عاطف الجراح

عضو مميز
التسجيل
6/11/10
المشاركات
361
الإعجابات
300
#1
'',

‎{1} ‎سُورة أنْزلْناها وفرضْناها وأنْزلْنا فيها آياتٍ بيناتٍ لعلكُمْ تذكرُون




مقْصُود هذه السُورة ذكْر أحْكام الْعفاف والستْر . وكتب عُمر رضي الله عنْهُ إلى أهْل ‏الْكُوفة : ( علمُوا نساءكُمْ سُورة النُور ) . وقالتْ عائشة رضي الله عنْها : ( لا تُنْزلُوا ‏النساء الْغُرف ولا تُعلمُوهُن الْكتابة وعلمُوهُن سُورة النُور والْغزْل ) . " وفرضْناها " ‏قُرئ بتخْفيف الراء ; أيْ فرضْنا عليْكُمْ وعلى منْ بعْدكُمْ ما فيها منْ الْأحْكام . وبالتشْديد ‏‏: أيْ أنْزلْنا فيها فرائض مُخْتلفة . وقرأ أبُو عمْرو : " وفرضْناها " بالتشْديد أيْ قطعْناها ‏في الْإنْزال نجْما نجْما . والْفرْض الْقطْع , ومنْهُ فُرْضة الْقوْس . وفرائض الْميراث ‏وفرْض النفقة . وعنْهُ أيْضا " فرضْناها " فصلْناها وبيناها . وقيل : هُو على التكْثير ; ‏لكثْرة ما فيها منْ الْفرائض . والسُورة في اللُغة اسْم للْمنْزلة الشريفة ; ولذلك سُميتْ ‏السُورة منْ الْقُرْآن سُورة . قال زُهيْر : ألمْ تر أن الله أعْطاك سُورة ترى كُل ملْك دُونها ‏يتذبْذب وقدْ مضى في مُقدمة الْكتاب الْقوْل فيها . وقُرئ " سُورة " بالرفْع على أنها ‏مُبْتدأ وخبرها " أنْزلْناها " ; قالهُ أبُو عُبيْدة والْأخْفش . وقال الزجاج والْفراء والْمُبرد : ‏‏" سُورة " بالرفْع لأنها خبر الابْتداء ; لأنها نكرة ولا يُبْتدأ بالنكرة في كُل موْضع , أيْ ‏هذه سُورة . ويحْتمل أنْ يكُون قوْله " سُورة " ابْتداء وما بعْدها صفة لها أخْرجتْها عنْ ‏حد النكرة الْمحْضة فحسُن الابْتداء لذلك , ويكُون الْخبر في قوْله " الزانية والزاني " . ‏وقُرئ " سُورة " بالنصْب , على تقْدير أنْزلْنا سُورة أنْزلْناها. وقال الشاعر : والذئْب ‏أخْشاهُ إنْ مررْت به وحْدي وأخْشى الرياح والْمطرا أوْ تكُون منْصُوبة بإضْمار فعْل أيْ ‏اُتْلُ سُورة. وقال الْفراء : هي حال منْ الْهاء والْألف , والْحال منْ الْمُكنى يجُوز أنْ يتقدم ‏عليْه‎.

. ‎‎الزانيةُ والزاني فاجْلدُوا كُل واحدٍ منْهُما مائة جلْدةٍ ولا تأْخُذْكُمْ بهما رأْفة في دين الله إنْ كُنْتُمْ ‏تُؤْمنُون بالله والْيوْم الْآخر ولْيشْهدْ عذابهُما طائفة من الْمُؤْمنين

يه اثْنان وعشْرُون مسْألة : الْأُولى : كان الزنى في اللُغة معْرُوفا قبْل الشرْع , مثْل اسْم ‏السرقة والْقتْل . وهُو اسْم لوطْء الرجُل امْرأة في فرْجها منْ غيْر نكاح ولا شُبْهة نكاح ‏بمُطاوعتها. وإنْ شئْت قُلْت : هُو إدْخال فرْج في فرْج مُشْتهى طبْعا مُحرم شرْعا ; فإذا ‏كان ذلك وجب الْحد. وقدْ مضى الْكلام في حد الزنى وحقيقته وما للْعُلماء في ذلك . ‏وهذه الْآية ناسخة لآية الْحبْس وآية الْأذى اللتيْن في سُورة " النساء " باتفاقٍ‎ .‎


