى:
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) الفجر

يا أيتها النفس المطمئنة إلى ذِكر الله والإيمان به, وبما أعدَّه من النعيم للمؤمنين, ارجعي إلى ربك راضية بإكرام الله لك, والله سبحانه قد رضي عنك, فادخلي في عداد عباد الله الصالحين, وادخلي معهم جنتي.

********

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#94



مع الجزء الثالث والعشرون
( 3 )
وبعض أيات من سورة الصافات

وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - 171 إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - 172 وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ - 173

قد سبقت كلمة اللّه التي لا مرد لها ولا مخالف لها لعباده المرسلين وجنده المفلحين، أنهم الغالبون لغيرهم، المنصورون من ربهم، نصرا عزيزا، يتمكنون فيه من إقامة دينهم، وهذه بشارة عظيمة للمؤمنين.
وخير دليل لنصر الله تعالى, نصره لعبده وحبيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم,
﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾40 التوبة
أي: إلا تنصروا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فاللّه غني عنكم، لا تضرونه شيئا، فقد نصره الله ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ من مكة لما هموا بقتله، وسعوا في ذلك، وحرصوا أشد الحرص، فألجؤوه إلى أن يخرج.
﴿ ثَانِيَ اثْنَيْنِ ﴾ أي: هو وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنه. ﴿ إِذْ هُمَا فِي الْغَار ِ﴾ لجآ إلى غار ثور في أسفل مكة، فمكثا فيه ليبرد عنهما الطلب.
فهما في تلك الحالة الحرجة الشديدة المشقة، حين انتشر الأعداء من كل جانب يطلبونهما ليقتلوهما، فأنزل اللّه عليهما من نصره ما لا يخطر على البال.
﴿ إِذْ يَقُولُ ﴾ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ لِصَاحِبِهِ ﴾ أبي بكر لما حزن واشتد قلقه، ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ بعونه ونصره وتأييده.
﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ أي: الثبات والطمأنينة، والسكون المثبتة للفؤاد، ولهذا لما قلق صاحبه سكنه وقال ﴿ لا تحزن إن اللّه معنا
﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾ وهي الملائكة الكرام، الذين جعلهم اللّه حرسا له، ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾ أي: الساقطة المخذولة، فخذلهم اللّه ولم يتم لهم مقصودهم، بل ولا أدركوا شيئا منه.
ونصر اللّه رسوله بدفعه عنه، وهذا هو النصر المذكور في هذا الموضع، فإن النصر على قسمين:
أولا : نصر المسلمين على عدوهم بأن يتم اللّه لهم ما طلبوا، وقصدوا، من نصر وعزة.
والثاني : نصر المستضعف الذي طمع فيه عدوه القادر، فنصر اللّه إياه، أن يرد عنه عدوه، ويدافع عنه، ولعل هذا النصر أنفع النصرين، ونصر اللّه رسوله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين من هذا النوع.
وقوله ﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾ أي كلماته القدرية وكلماته الدينية، هي العالية على كلمة غيره، التي من جملتها قوله: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ فدين اللّه هو الظاهر العالي على سائر الأديان، بالحجج الواضحة، والآيات الباهرة والسلطان الناصر.
﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ لا يغالبه مغالب، ولا يفوته هارب، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يضع الأشياء مواضعها، وقد يؤخر نصر حزبه إلى وقت آخر، اقتضته الحكمة الإلهية.


*********

وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ .

والنصر يكون للمؤمنين حتى ولو كانوا قلة,
قال تعالى :
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ – 249 البقرة
وقد يخطئ من يظن أن النصر بالكثرة العددية .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها . فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن . فقال قائل : يا رسول الله .. وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت .
الراوي: ثوبان - المصدر: صحيح أبي داود - الألباني- الصفحة أو الرقم: 4297
خلاصة حكم المحدث: صحيح
والكثرة العددية ليست المعيار للنصر ولكن المعيار الأول الإيمان بأن النصر من عند الله تعالى ينصر من يشاء ,
والمعيار الثاني الإعداد المستمر للقوة وذلك لقوله تعالى : وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ...- 60 الأنفال
والمعيار الثالث وحدة الصف بين جميع المؤمنين لقوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ – 46 الأنفال

وخير مثال لذلك يوم حنين حيث قال بعض المؤمنون لن نهزم اليوم من قلة.
قال تعالى :
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ – 25 ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ – 26 ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ – 27 التوبة

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، سمع أن هوازن اجتمعوا لحربه، فسار إليهم صلى الله عليه وسلم في أصحابه الذين فتحوا مكة، وممن أسلم من الطلقاء أهل مكة، فكانوا اثني عشر ألفا، والمشركون أربعة آلاف، فأعجب بعض المسلمين بكثرتهم، وقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة.
فلما التقوا هم وهوازن، حملوا على المسلمين حملة واحدة ، وفروا ولم يبق مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، إلا نحو مائة رجل، ثبتوا معه، وجعلوا يقاتلون المشركين، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم، يركض بغلته نحو المشركين ويقول:
﴿ أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب
ولما رأى من المسلمين ما رأى، أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي في الأنصار وبقية المسلمين، وكان رفيع الصوت، فناداهم: يا أصحاب السمرة، يا أهل سورة البقرة.
فلما سمعوا صوته، عطفوا عطفة رجل واحد، فاجتلدوا مع المشركين، فهزم اللّه المشركين، هزيمة شنيعة، واستولوا على معسكرهم .
وذلك قوله تعالى :
﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ
وهو اسم للمكان الذي كانت فيه الوقعة بين مكة والطائف.
﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا ﴾ أي: لم تفدكم شيئا، قليلا ولا كثيرا ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ أي: على رحبها وسعتها، ﴿ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ أي: منهزمين.
﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ والسكينة ما يجعله اللّه في القلوب وقت القلاقل والزلازل والمفظعات، مما يثبتها، ويسكنها ويجعلها مطمئنة، وهي من نعم اللّه العظيمة على العباد.
﴿ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴾ وهم الملائكة، أنزلهم اللّه معونة للمسلمين يوم حنين، يثبتونهم، ويبشرونهم بالنصر.
﴿ وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بالهزيمة والقتل.
﴿ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ يعذبهم اللّه في الدنيا، ثم يردهم في الآخرة إلى عذاب غليظ.
وبهذه الدروس العملية نتعلم كيف يأتي النصر لأمتنا وجميع بلدان المسلمين.

وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - 171 إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - 172 وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ - 173

*******

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#95



مع الجزء الثالث والعشرون
( 4 )
وبعض أيات من سورة ص

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ – 27
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ – 28
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ – 29

إن المتدبر لخلق السماوات والأرض يدرك مدى الحكمة والقدرة والتنظيم لهذا الكون ولا مجال للصدفة أوالعشوائية أو الفساد , فهل تأخرت الشمس عن سطوعها يوما منذ ملايين السنين ؟ هل تمرد القمر عن مساره حول الأرض فاختل توقيته ؟ هل توقفت الأرض في دورتها حول محورها يوما منذ ملايين السنين ؟ أو دورانها حول الشمس ؟
هذا عن الكون من حولنا , منتظم دقيق يعمل بمقتضى قانون الله في الكون دون خلل ولا فساد.
كذلك المخلوقات على وجه الأرض (الغير مكلفة شرعا) تسير وفق فطرة الله التي فطرها عليها , فلو ذهبت لبيئة لم يسكنها إنسان لوجدتها نظيفة منظمة غير مختلة ليس بها عوادم ضارة تلوث الهواء ولا مخلفات تلوث الماء , فالشجر يمد الكائنات الحيونية بالأكسوجين. والحيوانات تمد النبات بالكربون والسماد . وتعمل الأوراق الخضراء من النبات على إختزان الطاقة من الشمس , وبهذه الدقة في المنظومة الكونية تتحرك النجوم والكواكب والأقمار حتى الكائنات على وجه الأرض.

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا..

يخبر تعالى عن تمام حكمته في خلقه السماوات والأرض، وأنه لم يخلقهما باطلا، أي: عبثا ولعبا من غير فائدة ولا مصلحة.
﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بربهم، حيث ظنوا ما لا يليق بجلاله. ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار ِ﴾ فإنها التي تأخذ الحق منهم، وتبلغ منهم كل مبلغ.
وإنما خلق اللّه السماوات والأرض بالحق وللحق، فخلقهما ليعلم العباد كمال علمه وقدرته وسعة سلطانه، وأنه تعالى وحده المعبود، دون من لم يخلق مثقال ذرة من السماوات والأرض، وأن البعث حق، وسيفصل اللّه بين أهل الخير والشر.
ولا يظن الجاهل بحكمة اللّه أن يسوي اللّه بينهما في حكمه، ولهذا قال:
﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار ِ﴾ هذا غير لائق بحكمتنا وحكمنا.
وفي المقابل لم يلتزم الإنسان - إلا من رحم الله – ولم يزعن لقانون الفطرة , فظهر الفساد في البر والبحر ,
قال تعالى:
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ 41 الروم
أي: استعلن الفساد في البر والبحر أي: فساد معايشهم ونقصها وحلول الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء وغير ذلك، وذلك بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها.
هذه المذكورة ﴿ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ أي: ليعلموا أنه المجازي على الأعمال فعجل لهم نموذجا من جزاء أعمالهم في الدنيا ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن أعمالهم التي أثرت لهم من الفساد ما أثرت، فتصلح أحوالهم ويستقيم أمرهم. فسبحان من أنعم ببلائه وتفضل بعقوبته وإلا فلو أذاقهم جميع ما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة.
ولا يظن الجاهل بحكمة اللّه أن يسوي اللّه بين المؤمنين الصالحين والمفسدين في حكمه، ولهذا قال:

﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار ِ هذا غير لائق بحكمتنا وحكمنا.
والعمل الصالح اقترن بالإيمان في كل آيات القرآن , قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ﴾ 9 العنكبوت
أي: من آمن باللّه وعمل صالحا، فإن اللّه وعده أن يدخله الجنة في جملة عباده الصالحين، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كل على حسب درجته ومرتبته عند اللّه، فالإيمان الصحيح والعمل الصالح عنوان على سعادة صاحبه، وأنه من أهل الرحمن، والصالحين من عباد اللّه تعالى.
أما الفساد: فمعناه خروج الشيء عن الاعتدال، قليلا كان الخروج عنه أو كثيرا، ويضاده الصلاح، ويستعمل ذلك في النفس، والبدن، والأشياء الخارجة عن الاستقامة،
والفجور: شق ستر الديانة، يقال: فجر فجورا فهو فاجر، وجمعه: فجار وفجرة. قال تعالى: ( كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ) 7 المطففين، وقال تعالى: ( وإن الفجار لفي جحيم ) 14 الانفطار ، وقال تعالى: ( أولئك هم الكفرة الفجرة ) 42 عبس ، وقال تعالى: ( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ) 5 القيامة ، أي: يريد الحياة ليتعاطى الفجور فيها. وقيل: معناه ليذنب فيها. وقيل: معناه يذنب ويقول غدا أتوب، ثم لا يفعل فيكون ذلك فجورا لبذله عهدا لا يفي به.
وسمي الكاذب فاجرا لكون الكذب بعض الفجور.
وورد في دعاء القنوت في الوتر: ( ونخلع ونترك من يفجرك )

*******

﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ﴾ فيه خير كثير، وعلم غزير، فيه كل هدى من ضلالة، وشفاء من داء، ونور يستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج إليه المكلفون، وفيه من الأدلة القطعية على كل مطلوب، فهو أجل كتاب جاء إلى العالم منذ أنشأه اللّه.
﴿ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ﴾ أي: هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود.

﴿ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ ﴾ أي: أولو العقول الصحيحة، يتذكرون بتدبرهم لها كل علم ومطلوب، فدل هذا على أنه بحسب لب الإنسان وعقله يحصل له التذكر والانتفاع بهذا الكتاب.

وبهذا المفهوم ندرك أهمية البحث العلمي كأهم مبدأ من مبادئ الإسلام في ظل الإيمان والتقوى والعمل الصالح والبعد عن الفساد والفجور في الأرض.

*********

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#96


مع الجزء الثالث والعشرون
( 5 )
وبعض أيات من سورة ص

مبدأ الصبر عند المرض والابتلاء
ومع هذه الصورة الحية
لنبي الله ( أيوب ) عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ – 41 ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ – 42 وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ – 43 وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ 44

﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ حين أصابه الضر، فصبر على ضره، فلم يشتك لغير ربه، ولا لجأ إلا إليه داعيا، وإليه لا إلى غيره شاكيا، فقال: رب ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ أي: بأمر مشق متعب معذب، وكذلك هلك أهله وماله. ولكنه صبر.
فقيل له: ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ أي: اضرب الأرض بها، لينبع لك منها عين تغتسل منها وتشرب، فيذهب عنك الضر والأذى، ففعل ذلك، فذهب عنه الضر، وشفاه اللّه تعالى.
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ في الدنيا، وأغناه اللّه، وأعطاه مالا عظيما ﴿ رَحْمَةً مِنَّا بعبدنا أيوب، حيث صبر فأثبناه من رحمتنا ثوابا عاجلا وآجلا. ﴿ وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِأي: وليتذكر أولو العقول بحالة أيوب ويعتبروا، فيعلموا أن من صبر على الضر، أن اللّه تعالى يثيبه ثوابا عاجلا وآجلا، ويستجيب دعاءه إذا دعاه.
﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا أي حزمة شماريخ ﴿ فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ
قال المفسرون: وكان في مرضه وضره، قد غضب على زوجته في بعض الأمور، فحلف: لئن شفاه اللّه ليضربنها مائة جلدة، فلما شفاه اللّه، وكانت امرأته صالحة محسنة إليه، رحمها اللّه ورحمه، فأمره أن يضربها بضغث فيه مائة شمراخ ضربة واحدة، فيبر في يمينه. وهذا وجه من وجوه التيسير في الفتوى حيث أنه أبر بقسمه ولم يتسبب في إلام زوجته الوفية.
﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا أي: ابتليناه بالضر العظيم، فصبر لوجه اللّه تعالى. ﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ الذي كمل مراتب العبودية، في حال السراء والضراء، والشدة والرخاء.
﴿ إِنَّهُ أَوَّابٌ أي: كثير الرجوع إلى اللّه، في مطالبه الدينية والدنيوية، كثير الذكر لربه والدعاء، والمحبة.
وهذه الصور الوقعية تعلمنا الصبر حين الإصابة بالمرض والتضرع إلى الله تعالى وطلب الشفاء منه مع أخذ الدواء , فالله تعالى خالق الداء والدواء . ولا نضجر ولا نيأس من رحمة الله .