الثانية : " مائة جلْدة " هذا حد الزاني الْحُر الْبالغ الْبكْر , وكذلك الزانية الْبالغة الْبكْر ‏الْحُرة . وثبت بالسُنة تغْريب عام ; على الْخلاف في ذلك . وأما الْممْلُوكات فالْواجب ‏خمْسُون جلْدة ; لقوْله تعالى : " فإنْ أتيْن بفاحشةٍ فعليْهن نصْف ما على الْمُحْصنات منْ ‏الْعذاب " [ النساء : 25 ] وهذا في الْأمة , ثُم الْعبْد في معْناها . وأما الْمُحْصن منْ ‏الْأحْرار فعليْه الرجْم دُون الْجلْد . ومنْ الْعُلماء منْ يقُول : يُجْلد مائة ثُم يُرْجم . وقدْ ‏مضى هذا كُله مُمهدا في " النساء " فأغْنى عنْ إعادته , والْحمْد لله‎ .‎


الثالثة : قرأ الْجُمْهُور " الزانية والزاني " بالرفْع . وقرأ عيسى بْن عُمر الثقفي " الزانية ‏‏" بالنصْب , وهُو أوْجه عنْد سيبويْه ; لأنهُ عنْده كقوْلك : زيْدا اضْربْ . ووجْه الرفْع ‏عنْده : خبر ابْتداء , وتقْديره : فيما يُتْلى عليْكُمْ [ حُكْم ] الزانية والزاني . وأجْمع الناس ‏على الرفْع وإنْ كان الْقياس عنْد سيبويْه النصْب. وأما الْفراء والْمُبرد والزجاج فإن ‏الرفْع عنْدهمْ هُو الْأوْجه , والْخبر في قوْله " فاجْلدُوا " لأن الْمعْنى : الزانية والزاني ‏مجْلُودان بحُكْم الله وهُو قوْل جيد , وهُو قوْل أكْثر النُحاة . وإنْ شئْت قدرْت الْخبر : ‏ينْبغي أنْ يُجْلدا . وقرأ ابْن مسْعُود " والزان " بغيْر ياء‎ .‎


الرابعة : ذكر الله سُبْحانه وتعالى الذكر والْأُنْثى , والزاني كان يكْفي منْهُما ; فقيل : ‏ذكرهُما للتأْكيد كما قال تعالى : " والسارق والسارقة فاقْطعُوا أيْديهما " [ الْمائدة : 38 ] ‏‏. ويحْتمل أنْ يكُون ذكرهُما هُنا لئلا يظُن ظان أن الرجُل لما كان هُو الْواطئ والْمرْأة ‏محل ليْستْ بواطئةٍ فلا يجب عليْها حد فذكرها رفْعا لهذا الْإشْكال الذي أوْقع جماعة منْ ‏الْعُلماء منْهُمْ الشافعي . فقالُوا : لا كفارة على الْمرْأة في الْوطْء في رمضان ; لأنهُ قال ‏جامعْت أهْلي في نهار رمضان ; فقال لهُ النبي صلى الله عليْه وسلم ( كفرْ ) . فأمرهُ ‏بالْكفارة , والْمرْأة ليْس بمُجامعةٍ ولا واطئة‎ .‎


الْخامسة : قُدمتْ " الزانية " في هذه الْآية منْ حيْثُ كان في ذلك الزمان زنى النساء ‏فاشٍ وكان لإماء الْعرب وبغايا الْوقْت رايات , وكُن مُجاهرات بذلك . وقيل : لأن الزنى ‏في النساء أعر وهُو لأجْل الْحبل أضر . وقيل : لأن الشهْوة في الْمرْأة أكْثر وعليْها ‏أغْلب , فصدرها تغْليظا لترْدع شهْوتها وإنْ كان قدْ رُكب فيها حياء لكنها إذا زنتْ ذهب ‏الْحياء كُله . وأيْضا فإن الْعار بالنساء ألْحق إذْ موْضُوعهن الْحجْب والصيانة فقُدم ‏ذكْرهن تغْليظا واهْتماما‎.‎