*********

فالمرض يصيب الإنسان ,
فيكون رفعة وزيادة في حسنات المؤمن ,

وقد يكون كفارة من الذنوب لبعض المؤمنين.

وقد يكون عقابا لبعض الناس ,


وتلاحظ ذلك من تصرف المريض , فالمؤمن يدرك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه فهو راضي وفرح بمعية الله تعالى , ففي الحديث القدسي : إن الله عز وجل يقول ، يوم القيامة :
يا ابن آدم ! مرضت فلم تعدني . قال : يا رب ! كيف أعودك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده . أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟

الراوي: أبو هريرة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2569
خلاصة حكم المحدث: صحيح

وآخر يذنب فيصيبه البلاء فيحمد الله تعالى ,
ويتذكر قول حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ما يصيب المسلم ، من نصب ولا وصب ، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله بها من خطاياه .

الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 5641
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

وتجد شخص يصيبه المرض فينهار ويشتكي ويسخط وتسود الدنيا في وجهه وييأس , فيعد هذا عقاب له والله أعلم .

*******
ونتعلم مما سبق أن الله تعالى رحيم بعباده يبتليهم ليرحمهم ويرفع من درجاتهم في الجنة أو يكفر عنهم سيئاتهم , أو يذكرهم بأن الدنيا دار بلاء وليست الجنة فعودوا إلى ربكم من قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أت الله بقلب سليم.

وليعلم الإنسان أن الشفاء بيد الله وحده , وأن الله تعالى خلق الدواء وجعله سببا فلا ترد سببا خلقه الله لك. ولكن كن على يقين أن الأمر كله لله تعالى ,فقد يكون هناك شخصان بنفس المرض ويتناولا نفس الدواء , فيشفى أحدهم ولا يشفى الأخر . لأن الأمر كله مرده إلى الله نعالى, وقد أخبرنا الله في سورة الشعراء الآية 80 عن قول إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قال:

وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ

********
والقرآن خير شفاء لقلوب المؤمنين ,
ويتيقن بذلك المداومون على قرآته.

قال تعالى:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ - 57 يونس

هذا القرآن، شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادة عن الانقياد للشرع وأمراض الشبهات، القادحة في العلم اليقيني، فإن ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة.
وصار ما يرضي الله أحب إلى العبد من شهوة نفسه.
وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرفها الله غاية التصريف، وبينها أحسن بيان، مما يزيل الشبه القادحة في الحق، ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين.
وإذا صح القلب من مرضه، ورفل بأثواب العافية، تبعته الجوارح كلها، فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فالهدى هو العلم بالحق والعمل به.
والرحمة هي ما يحصل من الخير والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى به، فالهدى أجل الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب، ولكن لا يهتدي به، ولا يكون رحمة إلا في حق المؤمنين.
وإذا حصل الهدى، وحلت الرحمة الناشئة عنه، حصلت السعادة والفلاح، والربح والنجاح، والفرح والسرور.
ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ الذي هو القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده ﴿وَبِرَحْمَتِهِ الدين والإيمان، وعبادة الله ومحبته ومعرفته.

وقال تعالى:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ - 82 الإسراء

فالقرآن مشتمل على الشفاء والرحمة، وليس ذلك لكل أحد، وإنما ذلك للمؤمنين به، المصدقين بآياته، العاملين به، وأما الظالمون بعدم التصديق به أو عدم العمل به، فلا تزيدهم آياته إلا خسارًا، إذ به تقوم عليهم الحجة، فالشفاء الذي تضمنه القرآن عام لشفاء القلوب، من الشبه، والجهالة، والآراء الفاسدة، والانحراف السيئ، والقصود السيئة .. فإنه مشتمل على العلم اليقيني، الذي تزول به كل شبهة وجهالة، والوعظ والتذكير، الذي يزول به كل شهوة تخالف أمر الله، ولشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها.
وأما الرحمة، فإن ما فيه من الأسباب والوسائل التي يحث عليها، متى فعلها العبد فاز بالرحمة والسعادة الأبدية، والثواب العاجل والآجل .

وقد خلق الله تعالى لنا دواء حلو الطعم رحمة منه وفضل,
قال تعالى:

وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ - 68 ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ - 69 النحل

فيه شفاء للناس من أمراض عديدة. فهذا دليل على كمال عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي لا ينبغي أن يحب غيره ويدعي سواه.

******

وإلى الجزء التالي إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#97


مع الجزء الرابع والعشرون
( 1 )
وبعض أيات من سورة الزمر

أهمية الصدق

وقد تأكد هذا المبدأ كثيرا في سور القرآن العظيم وذلك لعظمه في بناء الأمم والحضارات. ولن يكون تكرارا إذا تحدثنا اليوم عن أهمية الصدق حيث أن الصدق يشمل جميع جوانب الحياة ولن نستطيع أن نغطي كل هذه الجوانب في لقاء واحد. فجميع مبادئ الإسلام تقوم على الصدق.