السادسة : الْألف واللام في قوْله " الزانية والزاني " للْجنْس , وذلك يُعْطي أنها عامة في ‏جميع الزُناة . ومنْ قال بالْجلْد مع الرجْم قال : السُنة جاءتْ بزيادة حُكْم فيُقام مع الْجلْد. ‏وهُو قوْل إسْحاق بْن راهْويْه والْحسن بْن أبي الْحسن , وفعلهُ علي بْن أبي طالب رضي ‏الله عنْهُ بشُراحة وقدْ مضى في " النساء " بيانه . وقال الْجُمْهُور : هي خاصة في ‏الْبكْريْن , واسْتدلُوا على أنها غيْر عامة بخُرُوج الْعبيد والْإماء منْها‎ .‎


السابعة : نص الله سُبْحانه وتعالى [ على ] ما يجب على الزانييْن إذا شُهد بذلك عليْهما ; ‏على ما يأْتي , وأجْمع الْعُلماء على الْقوْل به . واخْتلفُوا فيما يجب على الرجُل يُوجد مع ‏الْمرْأة في ثوْب واحد فقال إسْحاق بْن راهْويْه : يُضْرب كُل واحد منْهُما مائة جلْدة. ‏ورُوي ذلك عنْ عُمر وعلي , وليْس يثْبُت ذلك عنْهُما . وقال عطاء وسُفْيان الثوْري : ‏يُؤدبان . وبه قال مالك وأحْمد ; على قدْر مذاهبهمْ في الْأدب . قال ابْن الْمُنْذر : والْأكْثر ‏ممنْ رأيْناهُ يرى على منْ وُجد على هذه الْحال الْأدب . وقدْ مضى في " هُود " اخْتيار ‏ما في هذه الْمسْألة , والْحمْد لله وحْده‎ .‎


الثامنة : " فاجْلدُوا " دخلتْ الْفاء لأنهُ موْضع أمْر والْأمْر مُضارع للشرْط. وقال الْمُبرد ‏‏: فيه معْنى الْجزاء , أيْ إنْ زنى زانٍ فافْعلُوا به كذا , ولهذا دخلتْ الْفاء ; وهكذا " ‏السارق والسارقة فاقْطعُوا أيْديهما " [ الْمائدة : 38‏‎ ] .‎


التاسعة : لا خلاف أن الْمُخاطب بهذا الْأمْر الْإمام ومنْ ناب منابه . وزاد مالك ‏والشافعي : السادة في الْعبيد . قال الشافعي : في كُل جلْد وقطْع . وقال مالك : في الْجلْد ‏دُون الْقطْع . وقيل : الْخطاب للْمُسْلمين ; لأن إقامة مراسم الدين واجبة على الْمُسْلمين , ‏ثُم الْإمام ينُوب عنْهُمْ ; إذْ لا يُمْكنهُمْ الاجْتماع على إقامة الْحُدُود‎.‎


الْعاشرة : أجْمع الْعُلماء على أن الْجلْد بالسوْط يجب . والسوْط الذي يجب أنْ يُجْلد به ‏يكُون سوْطا بيْن سوْطيْن . لا شديدا ولا لينا . وروى مالك عنْ زيْد بْن أسْلم أن رجُلا ‏اعْترف على نفْسه بالزنى على عهْد رسُول الله صلى الله عليْه وسلم ; فدعا لهُ رسُول ‏الله صلى الله عليْه وسلم بسوْطٍ , فأُتي بسوْطٍ مكْسُور , فقال : ( فوْق هذا ) فأُتي بسوْطٍ ‏جديد لمْ تُقْطع ثمرته فقال : ( دُون هذا ) فأُتي بسوْطٍ قدْ رُكب به ولان . فأمر به رسُول ‏الله صلى الله عليْه وسلم فجُلد ... الْحديث . قال أبُو عُمر : هكذا روى الْحديث مُرْسلا ‏جميع رُواة الْمُوطأ , ولا أعْلمهُ يسْتند بهذا اللفْظ بوجْهٍ منْ الْوُجُوه , وقدْ روى معْمر عنْ ‏يحْيى بْن أبي كثير عنْ النبي صلى الله عليْه وسلم مثْله سواء . وقدْ تقدم في " الْمائدة " ‏ضرب عُمر قُدامة في الْخمْر بسوْطٍ تام. يُريد وسطا‎ .‎


الْحادية عشْرة : اخْتلف الْعُلماء في تجْريد الْمجْلُود في الزنى ; فقال مالك وأبُو حنيفة ‏وغيْرهما : يُجرد , ويُتْرك على الْمرْأة ما يسْتُرها دُون ما يقيها الضرْب . وقال ‏الْأوْزاعي : الْإمام مُخير إنْ شاء جرد وإنْ شاء ترك . وقال الشعْبي والنخعي : لا يُجرد ‏‏, ولكنْ يُتْرك عليْه قميص. قال ابْن مسْعُود : لا يحل في الْأمة تجْريد ولا مد ; وبه قال ‏الثوْري‎ .‎


الثانية عشْرة : اخْتلف الْعُلماء في كيْفية ضرْب الرجال والنساء ; فقال مالك : الرجُل ‏والْمرْأة في الْحُدُود كُلها سواء , لا يُقام واحد منْهُما ; ولا يُجْزي عنْده إلا في الظهْر . ‏وأصْحاب الرأْي والشافعي يروْن أنْ يُجْلد الرجُل وهُو واقف , وهُو قوْل علي بْن أبي ‏طالب رضي الله عنْهُ . وقال الليْث وأبُو حنيفة والشافعي : الضرْب في الْحُدُود كُلها ‏وفي التعْزير مُجردا قائما غيْر ممْدُود ; إلا حد الْقذْف فإنهُ يُضْرب وعليْه ثيابه . وحكاهُ ‏الْمهْدوي في التحْصيل عنْ مالك . ويُنْزع عنْهُ الْحشْو والْفرْو . وقال الشافعي : إنْ كان ‏مده صلاحا مُد‎ .‎


الثالثة عشْرة : واخْتلفُوا في الْمواضع التي تُضْرب منْ الْإنْسان في الْحُدُود ; فقال مالك ‏‏: الْحُدُود كُلها لا تُضْرب إلا في الظهْر , وكذلك التعْزير . وقال الشافعي وأصْحابه : ‏يُتقى الْوجْه والْفرْج وتُضْرب سائر الْأعْضاء ; ورُوي عنْ علي. وأشار ابْن عُمر ‏بالضرْب إلى رجْليْ أمة جلدها في الزنى . قال ابْن عطية : والْإجْماع في تسْليم الْوجْه ‏والْعوْرة والْمقاتل. واخْتلفُوا في ضرْب الرأْس ; فقال الْجُمْهُور : يُتقى الرأْس . وقال أبُو ‏يُوسُف : يُضْرب الرأْس . ورُوي عنْ عُمر وابْنه فقالا : يُضْرب الرأْس . وضرب عُمر ‏رضي الله عنْهُ صبيا في رأْسه وكان تعْزيرا لا حدا . ومنْ حُجة مالك ما أدْرك عليْه ‏الناس , وقوْله عليْه السلام : ( الْبينة وإلا حد في ظهْرك ) وسيأْتي‎ .‎


الرابعة عشْرة : الضرْب الذي يجب هُو أنْ يكُون مُؤْلما لا يجْرح ولا يُبْضع , ولا ‏يُخْرج الضارب يده منْ تحْت إبْطه . وبه قال الْجُمْهُور , وهُو قوْل علي وابْن مسْعُود ‏رضي الله عنْهُما . وأُتي عُمر رضي الله عنْهُ برجُلٍ في حد فأُتي بسوْطٍ بيْن سوْطيْن ‏وقال للضارب : اضْربْ ولا يُرى إبْطك ; وأعْط كُل عُضْو حقه. وأُتي رضي الله عنْهُ ‏بشاربٍ فقال : لأبْعثنك إلى رجُل لا تأْخُذهُ فيك هوادة ; فبعثهُ إلى مُطيع بْن الْأسْود ‏الْعدوي فقال : إذا أصْبحْت الْغد فاضْربْهُ الْحد ; فجاء عُمر رضي الله عنْهُ وهُو يضْربهُ ‏ضرْبا شديدا فقال : قتلْت الرجُل ! كمْ ضربْته ؟ فقال ستين ; فقال : أقص عنْهُ بعشْرين ‏‏. قال أبُو عُبيْدة : ( أقص عنْهُ بعشْرين ) يقُول : اجْعلْ شدة هذا الضرْب الذي ضربْته ‏قصاصا بالْعشْرين التي بقيتْ ولا تضْربهُ الْعشْرين. وفي هذا الْحديث منْ الْفقْه أن ‏ضرْب الشارب ضرْب خفيف‎ .‎