*****

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ - 32
وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ -33

لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ -34

لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ -35

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب ، حتى يكتب عند الله كذابا .
الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 6094
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة .
الراوي: الحسن بن علي بن أبي طالب المحدث: ابن حبان - المصدر: المقاصد الحسنة - الصفحة أو الرقم: 256
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

******
الصدق , هو أساس رسالة الاسلام , وأساس جميع المعاملات في الشريعة , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء .
الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: المنذري - المصدر: الترغيب والترهيب - الصفحة أو الرقم: 3/38
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

وقال تعالى في سورة التوبة الآية 119:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.

أي: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ باللّه، وبما أمر اللّه بالإيمان به، قوموا بما يقتضيه الإيمان، وهو القيام بتقوى اللّه تعالى، باجتناب ما نهى اللّه عنه والبعد عنه.
﴿ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق، وأعمالهم، وأحوالهم لا تكون إلا صدقا خلية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة، مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة.

******

والصدق يجب أن يكون سلوكا عمليا في تربية الأطفال.

عن عبد الله بن عامر : دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا فقالت ها تعال أعطيك فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أردت أن تعطيه ؟ قالت : أعطيه تمرا ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة .
الراوي: عبد الله بن عامر المحدث: أبو داود - المصدر: سنن أبي داود - الصفحة أو الرقم: 4991

*******
ويوم القيامة يكون الصدق أمانا لصحابه.

﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 119 المائدة.
والصادقون هم الذين استقامت أعمالهم وأقوالهم ونياتهم على الصراط المستقيم والهدْي القويم، فيوم القيامة يجدون ثمرة ذلك الصدق، إذا أحلهم الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

******

ولذلك كان من مبادئ الإسلام الأساسية تحريم الكذب , بل نفي الإيمان والإسلام عن الكاذب, فالمؤمن لا يكون كذابا ابدا.

ونعود إلى معاني الآيات التي معنا من سورة الزمر.

يقول تعالى، محذرا ومخبرا: أنه لا أظلم وأشد ظلما ﴿ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ ﴾ إما بنسبته إلى ما لا يليق بجلاله، أو بادعاء النبوة، أو الإخبار بأن اللّه تعالى قال كذا، أو أخبر بكذا، أو حكم بكذا وهو كاذب.
﴿ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ﴾ أي: ما أظلم ممن جاءه الحق المؤيد بالبينات فكذبه، فتكذيبه ظلم عظيم منه، لأنه رد الحق بعد ما تبين له، فإن كان جامعا بين الكذب على اللّه والتكذيب بالحق، كان ظلما على ظلم.
﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ﴾
ولما ذكر الكاذب المكذب وجنايته وعقوبته، ذكر الصادق المصدق وثوابه، فقال: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ﴾ في قوله وعمله، فدخل في ذلك الأنبياء ومن قام مقامهم، ممن صدق فيما قاله عن خبر اللّه وأحكامه، وفيما فعله من خصال الصدق.
﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ أي: بالصدق لأنه قد يجيء الإنسان بالصدق، ولكن قد لا يصدق به، بسبب استكباره، فلا بد في المدح من الصدق والتصديق، فصدقه يدل على علمه وعدله، وتصديقه يدل على تواضعه وعدم استكباره.
﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ فإن جميع خصال التقوى ترجع إلى الصدق بالحق والتصديق به.
﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ من الثواب، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فكل ما تعلقت به إرادتهم ومشيئتهم، من أصناف اللذات والمشتهيات، فإنه حاصل لهم، معد مهيأ، ﴿ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ الذين يعبدون اللّه كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم .

********

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#98


مع الجزء الرابع والعشرون
( 2 )

وبعض أيات من سورة غافر

ما يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ – 2 كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ – 3 وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ – 4

يخبر تبارك وتعالى أنه ما يجادل في آياته إلا الذين كفروا والمراد بالمجادلة هنا، المجادلة لرد آيات الله ومقابلتها بالباطل، فهذا من صنيع الكفار. فهم وحدهم من بين هذا الوجود الهائل يشذون ; وهم وحدهم من بين هذا الخلق العظيم ينحرفون . وهم - بالقياس إلى هذا الوجود - أضعف وأقل من النمل بالقياس إلى هذه الأرض . وهم حين يقفون في صف يجادلون في آيات الله ; ويقف الوجود الهائل كله في صف معترفاً بخالق الوجود مستنداً إلى قوة العزيز الجبار . . هم في هذا الموقف مقطوع بمصيرهم , مقضي في أمرهم ; مهما تبلغ قوتهم ; ومهما يتهيأ لهم من أسباب المال والجاه والسلطان.

*****
وأما المؤمنون فيخضعون لله تعالى وشريعته التي أرسلها رحمة للعالمين وقد تعرفنا على جانب منها ضمن هذه السلسلة .
ولا ينبغي للإنسان أن يغتر بحالة الإنسان الدنيوية، ويظن أن إعطاء الله إياه في الدنيا دليل على محبته له وأنه على الحق ولهذا قال تعالى: ﴿ فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ﴾ أي: ترددهم فيها بأنواع التجارات والمكاسب، فمهما تقلبوا , وتحركوا , وملكوا , واستمتعوا , فهم إلى اندحار وهلاك وبوار .
فالواجب على الإنسان، أن ينظر إلى الحقائق الشرعية ويزن بها الناس، ولا يزن الحق بالناس، كما عليه من لا علم ولا عقل له.
ثم هدد من جادل بآيات الله ليبطلها، كما فعل من قبله من الأمم من قوم نوح وعاد والأحزاب من بعدهم، الذين تحزبوا وتجمعوا على الحق ليبطلوه، وعلى الباطل لينصروه، ﴿ و هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ ﴾ من الأمم ﴿ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ أي: يقتلوه. وهذا أبلغ ما يكون الرسل الذين هم قادة أهل الخير الذين معهم الحق الذي لا شك فيه ولا اشتباه، هموا بقتلهم، فهل بعد هذا البغي والضلال والشقاء إلا العذاب العظيم الذي لا يخرجون منه؟
ولهذا قال في عقوبتهم الدنيوية والأخروية: ﴿ فَأَخَذْتُهُمْ ﴾ أي: بسبب تكذيبهم وتحزبهم ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ كان أشد العقاب وأفظعه، ما هو إلا صيحة أو حاصب ينزل عليهم أو يأمر الأرض أن تأخذهم، أو البحر أن يغرقهم فإذا هم خامدون.
﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾ ومتى حقت كلمة الله على أحد فقد وقعت , وقضي الأمر , وبطل كل جدال .

******
وفي المقابل نجد المؤمنين المهتدين الطائعين ونصر الله إياهم , واستغفار الملائكة لهم , واستجابة الله لدعائهم , وما ينتظرهم في الآخرة من نعيم .

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ – 7 رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ – 8 وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ – 9

يخبر تعالى عن كمال لطفه تعالى بعباده المؤمنين، وما قيض لأسباب سعادتهم من الأسباب الخارجة عن قدرهم، من استغفار الملائكة المقربين لهم، ودعائهم لهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم، وفي ضمن ذلك الإخبار عن شرف حملة العرش ومن حوله، وقربهم من ربهم، وكثرة عبادتهم ونصحهم لعباد الله، لعلمهم أن الله يحب ذلك منهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ﴾ الذي وسع السماوات و الأرض والنجوم وسائر الكواكب والكرسي، وهؤلاء الملائكة، قد وكلهم الله تعالى بحمل عرشه العظيم،
﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وهذا من جملة فوائد الإيمان وفضائله الكثيرة ، أن الملائكة الذين لا ذنوب عليهم يستغفرون لأهل الإيمان، فالمؤمن بإيمانه واتباعه شريعة ربه تسبب لهذا الفضل العظيم.

********
وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#99


مع الجزء الرابع والعشرون
( 3 )
وبعض أيات من سورة غافر

مبدأ الدفاع عن الحق

استكمالا للقاء السابق الذي تحدثنا فيه عن الذين يجادلون بالباطل
لرد آيات الله ومقابلتها بالباطل، وهم حين يقفون في صف من يجادلون في آيات الله ; يقفون في موجهة الكون الهائل كله المسبح لله و المعترف له بخلق كل شئ.
واليوم نعيش مع الصورة الحية لرجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه , ويدافع عن رسول الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام . بعد أن أصدر فرعون قرار بقتله. وذلك لأنه يبلغ رسالة ربه , ويدعو إلى عبادة الله الخالق الرازق المهيمن, ويبطل عبادة فرعون,
﴿ وقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ وذلك إمعانا في إستخفاف قومه, فقال: ﴿ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْالذي أنتم عليه وهي عبادة فرعون ﴿ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ.
فقام المؤمن ليرد تلك المزاعم الباطلة ويدافع عن رسول الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام .


******

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ – 28
يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ -29

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ – 30
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ – 31

وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ - 32

يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ -33

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ – 34
الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ 35