الْخامسة عشْرة : وقدْ اخْتلف الْعُلماء في أشد الْحُدُود ضرْبا وهي فقال مالك وأصْحابه ‏والليْث بْن سعْد : الضرْب في الْحُدُود كُلها سواء , ضرْب غيْر مُبرح ; ضرْب بيْن ‏ضرْبيْن . هُو قوْل الشافعي رضي الله عنْهُ . وقال أبُو حنيفة وأصْحابه : التعْزير أشد ‏الضرْب ; وضرْب الزنى أشد منْ الضرْب في الْخمْر , وضرْب الشارب أشد منْ ‏ضرْب الْقذْف . وقال الثوْري : ضرْب الزنى أشد منْ ضرْب الْقذْف , وضرْب الْقذْف ‏أشد منْ ضرْب الْخمْر . احْتج مالك بوُرُود التوْقيف على عدد الْجلدات , ولمْ يرد في ‏شيْء منْها تخْفيف ولا تثْقيل عمنْ يجب التسْليم لهُ . احْتج أبُو حنيفة بفعْل عُمر , فإنهُ ‏ضرب في التعْزير ضرْبا أشد منْهُ في الزنى . احْتج الثوْري بأن الزنى لما كان أكْثر ‏عددا في الْجلدات اسْتحال أنْ يكُون الْقذْف أبْلغ في النكاية . وكذلك الْخمْر ; لأنهُ لمْ يثْبُت ‏فيه الْحد إلا بالاجْتهاد , وسبيل مسائل الاجْتهاد لا يقْوى قُوة مسائل التوْقيف‎ .‎


السادسة عشْرة : الْحد الذي أوْجب الله في الزنى والْخمْر والْقذْف وغيْر ذلك ينْبغي أنْ ‏يُقام بيْن أيْدي الْحُكام , ولا يُقيمهُ إلا فُضلاء الناس وخيارهمْ يخْتارهُمْ الْإمام لذلك . ‏وكذلك كانتْ الصحابة تفْعل كُلما وقع لهُمْ شيْء منْ ذلك , رضي الله عنْهُمْ . وسبب ذلك ‏أنهُ قيام بقاعدةٍ شرْعية وقُرْبة تعبُدية , تجب الْمُحافظة على فعْلها وقدْرها ومحلها وحالها ‏‏, بحيْثُ لا يتعدى شيْء منْ شُرُوطها ولا أحْكامها , فإن دم الْمُسْلم وحُرْمته عظيمة , ‏فيجب مُراعاته بكُل ما أمْكن . روى الصحيح عنْ حُضيْن بْن الْمُنْذر أبي ساسان قال : ‏شهدْت عُثْمان بْن عفان وأُتي بالْوليد قدْ صلى الصُبْح ركْعتيْن ثُم قال : أزيدكُمْ ؟ فشهد ‏عليْه رجُلان , أحدهما حُمْران أنهُ شرب الْخمْر , وشهد آخر أنهُ رآهُ يتقيأ ; فقال عُثْمان ‏‏: إنهُ لمْ يتقيأ حتى شربها ; فقال : يا علي قُمْ فاجْلدْهُ , فقال علي : قُمْ يا حسن فاجْلدْهُ. ‏فقال الْحسن : ول حارها منْ تولى قارها - ( فكأنهُ وجد عليْه ) - فقال : يا عبْد الله بْن ‏جعْفر , قُمْ فاجْلدْهُ , فجلدهُ وعلي يعُد ... الْحديث . وقدْ تقدم في الْمائدة . فانْظُرْ قوْل ‏عُثْمان للْإمام علي : قُمْ فاجْلدْهُ‎ .‎


السابعة عشْرة : نص الله تعالى على عدد الْجلْد في الزنى والْقذْف , وثبت التوْقيف في ‏الْخمْر على ثمانين منْ فعْل عُمر في جميع الصحابة - على ما تقدم في الْمائدة - فلا ‏يجُوز أنْ يتعدى الْحد في ذلك كُله . قال ابْن الْعربي : وهذا ما لمْ يُتابع الناس في الشر ‏ولا احْلوْلتْ لهُمْ الْمعاصي , حتى يتخذُوها ضراوة ويعْطفُون عليْها بالْهوادة فلا يتناهوْا ‏عنْ مُنْكر فعلُوهُ ; فحينئذٍ تتعين الشدة ويُزاد الْحد لأجْل زيادة الذنْب . وقدْ أُتي عُمر ‏بسكْران في رمضان فضربهُ مائة ; ثمانين حد الْخمْر وعشْرين لهتْك حُرْمة الشهْر . ‏فهكذا يجب أنْ تُركب الْعُقُوبات على تغْليظ الْجنايات وهتْك الْحُرُمات . وقدْ لعب رجُل ‏بصبيٍ فضربهُ الْوالي ثلثمائة سوْط فلمْ يُغير [ ذلك ] مالك حين بلغهُ , فكيْف لوْ رأى ‏زماننا هذا بهتْك الْحُرُمات والاسْتهْتار بالْمعاصي , والتظاهُر بالْمُناكر وبيْع الْحُدُود ‏واسْتيفاء الْعبيد لها في منْصب الْقُضاة , لمات كمدا ولمْ يُجالس أحدا ; وحسْبنا الله ونعْم ‏الْوكيل‎ .‎


قُلْت : ولهذا الْمعْنى - والله أعْلم - زيد في حد الْخمْر حتى انْتهى إلى ثمانين . وروى ‏الدارقُطْني حدثنا الْقاضي الْحُسيْن بْن إسْماعيل حدثنا يعْقُوب بْن إبْراهيم الدوْرقي حدثنا ‏صفْوان بْن عيسى حدثنا أُسامة بْن زيْد عنْ الزُهْري قال أخْبرني عبْد الرحْمن بْن أزْهر ‏قال : رأيْت رسُول الله صلى الله عليْه وسلم يوْم حُنيْن وهُو يتخلل الناس يسْأل عنْ منْزل ‏خالد بْن الْوليد , فأُتي بسكْران , قال فقال رسُول الله صلى الله عليْه وسلم لمنْ عنْده ‏فضربُوهُ بما في أيْديهمْ . وقال : وحثا رسُول الله صلى الله عليْه وسلم عليْه التُراب . قال ‏‏: ثُم أُتي أبُو بكْر رضي الله عنْهُ بسكْران , قال : فتوخى الذي كان منْ ضرْبهمْ يوْمئذٍ ; ‏فضُرب أرْبعين . قال الزُهْري : ثُم أخْبرني حُميْد بْن عبْد الرحْمن عنْ ابْن وبْرة الْكلْبي ‏قال : أرْسلني خالد بْن الْوليد إلى عُمر , قال فأتيْته ومعهُ عُثْمان بْن عفان وعبْد الرحْمن ‏بْن عوْف وعلي وطلْحة والزُبيْر وهُمْ معهُ مُتكئُون في الْمسْجد فقُلْت : إن خالد بْن الْوليد ‏أرْسلني إليْك وهُو يقْرأ عليْك السلام ويقُول : إن الناس قدْ انْهمكُوا في الْخمْر ! وتحاقرُوا ‏الْعُقُوبة فيه ; فقال عُمر : هُمْ هؤُلاء عنْدك فسلْهُمْ . فقال علي : نراهُ إذا سكر هذى وإذا ‏هذى افْترى وعلى الْمُفْتري ثمانُون ; قال فقال عُمر : أبْلغْ صاحبك ما قال . قال : فجلد ‏خالد ثمانين وعُمر ثمانين . قال : وكان عُمر إذا أُتي بالرجُل الضعيف الذي كانتْ منْهُ ‏الذلة ضربهُ أرْبعين , قال : وجلد عُثْمان أيْضا ثمانين وأرْبعين . ومنْ هذا الْمعْنى قوْله ‏صلى الله عليْه وسلم : ( لوْ تأخر الْهلال لزدْتُكُمْ ) كالْمُنكل لهُمْ حين أبوْا أنْ يُنْتهوْا . في ‏رواية ( لوْ مُد لنا الشهْر لواصلْنا وصالا يدع الْمُتعمقُون تعمُقهمْ ) . وروى حامد بْن ‏يحْيى عنْ سُفْيان عنْ مسْعر عنْ عطاء بْن أبي مرْوان أن عليا ضرب النجاشي في ‏الْخمْر مائة جلْدة ; ذكرهُ أبُو عمْرو ولمْ يذْكُر سببا‎ .
 

أعلى