********
يبدأ الدفاع بتفظيع ما هم مقدمون عليه - أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ
أي: كيف تستحلون قتله، ولا ذنب له إلا، أنه يقول ربي الله، ولم يكن أيضا قولاً مجردًا عن البينات، ولهذا قال: ﴿ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْلأن بينته اشتهرت عندهم اشتهارًا علم به الصغير والكبير، أي: فهذا لا يوجب قتله. حيث ظهرت حجته واستعلى برهانه .
ثم قال لهم مقالة عقلية تقنع كل عاقل، فقال: ﴿ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ أي: موسى بين أمرين، إما كاذب في دعواه أو صادق فيها، فإن كان كاذبًا فكذبه عليه، وضرره مختص به، وليس عليكم في ذلك ضرر . وإن كان صادقًا وقد جاءكم بالبينات، وأخبركم أنكم إن لم تجيبوه عذبكم الله عذابًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة، فإنه لا بد أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وهو عذاب الدنيا.
ثم انتقل رضي الله عنه وأرضاه وغفر له ورحمه - إلى أمر أعلى من ذلك، وبيان قرب موسى من الحق فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ فلأمر كله لله تعالى فهو الذي أرسل موسى , وأنه تعالى لا يهدي من يدعي عليه كذبا . أو يكذب برسالته إستكبارا .
وقد أيد الله تعالى "موسى" بمعجزات لا ينكرها إلا متكبر كذاب.

ثم حذر قومه ونصحهم، وخوفهم عذاب الآخرة، ونهاهم عن الاغترار بالملك الظاهر، فقال: ﴿ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ أي: في الدنيا ﴿ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ؟ وهذا من حسن دعوته، ليفهمهم أنه ينصح لهم كما ينصح لنفسه، ويرضى لهم ما يرضى لنفسه.
﴿ قَالَ فِرْعَوْنُمعارضًا له في ذلك، ومغررًا لقومه أن يتبعوا موسى: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِأي الديكتاتورية الحمقاء والرأي الواحد حتي ولو كان خطأ.
رأى أن يستخف قومه فيتابعوه، ليقيم بهم ملكه على الباطل.
﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَمكررًا دعوة قومه غير آيس من هدايتهم، كما هي حالة الدعاة إلى الله تعالى، لا يزالون يدعون إلى ربهم، ولا يردهم عن ذلك راد،
فقال لهم: ﴿ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِيعني الأمم المكذبين، الذين تحزبوا على أنبيائهم، واجتمعوا على معارضتهم، ثم بينهم فقال: ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي: مثل عادتهم في الكفر والتكذيب وعادة الله فيهم بالعقوبة العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِفيعذبهم بغير ذنب أذنبوه، ولا جرم أسلفوه.
ولما خوفهم العقوبات الدنيوية، خوفهم العقوبات الأخروية، فقال: ﴿ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمِ التَّنَادِ أي: يوم القيامة، حين ينادي أهل الجنة أهل النار: ﴿ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا44 الأعراف إلى آخر الآيات.
﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ 50 الأعراف
وحين ينادي أهل النار مالكًا ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَاكِثُونَ ) 77 الزخرف
فخوفهم رضي الله عنه هذا اليوم المهول، وتوجع لهم أن أقاموا على شركهم بذلك، ولهذا قال: ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِين مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ لا من أنفسكم قوة تدفعون بها عذاب الله، ولا ينصركم من دونه من أحد .
﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ لأن الهدى بيد الله تعالى، فإذا منع عبده الهدى لعلمه أنه غير لائق به، لخبثه، فلا سبيل إلى هدايته.
﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ أي أمركم بعبادة ربكم وحده لا شريك له، ﴿ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ في حياته ﴿ حَتَّى إِذَا هَلَكَ ﴾ ازداد شككم وشرككم، و ﴿ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا أي: هذا ظنكم الباطل، وحسبانكم الذي لا يليق بالله تعالى، فإنه تعالى لا يترك خلقه سدى، لا يأمرهم وينهاهم، ولهذا قال: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ وهذا هو وصفهم الحقيقي الذي وصفوا به موسى ظلمًا وعلوا، فهم المسرفون بتجاوزهم الحق وعدولهم عنه إلى الضلال، وهم الكذبة.
فالذي وصفه السرف والكذب، لا ينفك عنهما، لا يهديه الله، ولا يوفقه للخير، لأنه رد الحق بعد أن وصل إليه وعرفه، فجزاؤه أن يعاقبه الله، بأن يمنعه الهدى، كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ5 الصف.. و قال تعالى :﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ 110 الأنعام . وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ258 البقرة
ثم ذكر وصف المسرف الكذاب فقال: ﴿ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ التي بينت الحق من الباطل، وصارت -من ظهورها- بمنزلة الشمس للبصر، فهم يجادلون فيها على وضوحها، ليدفعوها ويبطلوها ﴿ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ أي: بغير حجة وبرهان، وهذا وصف لازم لكل من جادل في آيات الله، فإنه من المحال أن يجادل بسلطان، لأن الحق لا يعارضه معارض، فلا يمكن أن يعارض بدليل شرعي أو عقلي أصلا،
﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا لأنه تضمن التكذيب بالحق والتصديق بالباطل ونسبته إليه، وهذه أمور يشتد بغض الله لها ولمن اتصف بها، وكذلك عباده المؤمنون يمقتون على ذلك أشد المقت موافقة لربهم،
﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ متكبر في نفسه على الحق برده وعلى الخلق باحتقارهم، جبار بكثرة ظلمه وعدوانه.
وهذا ما حدث لفرعون أصبح يتخبط في أقوله ويستخف بعقول العوام
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ – 36 أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنْ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ – 37

******

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ – 38
يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ – 39

مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ – 40

وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ – 41

تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ – 42

لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ – 43

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ – 44

فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ – 45


*******
وهكذا كانت عاقبة الذين يجادلون بالباطل مهما بلغوا من قوة وأثار في الأرض , لم تنفعهم لأن الحضارة لا تبنى على الكذب والإستعلاء على الحق, إنما تبنى الحضارات وتبقى مادامت بجانب الحق والصدق.
وأن الله تعالى يدافع عن الذين أمنوا طالما دافعوا عن مبادئ الحق.

فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ45

**********
وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى
 

moamen5005

عضو مميز
#100


مع الجزء الرابع والعشرون
( 4 )
وبعض أيات من سورة فصلت

مبدأ العلم

حم – 1 تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - 2 كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ – 3

يخبر تعالى عباده أن هذا القرآن العظيم ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ صادر ﴿ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ الذي وسعت رحمته كل شيء، الذي من أعظم رحمته وأجلها، إنزال هذا الكتاب، الذي حصل به، من العلم والهدى، والنور، والشفاء، والرحمة، والخير الكثير، فهو الطريق للسعادة في الدارين.
ثم أثنى على الكتاب بتمام البيان فقال: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أي: فصل كل شيء , وهذا يستلزم من علماء المسلمين تدبر آياته والبحث في كافة العلوم التي أتى بها على الإجمال حتى يستوعبها البشر في كافة العصور .
﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا أي: باللغة الفصحى أكمل اللغات، فصلت آياته وجعل عربيًا. ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لأجل أن يتبين لهم معناه، كما تبين لفظه، ويتضح لهم الهدى من الضلال، والْغَيِّ من الرشاد.
وقد حافظ القرآن العظيم على اللغة العربية ونشرها في ربوع الأرض وجعلها من اللغات الحية في العالم.
وقد استوعبت اللغة العربية جميع علوم الأرض , والدليل على ذلك ما قام به علماء الإسلام بالترجمة لكتب العلوم في العصر الذهبي للدولة الإسلامية , والبحث العلمي في جميع أصول المعرفة سواء الرياضية في الجبر والهندسة أو العلوم الكيمائية أو الطبية أو علم الفلك من نجوم وكواكب أو الجغرافية أو التاريخية والشريعة والقانون.
والتفوق في العلوم الصناعية في كافة المجالات مثل صناعة السفن والأساطيل البحرية وإنشاء الترع والسدود و إنشاء المدن وما ترتب عليها من مرافق وإضاءة .

وأما الجاهلون، الذين لا يزيدهم الهدى إلا ضلالاً، ولا البيان إلا عَمًى فهؤلاء لم يُسَقِ الكلام لأجلهم،
﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 6 البقرة


******
أما الإعتماد على القوة الغاشمة دون هداية من الله تعالى, فتهلك أصحابها عاجلا أو أجلا , وقد ورد في سورة فصلت نموذج لأمتين عاد وثمود.

فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ – 15 فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ – 16

هذا تفصيل لقصة هاتين الأمتين، عاد، وثمود. ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فكانوا - مع كفرهم باللّه، وجحدهم بآيات اللّه، وكفرهم برسله - مستكبرين في الأرض، قاهرين لمن حولهم من العباد، ظالمين لهم، قد أعجبتهم قوتهم.
﴿ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً قال تعالى ردًا عليهم : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً فلولا خلقه إياهم، لم يوجدوا فلو نظروا إلى هذه الحال نظرًا صحيحًا، لم يغتروا بقوتهم، فعاقبهم اللّه عقوبة، تناسب قوتهم، التي اغتروا بها.
﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ أي: ريحًا عظيمة، من قوتها وشدتها، لها صوت مزعج، كالرعد القاصف. فسخرها اللّه عليهم ﴿ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ
7 الحاقة - فدمرتهم وأهلكتهم، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. وقال هنا: ﴿ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَاالذي فضحهم بين الخليقة. ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ أي: لا يمنعون من عذاب اللّه، ولا ينفعون أنفسهم.

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ – 17 وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ – 18

وأما ثمود وهم القبيلة المعروفة الذين سكنوا الحجر وحواليه، الذين أرسل اللّه إليهم صالحًا عليه السلام، يدعوهم إلى توحيد ربهم، وينهاهم عن الشرك وآتاهم اللّه الناقة، آية عظيمة، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، يشربون لبنها يومًا ويشربون من الماء يومًا، وليسوا ينفقون عليها، بل تأكل من أرض اللّه، ولهذا قال هنا: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ أي: هداية بيان.
ولكنهم - من ظلمهم وشرهم - استحبوا العمى - الذي هو الكفر والضلال- على الهدى - الذي هو: العلم والإيمان - ﴿ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.

﴿ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ )

*******

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

 

أعلى